نون بوست نون بوست

نون بوست

  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
عودة أمريكا إلى ليبيا.. النفط وروسيا وحسابات العائلات المتنافسة
نون بوست
تحول الأجيال يعيد صياغة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية
نون بوست
بعد 13 عامًا من انقلاب 30 يونيو.. لماذا يغيّر نظام السيسي خطابه عن الإخوان؟
نون بوست
حملة غير مسبوقة ضد الفساد في العراق.. هل تقطف الرؤوس الكبيرة؟
نون بوست
وجدوا أنفسهم يقاتلون في روسيا.. عروض عمل مضللة تستدرج شباب اليمن
نون بوست
“هداية” و”الحكماء” و”صواب”.. أدوات الإمارات في الهندسة الدينية للتطبيع الإبراهيمي
نون بوست
بِرَك سليمان في بيت لحم تتحول إلى ساحة تحد فلسطيني للاستيطان
نون بوست
وثائق تكشف حصانة واسعة لمجلس ترامب في غزة
نون بوست
كيف يحاول المستوطنون الإسرائيليون فرض واقع جديد على الأرض السورية؟
نون بوست
كسر عقدة “التمثيل المشرف”.. ماذا وراء تألق الكرة الأفريقية في مونديال 2026؟
نون بوست
مزارع شبعا.. كيف يُحل اللغز الحدودي الذي نسجه الأسد ووظّفه حزب الله؟
نون بوست
قمة حلف الناتو 2026.. لماذا تبدو نسخة أنقرة مختلفة؟
نون بوست نون بوست
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
عودة أمريكا إلى ليبيا.. النفط وروسيا وحسابات العائلات المتنافسة
نون بوست
تحول الأجيال يعيد صياغة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية
نون بوست
بعد 13 عامًا من انقلاب 30 يونيو.. لماذا يغيّر نظام السيسي خطابه عن الإخوان؟
نون بوست
حملة غير مسبوقة ضد الفساد في العراق.. هل تقطف الرؤوس الكبيرة؟
نون بوست
وجدوا أنفسهم يقاتلون في روسيا.. عروض عمل مضللة تستدرج شباب اليمن
نون بوست
“هداية” و”الحكماء” و”صواب”.. أدوات الإمارات في الهندسة الدينية للتطبيع الإبراهيمي
نون بوست
بِرَك سليمان في بيت لحم تتحول إلى ساحة تحد فلسطيني للاستيطان
نون بوست
وثائق تكشف حصانة واسعة لمجلس ترامب في غزة
نون بوست
كيف يحاول المستوطنون الإسرائيليون فرض واقع جديد على الأرض السورية؟
نون بوست
كسر عقدة “التمثيل المشرف”.. ماذا وراء تألق الكرة الأفريقية في مونديال 2026؟
نون بوست
مزارع شبعا.. كيف يُحل اللغز الحدودي الذي نسجه الأسد ووظّفه حزب الله؟
نون بوست
قمة حلف الناتو 2026.. لماذا تبدو نسخة أنقرة مختلفة؟
  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
تابعنا

“المستوطنات تحاصر الفلسطينيين داخل جيوب ضيقة”.. حوار مع الباحث خليل شاهين

سندس بعيرات
سندس بعيرات نشر في ١ يوليو ,٢٠٢٦
مشاركة
نون بوست

لم يعد ما يجري في الضفة الغربية مجرد تمدد استيطاني يمكن قياسه بعدد البؤر أو الكيلومترات المصادَرة، بل بات يفرض واقعاً جديداً، إذ إن انتقال البؤر الاستيطانية إلى المناطق المصنفة (ب) يكشف أن الخطوط التي رسمها اتفاق أوسلو لم تعد قائمة إلا على الورق، بينما تتشكل على الأرض خريطة مختلفة، تقوم على طرق تربط المستوطنات ببعضها، وحواجز تعزل التجمعات الفلسطينية، ومساحات تضيق تدريجيًا أمام التوسع الفلسطيني.

ويدفع ذلك الوجود الفلسطيني أكثر فأكثر إلى نطاقات مكتظة ومجزأة، بينما تُدار المساحات الأوسع وفق منطق استيطاني متسارع. ولا يغيّر هذا الواقع شكل الأرض فحسب، بل يمس إيقاع الحياة اليومية نفسها، فالطريق الذي كان يومًا تفصيلًا عاديًا في حياة الفلسطيني، بات مساحة معلقة على الاحتمال، بين حاجز مفاجئ، وإغلاق طارئ، واعتداء قد يقع في أي لحظة.

