نون بوست نون بوست

نون بوست

  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
الأقصى تحت التهويد العلني.. سوابق ميدانية ترسم التقسيم
نون بوست
ثورة جيل “زد”: كيف تهاوت هيبة مودي أمام احتجاجات الصراصير؟
نون بوست
الرقة.. انتظار طويل للنهوض
نون بوست
“نوى ناحال” في شمال غزة: حين يمهّد الدمار لعودة الاستيطان
نون بوست
من سوريا إلى الإمارات.. السباق لتجاوز مضيق هرمز بدأ
نون بوست
آندي بورنهام.. هل يقود أكبر تحول في بريطانيا منذ عقود؟
استقرت صادرات ينبع خلال الأسابيع السابقة ليوليو/تموز قرب 4 ملايين برميل يوميًا
باب المندب تحت التهديد.. كيف تنجو الناقلات السعودية من فخ البحر الأحمر؟
نون بوست
الحرب مع إيران تهدد رئاسة ترامب
نون بوست
هل تنجح الحكومة اليمنية في تصدير النفط اليمني؟
نون بوست
اقتصاد الشقيقتين.. سوريا ولبنان يعيدان ترتيب مصالحهما
نون بوست
أكراد إيران في العراق.. جبهة مؤجلة على حدود طهران
نون بوست
السعودية على أعتاب النادي النووي.. ما الثمن؟
نون بوست نون بوست
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
الأقصى تحت التهويد العلني.. سوابق ميدانية ترسم التقسيم
نون بوست
ثورة جيل “زد”: كيف تهاوت هيبة مودي أمام احتجاجات الصراصير؟
نون بوست
الرقة.. انتظار طويل للنهوض
نون بوست
“نوى ناحال” في شمال غزة: حين يمهّد الدمار لعودة الاستيطان
نون بوست
من سوريا إلى الإمارات.. السباق لتجاوز مضيق هرمز بدأ
نون بوست
آندي بورنهام.. هل يقود أكبر تحول في بريطانيا منذ عقود؟
استقرت صادرات ينبع خلال الأسابيع السابقة ليوليو/تموز قرب 4 ملايين برميل يوميًا
باب المندب تحت التهديد.. كيف تنجو الناقلات السعودية من فخ البحر الأحمر؟
نون بوست
الحرب مع إيران تهدد رئاسة ترامب
نون بوست
هل تنجح الحكومة اليمنية في تصدير النفط اليمني؟
نون بوست
اقتصاد الشقيقتين.. سوريا ولبنان يعيدان ترتيب مصالحهما
نون بوست
أكراد إيران في العراق.. جبهة مؤجلة على حدود طهران
نون بوست
السعودية على أعتاب النادي النووي.. ما الثمن؟
  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
تابعنا

ترسانة الجمهورية التركية.. قرن من الحظر والتوطين والبحث عن الاستقلال

خالد أصلان
خالد أصلان نشر في ٢٤ يوليو ,٢٠٢٦
مشاركة
انطلقت قصة الصناعات الدفاعية التركية من شعور متراكم بأن السلاح المستورد يبقى قوة مشروطة تتعثر عند الأزمات

انطلقت قصة الصناعات الدفاعية التركية من شعور متراكم بأن السلاح المستورد يبقى قوة مشروطة تتعثر عند الأزمات

منذ عقود، تقف تركيا داخل حلف شمال الأطلسي “الناتو” كقوة عسكرية وازنة، بجيش واسع الخبرة وموقع جغرافي شديد الحساسية بين البحر الأسود وشرق المتوسط والشرق الأوسط والقوقاز، لكن حجم الجيش لم يكن يعني بالضرورة، امتلاك القرار الدفاعي كاملًا.

في لحظات التوتر الكبرى، كانت مشكلة تركيا العسكرية مرتبطة بقطع الغيار وتحديثات المنتجات وتراخيص الاستخدام ومدى توفر المحركات والرادارات والذخائر الدقيقة، ما كان يظهر حدود القوة المستوردة.

