أعاد الإعلان الإسرائيلي عن اغتيال القيادي في المقاومة الفلسطينية عز الدين الحداد الأنظار نحو الرجل الأكثر محورية في تركيبة القيادة القائمة في قطاع غزة، خصوصًا بعد تقدمه إلى رأس الهرم في قيادة كتائب القسام عقب اغتيال قائد أركانها الثالث محمد السنوار قبل ما يقارب العام في خانيونس جنوب القطاع.
الحداد، الذي عُرف بألقاب عدة، مثل “ثعلب الكتائب” و”الرجل الشبح”، شكّل جزءًا من تجربة كتائب القسام منذ انطلاق فعلها الرسمي، وتنقّل بين مواقعها وصولًا إلى قيادتها على مستوى القطاع، في واحدة من أكثر الفترات حساسية في عمر الحركة وتجربة المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة على وجه التحديد، الذي يتعرض لحرب إبادة تسعى إلى تحييد كتلته الديمغرافية وفرض السيطرة الإسرائيلية على جغرافيته.
الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف قائد القسام في قطاع غزة جاء في لحظة حرجة مرتبطة بالمسار التفاوضي حول اتفاق وقف إطلاق النار، في ظل تنصل الاحتلال المستمر من التزامات المرحلة الأولى، ومحاولة حصر النقاش في عنوان نزع السلاح. ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة بالنظر إلى أن الحداد شكّل قناة الاتصال الرئيسية بين المستوى العسكري والمستوى السياسي في حركة حماس، بما يعقّد هذه العملية بصورة كبيرة، في ضوء النوايا الإسرائيلية الواضحة لتصعيد العدوان على القطاع.
عز الدين الحداد.. سليل لواء غزة
وُلد الحداد، المعروف بكنية “أبو صهيب”، عام 1970 في غزة، ويُوصف في أوساط الاحتلال الإسرائيلي بلقب “شبح القسام”، نظرًا لقدرته على التخفي ونجاته المتكررة من محاولات الاغتيال.
انضم إلى حركة حماس منذ إنشائها عام 1987، وارتقى في صفوف كتائب القسام؛ إذ بدأ جنديًا في المشاة بلواء غزة، قبل أن يصبح قائد فصيل، ثم قائد كتيبة، إلى أن تولى قيادة اللواء نفسه.
وكحال كثير من قادة العمل العسكري في حركة حماس، شكّل جهاز “المجد” الأمني، الذي أسسه يحيى السنوار في قطاع غزة، المدرسة الأولى له؛ إذ نشط فيه غالبية الكوادر النوعية في الحركة آنذاك في عمليات ملاحقة العملاء وتتبعهم وتصفيتهم، وكان للحداد دور بارز في الجهاز داخل مدينة غزة.
تنقّل “أبو صهيب” بين عدد من المهام العسكرية داخل هيكلية كتائب القسام، شملت قيادة ركن العمليات في الكتائب، وشارك في تخطيط وتنفيذ عدد من العمليات العسكرية والهجمات ضد الاحتلال الإسرائيلي. وتعرض الحداد لعدة محاولات اغتيال إسرائيلية؛ إذ قصف الاحتلال منزله أكثر من مرة في حروب سابقة، كانت أولها في حي الشجاعية أثناء معركة الفرقان عام 2009، ثم حاول اغتياله مجددًا خلال حربَي 2012 و2021.
بعد اغتيال باسم عيسى في معركة “سيف القدس”، تولى الحداد رسميًا قيادة لواء غزة، ليصبح أحد أبرز المطلوبين لجيش الاحتلال، الذي أعلن في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 عن مكافأة مالية قدرها 750 ألف دولار مقابل معلومات عنه وعن مكان وجوده.
ظهر الحداد بزي عسكري في فيديو بثته حركة حماس قبل عام من عملية طوفان الأقصى التي شنتها المقاومة الفلسطينية على مستوطنات غلاف غزة يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وفي ذلك الفيديو، حذر “أبو صهيب الحداد” إسرائيل من أنها سوف “تُصاب بالصدمة من دقة وكثافة وتأثير صواريخ القسام في أي معركة مستقبلية”.