في هذا السياق، حاور “نون بوست” خليل شاهين، مدير البحوث والسياسات في المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية “مسارات”، والباحث والمحلل السياسي، للوقوف على التحولات العميقة التي تشهدها الضفة الغربية، من توسع المشروع الاستيطاني وإعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية، إلى تفكك أنماط الحركة والحياة اليومية تحت وطأة واقع يتغير بوتيرة متسارعة.

ماذا يعني انتقال المشروع الاستيطاني من مناطق (ج) إلى (ب) وفق أوسلو، وما الذي يكشفه عن تحول في استراتيجية السيطرة الإسرائيلية؟

في الواقع، شهدت مؤسسات الحكم والاستراتيجيات الإسرائيلية تحولات جوهرية، خصوصاً منذ وصول هذا الائتلاف الحاكم إلى السلطة نهاية عام 2022. فالحكومات الإسرائيلية السابقة، ولا سيما تلك التي قادها حزب العمل، كانت تتبنى استراتيجية تقوم على مبدأ “الفصل” بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وقد تركزت المشاريع الاستيطانية آنذاك في ما عُرف بالمشاريع الاستيطانية الأمنية أو الاقتصادية، وابتعدت إلى حد كبير عن المناطق ذات الكثافة السكانية الفلسطينية، سواء في المدن أو القرى المحيطة بها. وتركزت بصورة أساسية على امتداد الخط الأخضر، أي غرب الضفة الغربية، وفي منطقة الأغوار التي ظلت إسرائيل تنظر إليها باعتبارها جزءاً من مشروعها التوسعي المستقبلي.

لكن المشهد تبدّل جذرياً مع صعود تيار الصهيونية الدينية إلى مركز القرار. فهذا التيار لم يعد يتبنى منطق الفصل، بل انتقل إلى منطق أكثر شمولاً وعدوانية، يقوم على تكثيف الهجمة الاستيطانية على تخوم المناطق ذات الكثافة السكانية الفلسطينية. وينطلق هذا التوجه من عقيدة تعتبر الضفة الغربية، أو ما يُسمى “يهودا والسامرة”، جزءاً أصيلاً من إسرائيل، من شمالها إلى جنوبها، بما يعني أن المشروع لم يعد مجرد إدارة للصراع، بل إعادة تشكيل كاملة للجغرافيا على قاعدة الضم.

وقد تجلى هذا التوجه بوضوح في ما طرحه بتسلئيل سموتريتش ضمن ما يُعرف بـ”خطة الحسم”، التي تقوم على ضم كامل الضفة الغربية وفرض واقع جديد على الفلسطينيين، قائم على تخييرهم بين الهجرة، أو العيش في حالة خضوع دائم، أو مواجهة القتل على يد الإسرائيليين.

هذا التحول الاستراتيجي، بالتوازي مع تصاعد البعد الإبادي في السياسة الإسرائيلية، خصوصاً في قطاع غزة، شكّل نقطة انعطاف خطيرة. فلم يعد الهدف مقتصراً على تفريغ المنطقة المصنفة (ج)، التي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية، بل امتد ليقترب تدريجياً من المنطقة المصنفة (أ).

وإذا كانت المنطقة (أ) لا تتجاوز 18% من مساحة الضفة الغربية، مقابل 61% للمنطقة (ج)، ونحو 21% إلى 22% للمنطقة (ب)، فإن هذا الواقع يكشف أن المساحة المتبقية للفلسطينيين تتقلص بصورة متسارعة، إلى حد يكاد يحصر وجودهم في جيوب جغرافية ضيقة.

هذا وقد تصاعدت داخل إسرائيل أصوات تدعو إلى هدم المنازل التي تصنفها “غير مرخصة” أو “مخالفة”، بل وحتى تلك القريبة من البؤر الاستيطانية، بما في ذلك داخل المنطقة المصنفة (أ) الخاضعة للسيطرة الفلسطينية. الذي يعكس انتقالاً واضحاً من سياسة الاحتواء إلى سياسة الحشر المكاني وتقليص الحيز الفلسطيني إلى الحد الأدنى.