من هذا الفارق بين القوة العسكرية والسيادة التسليحية، انطلقت قصة الصناعات الدفاعية التركية، مدفوعة بشعور متراكم بأن السلاح المستورد مهما كان متقدمًا، يبقى قوة مشروطة، يعمل حين تبقى قنوات التوريد مفتوحة ويتعثر عند الأزمات السياسية.

ولأن صعود الصناعات الدفاعية التركية لم يكن قصة شركة واحدة أو منظومة سلاح بعينها، بل مسارًا طويلًا لإعادة بناء علاقة الدولة بقرارها الدفاعي وتقليل الارتهان للمورد الخارجي، يفتح “نون بوست” ملفًا بعنوان “ترسانة الجمهورية”، يتتبع فيه تحولات هذا القطاع منذ بداياته حتى صعوده الحديث، ويرصد أبرز محطاته وشركاته الوطنية وموقعه في إعادة تعريف القوة التركية داخل الإقليم وخارجه.

من الارتهان إلى التوطين.. محطات صناعة القوة الدفاعية التركية

1- 1923 – 1947: جمهورية جديدة تخشى الاعتماد على مورد واحد

بين عامي 1923 و1947، تشكّل نهج تركيا في مشتريات السلاح عبر ثلاثة عوامل رئيسية، شملت الخبرة التاريخية ونظام تجارة السلاح الدولي بين الحربين العالميتين وتوافر التمويل من موردي السلاح بشروط ميسّرة.

كانت تجربة أواخر الدولة العثمانية قد تركت درسًا واضحًا للجمهورية الجديدة بأن الاعتماد على مورد واحد للسلاح يفتح الباب أمام نفوذ القوى الكبرى، والتحالف مع قوة أقوى قد يكلّف الشريك الأصغر جزءًا من سيادته، لذلك تجنبت أنقرة في بداياتها التحالفات أو صفقات السلاح التي يمكن أن تمس استقلال قرارها.

لكن نظام تجارة السلاح بين الحربين العالميتين قيّد خيارات تركيا، فقد استُبعدت ألمانيا رسميًا بسبب قيود معاهدة فرساي، ولم تكن بريطانيا وفرنسا مهتمتين بتوريد السلاح لتركيا بأسعار ميسورة أو بشروط ائتمانية مناسبة.

كما لم تكن أنقرة بعد زبونًا موثوقًا سياسيًا واقتصاديًا بالنسبة إليهما، ولذلك وجدت نفسها أقرب إلى إيطاليا والاتحاد السوفييتي لتلبية احتياجاتها.

ورغم القيود الرسمية على ألمانيا، ظلّت برلين حاضرة بطرق غير مباشرة، ففي عام 1925، طلبت تركيا غواصتين ساحليتين من حوض سفن هولندي أسسه بناة سفن ألمان للالتفاف على قيود فرساي، وقد بُنيت الغواصتان في روتردام ودخلتا خدمة البحرية التركية عام 1928 باسم “بيرنجي إينونو” و”إكينجي إينونو”.

وفي عام 1926، أنشأت شركة يونكرز الألمانية مصنع تجميع في قيصري التركية للحفاظ على الخبرة الألمانية في إنتاج الطائرات العسكرية، وجمّع المصنع طائرات عسكرية ومدنية لتلبية طلبات تركية، رغم أن المشروع لم ينجح في النهاية.

في تلك المرحلة، كانت صناعة الدفاع التركية متواضعة ومتركزة غالبًا في مصانع الأسلحة الخفيفة والذخائر، وكانت الصلة الألمانية واضحة عبر شركات شاركت في تصنيع الأسلحة والذخائر لأنقرة. وكانت هذه القاعدة كافية نسبيًا لجيش يغلب عليه المشاة والفرسان.

وتعرّف الجيش التركي على الحرب الميكانيكية عبر وحدة تجريبية جُهزت بدبابات T-26B وسيارات مدرعة BA-6 حصل عليها من الاتحاد السوفييتي عام 1934، لكن الانتقال من جيش يعتمد على القوة البشرية والخيول إلى آخر آلي كان صعبًا ومكلفًا وزاد الاعتماد على الموردين الأجانب.

