تتواصل مساعي الإدارة السورية الجديدة لجذب الاستثمارات عبر تقديم سوريا “بوابة الشرق” وجهة واعدة لرؤوس الأموال، فيما يربط الرئيس أحمد الشرع مسار إعادة الإعمار بالاستثمار، داعيًا الشركات ورجال الأعمال والدول إلى اغتنام الفرص المتاحة، فالبلد “تتسع للجميع”، مستندًا إلى الموقع الجيوسياسي للبلاد وما يتيحه من إمكانات في قطاعات الطاقة والبنية التحتية وسلاسل التوريد.
واكب هذا التوجه حراك اقتصادي ودبلوماسي واسع، شمل لقاءات وزيارات واستقبالات متتالية لوفود من غرف التجارة والصناعة ومجالس الأعمال وروابطها، ومنتديات استثمارية وشركات كبرى ورجال أعمال وصناعيين من الداخل والخارج، في مقابل تركة ثقيلة وواقع اقتصادي وإنساني متدهور، إذ يعيش 90% من السوريين تحت خط الفقر، ويحتاج 16.5 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية، فيما دُمّر نحو 1.2 مليون منزل كليًا أو جزئيًا، ولا يزال قرابة 1.3 مليون شخص في المخيمات، وتقدَّر تكاليف إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة بين 140 و345 مليار دولار.
تُرجم هذا التركيز على الاستثمار في مذكرات تفاهم وعقود ونوايا استثمارية معلنة في السوق السورية، مع وصول قيمة الاستثمارات المباشرة إلى 28.5 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025، إضافة إلى توقيع عقود لمشاريع كبرى في البنية التحتية والطاقة والاتصالات والموانئ، فيما لا يزال قطاع الزراعة، الذي كان يشكل نحو 33% من الناتج المحلي قبل الحرب، ينتظر المستثمرين ويطرق أبوابهم.
يستعرض التقرير خريطة تموضع الفاعلين الاقتصاديين والمستثمرين، ويناقش مع خبراء وباحثين نموذج ربط إعادة الإعمار بالاستثمار، في ظل مرحلة حساسة وهشّة يُنظر إليها على أنها توزيع نفوذ اقتصادي مبكر يساهم في رسم ملامح الاقتصاد السوري وامتلاك مفاتيحه، في وقتٍ يحذّر فيه خبراء من أن سباق الحكومة لجذب المستثمرين قد يفضي إلى نتائج عكسية، عبر إعادة إعمار غير عادلة تولّد الفقر وتؤدي إلى تركّز الثروة وتراجع فرص التنمية.
خريطة المستثمرين
لا تتوفر قاعدة بيانات شاملة لحجم الاستثمارات في سوريا في مرحلة ما بعد الأسد، إذ لا يزال الموقع الإلكتروني لـ”هيئة الاستثمار السورية“، الجهة الرسمية المعنية بتهيئة البيئة الاستثمارية وتقديم التسهيلات ودعم المشاريع، حديث النشأة، ويشير إلى طرحٍ “قريب” للرؤية الوطنية للاستثمار وتوفير الإحصائيات والتقارير والاتفاقيات الثنائية، دون تحديد جدول زمني واضح.
خلال عام على تحرير سوريا من حكم الأسد، بلغ عدد الشركات المسجلة 18023 شركة، في مؤشر اعتبرته وزارة الاقتصاد جزءًا من جهود تطوير الخدمات المقدمة للمستثمرين، دون أن يعكس ذلك بالضرورة حجم الاستثمارات الفعلية. في المقابل، يشهد الحراك الاستثماري نشاطًا متزايدًا، مع إحصائيات وإعلانات متفرقة لعقود وطرح مواقع للاستثمار، من بينها إبداء أكثر من 90 شركة أجنبية وعربية رغبتها بالدخول إلى قطاع النفط خلال ديسمبر/كانون الأول 2025.

وتبرز الاستثمارات القطرية كأحد أكثر أشكال الحضور الاقتصادي نشاطًا، وتشهد تنوعًا متزايدًا في القطاعات بين الصناعات الغذائية والقطاع المالي والطاقة والبنية التحتية، عبر شركات كبرى تتجه نحو مشاريع طويلة الأمد ومذكرات تعاون تمهّد لدخول أوسع إلى السوق السورية.