كما أن ما جرى خلال الفترة الأخيرة من عمليات هدم، وشق طرق، وإعادة تشكيل للمعالم الديموغرافية في شمال الضفة الغربية، بما شمل مخيم جنين ومخيم طولكرم ومخيم نور شمس، وهي مناطق تقع ضمن المنطقة (أ)، يكشف أن إسرائيل تجاوزت عملياً حدود التقسيمات التي أقرها اتفاق أوسلو.

وهذا يعني أن إسرائيل لم تعد تنظر إلى المنطقتين (ب) و(ج) باعتبارهما مجالين منفصلين، بل كساحة جغرافية واحدة لإعادة هندسة السيطرة، ليس فقط عسكرياً، كما كان قائماً سابقاً، بل أيضاً سيادياً وديموغرافياً واقتصادياً، عبر فرض السيطرة على الأرض وما فوقها وما تحتها من موارد.

وفي المحصلة، فإن تكثيف بناء البؤر الاستيطانية داخل المنطقة المصنفة (ب)، إلى جانب توسيع التدخل داخل المنطقة (أ)، يكشف عن سياسة ممنهجة تهدف إلى حشر الفلسطينيين في معازل جغرافية ضيقة ومجزأة، بما يعيد رسم الخريطة الفعلية للضفة الغربية على أسس تخدم مشروع الضم الإسرائيلي.

إلى أي مدى يعكس الواقع الميداني في الضفة الغربية تجاوزاً فعلياً لاتفاق أوسلو من خلال سياسات الفصل والحصار وإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية؟

عملياً، يمكن القول إن اتفاق أوسلو قد جرى تجاوزه منذ فترة طويلة، وليس فقط في عهد أي حكومة بعينها بل بشكل خاص منذ ما بعد انهيار مفاوضات كامب ديفيد. ويُذكر هنا أن مفاوضات كامب ديفيد شكلت نقطة تحول مهمة في مسار العملية السياسية.

وإذا عدنا إلى الانتفاضة الأولى، فإن أرييل شارون حاول، في ذلك السياق، تطبيق سياسة إسرائيلية تتقاطع في جوانبها مع ما يجري اليوم، خصوصاً من حيث فصل المدن الفلسطينية عن بعضها البعض وفصل المدن عن ريفها، إلى جانب فرض الحصار وحظر التجول لفترات طويلة على مختلف المناطق.وقد أدى ذلك عملياً إلى إضعاف الدور المركزي للمدينة الفلسطينية وعلاقتها بمحيطها الريفي، أي تقليص الدور الحضري داخل الضفة الغربية، عبر فرض واقع من الحصار المتكرر والطويل.

واليوم، يمكن ملاحظة نمط مشابه، لكنه أكثر تشدداً وتكثيفاً، حيث يجري تضييق الخناق بشكل أكبر على المناطق المصنفة (أ)، مع العمل على فصلها فعلياً عن المناطق (ب). ويترافق ذلك مع توسيع صلاحيات إسرائيل في ما يتعلق بالرقابة على البناء الفلسطيني، بما يشمل هدم المنازل، وشق الطرق، وإعادة تشكيل البنية المكانية، بما يؤدي في المحصلة إلى إعادة هندسة المجال الفلسطيني على نحو أكثر تفتيتاً وسيطرة.

كيف ينعكس هذا الواقع على قدرة الفلسطينيين على التوسع العمراني والتخطيط لمستقبلهم؟

عموماً، لم تعد صلاحيات البناء في المنطقة (ب) بيد الفلسطينيين كما كان يُفترض سابقاً. بل إن إسرائيل سحبت فعلياً  صلاحيات الترخيص، خصوصاً في عمق مدينة الخليل، بما في ذلك البلدة القديمة والمناطق المحيطة بالحرم الإبراهيمي، حيث لم تعد هذه الصلاحيات بيد بلدية الخليل منذ فترة طويلة، ولم تعد المجالس المحلية الفلسطينية تمارسها بشكل فعلي في العديد من مناطق (ب).