عشية الحرب العالمية الثانية، وجدت أنقرة في بريطانيا موردًا أوروبيًا مستعدًا لبيع السلاح بشروط ائتمانية سخية، كما ساعدتها لندن في إعادة تنشيط قدرتها على تصنيع الطائرات عبر التجميع المرخص لطائرات التدريب Miles Magister في أنقرة.

وخلال الحرب، أتاحت المناورات الدبلوماسية التركية الحصول على السلاح من فرنسا وألمانيا وبريطانيا، وطلبت أنقرة أربع غواصات من شركة كروب الألمانية، على أن تُبنى غواصتان في ألمانيا واثنتان في تركيا.

لكن توقيع تركيا معاهدة تحالف ثلاثية مع فرنسا وبريطانيا في أكتوبر/تشرين الأول 1939 أدى إلى تسريع تسليم دبابات وطائرات بريطانية وفرنسية، ودفع الزعيم النازي أدولف هتلر إلى تعليق إمدادات السلاح إلى أنقرة.

وبقيت تركيا محايدة طوال الحرب، لكنها أصبحت عام 1942 من متلقي برنامج الإعارة والتأجير الأمريكي، ما مثّل بداية تحولها من زبون لمنتجي السلاح إلى متلقٍّ للمساعدات العسكرية الأمريكية، وهي مرحلة ستترك أثرًا عميقًا على الصناعة المحلية لاحقًا.

2- 1947 – 1964: تركيا كمتلق للمساعدات العسكرية الأمريكية

غيّرت الحرب الباردة جذريًا دوافع السياسة الخارجية والدفاعية التركية، فبعد إعلان مبدأ ترومان عام 1947 (الذي تعهدت بموجبه واشنطن بدعم تركيا واليونان في مواجهة الضغط السوفييتي)، تسارع تدفق المعدات العسكرية الأمريكية إلى أنقرة لتتحول الأخيرة من التركيز على الإنتاج المحلي إلى تشغيل معدات الولايات المتحدة وصيانتها.

في الأربعينيات، كانت تركيا تملك قدرة محدودة على تصنيع طائرات تدريب محلية، مثل “MKEK-4 Uğur” المستنسخة من الطائرة البريطانية “Miles Magister”. لكن هذه المحاولة تراجعت أمام تدفق طائرات التدريب الأمريكية “T-6 Texan” التي وصلت من مخزونات واشنطن، فصار تشغيل المعدات الوافدة أسهل من تطوير الإنتاج المحلي.

كما عمل المناخ السياسي الداخلي ضد الاستثمار في الصناعة الدفاعية، فبعد انتقال تركيا إلى التعددية الحزبية عام 1950، فضّل رئيس الوزراء وقتها عدنان مندريس توجيه الموارد إلى حاجات الناخبين بدل الاستثمار العسكري طويل الأمد.

وكان الاعتماد على المساعدة العسكرية الأمريكية، مقابل انضمام تركيا إلى الناتو، الطريق الأسهل للحفاظ على جيش كبير، لكن ذلك جاء على حساب الصناعة المحلية لتصبح النتيجة اعتمادًا واسعًا على الولايات المتحدة في شراء المعدات والصيانة واللوجستيات أيضًا.

نون بوست
انقلاب 27 مايو/أيار

ويمكن فهم حجم هذا الاعتماد من كميات السلاح الأمريكية التي وصلت لاحقًا إلى تركيا، مثل 3085 دبابة M48 وM48A2C Patton بين 1963 و1970، ونحو 260 طائرة F-100C/D/F Super Sabre بين 1958 و1973.

ولم يغيّر انقلاب 1960 وإعدام مندريس هذا المسار، فقد واصل خلفاؤه الاعتماد الشديد على المساعدة الأمريكية، لكن أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 وقرار واشنطن إزالة صواريخ Jupiter النووية من تركيا رغم تحفظ أنقرة الأولي، كشفا توترات داخل العلاقة.

