ترجمة وتحرير: نون بوست
تحلّق طائرة إسرائيلية مسيّرة فوق بحر من الأنقاض في شمال غزة، حيث تحوّلت المنازل إلى مقابر جماعية.
هنا في بيت لاهيا، نفّذت فرق الإنقاذ واحدة من أولى مهماتها لانتشال جثث دُفنت عميقاً تحت الركام، في موقع إحدى أكثر الغارات الإسرائيلية دموية خلال حرب غزة.
دمّرت الغارة مبنى سكنيًا من خمسة طوابق في أواخر أكتوبر/ تشرين الأول 2024، وقتلت أكثر من 132 فردًا من عائلة أبو نصر، وفق تحقيق أجرته الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية (NPR).
وقالت الناجية علا أبو نصر (30 عامًا): “كنا نحلم كل يوم باللحظة التي نتمكن فيها من انتشال الشهداء وتكريمهم ودفنهم. كل يوم كنّا نشعر وكأنهم ينادوننا: نحن هنا”.

تقدّر وزارة الصحة في غزة أن هناك نحو 8 آلاف جثة لا تزال مدفونة تحت الركام في مختلف أنحاء القطاع.
وقد وثّقت الإذاعة الوطنية العامة جهودا استمرت ثلاثة أيام لانتشال الجثث في موقع مجزرة عائلة أبو نصر.

جرّافة واحدة في غزة
اختار الدفاع المدني في غزة هذا الموقع في بيت لاهيا للقيام بأول عملية انتشال كبرى له في الشمال، وهو أحد أكثر مناطق القطاع تضررًا من القصف الإسرائيلي.
وقال إياد أبو جراد، المشرف على الفريق، إنه يتلقى ما بين 10 إلى 15 مكالمة هاتفية يوميًا من عائلات يائسة تتوسل للمساعدة في انتشال رفات أحبائها.


لكن غزة لا توجد بها سوى جرّافة واحدة صالحة لانتشال الجثث، وفقًا للجنة الدولية للصليب الأحمر.
وقال بات غريفيث، المتحدث باسم الصليب الأحمر: “الاحتياجات هائلة للغاية، وجرافة واحدة صالحة لا تكفي”. وأضاف أن آلة حفر ثانية تم إصلاحها مؤخرًا وستدخل الخدمة في الأسابيع المقبلة.
تمنع إسرائيل جهود إعادة الإعمار إلى أن يتم نزع سلاح حماس. وقال مسؤول أمني إسرائيلي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته: “مثل هذه المعدات حساسة على أكثر من صعيد، بما في ذلك على الصعيد الأمني. لا أعتقد أننا بحاجة إلى خيال خصب لندرك أنه يمكن استخدام هذه المعدات لأغراض أخرى”.

البحث برائحة الجثث
ترفع الجرافة قطعًا ضخمة من الخرسانة والحديد المسلح، وعندما يتوقف المحرّك تبدأ المهمة الشاقة.
ينحني 20 من عمال الإنقاذ على ركبهم، لا يبحثون بأعينهم، بل بأنوفهم. يقتربون من الشقوق ويشمّون الهواء لتحديد مكان الجثث.
بعد 90 دقيقة، يعثرون على الجثة الأولى: شوقي أبو نصر، البالغ من العمر 60 عامًا. يتعرف عليه أفراد العائلة من سترته. لم يبق منه سوى الملابس والعظام.
أصبح معظم الضحايا هياكل عظمية داخل ملابسهم بعد نحو عام ونصف على وفاتهم.

لا توجد فحوص للحمض النووي في غزة. لا يوجد سوى عيون الناجين.
تقول علا أبو نصر: “كأنك تبحث عن إبرة في كومة قش. ننتظر اللحظة التي يقولون فيها إنهم وجدوا أحدًا. تنقبض قلوبنا: لمن قد تكون هذه الجثة؟”.
في نهاية اليوم الأول، انتشل الفريق أربع جثث فقط، وبقيت الجرافة البرتقالية فوق الركام طوال الليل.