هذا الواقع يشير إلى وجود منظومة متكاملة من القوانين والإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وبشكل خاص في المنطقتين (ب) و(ج)، تؤدي عملياً إلى سحب صلاحيات السلطة الفلسطينية فيما يتعلق بالإشراف على البناء والتوسع العمراني الفلسطيني. كما تعمل هذه المنظومة على منع الفلسطينيين من تلبية احتياجاتهم العمرانية، سواء في البناء السكني أو في تطوير البنية التحتية، مثل الطرق وشبكات المواصلات والاتصالات.

ويترافق ذلك مع سياسة واضحة في قطاع الاتصالات، إذ يتم تطوير شبكات الاتصالات الإسرائيلية داخل هذه المناطق، بما في ذلك خدمات الجيل الرابع والخامس (4G و5G)، في حين يُحرم الفلسطينيين من هذه التقنيات الحديثة، وتُقيّد خدماتهم غالباً ضمن نطاق الجيل الثالث (3G). كما تُفرض قيود على شركات الاتصالات الفلسطينية، بما في ذلك منعها من إقامة أبراج تقوية خارج المناطق المصنفة، ما يساهم في تكريس تفاوت واضح في البنية التحتية الرقمية.

والنتيجة العملية لذلك هي حصر قدرة الفلسطينيين على التطوير العمراني والبنى التحتية ضمن مساحات محدودة ومجزأة.

ولا يقتصر هذا النهج على الإجراءات الرسمية فقط، بل يمتد أيضاً إلى مؤسسات وهيئات غير رسمية تعمل ضمن بيئة داعمة للاستيطان. ومن بين هذه البنى ما يرتبط بالعمل الاستيطاني المؤسسي الذي جرى تطويره وتعزيزه ضمن الدوائر الحكومية الإسرائيلية، بما في ذلك تلك المرتبطة بوزارة الحرب الإسرائيلية، وتحديداً ضمن الأطر التي يدعمها بتسلئيل سموتريتش، الذي لعب دوراً محورياً في إعادة هيكلة بعض أدوات الإدارة المدنية ذات الصلة بالاستيطان وتوسيع نشاطها.

إلى أي مدى تحوّل الطريق والحياة اليومية في الضفة الغربية من عفوية إلى حركة خاضعة لحسابات أمنية ومخاطر يومية، وما انعكاس ذلك على الإحساس بالحياة الطبيعية؟

يرتبط تحوّل الطريق في الضفة الغربية بتغيّر جذري في وظيفة الحركة نفسها، إذ لم يعد التنقل فعلاً طبيعياً أو مضموناً، بل أصبح حركة مشروطة تخضع لمنظومة من القيود والرقابة والمخاطر المتكررة، ما حوّل الطرق من مجرد مسارات عبور إلى فضاءات ضبط وسيطرة أمنية.

ويتعمق هذا الواقع عبر تكثيف القيود الميدانية، سواء من خلال الحواجز المنتشرة أو عبر بوابات تُغلق على مداخل القرى الفلسطينية، ما يجعل التنقل اليومي خاضعاً لتوقيتات وإغلاقات مفاجئة، ويحوّل الطريق إلى مساحة غير مستقرة ومحكومة بالمخاطر.

كما ينعكس هذا الواقع في تقييد الوصول إلى الأراضي والمناطق المحيطة بالطرق، حيث لا ينفصل مسار الطريق عن منظومة السيطرة على الأرض ذاتها، ما يجعل الحركة اليومية مرتبطة بإمكانية الوصول إلى الموارد الأساسية.

و لم تعد الحياة اليومية قائمة على العفوية أو اليقين، بل باتت محكومة بمنطق”الحساب المسبق لكل حركة”، حيث أصبح أبسط فعل يومي من التنقل إلى الوصول إلى العمل أو الأرض مشروطاً بإجراءات واحتمالات المنع أو الإغلاق في أي لحظة، ما يضعف الإحساس العام بإمكانية ممارسة حياة طبيعية مستقرة.

وتترافق هذه التحولات مع تصاعد اعتداءات المستوطنين، التي تُنفذ ضمن سياق من التنظيم والتسليح والدعم، بما في ذلك حالات يظهر فيها تقاطع بين الدور العسكري والمدني، ما يعكس تشابكاً في بنية السيطرة الميدانية.