وفي الستينيات، بدأت واشنطن تغيّر مقاربتها للمساعدة العسكرية، عبر تحويل المتلقين من مستفيدين من المنح إلى زبائن عبر الائتمانات والمبيعات العسكرية الخارجية، وفي اللحظة نفسها تقريبًا، واجهت أنقرة النتيجة الأشد لاعتمادها على واشنطن.

فخلال أزمة قبرص 1963-1964، أرسل الرئيس الأمريكي وقتها ليندون جونسون رسالة شديدة اللهجة إلى رئيس الوزراء آنذاك عصمت إينونو، ثنته عن التدخل العسكري في الجزيرة، وذكّرت أنقرة بأنها لا تستطيع استخدام الأسلحة والمعدات الأمريكية في حالات طارئة خارج إطار الناتو.

3- 1964 – 1973: سعي محدود إلى استقلال إستراتيجي

مع تطور أزمة قبرص، بدأت الحكومات التركية تبحث عن قدرات عسكرية أوسع لدعم الدبلوماسية، وشمل ذلك تنويع الموردين والبدء في إنتاج بنادق صغيرة العيار وأسلحة دعم بتراخيص ألمانية وأمريكية.

وهذا إضافة إلى إنشاء مؤسسات لكل فرع من فروع القوات المسلحة لجمع المال من الجمهور لإنتاج معدات للحالات الوطنية الطارئة.

وبدأت تركيا أيضًا تبدي اهتمامًا بالمشاريع المشتركة مع الحلفاء الأوروبيين في الناتو، فعرضت مثلًا تصنيع قاذفات صواريخ أطراف الأجنحة لمقاتلة F-104G Starfighter ضمن ائتلاف أوروبي، لكن الولايات المتحدة رفضت المقترح وقتها لأن الجزء المطلوب كان يُعد متطورًا جدًا بالنسبة إلى صناعة الطائرات التركية في ذلك الوقت.

وفي الستينيات والسبعينيات، مرّت القوات المسلحة التركية بتحول جزئي استعدادًا لأزمات مستقبلية في قبرص، وبدأت البحرية برنامجًا لبناء أسطول من سفن الإنزال.

وفي تلك الفترة، جرى تحويل محركات دبابات خارجة من الخدمة لتشغيل سفن إنزال بُنيت محليًا، كما بنت أحواض بناء السفن التابعة للبحرية التركية مدمرتين مرافقتين استنادًا إلى تصميم أمريكي، وبذلك دفعت أزمة قبرص البحرية التركية إلى تطوير حلول محلية في وقت أبكر من بعض أفرع الجيش الأخرى.

4- 1974.. السنة المفصلية لتقييد السلاح

عاد الدور الحاسم عام 1974، عندما أطلقت أنقرة عملية عسكرية في قبرص ردًا على انقلاب دبره المجلس العسكري اليوناني، وتبع ذلك فرض الولايات المتحدة حظرًا على السلاح إلى تركيا، ما أدى إلى مشكلات خطيرة في الإمداد والاستدامة داخل الجيش التركي.

ورغم أن ألمانيا تدخلت لسد بعض الفجوة، فقد خلصت أنقرة إلى أن بناء صناعة دفاعية وطنية قوية هو الطريق الوحيد على المدى الطويل.

وحدات عسكرية تركية خلال عملية السلام في قبرص في 20 يوليو/تموز 1974
وحدات عسكرية تركية خلال عملية السلام في قبرص في 20 يوليو/تموز 1974

وبعد العملية بوقت قصير، اشترت القوات الجوية التركية 18 مقاتلة F-104S Starfighter من إيطاليا. ورغم أن الطائرة ذات أصل أمريكي، كانت هذه النسخة أول طائرة قتالية جديدة تشتريها تركيا من منتج أوروبي منذ 1947.