“الناجون هم الأموات”
واصلت الجرافة في اليوم الثاني الحفر في أعماق المبنى المنهار. عُثر على المزيد من الضحايا في نفس الوضع الذي كانوا عليه في لحظاتهم الأخيرة قبل الغارة.
انتشل عمال الإنقاذ جثة أمّ على فراش تحت بطانية حمراء، وهي تحمل بين ذراعيها طفلًا رضيعًا.
انتُشلت أيضًا جثة شاب من تحت الركام. صرخت علا قائلة إنه شقيقها عماد البالغ من العمر 16 عامًا.

قالت علا باكية: “شعره هنا، ونظارته. يا إلهي، هذا أخي”. تعرّفت عليه من شعره ونظارة مكسورة لا تزال على جمجمته.
أمضت علا، إحدى الناجيات القلائل، العام والنصف الماضيين في توثيق ضحايا عائلتها بدقة، من الجد البالغ 79 عامًا إلى الطفلة الرضيعة التي لم يتجاوز عمرها 6 أسابيع.
عبّرت بمرارة عن قسوة النجاة بعد مقتل معظم أفراد عائلتها: “الأموات هم الناجون. والذين نجوا هم الأموات. الموت أفضل من الألم، إنه ألم لا يوصف. هم في راحة، ونحن أحياء كالموتى. نبكي على الأموات، ونبكي على أنفسنا”.
في نهاية اليوم الثاني، انتُشل 20 هيكلًا عظميًا.

بعض الجثث لم يُعثر عليها
انتشل الفريق 26 جثة أخرى في اليوم الثالث والأخير من المهمة.
في المجموع، عُثر على 50 جثة، لكن الوضع يبقى مؤلما: لا يزال 20 فردًا من العائلة تحت الركام، ويصعب الوصول إليهم.
جلس معين أبو نصر (54 عاما)، والد علا، في صمت وسط الأنقاض. لم تكن جثة شقيقه من بين الجثث المنتشلة.
قال متحسرا: “لم أستطع أن أودعه، ولم أستطع أن أساعده، أشعر بالعجز. كان لأخي تاريخ، واسم… والآن اختفى الاسم، واختفت الجثة. اختفت عائلته بأكملها… زوجته وبناته وأبناؤه. لم تنجُ سوى ابنة واحدة”.

أعاد الحفر فتح جروح قديمة لعائلة كادت أن تُباد بالكامل.
فقدت آية أبو نصر (29 عامًا) أعمامها وعماتها وأبناءهم.
قالت: “كل من أحبهم… لم يبق أحد. لم أفهم معنى كلمة إبادة جماعية حتى قُتلت عائلتي كلها دفعة واحدة، في لحظة واحدة، في غمضة عين”.
تقول وزارة الصحة في غزة إن أكثر من 73 ألف فلسطيني قُتلوا في الهجمات الإسرائيلية خلال الحرب.
تنفي إسرائيل تهمة الإبادة الجماعية، وتقول إن حملتها العسكرية في غزة كانت ضرورية لهزيمة حماس، بعد هجوم الحركة في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والذي أسفر عن مقتل أكثر من 1200 شخص في إسرائيل.
في وقت استهداف مبنى عائلة أبو نصر، كان الجيش الإسرائيلي يشن هجومًا استمر أسابيع في بيت لاهيا، وقد أمر المدنيين بمغادرة المنطقة. وقال الجيش الإسرائيلي إنه كانت يستهدف نقطة مراقبة للعدو على سطح المبنى، دون تقديم أي دليل.
تكشف صور الأقمار الصناعية أن القصف الإسرائيلي دمّر ما تبقى من الحي في الأسابيع التي أعقبت الهجوم على مبنى عائلة أبو نصر.

قبور جديدة
عند انتهاء عملية البحث، وقف أفراد العائلة وعمال الإنقاذ خلف 50 كيسًا وُضعت على الأرض، وصلّوا الجنازة، ثم توجهوا إلى المقبرة.
حفر الناجون قبورًا جديدة ودفنوا فيها برفق أكياس العظام التي كانت خفيفة الوزن، لكنها تعني لهم كل شيء.

تتحرك آلة الحفر الكبيرة إلى المبنى المنهار المجاور. هناك، تنتظر عائلة أخرى دورها لاستعادة هياكل أحبائها، كي يرقد الضحايا أخيرًا بسلام.
المصدر: الإذاعة الوطنية العامة