كيف غيّر الاستيطان العلاقة بين المدن والقرى في الضفة، بحيث لم يعد القرب الجغرافي يضمن سهولة الوصول أو استمرار التواصل بينهما؟

عملياً، أحد الأهداف المعلنة لما يجري في شمال الضفة الغربية، في جنين وطولكرم، هو إعادة تشكيل الديموغرافيا الفلسطينية. ولا يقتصر الأمر على ما حدث أو ما يزال مستمراً من تهجير لأكثر من 42 ألف فلسطيني من هذه المخيمات، بل يمتد إلى مناطق أخرى مثل طوباس، وطمون وغيرها، حيث يجري عملياً فصل هذه المناطق عن شمال الضفة الغربية، ولا سيما عن منطقة الأغوار الشرقية.

ويتكرر هذا النمط في مناطق أخرى، خاصة في جنوب الضفة الغربية، ولا سيما في مسافر يطا. ما نشهده في الضفة الغربية هو عملية إعادة تشكيل شاملة الديموغرافيا الفلسطينية، بما يتواءم مع ما ذُكر سابقاً حول حصر الوجود الفلسطيني الكثافي داخل المناطق المصنفة (أ)، بما يعني عملياً أن مسار الضم وإفراغ مساحات واسعة من الضفة الغربية، التي تصل إلى نحو 79% من مساحتها، يجري على قدم وساق ومنذ فترة و بوتيرة متسارعة.

ولم يعد بالإمكان تصور أن هذا الواقع يمكن أن يشكل بيئة مساعدة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتواصلة جغرافياً، إذ إن ما يحدث أعمق بكثير مما يُتصور، خصوصاً في ظل غياب سياسات فلسطينية فعالة سواء على المستوى الرسمي أو الوطني، أو حتى على مستوى المجتمع المدني، قادرة على التصدي لهذه المخططات أو إحباطها.

وبذلك، فإن عملية التهجير القسري الداخلي تتسارع في الضفة الغربية، بما يفاقم من حجم الضرر، ويضعف بشكل كبير أي إمكانية للحل السياسي القائم على إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

وإذا أضفنا إلى ذلك ما يجري من عمليات تدمير وإبادة في قطاع غزة، يصبح من الضروري التأمل في حجم واتساع المشروع الاستعماري الاستيطاني وقدرته على تنفيذ أهدافه على الأرض.

كيف يحدث هذا التحول التدريجي في الضفة الغربية من دون إعلان سياسي، بحيث تصبح الوقائع على الأرض هي التي تحدد الواقع، لا الاتفاقيات ولا القوانين؟

نعم، هذه نقطة جوهرية. فإسرائيل، وخصوصاً التيار الحاكم الذي يندفع اليوم بوتيرة متسارعة لتنفيذ سياساته، لا يعمل عبر خطوات عابرة أو مؤقتة، بل من خلال فرض وقائع ميدانية مصممة لتكون غير قابلة للتراجع. وفي نظر هذا التيار، وكذلك نتنياهو، فإن تكريس هذه الوقائع على الأرض هو الوسيلة الأنجع لإغلاق الباب أمام أي عودة إلى مسار تفاوضي وفق الصيغ التي كانت مطروحة سابقاً، وبالتالي تدمير أي فرصة سياسية مستقبلية لإحياء المفاوضات.

الفكرة الأساسية هنا أن الواقع الميداني يجب أن يسبق السياسة والقانون، وأن يصبح هو العامل الحاسم الذي يعيد تشكيل المشهد، بحيث تتراجع الاتفاقيات والأطر القانونية أمام الوقائع الجديدة التي تُفرض بالقوة.

وهذا ليس تطوراً جديداً بالكامل، بل هو امتداد لمسار قديم كان واضحاً حتى في الفترات التي كانت المفاوضات فيها قائمة، سواء قبل عام 2000 أو بعده. ففي تلك المرحلة بدأت بعض الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تطرح فكرة أن أي حل سياسي يجب أن يأخذ بعين الاعتبار “الوقائع القائمة على الأرض”. هذه الوقائع تفرضها إسرائيل بقوة السلاح، وبقوة الاستيطان والضم التدريجي.