درست تركيا بعد ذلك خيارات للإنتاج المشترك لتصميم أوروبي، مثل SEPECAT Jaguar، وAermacchi MB-326/339، وPanavia Tornado. لكن السعي إلى بدائل غير أمريكية لم يدم طويلًا، إذ تراجع بعد رفع الحظر الأمريكي عام 1978.

في هذه المرحلة، كان هناك تهديد داخلي جديد يتشكل مع تأسيس حزب العمال الكردستاني “بي كا كا” عام 1978، ولم يكن الأثر الدفاعي لمواجهته قد ظهر بعد بحجمه الكامل، لكنه سيصبح منذ منتصف الثمانينيات أحد العوامل التي دفعت تركيا للبحث عن أدوات مختلفة عن السلاح التقليدي الثقيل.

وبالحديث عن الحظر الأمريكي، فقد ترك ندبة عميقة في العلاقات مع تركيا وجعل الاكتفاء الذاتي في السلاح هدفًا طويل الأمد.

وبدأت أنقرة تعطي الأولوية للإنتاج المحلي للمكونات الرئيسية التي أدى نقصها إلى جعل بعض أنظمة السلاح غير قابلة للتشغيل خلال عملية قبرص وبعدها، كما طورت شبكة الإصلاح والصيانة العسكرية لتصبح أكثر قدرة على إدامة المعدات.

وجُمعت لاحقًا المؤسسات التي أُنشئت لدعم أفرع الجيش الأخرى تحت مظلة مؤسسة القوات المسلحة التركية “TSKGV” عام 1987 والتي أصبحت فيما بعد إحدى أدوات بناء القاعدة الصناعية الجديدة للقطاع الدفاعي.

وقد وفرت هذه المؤسسات رأس المال الأولي لشركات مثل أسيلسان ASELSAN، وهافلسان HAVELSAN، وتوساش TUSAŞ، وأسبيلسان ASPİLSAN، والتي ستصبح لاحقًا نواة الصناعة الدفاعية التركية.

5- الثمانينيات.. إنتاج F-16 يصل إلى تركيا

رغم الاضطرابات السياسية والاقتصادية في السبعينيات، ظلّ هاجس تقليل الاعتماد على الخارج حاضرًا في تركيا. وبعد انقلاب عام 1980، دفع قادة الجيش بهذا التوجه خطوة أبعد، نحو إنتاج أنظمة عسكرية متطورة داخل البلاد.

وفي أواخر الحرب الباردة، زادت القيمة الاستراتيجية لتركيا بالنسبة إلى واشنطن، خصوصًا بعد الثورة الإيرانية عام 1979 ما مكن أنقرة من الحصول على فوائد صناعية وتكنولوجية ومالية غير مسبوقة من الولايات المتحدة.

وكان أبرز ذلك اتفاق عام 1983 مع شركة الدفاع الأمريكية “جنرال دايناميكس” General Dynamics، المالكة آنذاك لبرنامج F-16، لإنتاج مقاتلات F-16C/D Block 30/40 بترخيص داخل تركيا.

وجرى توزيع العمل على منشأتين، الأولى في منطقة أكنجي/مرتد قرب أنقرة للتجميع النهائي لهياكل الطائرات، والثانية في إسكي شهير، ضمن مشروع مشترك مع “جنرال إلكتريك” الأمريكية، المتخصصة في محركات الطائرات.

في قلب هذا التحول، جاءت شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية “توساش/TAI”، التي تأسست عام 1973 بهدف تقليل اعتماد تركيا على الخارج في الصناعات الدفاعية، لكن الحاجة العملية إليها ظهرت بوضوح مع برنامج “F-16” في الثمانينيات.

فبدل أن تشتري أنقرة الطائرة جاهزة فقط، دخلت في تصنيعها وتجميعها ودمج أنظمتها واختبارها داخل البلاد. وبهذا انتقلت تركيا خطوة مهمة من الشراء المباشر إلى التصنيع المرخص، لكنها بقيت بعيدة عن امتلاك التصميم الكامل أو المحرك أو قرار التحديث المستقل.