شركة “بلدنا” القطرية
في 27 أبريل/نيسان 2026، وقعت شركة “بلدنا” للصناعات الغذائية، المدرجة في بورصة قطر، اتفاقية تعاون استشاري مع مؤسسة التمويل الدولية “IFC” الذراع الإنمائي لمجموعة البنك الدولي للقطاع الخاص، بهدف تقييم فرص إعادة تأهيل وتطوير قطاع الألبان في سوريا.
وفي 3 يوليو/تموز 2025، أعلنت الشركة عن عن توجهها نحو الاستثمار في مشروع صناعي متكامل لإنتاج الحليب ومشتقاته والعصائر في سوريا، بقيمة تقديرية تبلغ 250 مليون دولار، إلى جانب تأسيس شركة تابعة في مصر، تُعنى بتقديم خدمات الدعم المساندة للشركة الأم، في إطار توسعها الإقليمي وتعزيز شبكتها التشغيلية.
“استثمار القابضة”
في 26 أبريل/نيسان 2026، وقعت شركة “استثمار القابضة”، وهي شركة مساهمة عامّة قطرية، في العاصمة السورية دمشق، اتفاقية للاستثمار في “شهبا بنك”، بالشراكة مع بنك “بيمو” السعودي الفرنسي (ش.م.ع) وبنك الائتمان الأهلي (ش.م.ع.).
بموجب الاتفاقية، تتملك شركة “مصارف القابضة” التابعة لـ”استثمار كابيتال” حصة تبلغ 49% من البنك، على أن تبقى الصفقة رهنًا بالحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة من الجهات السورية المختصة، بما في ذلك المصرف المركزي، وهيئة الأسواق والأوراق المالية، وهيئة حماية المنافسة ومنع الاحتكار.
“أورباكون القابضة” القطرية (UCC Holding)
في 5 أبريل/ نيسان 2026، قادت “أورباكون” القابضة القطرية (UCC Holding) من خلال شركتها التابعة “UCK Power” تحالفًا دوليًا لتوقيع اتفاقيتين مع شركة “سيمنس إنيرجي” لمشاريع الطاقة في سوريا.
تشمل الاتفاقيتان توريد حزم محطات توليد الكهرباء بنظام الدورة المركبة (Combined-Cycle) لمشروعي محطتي زيزون ودير الزور في سوريا، بقدرة مخططة تبلغ نحو ألف ميغاواط لكل محطة، بما يضمن تخصيص طاقات تصنيع للمكونات الرئيسية ذات فترات التوريد الطويلة، بما في ذلك توربينات الغاز المتقدمة والأنطمة المرتبطة بها.
في 7 أغسطس/ آب 2025، وقع تحالف من خمس شركات دولية، بقيادة شركة “أورباكون” القابضة، مع الحكومة السورية مذكرة تفاهم استراتيجية لتطوير وتوسيع مطار دمشق الدولي باستثمارات تتجاوز أربعة مليارات دولار أمريكي.
وفي 22 سبتمبر/أيلول 2025، انطلقت أعمال تطوير المطار عبر هذا التحالف، وبمشاركة شركة “هيسكو” للهندسة والإنشاءات (HESCO) كمصصم للمشروع، ودار الهندسة كمدير للمشروع، و”Assets Investments” الأمريكية، و”جنغيز” و”كاليون” و”تاف” التركية، وبالتعاون مع “Parsons” الأمريكية و”DG Jones” كشركات استشارية وهندسية.
وتشمل الأعمال في هذه المرحلة:
- إعادة تأهيل طريق المطار بين لبنان وسوريا حتى المطار، عبر توسعة المسارات، تحسين المداخل والمخارج، وتعزيز الإضاءة والتشجير.
- إنشاء فندق خمس نجوم جديد بسعة 150 مفتاح بالتعاون مع شركاء من تركيا والولايات المتحدة، وبإدارة مشغّل عالمي للضيافة.
- تطوير مبنى الركاب رقم “2” وجميع المرافق المرتبطة به، لرفع كفاءة الخدمات وتحسين تجربة المسافرين.