وقد تجلّى ذلك بوضوح في جولات المفاوضات السابقة، حين أصرت إسرائيل على تثبيت مسألة الكتل الاستيطانية باعتبارها أمراً واقعاً يجب التسليم به، ومع الأسف جرى التعاطي الفلسطيني مع هذا المنطق. ففي ذلك الوقت كان الحديث يقتصر على أربع كتل استيطانية رئيسية، لكن إسرائيل لم تكتفِ بهذا الحد، بل سارعت خلال تلك السنوات، وحتى بعد انهيار المفاوضات، إلى توسيع هذا الواقع وتحويل المزيد من المستوطنات إلى كتل استيطانية أكبر وأكثر ترابطاً.

وقد تم ذلك عبر سياسة تدريجية بدأت بإنشاء مستوطنات صغيرة ومتفرقة، ثم إقامة بؤر استيطانية جديدة، قبل أن تُمنح هذه البؤر لاحقاً شرعية قانونية، وتُربط بشبكات من الطرق والبنى التحتية، بما يحولها فعلياً إلى كتل استيطانية متكاملة ومتماسكة على الأرض.

وهنا تكمن خطورة المسألة: فالمبدأ الذي وافقت عليه الإدارة الأمريكية بوصفها راعية للمفاوضات، ووافقت عليه أطراف أوروبية، وكذلك السلطة الفلسطينية، قام على أساس إمكانية ضم الكتل الاستيطانية. وإسرائيل استثمرت هذا المبدأ إلى أقصى حد، عبر توسيع عدد هذه الكتل وتحويل المزيد من المستوطنات والبؤر إلى وقائع ثابتة، لفرض معادلة تفاوضية جديدة يصعب التراجع عنها.

اليوم، تشير بعض التقديرات إلى وجود أكثر من 850 ألف مستوطن في الضفة الغربية، بل إن تقديرات معهد الأبحاث التطبيقية – القدس (أريج) تذهب إلى أن العدد الفعلي قد يكون أكبر من الأرقام المعلنة رسمياً. وهذا لا ينتج مجرد واقع استيطاني متوسع، بل يخلق بنية جغرافية وسياسية مشوهة: فلا هو واقع دولة واحدة، ولا هو دولة ثنائية القومية، ولا هو وضع يسمح بإقامة دولة فلسطينية مستقلة ومترابطة جغرافياً، بل يحول الضفة الغربية إلى ما يشبه “الجبنة السويسرية”، أي جغرافيا ممزقة ومقطعة الأوصال، تُفرغ أي مشروع سياسي مستقبلي من مضمونه.

كيف يساهم تداخل أدوار المستوطنين والجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية في تعزيز السيطرة على المناطق (ب) وتوسيع النفوذ فيها؟

لا يوجد شيء عفوي في الضفة الغربية، بما في ذلك هجمات المستوطنين، إذ يتضح بشكل متزايد أنها هجمات منظمة ضمن بنية ممنهجة. نحن أمام مجموعات من المستوطنين تعمل ضمن إطار تسليح وتنظيم يتعزز بدعم حكومي إسرائيلي متصاعد، إلى درجة أن بعضهم يكونون جنوداً في النهار بالزي العسكري، ثم يتحولون في المساء إلى زي مدني لتنفيذ اعتداءات ضد الفلسطينيين.

ولا تقف هذه الاعتداءات عند حدود الفعل الاستيطاني فقط، بل غالباً ما تتم في ظل حماية مباشرة، وأحياناً بمشاركة من جيش الاحتلال في الهجمات التي تستهدف الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم. ويترافق ذلك مع تسلل متزايد لليمين الصهيوني القومي إلى داخل المؤسسات الأمنية والاستخبارية، وكذلك داخل الجيش الإسرائيلي نفسه، بما يعمّق هذا التشابك بين البعد السياسي والعسكري والميداني.

وتنتشر ألوية عسكرية في شمال الضفة الغربية بشكل أساسي، وفي وسطها وجنوبها بدرجات أقل، وقد خدم بعضها في قطاع غزة وارتبط بسجل من الانتهاكات هناك. ويضم هذا التشكيل جزءاً كبيراً من عناصره وضباطه من المستوطنين، أو ممن يقيمون أثناء خدمتهم داخل المستوطنات أو بمحاذاتها، ما يعزز حالة التداخل اليومي والمباشر بين الجنود والمستوطنين داخل نفس الواقع الميداني.