وشكّلت صفقة F-16 محطة مهمة كونها أظهرت أن تركيا باتت قادرة على شراء معدات كبرى من اختيارها مع إدخال قدراتها الصناعية والتكنولوجية الناشئة ضمن الصفقة.

وأسهم الإنتاج المشترك في تدريب قوى عاملة ماهرة ونقل مفاهيم الإدارة الصناعية وضبط العمليات وضمان الجودة والدعم اللوجستي المتكامل. ولم يقتصر أثر هذه التجربة على الطيران، بل امتد إلى كامل صناعة الدفاع وقطاعات تقنية أخرى.

6- أوزال وSSM.. عندما دخلت الدولة غرفة الصناعة

مثّل عام 1983 تحولًا آخر مع فوز حزب الوطن الأم بزعامة تورغوت أوزال في الانتخابات وتوليه رئاسة الوزراء، وهو القادم من خلفية اقتصادية ليبرالية. فقد سعى إلى فتح الاقتصاد التركي وتقليص نفوذ الجيش في السياسة والاقتصاد، وكان قطاع الدفاع من أوائل القطاعات التي تأثرت بذلك.

حتى ذلك الوقت، كانت جهود تركيا الدفاعية تتمحور حول منشآت الصيانة العسكرية وأحواض السفن وعدد محدود من المؤسسات الممولة من الدولة، وكلها تحت رقابة القوات المسلحة.

لكن منذ 1985، سمح أوزال بدور أكبر للقطاع الخاص ضمن استراتيجية دفاعية أوسع، وشجّع المستثمرين المحليين على التعاون مع شركاء أجانب لتأسيس شركات “نقل تكنولوجيا” و”مشاريع مشتركة” لجلب المهارات والتقنيات ورأس المال.

تعامل أوزال مع صناعة الدفاع من منظور اقتصادي قائم على الكلفة والمنفعة وكانت رؤية تتمثل في أنه “إذا كان لا بد من إنفاق مبالغ كبيرة على احتياجات الجيش، فالأفضل أن توجه إلى الصناعة المحلية”، بما يقلل أثر الإنفاق الدفاعي على الميزانية ويعزز التوظيف ويجلب الاستثمارات والتكنولوجيا ويدعم النمو الاقتصادي.

وفي عام 1985، أُنشئت وكالة حكومية جديدة باسم وكيل وزارة الصناعات الدفاعية “SSM”، وكانت مسؤولة عن المناقصات والتعاقد على البرامج الكبرى والإشراف على الإنتاج والتسليم. وعمليًا، وُضعت SSM في موقع إدارة وتخطيط وتمويل صناعة الدفاع بأكملها، بما في ذلك البحث والتطوير وبرامج الأوفست (التعويضات الصناعية) وتشجيع الصادرات.

أُنشئت وكالة حكومية باسم وكيل وزارة الصناعات الدفاعية "SSM" عام 1985
أُنشئت وكالة حكومية باسم وكيل وزارة الصناعات الدفاعية “SSM” عام 1985

ومن اللافت هنا أن طاقم SSM كان مدنيًا بالكامل، ما أدخل للمرة الأولى خبرة مدنية إلى مسائل تكنولوجيا الدفاع والمعدات. كما بدأت SSM تتلقى توجيهاتها من اللجنة التنفيذية للصناعات الدفاعية “SSİK” برئاسة رئيس الوزراء، وليس الجيش مباشرة، ما منح القيادة السياسية السلطة الأساسية في شؤون هذا القطاع.

وأدخل أوزال آلية مالية خارج الميزانية لتمويل SSM من ضرائب متنوعة، بما فيها ضرائب الكحول والتبغ والرهانات ومباريات كرة القدم. وقد شكّلت عوائد هذه الآلية ما بين ثلث ونصف إنفاق تركيا على معدات الدفاع آنذاك، ما منح SSM أداة مالية مستقرة لعقودها متعددة السنوات.