- تطوير مبنى الركاب رقم “1” ثم مبنى الركاب رقم “3” ضمن مراحل متتابعة، وصولًا إلى طاقة استيعابية 31 مليون مسافر سنويًا.
استثمارات سعودية
تشهد الاستثمارات السعودية في سوريا توسعًا لافتًا في قطاعات النقل الجوي والمياه والاتصالات والبنية التحتية الرقمية، عبر شراكات استراتيجية بين شركات سعودية كبرى وجهات حكومية سورية، في إطار مشاريع تهدف إلى إعادة تأهيل قطاعات حيوية وتعزيز الربط الإقليمي ورفع كفاءة الخدمات الأساسية في البلاد، وفي ظل توجه سوري يعتبر أن “السعودية تشكّل مفتاح سوريا نحو العالم”.

في 24 يوليو/تموز 2025، أُعلن عن توقيع 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم سعودية بقيمة تقدر بـ24 مليار ريال سعودي (6.4 مليار دولار)، شملت قطاعات حيوية مثل الصناعة والطاقة والبنية التحتية والعقارات والاتصالات والصحة والتعليم والخدمات اللوجستية. وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، أُعلن عن تفعيل 8 اتفاقيات بقيمة 8 مليارات ريال (2.13 مليار دولار)، إلى جانب إنشاء صندوق “إيلاف” للاستثمار داخل سوريا.
طيران “ناس”
في 7 فبراير/ شباط 2026، وقّع طيران “ناس” الاقتصادي اتفاقية مع هيئة الطيران المدني السورية لتأسيس شركة طيران تجاري جديدة تحت مسمى “طيران ناس سوريا” بملكية مشتركة بين الجانبين، على أن تبدأ أعمالها التشغيلية في الربع الرابع من العام الجاري 2026.
وتتوزع حصص الشركة بواقع 51% للهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي السوري، و49% لشركة طيران “ناس”، ويتولى “طيران ناس سوريا” تشغيل رحلات جوية إلى عدد من الوجهات في الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا.
“stc” ومشروع “SilkLink”
في 7 فبراير/ شباط 2026، أعلنت مجموعة “stc“، الممكن الرقمي في السعودية، عن توقيع اتفاقية لتنفيذ مشروع “SilkLink” في سوريا بقيمة تتجاوز ثلاثة مليارات ريال (نحو 800 مليون دولار أمريكي)، وذلك عقب فوزها بالمشروع ضمن عملية تنافسية شاركت فيها شركات اتصالات إقليمية.
ويهدف المشروع إلى تعزيز البنية التحتية لقطاع الاتصالات في سوريا، وربطها إقليميًا ودوليًا عبر شبكة ألياف ضوئية تمتد لمسافات طويلة، بما يسهم في تحسين جودة خدمات الاتصالات والإنترنت، كما يشمل المشروع إنشاء بنية تحتية رقمية متقدمة، تتضمن مراكز بيانات ومحطات اتصال، بما يدعم التحول الرقمي ويعزز موقع سوريا كممر رقمي يربط بين آسيا وأوروبا.
ائتلاف “أكوا” وشركة نقل المياه
في 8 فبراير/شباط 2026، أعلنت شركة “أكوا“، وهي أكبر شركة خاصة في مجال تحلية المياه في العالم، والأولى في مجال الهيدروجين الأخضر، عن توقيع اتفاقية تطوير مشترك بين وزارة الطاقة السورية من جهة وائتلاف “أكوا” مع شركة نقل المياه (WTCO) في المملكة العربية السعودية.
وبموجب اتفاقية التطوير المشترك، سوف يُجري الطرفان دراسات فنية وتجارية ودراسات جدوى خلال مرحلة التطوير. وتشمل هذه الدراسات تقييم الطلب على المياه، وتقييم موارد المياه المتاحة، ومراجعة حلول التحلية ونقل المياه المُحتملة. وتهدف هذه الدراسات إلى دعم تقييم مشاريع تحلية مياه البحر بسعة إجمالية تصل إلى 1.2 مليون متر مكعب يوميًا، إلى جانب البنية التحتية اللازمة لنقل المياه والمرافق المُساندة.