وبذلك، فإن ما تقوم به المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بما في ذلك الإدارة المدنية التي باتت خاضعة لسموتريتش، إلى جانب الوحدات الخاصة التابعة للقيادة الوسطى، يجري ضمن منظومة تنفيذ متكاملة تتقاطع فيها أدوار الجيش والمستوطنين على الأرض.

وتشير تقارير مؤسسات إسرائيلية مثل “بتسيلم” إلى أن ما يجري لا يبدو مجرد إجراءات متفرقة، بل يندرج ضمن توجه واضح يقوم على حشر الفلسطينيين داخل المدن، أي في نحو 18% فقط من مساحة الضفة الغربية، مع السيطرة على باقي الجغرافيا المحيطة.

ومن هنا، يتعزز عملياً مسار الضم الفعلي، حتى دون إعلان رسمي. وقد برزت في الفترة الأخيرة أصوات داخل النقاش السياسي الإسرائيلي تشير إلى أن فرص اليمين في الانتخابات القادمة قد تتعزز إذا اتجهت الحكومة نحو إعلان الضم الرسمي بدل الاكتفاء بالسياسات القائمة. كما يشهد اليمين الإسرائيلي جدلاً في هذا الشأن، حيث يطالب بن غفير وسموتريتش بدفع نحو إعلان الضم قبل الانتخابات، رغم ما قد يسببه ذلك من توتر مع الإدارة الأمريكية.

وعلى الرغم من ذلك، فإن خيار الضم الرسمي، سواء للضفة الغربية أو للمناطق (ج) و(ب)، لا يبدو مرجحاً في المدى القريب في ظل الموقف الأمريكي والمواقف العربية، إلا أن هذا السيناريو يظل قائماً على المدى البعيد، بينما يتجسد فعلياً على الأرض عبر مسار الضم الزاحف والتدريجي.

كيف يمكن فهم مستقبل الضفة الغربية في ظل هذا المسار؟ هل يتجه نحو تقسيم وظيفي دائم أم نحو ضم غير معلن ومتدرج يعيد تشكيل الواقع الجغرافي؟

السيناريو الأقرب في حال استمرار هذا المسار من التوسع الاستيطاني وربط البؤر الاستيطانية بشبكات الطرق والحواجز هو ترسيخ واقع “الضم غير الرسمي”، أي تكريس سيطرة إسرائيلية فعلية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية، بحيث تتقلص المساحة المتاحة للفلسطينيين إلى نطاقات محدودة ومجزأة.

لكن هذا السيناريو لا يُعد حتمياً، إذ يبقى المسار مرهوناً بعدة عوامل. في مقدمتها قدرة الفلسطينيين على فرض وقائع ميدانية مضادة تعزز من صمودهم، خصوصاً في مناطق المواجهة مع الاستيطان، وفي مقدمتها القدس الشرقية إضافة إلى المناطق المصنفة (ب) و(ج).

كما يرتبط هذا المسار بتحولات على المستويين الإقليمي والدولي، وبمدى قدرة الأطراف العربية والأوروبية على الانتقال من الموقف السياسي إلى مستوى ضغط فعلي على إسرائيل لوقف هذا التمدد وفرض كلفة عليه.

ومع ذلك، حتى في حال حدوث تغيير في الحكومة الإسرائيلية أو سقوط الليكود أو هذه الحكومة في انتخابات قادمة لا يبدو أن ذلك سيؤدي إلى تحول جوهري في السياسات القائمة، لأن ما يجري اليوم يقوم على إنتاج وقائع ميدانية يصعب التراجع عنها، سواء عبر المفاوضات أو من قبل أي حكومة لاحقة. فإزالة هذه الوقائع، وفي مقدمتها المستوطنات، باتت شبه مستحيلة سياسياً وعملياً.

لم يعد داخل إسرائيل تقريباً أي قوة سياسية وازنة تتبنى حل الدولتين، بما في ذلك حزب “الديمقراطيين” الذي يُعد امتداداً  لحزب العمل الذي وقع اتفاق أوسلو مع السلطة الفلسطينية. فحتى زعيمه غولان لم يعد يتحدث عن حل الدولتين، بل عن صيغة فصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، دون التزام واضح بإقامة دولة فلسطينية مستقلة.