أدى هذا التحول إلى إنشاء نحو ست شركات مشتركة، خُصصت كل واحدة منها لبرنامج إنتاج مشترك أو لفئة محددة من المنتجات الدفاعية. واستمر بعضها حتى اليوم، بينما انتقلت الحصص الأجنبية أو الخاصة في بعضها الآخر إلى شركات خاضعة لسيطرة مؤسسة القوات المسلحة التركية. ومع هذا النموذج، بدأ متعاقدون دفاعيون أوروبيون يدخلون سوق الدفاع التركية، بعد أن كانت الهيمنة فيه أمريكية إلى حد كبير.

7- “بي كا كا”.. الحرب التي غيّرت نوع السلاح

بعد تأسيسه في أواخر السبعينيات، مرّ حزب العمال الكردستاني بسنوات من التنظيم والتعبئة والصدامات المحدودة، قبل أن تنتقل المواجهة إلى مستوى أوسع مع إطلاق عملياته المسلحة المنظمة عام 1984. ومع مرور السنوات، وجدت أنقرة نفسها أمام حرب طويلة في جنوب شرقي البلاد، لا تشبه الحروب التقليدية التي بُنيت لها الجيوش الثقيلة.

ففي الجبال والحدود والبيئات الوعرة، أصبحت هناك حاجة ملحة لمراقبة مستمرة واتصالات آمنة وعربات تحمي الجنود من الكمائن والألغام، وقدرة على الحركة السريعة في مناطق صعبة. ومن هنا بدأ يتشكل طلب عسكري سيظهر لاحقًا في المسيّرات والمدرعات التكتيكية والرادارات وأنظمة القيادة والسيطرة.

لذلك، وبينما خفّض كثير من حلفاء الناتو إنفاقهم الدفاعي بعد الحرب الباردة، لم يكن ذلك حال تركيا التي اندفعت نحو شراء معدات لمواجهة حزب العمال الكردستاني والتعامل مع أي تهديد قادم من اليونان في ظل التوتر بشأن بحر إيجه وقبرص.

لكن البيئة الدولية الجديدة جعلت الحلفاء الأوروبيين والأمريكيين أكثر ترددًا في تزويد تركيا بالمعدات التي تحتاجها بسرعة، بذريعة الرغبة الغربية في تخفيض التوتر التركي اليوناني وعدم تأييد حرب أنقرة ضد بي كا كا، ما أدى إلى تأخير بعض الطلبات أو رفضها.

واتخذت سويسرا والنرويج وألمانيا مواقف صارمة وصلت إلى التراجع عن عقود للبنادق والصواريخ والسفن، كما رفضت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون بيع مروحيات هجومية وفرقاطات فائضة لأنقرة.

وعمّقت هذه القيود شعور أنقرة بالعزلة، فقد سبق أن لمست تركيا هذا الشعور خلال حرب الخليج عام 1991، حين أثار بعض حلفائها في الناتو تساؤلات حول مدى انطباق المادة الخامسة، الخاصة بالدفاع الجماعي عليها.

زاد هذا الشعور من عزم الجيش وصناع القرار على تطوير إنتاج محلي، وبدل الاعتماد على الشراء الجاهز، بدأت تركيا تتجه نحو المشاريع المشتركة والإنتاج المرخّص كخيار أقل هشاشة، لأنها تنقل جزءًا من التصنيع والصيانة إلى الداخل، بدل إبقاء السلاح كله تحت رحمة المورد الخارجي.

وكان برنامج “ستينغر” الأوروبي لإنتاج أنظمة الدفاع الجوي المحمولة مثالًا مهمًا، إذ امتلكت تركيا الحصة الأكبر فيه بنسبة 40.5%، وأسست شركة “روكيتسان” لتنفيذ حصتها. وأُنتج نحو 14 ألف صاروخ بين 1988 و2003، ما وضع أساسًا قويًا لصناعة الصواريخ التركية.