“ذا بومنت”
في 7 أبريل/ نيسان 2026، وقّعت وزارة السياحة السورية اتفاقية لتطوير مشروع “ذا بومنت دمشق” السكني والتجاري والسياحي، مع شركة “ازدهار القابضة“، التي أسسها رجل الأعمال السوري – السعودي وفيق رضا سعيد، بقيمة استثمارية تُقدَّر بـ300 مليون دولار أمريكي.
فرنسا والإمارات
في 1 مايو/ أيار 2025، وقعت الحكومة السورية عقد امتياز مع شركة الشحن الفرنسية “CMA CGM” لتطوير وتشغيل ميناء اللاذقية لمدة 30 عامًا، بإجمالي استثمار يبلغ نحو 230 مليون يورو، يهدف إلى تحديث البنية التحتية ورفع القدرة التشغيلية للميناء.
وفي 6 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، دخلت شركة “AD Ports” وهي شركة مملوكة للحكومة الإماراتية، وتعد من أكبر الشركات في المنطقة في مجال إدارة وتشغيل الموانئ كمستثمر وشريك، من خلال شراء حصة أقلية في محطة الحاويات، ضمن خطة لرفع طاقتها من نحو 250 ألف حاوية سنويًا إلى 625 ألفًا بحلول عام 2026.

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، بدأت شركة “موانئ دبي العالمية” عملها رسميًا في ميناء طرطوس، بعد توقيع اتفاقية امتياز تمتد لثلاثين عامًا، تشمل استثمارًا بقيمة تصل إلى 800 مليون دولار أمريكي.
اهتمام أمريكي دون حضور ميداني
لم تعلن أي شركات أمريكية حتى الآن عن مشاريع تشغيل أو استثمار مباشر داخل سوريا سواء في قطاعات البنية التحتية أو الطاقة أو الاتصالات، فيما يقتصر الحضور الأمريكي على اهتمام سياسي واقتصادي مبدئي يرتبط بمرحلة إعادة الإعمار المستقبلية، ويظهر في تصريحات مسؤولين أمريكيين ونقاشات ضمن فعاليات قطاع الطاقة، فضلًا عن طرح خطة أمريكية مؤخرًا، لإعادة تأهيل قطاع النفط السوري خلال أربعة أعوام، وتحويل سوريا إلى نقطة ربط إقليمية.
وفي هذا السياق، قال المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم برّاك، إن “الولايات المتحدة تعمل على إزالة العقبات أمام التعافي الاقتصادي في سوريا، بما في ذلك مراجعة العقوبات وتسهيل الاستثمارات في قطاعات مثل الطاقة والاتصالات والبنية التحتية”، مشيرًا إلى أن الإدارة الأمريكية ترى ضرورة إتاحة الفرصة أمام أي استثمار أو مشاركة اقتصادية تدعم استقرار سوريا وإعادة إعمارها”.
فيما تحدثت تقارير إعلامية عن ضغط الولايات المتحدة على دمشق لتقليل اعتمادها على معدات وشبكات الاتصالات الصينية، خصوصًا تلك المرتبطة بشركات مثل “Huawei” ودعوتها إلى استخدام تكنولوجيا أمريكية أو من حلفاء الولايات المتحدة، بحجة أنها تتعارض مع المصالح الأمريكية وتهدد الأمن القومي للولايات المتحدة، دون صدور اتفاقات رسمية ملزمة في هذا الإطار حتى الآن.

وعلى مستوى قطاع الطاقة، شاركت شركات أمريكية مثل “Chevron” و”Hunt Oil” و”Victron Energy”، إلى جانب مسؤولين دبلوماسيين وخبراء في قطاع الطاقة، في فعاليات لقطاع الطاقة في الولايات المتحدة، حيث طُرحت نقاشات عامة حول أسواق الطاقة في الشرق الأوسط وإمكانيات إعادة الإعمار، دون أن تتضمن هذه الفعاليات إعلانات رسمية عن مشاريع استثمارية في سوريا.
وكانت الشركة السورية للنفط وقعت في 4 فبراير/ شباط 2026 مذكرة تفاهم مع شركة “شيفرون” وشركة “باور إنترناشونال القابضة” القطرية، تهدف إلى استكشاف، تنقيب، وتقييم النفط والغاز في أول حقل بحري سوري بالبحر الأبيض المتوسط.