وقال الحداد: “في المعركة القادمة، سيشهد العدو عمل هذه المقاومة المخلصة. هذا وعد الله: طريقنا إلى الأرض المقدسة، ونحن قادمون”، وهو وعد تحقق خلال عام من هذا التصريح.
وكشفت تقارير استخبارية أنه في 6 أكتوبر/تشرين الأول، وقبل ساعات من الهجوم المفاجئ، استدعى الحداد سرًا القادة التابعين له، وسلمهم ورقة طُبع عليها شعار كتائب القسام، كُتب فيها: “إيمانًا بالنصر الحاسم، وافقت قيادة الألوية على إطلاق العملية العسكرية الكبرى، طوفان الأقصى. توكلوا على الله، قاتلوا ببسالة، واعملوا براحة ضمير، وليكن هتاف الله أكبر هو الفخر”.
ومن أبرز تعليماته خلال الاجتماع ضرورة أسر عدد كبير من الجنود الإسرائيليين في الساعات الأولى للعملية، وبث مشاهد اقتحام المستوطنات والمواقع العسكرية مباشرة، والسيطرة على المواقع الاستيطانية، كما أوصى بإحضار أعلام الدول العربية والإسلامية لرفعها فوق تلك المواقع.
حامي جغرافيا شمال القطاع
خلال معركة طوفان الأقصى، ومع شن الاحتلال حرب الإبادة ضد قطاع غزة، برز أمام الحداد، من موقعه قائدًا للواء غزة، تحدٍ مزدوج. ارتبط الأول بالحفاظ على ما لدى كتائب القسام من أسرى، وكان للواء غزة نصيب كبير في ذلك، خصوصًا بعد اقتحام نخبة مقاتليه للمواقع العسكرية الواقعة ضمن نطاق عمل اللواء، وفي مقدمتها موقع ناحل عوز العسكري شرقي حي الشجاعية.
أما التحدي الثاني، فتمثل في الحفاظ على تماسك الخطط الدفاعية للكتائب في مواجهة الهجوم الإسرائيلي الواسع الذي استهدف، في المرحلة الأولى من الحرب، محافظتي غزة وشمالها، بزخم ناري هائل استهدف تحييد أي قدرة للمقاومة على المواجهة.
ومع اغتيال قائد كتائب القسام في لواء شمال غزة، أحمد الغندور (أبو أنس)، برفقة مجموعة من قيادة لواء الشمال في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أصبح الحداد عمليًا قائد الجهد الميداني لكتائب القسام في لوائي غزة والشمال، أي ما يُعرف جغرافيًا بمنطقة شمال وادي غزة.
وبرز أمام الحداد تحدٍ استراتيجي تمثل في الحفاظ على جغرافيا شمال غزة، وصون الوجود الفلسطيني فيها، خصوصًا بعد إنذار الاحتلال لجميع السكان بالنزوح القسري إلى جنوب وادي غزة، في إطار مسعى لتحويل شمال القطاع إلى منطقة خالية من السكان.
وخاض الحداد معركة الحفاظ على البنية الدفاعية، والإبقاء على قدرة كتائب القسام والمقاومة الفلسطينية على رفع كلفة العمليات العسكرية في شمال قطاع غزة إلى الحد الأقصى، والتصدي للخطط العدوانية الإسرائيلية، وفي مقدمتها “خطة الجنرالات” التي هدفت إلى إبادة كل مظاهر الحياة في مناطق شمال القطاع بوصفها نموذجًا أوليًا للتدمير الشامل. وقد نجحت المقاومة، بعد 100 يوم من القتال المتواصل، في إفشال هذه الخطة ودفع الاحتلال إلى الانسحاب مرة أخرى.