أما بقية الأحزاب الإسرائيلية، سواء “بنيت” أو “ييش عتيد”( لبيد) أو غيرها، فقد شاركت عملياً في توسيع الاستيطان خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بين 2020 و2022، ورفضت العودة إلى مسار تفاوضي مع السلطة الفلسطينية. كما أن اللقاءات التي سبقت تشكيل الحكومة الحالية مع القيادة الفلسطينية كانت في معظمها ذات طابع أمني، عبر مؤسسات مثل الشاباك أو شخصيات عسكرية كغانتس.

وبناءً عليه، فإن إعادة إحياء مسار سياسي قائم على حل الدولتين تبدو صعبة جداً في الوقت الحالي، ما لم تحدث تغييرات كبيرة في الموقف الدولي، وخاصة في السياسة الأمريكية. لكن المعطيات الحالية لا تشير إلى وجود توجه فعلي لدفع هذا المسار أو تبنيه بشكل جدي وملزم.

الوسوم: إدارة الضفة الغربية ، التوسع الاستيطاني ، الحقوق والحريات ، الحواجز في الضفة الغربية ، الضفة الغربية المحتلة
الوسوم: الاستيطان ، الضفة الغربية ، حوارات نون بوست
تحميل هذا المقال بصيغة PDF
شارك هذا المقال
فيسبوك تويتر واتساب واتساب التليجرام البريد الإلكتروني نسخ الرابط
سندس بعيرات
بواسطة سندس بعيرات صحفية فلسطينية من رام الله
متابعة:
صحفية فلسطينية من رام الله
المقال السابق نون بوست تحول الأجيال يعيد صياغة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية
المقال التالي نون بوست عودة أمريكا إلى ليبيا.. النفط وروسيا وحسابات العائلات المتنافسة

نشر هذا التقرير ضمن ملف:

حوارات نون بوست

حوارات نون بوست

حوارات نون بوست.

أحدث ما نشر في هذا الملف:

  • “أمن البحر الأحمر مرتبط باستقرار اليمن”.. حوار مع السفير باتريك سيمونيه
  • “مناخ الحريات الحالي يؤسس لحياة سياسية في سوريا”.. حوار مع جورج صبرة
  • “الثمن الكبير الذي دفعه السوريون سيوحدهم”.. حوار مع د. رضوان زيادة
part of the design
نشرة نون بوست الأسبوعية

قد يعجبك ايضا

بِرَك سليمان في بيت لحم تتحول إلى ساحة تحد فلسطيني للاستيطان

بِرَك سليمان في بيت لحم تتحول إلى ساحة تحد فلسطيني للاستيطان

مجد جواد مجد جواد ٢٩ يونيو ,٢٠٢٦
كيف يحاول المستوطنون الإسرائيليون فرض واقع جديد على الأرض السورية؟

كيف يحاول المستوطنون الإسرائيليون فرض واقع جديد على الأرض السورية؟

وسام شرف وسام شرف ٢٩ يونيو ,٢٠٢٦
قادة إسرائيليون سابقون يهددون بمقاضاة “الإرهاب اليهودي” في الضفة الغربية

قادة إسرائيليون سابقون يهددون بمقاضاة “الإرهاب اليهودي” في الضفة الغربية

إيما غراهام إيما غراهام ٢٦ يونيو ,٢٠٢٦
نون بوست

منصة إعلامية مستقلة، تأسست عام 2013، تنتمي لمدرسة الصحافة المتأنية، تنتج تقارير وتحليلات معمقة ومحتوى متعدد الوسائط لتقديم رؤية أعمق للأخبار، ويقوم عليها فريق شبابي متنوّع المشارب والخلفيات من دول عربية عدة.

  • سياسة
  • مجتمع
  • حقوق وحريات
  • آراء
  • تاريخ
  • رياضة
  • تعليم
  • تكنولوجيا
  • اقتصاد
  • صحافة
  • أدب وفن
  • ريادة أعمال
  • سياحة وسفر
  • سينما ودراما
  • طعام
  • صحة
  • ثقافة
  • أحدث التقارير
  • ملفات
  • مطولات
  • حوارات
  • بودكاست
  • تفاعلي
  • الموسوعة
  • بالصور
  • من نحن
  • كتّابنا
  • اكتب معنا
  • السياسة التحريرية
  • بحث متقدم
بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تمت الإزالة من المفضلة

تراجع
Go to mobile version