كما وقعت الشركة في 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، اتفاق تعاون في مجال الغاز مع شركتي كونوكو فيليبس (Conoco Philips) الأمريكية، ونوفاتيرا (Novaterra) الأوروبية، يشمل تطوير حقول الغاز الحالية واستكشاف حقول جديدة باستخدام تقنيات حديثة، بهدف زيادة الإنتاج المحلي وتعزيز أمن الطاقة، مع توقعات رسمية بارتفاع الإنتاج بنحو 4 إلى 5 ملايين متر مكعب يوميًا خلال عام واحد.
فيما لا تزال الاستثمارات الواسعة تواجه تحديات كبيرة أبرزها عدم الاستقرار الأمني واستمرار تأثير العقوبات السابقة والحاجة إلى إطار سياسي واقتصادي مستقر لجذب الشركات العالمية.
تركيا.. تجارة أكثر من استثمار
بخلاف الاستثمارات التي تتجه نحو عقود تشغيل واستثمار مباشر في قطاعات محددة، تظهر الاستثمارات التركية في سوريا حتى الآن ضمن إطار مشاريع الربط والنقل وإعادة إحياء البنية التحتية اللوجستية، مع تركيز على تسهيل الحركة التجارية والدعم التنموي والإنساني.
في 23 سبتمبر/ أيلول 2025، أعلنت وزارة النقل التركية عن توصل كل من تركيا وسوريا والأردن إلى تفاهم على مسودة مذكرة تفاهم لإعادة إحياء خط سكة حديد الحجاز التاريخي، تتضمن استكمال الجزء الناقص من البنية التحتية داخل سوريا بطول يقارب 30 كيلومترًا، بمشاركة ودعم فني من تركيا.
يأتي هذا التفاهم في إطار جهود إحياء الخط الذي أنشئ في مطلع القرن العشرين خلال الحقبة العثمانية لربط دمشق بالمدينة المنورة، دون الإعلان عن أرقام رسمية لحجم الاستثمارات المخصصة للمشروع، إذ ما يزال ضمن إطار التفاهمات والدراسات الفنية.
وكالة رويترز نقلا عن حاكم مصرف سورية المركزي عبدالقادر حصرية:
📌 نقترب من المراحل النهائية لافتتاح حساب مصرفي مراسل مع البنك المركزي في تركيا
📌 نعمل على أن يساهم هذا الحساب في تسهيل عمليات الدفع عبر الحدود وتمويل التجارة
📌 نتوقع توسيع التعاون مع تركيا ليشمل أنظمة دفع متكاملة… pic.twitter.com/mWRwFa6X6v
— نون سوريا (@NoonPostSY) April 10, 2026
وفي يناير/كانون الثاني 2026، وقّعت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا اتفاقية استثمار استراتيجية مع شركة “KUZEY STAR SHIPYARD – DENİZCİLİK SANAYİ VE TİCARET A.Ş” التركية لإنشاء حوض سفن متكامل في مرفأ طرطوس، بمدة استثمار تمتد لـ30 عامًا، مع التزام بضخ ما لا يقل عن 190 مليون دولار خلال خمس سنوات. فيما تتواصل المباحثات مع شركة “Bomako” التركية لبحث تنفيذ مشروع مشترك لإنشاء وتطوير المنطقة الحرة المزمع إنشاؤها في محافظة إدلب.
ولتركيا حضور بارز في الجانب التجاري أكثر من الاستثماري في السوق السورية، إذ ارتفعت صادراتها إلى سوريا في عام 2025 بنحو 60% مقارنة بعام 2024، من 2.2 مليار دولار إلى 3.5 مليار دولار، تصدّرتها منتجات المطاحن والحبوب بقيمة 232.7 مليون دولار.
كما سجلت الصادرات نموًا متواصلًا، إذ ارتفعت خلال أول شهرين من 2025 بنسبة 47.5% لتصل إلى 526.2 مليون دولار، قبل أن تتجاوز 666.7 مليون دولار في الفترة نفسها من عام 2026، بنمو سنوي 26.7%.