وفي أواخر عام 2023، داهمت قوات الاحتلال منزل أدعى الاحتلال أنه للحداد في حي التفاح، وقالت إنها عثرت على وثائق وصور تؤكد علاقاته بقادة ميدانيين آخرين. وفي فبراير/شباط 2024، تعرض منزله في تل الهوى للقصف، لكنه نجا، ثم استُهدف منزله للمرة الرابعة في مارس/آذار من العام نفسه.
وأثناء محاولة تعقبه، وضمن سياسة الانتقام الإسرائيلية المعروفة، استهدفت إسرائيل أبناء الحداد في أكثر من غارة، ما أدى إلى استشهاد اثنين منهم. فقد استشهد ابنه البكر “صهيب” في هجوم استهدف حي التفاح شرق مدينة غزة في 17 يناير/كانون الثاني 2025، فيما استشهد نجله الثاني “مؤمن” في غارة وسط مدينة غزة في 10 أبريل/نيسان 2025، ولم يظهر الحداد في مراسم تشييعهما.
واتهمت إسرائيل الحداد بالمشاركة المباشرة في احتجاز أسرى إسرائيليين، وقد وثّقت شهادات لعدد من الجنود الإسرائيليين الذين أُطلق سراحهم ضمن صفقات التبادل أنهم التقوا الحداد في عدد من محطات الأسر.
معادلات القيادة وإعادة بناء الجهاز العسكري
بعيد اغتيال محمد السنوار، القائد الثالث لكتائب القسام، بتاريخ 13 مايو/أيار 2025، تولى الحداد رسميًا قيادة هيئة أركان كتائب القسام، في وقت كان المجلس العسكري للكتائب قد فقد غالبية أعضائه من القيادة التاريخية، إضافة إلى ما تعرض له باقي الهيكل من عمليات اغتيال طالت قادة الكتائب والسرايا.
وشكّلت مهمة الحفاظ على البنية التنظيمية، والمضي قدمًا بكتائب القسام والمقاومة الفلسطينية نحو استمرار التماسك والصمود في مواجهة حرب الإبادة، والحفاظ على الأسرى وضمان عدم الإفراج عنهم إلا ضمن صفقة تبادل، وفق المحددات التي وضعتها المقاومة منذ الأيام الأولى للحرب، أولوية مركزية أمام القيادة الجديدة.
وفق هذا المعطى، تمثلت المهمة الأكثر إلحاحًا أمام القائد أبو صهيب في الإشراف على سد الشواغر، وترميم البنية، والتعامل مع معطيات الميدان والسياسة في آن واحد. وقد نفذت الكتائب تحت قيادته محاولات جدية لأسر المزيد من جنود الاحتلال، بهدف زيادة غلتها من الأسرى، في مواجهة عملية “عربات جدعون” التي نفذها الاحتلال بهدف ممارسة أقصى درجات الضغط لإطلاق سراح أسراه دون دفع ثمن سياسي أو ميداني.
وشكّل تحديث الخطة الدفاعية للكتائب وفق معطيات الميدان، واستخلاص العبر والدروس من تجارب الألوية ونقلها إلى باقي تشكيلات القطاع، أحد أهم أولويات قيادة القسام تحت مسؤولية الحداد. وقد نجح في تحديث التكتيكات بما شمل استخدامًا أوسع للعبوات الناسفة، وتطوير عبوة “الشواظ” لتصبح “عبوة الشواظ الفدائية”، التي أبدع مقاومو القسام في إسقاطها داخل قمرة قيادة الآليات العسكرية، إضافة إلى رفع الكلفة البشرية على جيش الاحتلال، والقتال من خلف خطوط تقدمه خلال مواجهة عملية “عربات جدعون”.
وفي هذا الإطار، أشارت مصادر في كتائب القسام لموقع نون بوست إلى أن القسام، تحت قيادة عز الدين الحداد، نجح في سد جميع الشواغر في بنيته القيادية، وأعاد تحديث مختلف مستويات العمل والتكتيكات والأساليب، بما يضمن استمرار البنية في التعامل مع أي سيناريوهات مستقبلية، في ضوء تقدير بأن المسار الحالي في مواجهة الاحتلال مرشح للاستمرار، ويتطلب أعلى درجات الديناميكية في التعامل مع التحديات القادمة.