إعادة هيكلة الاقتصاد
إلى جانب الاستثمار الذي يمثل العمود الفقري لعملية إعادة الإعمار في سوريا، ارتبطت هذه العملية بعدة توجهات أخرى، من بينها حملات جمع التبرّعات في بعض المحافظات التي ما تزال محدودة الأثر ومتعثّرة، إضافة إلى إنشاء “صندوق التنمية“، الذي يعتمد على التبرعات الفردية والمؤسساتية، والإعانات والهبات، والاشتراكات الشهرية، والشراكات مع صناديق تنمية دولية.
ورغم إصدار المرسوم رقم “114” المتعلق بتعديل قانون الاستثمار، وما أعلنه الرئيس الشرع من أن هذه التعديلات تصب في مصلحة المستثمرين، وأن كبرى الشركات العالمية اطّلعت عليها، واصفًا إياها بأنها من بين أفضل عشرة قوانين على مستوى العالم، لا تزال بعض الانتقادات حاضرة، حيث يشكو عدد من رجال الأعمال من وجود قيود وعراقيل وترهلات إدارية و”شبهات فساد” وبيروقراطية تعيق بيئة الاستثمار.

وترافقت خطوات الحكومة في إطار إعادة تنظيم الاقتصاد السوري وتعافيه مع جملة من الانتقادات، بدءًا من مخاوف التفرد بالقرار الاقتصادي والاستثماري، خصوصًا مع إنشاء “الصندوق السيادي”، مرورًا بضعف الشفافية، وعدم تحويل بعض مذكرات التفاهم إلى عقود ومشاريع على الأرض، وصولًا إلى تحذيرات من احتمال تعزيز المحسوبية، في ظل الكشف عن أن الإدارة السورية تعمل سرًا على إعادة هيكلة الاقتصاد.
كما تثير “التسويات” المالية التي تجريها الإدارة السورية مع رجال أعمال مقربين من نظام الأسد المخلوع غضبًا في الشارع، مع مطالب بمحاسبتهم وعدم إعادة تدويرهم في الاقتصاد، في مقابل حديث رئيس لجنة الكسب غير المشروع باسل السويدان بأن هذه التسويات تهدف إلى استرداد الجزء الأكبر من الأموال غير المشروعة، وإعادة النشاط الاقتصادي إلى الإطار الرسمي، وطيّ الملف المالي دون المساس بحقوق الدولة أو القضاء أو الضحايا.
وبالنسبة لإعادة الإعمار المرتبطة بالمنازل المدمّرة، ووجود خطتين متوازيتين للقرى والبلدات من جهة، والمدن من جهة أخرى، لم يُخفِ الرئيس الشرع وجود تعتيم عليها، معتبرًا أن عدم الإعلان عن تفاصيل الخطط يعود إلى تجنب إشكالات قد تنشأ عن ذلك، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن الحالة الاستثمارية تنجح لإعادة إعمار، لكنها ما تزال بحاجة إلى قوانين ناظمة وواضحة.
إشكاليات ترافقه.. هل يكفي الاستثمار؟
يؤكد المحاضر في كلية الاقتصاد بجامعة “غازي عينتاب” بريف حلب، صلاح الدين الجاسم، أن الاستثمارات المباشرة تلعب دورًا محوريًا في إعادة الإعمار، إذ تساهم في تحفيز النمو الاقتصادي، وخلق فرص عمل جديدة، ودعم سلاسل التوريد المحلية، ما ينعكس إيجابًا على تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الاستقرار المالي من خلال زيادة الصادرات وتحسين الميزان التجاري، ونقل المهارات التقنية والإدارية الحديثة إلى القوى العاملة المحلية.
ويوضح الجاسم لـ”نون بوست” أن جذب الاستثمارات في مرحلة ما بعد النزاع يتطلب مجموعة من العوامل الحاسمة التي تؤثر في قرار المستثمرين، أبرزها تحسين جودة الأطر التنظيمية، وترسيخ الاستقرار السياسي، وتعزيز كفاءة وفعالية الحكومة، وضبط الاختلالات الكلية وعلى رأسها التضخم، معتبرًا أنها محددات رئيسية ذات أثر مباشر على تدفقات الاستثمار المباشر.