كيف يؤثر الاغتيال على اتفاق غزة؟
لا يمكن إغفال أن الاغتيال تم في توقيت حساس، تجري فيه مفاوضات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، المعروف باسم خطة ترامب ذات النقاط العشرين، وهي الخطة التي كان للحداد موقف محوري في الموافقة عليها، مع تقدير مسبق لما تنطوي عليه من مخاطر، ضمن مقاربة دقيقة حرصت على وقف الإبادة بوصفه أولوية.
الحداد، الذي مثّل الموقف الرئيسي للمؤسسة العسكرية في حماس، وجزءًا أساسيًا من الموقف الجماعي الذي تتخذه قيادة الحركة في المسار التفاوضي، كان منخرطًا بصورة مباشرة في متابعة التفاصيل التفاوضية الناتجة عن الجولات التي شهدتها القاهرة خلال الأسابيع الأخيرة.
ومع الأخذ بعين الاعتبار أن جزءًا من الاستراتيجية التي اعتمدها الحداد في إطار سد الشواغر في قيادة كتائب القسام استند بدرجة أساسية إلى استكمال سنة اعتمدتها فصائل المقاومة تقوم على الجهوزية للتعامل مع سيناريوهات الاغتيال، وإعداد البدائل مسبقًا بما يضمن عدم حدوث فراغ قيادي، فإن الأمر لن يكون بهذه السلاسة على مستوى التقدير السياسي وصياغة المواقف المرتبطة بالمجريات التفاوضية.
وهذا يعني أن الاغتيال سيترك أثرًا سلبيًا على فعالية المسار التفاوضي في المدى القريب، خصوصًا في ضوء تقدير بأن الاحتلال استخدم هذا المسار في عملية خداع هدفت إلى تسهيل الوصول إلى الحداد واغتياله، نظرًا لحاجته إلى البقاء ضمن محيط قنوات الاتصال، بشكل أو بآخر.
وفي هذا الإطار، فإن تحركات مبعوث مجلس السلام نيكولاي ميلادينوف الأخيرة شكّلت انطباعًا سلبيًا في ذهن المفاوض الفلسطيني، نظرًا إلى كونها التحركات التي وفرت الغطاء الدولي لهذا الهجوم، ومهدت له تحت مبرر رفض المقاومة الفلسطينية الاستجابة لبند “نزع السلاح”، وهو بند فرضه المبعوث الدولي عنوانًا لأي نقاش، متجاوزًا خطة ترامب نفسها ومراحلها، ومنسجمًا مع المحددات التي يريدها رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو.
وبالرغم من أن موقف حركة حماس وفصائل المقاومة سيبقى متمسكًا باتفاق وقف إطلاق النار، باعتباره جزءًا من مسار استراتيجي يسعى إلى وقف حرب الإبادة بصورة كاملة، فإن حجم الاستجابة لمحددات المسار التفاوضي الحالي، ومستوى المرونة في التعامل مع مبعوث مجلس السلام نيكولاي ميلادينوف، سيكون موضع مراجعة وتقييم، تلافيًا لتحول المسار التفاوضي إلى شكل جديد من أشكال العدوان على الشعب الفلسطيني وقيادته.
أما على مستوى التركيبة القيادية للمقاومة، فإن الاغتيالات الإسرائيلية لم تنجح سابقًا في إحداث شواغر تؤدي إلى تغيير جوهري في طريقة العمل أو تدفع أيًا من قوى المقاومة إلى الانكفاء، ولن تنجح هذه المرة في إحداث مثل هذا الأثر. فقد تجاوزت البنية المؤسسية للمقاومة الفلسطينية تأثير الفرد لصالح تأثير المنظومة والمؤسسة، بما يحول استشهاد القادة إلى عامل يعزز الصلابة والتماسك.