من جانبه، يرى محمود الحسين، الباحث في دراسات ما بعد النزاع والتنمية وإعادة الإعمار، أن الاستثمار مهم لإعادة الإعمار، ويشكّل عنصرًا أساسيًا في تحريك عجلة الاقتصاد من خلال خلق مشاريع، وتحفيز النمو الاقتصادي، وتوفير فرص عمل، إلى جانب دعم البنية التحتية والخدمات وغيرها.
ويوضح الحسين في حديثه لـ”نون بوست” أن إعادة الإعمار لا تختزل في المشاريع الخدمية أو البنى التحتية، لأنها عملية أوسع تشمل إصلاح المؤسسات، وتعزيز منظومة القضاء والأمن، وإعادة هيكلة القطاع العسكري، إلى جانب نزع السلاح ودمج المقاتلين في المجتمع، بما يضمن تحقيق استقرار طويل الأمد ومنع تجدد العنف.
ويشير الباحث إلى وجود إشكاليتين مترابطتين تحيطان بملف الاستثمار في سوريا، تتعلق الأولى بغياب رؤية واضحة تحدد طبيعة هذا الاستثمار واتجاهاته، سواء كان موجّهًا للقطاع الخاص، أو قائمًا على شراكات مع صناديق سيادية، أو في العلاقة مع المستثمرين، لافتًا إلى وجود مَيل في بعض الحالات لتفضيل المستثمرين الأجانب على حساب السوريين.
أما الإشكالية الثانية فتتمثل في ضعف البيئة الجاذبة للاستثمار، بدءًا من العامل الأمني، رغم التحسن النسبي في مستوى الاستقرار خلال الفترة الماضية، وصولًا إلى غموض الإطار القانوني وضعف وضوح الدراسات الناظمة، ما يبقي المستثمرين في حالة تردد ويحدّ من دخولهم إلى السوق، وفق الباحث، لافتًا إلى أن استمرار تصنيف سوريا “دولة راعية للإرهاب” لا يزال يؤثر على قرار المستثمرين العرب والأجانب، معتبرًا أنه من أكبر التحديات.
ويؤكد الحسين أن الاستثمار وحده غير كافٍ لإعادة الإعمار، خاصة عند الحديث عن مشاريع يقودها مستثمرون من رجال الأعمال، وليس تدخلات دول أو مشاريع تمولها دول مانحة، وذلك في ظل حجم الدمار الكبير الذي شهدته سوريا.
ويرى أن الحل يكمن في تنويع أنماط الاستثمار، عبر إشراك القطاع الخاص، وإقامة شراكات حقيقية مع الدول في بعض القطاعات، إلى جانب دور المنظمات غير الحكومية والوكالات الأممية والدول المانحة، مشيرًا إلى أن الحكومة تحاول التعامل مع هذا الملف وسط تحديات كبيرة، وهذا ما يتطلب تنسيقًا أوسع وإشراك أكبر عدد ممكن من الجهات المعنية في عملية إعادة الإعمار.
خمسة مخاطر.. أبرزها ترسيخ نفوذ واختلالات هيكلية
بالعودة إلى خريطة تموضع الاستثمارات، يبرز التوجه نحو قطاعات حيوية واستراتيجية مثل الطاقة والموانئ والاتصالات، مقابل غياب لقطاعات أخرى، في مقدمتها الزراعة، رغم أهميتها التي كانت تشكّل نحو 33% من الناتج المحلي، واستيعابها أكثر من 30% من القوى العاملة قبل عام 2011.
يشير الباحث محمود الحسين إلى إشكالية متكررة في مراحل ما بعد النزاعات، إذ قد يؤدي تشكّل الاقتصاد في ظل ضعف الشفافية إلى تكريس ما يُعرف بـ”رأسمالية المحاسيب”، وتظهر هذه الحالة عبر منح المشاريع لجهات مرتبطة بدول أو لشبكات محددة من المستثمرين دون غيرهم، سواء بهدف بناء علاقات أو تحقيق مصالح متبادلة، ما يفضي إلى نشوء نمط جديد من الزبائنية الاقتصادية.
ويضيف لـ”نون بوست” أن هذه التجربة برزت في حالات مثل العراق بعد 2003 وأفغانستان، حيث أسهمت في تعزيز الفساد وإبرام صفقات مشبوهة، مؤكدًا على ضرورة وجود شفافية في إبرام العقود لأن غيابها يفتح الباب أمام هذه الممارسات، ويسهم في إنتاج شريحة من رجال الأعمال المرتبطين بالسلطة، بما ينعكس سلبًا على بنية الاقتصاد واستدامته.
أما الخبير الاقتصادي صلاح الدين الجاسم، فيشير إلى أن الاستثمارات الخاصة تميل غالبًا إلى التركز في القطاعات ذات خصائص الاحتكار الطبيعي أو شبه الاحتكاري، مثل البنية التحتية الحيوية في مجالات الطاقة والاتصالات والنقل، نظرًا لما توفره من تدفقات نقدية مستقرة وقابلة للتنبؤ نسبيًا، ما يقلل من مستويات عدم اليقين في البيئات ذات المؤسسات الهشة.
وبالتالي، تؤدي هذه القطاعات دورًا مزدوجًا، فهي لا تقتصر على تحقيق عوائد اقتصادية مباشرة، بل تسهم أيضًا في تعزيز الشرعية السياسية للدولة عبر نتائج ملموسة وسريعة نسبيًا، مثل استعادة الخدمات الأساسية وتنشيط الحركة الاقتصادية، وهو ما يُوصف أحيانًا بـ”العائد السياسي السريع”.
في المقابل، يطرح هذا النمط من التمركز القطاعي، رغم مبرراته المرتبطة بتقليص المخاطر وتعظيم العوائد، جملة من الإشكاليات البنيوية ضمن منطق الاقتصاد السياسي، تتصل بإعادة توزيع القوة الاقتصادية وتكريس أنماط نفوذ داخل الاقتصاد، وفق الجاسم، الذي يرى خمسة مخاطر محتملة.
أولًا، يؤدي التركّز في القطاعات ذات الطابع الاحتكاري أو شبه الاحتكاري إلى مخاطر الاستحواذ التنظيمي، حيث تكتسب الشركات الكبرى قدرة متزايدة على التأثير في القواعد التنظيمية بما يخدم مصالحها، خصوصًا في ظل ضعف القدرات المؤسسية في الدول الخارجة من النزاع، ما قد يحوّل الدولة من منظم للسوق إلى طرف متأثر بتوازنات القوّة الاقتصادية.
ثانيًا، يرسّخ هذا النموذج نفوذًا طويل الأجل في قطاعات استراتيجية مثل الطاقة والاتصالات، عبر عقود طويلة الأجل ونماذج الشراكة مع فاعلين خارجيين، بما يعزز حضورهم في البنية التحتية الحيوية ذات الأبعاد السيادية والأمنية.
ثالثًا، يساهم هذا التوجه في تعميق الاختلالات الهيكلية داخل الاقتصاد السوري، من خلال تفضيل القطاعات ذات العوائد السريعة على حساب القطاعات التنموية طويلة الأجل، وعلى رأسها الزراعة، التي تعاني أصلًا من ارتفاع المخاطر المناخية وتدهور الموارد المائية، وضعف التسعير والمؤسسات التسويقية، وتشتت الحيازات، وتضرر البنية التحتية الريفية، ما يقلل من جاذبيتها الاستثمارية ويحدّ من دورها في الأمن الغذائي والتشغيل.
رابعًا، يرتبط هذا النمط بتعزيز التفاوتات المكانية والاجتماعية عبر تركز الاستثمارات في المدن والموانئ والعقد اللوجستية، مقابل تهميش المناطق الريفية والهامشية، بما يعيد إنتاج فجوات التنمية والهشاشة التي قد تكون أحد أسباب النزاع أصلًا.
خامسًا، قد يؤدي الاعتماد على هذا النمط إلى هشاشة مالية وسياسية على المدى المتوسط، إذ إن ربط الاستقرار السياسي بما يُعرف بـ”العائد السياسي السريع” يجعل شرعية الدولة رهينة باستمرار أداء هذه القطاعات. وفي حال حدوث صدمات (اقتصادية أو أمنية أو حتى تنظيمية)، فإن ذلك قد ينعكس سريعًا على الاستقرار العام.