وكانت مشاركة تركيا في برنامج طائرة النقل الأوروبية A400M مثالًا آخر على المشاريع متعددة الأطراف. ورغم مشكلات الكلفة والتأخير، منحت هذه المشاركة الصناعة التركية دورًا أكبر في تصميم وتطوير الطائرات.

وحتى برنامج F-35، الذي انضمت إليه تركيا عام 1999 كشريك من المستوى الثالث، بدا لفترة أكثر صمودًا أمام تقلب العلاقات الأمريكية-التركية، إلى أن أُخرجت منه عام 2019 بسبب شراء منظومة S-400 الروسية.

كما بحثت تركيا عن موردين خارج أوروبا وأمريكا الشمالية، فيما استفاد المتعاقدون الإسرائيليون من برامج الدفاع التركية منذ منتصف التسعينيات، قبل أن ينتهي التعاون فجأة بعد صدام منتدى دافوس الاقتصادي عام 2009 بين رئيس الوزراء وقتها والرئيس الحالي رجب طيب أردوغان والرئيس الإسرائيلي آنذاك شيمعون بيريز.

واقتربت أنقرة من الصين للحصول على معرفة ومواد مرتبطة بالصواريخ الباليستية، وحصلت على معدات من روسيا في التسعينيات ضمن صفقة مقايضة لتصفية ديون مستحقة لموسكو.

ورغم نمو نموذج المشاريع المشتركة وظهور أول أوامر التصدير، أثار صعود القطاع الخاص والمستثمرين الأجانب والدور المتزايد للمؤسسات المدنية في المشتريات الدفاعية، رد فعل من القوات المسلحة والمؤسسات الدفاعية القديمة.

وبعد وفاة أوزال عام 1993، زاد الضغط على SSM، وبلغ ذروته عقب “انقلاب ما بعد الحداثة” عام 1997، عندما سعى كبار العسكريين إلى إعادة SSM تحت وزارة الدفاع التي يسيطر عليها الجيش.

بعد ذلك، عكست قرارات المشتريات انحيازًا نحو الطلبات الجاهزة والمؤسسات العامة والعسكرية، والمتعاقدين الأمريكيين والإسرائيليين. كما أصبح صندوق SSM ضحية للأزمة الاقتصادية، إذ استخدمته الحكومات لسد عجز الميزانية. وكانت النتيجة توقفًا شبه كامل للمشاريع الجديدة في مجالات مثل المروحيات والدبابات والمسيّرات ومعدات الحرب الإلكترونية.

8- ما بعد 2002.. مرحلة التعافي

جاء تعافي صناعة الدفاع التركية من اضطرابات الثمانينيات والتسعينيات مع انتصار حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2002. ففي بدايات حكمه، حافظ الحزب على مسار الليبرالية السياسية والاقتصادية، وسعى إلى عضوية الاتحاد الأوروبي وبقي ملتزمًا بالشراكة الاستراتيجية مع واشنطن.

لكنه في الوقت نفسه عمل على إخضاع القوات المسلحة لسلطة سياسية أوسع، ما منح صناعة الدفاع و”SSM” اتجاهًا جديدًا. واختلف النموذج الجديد عن نموذج المشاريع المشتركة ونقل التكنولوجيا الذي ساد في العقدين السابقين.

ففي عام 2004، ومع تعيين رئيس جديد لـ”SSM” بخلفية مباشرة في صناعة الدفاع، أعلنت أنقرة مرحلة “الحلول المحلية” بهدف دعم تطوير منتجات دفاعية جديدة داخل تركيا عبر القطاعين العام والخاص وبتمويل بحث وتطوير توفره “SSM”، لكسر الاعتماد على الموردين الأجانب وحكوماتهم.

لم يكن الطريق سهلًا، فالإنتاج المحلي يعني تأجيل تسليم معدات كان الجيش يريدها بسرعة، لكن العقد الأول من الألفية وفر بيئة ملائمة.

فقد تراجع تهديد حزب العمال الكردستاني نسبيًا، وبدأ التقارب مع اليونان بعد زلزال إزميت عام 1999 وما عُرف لاحقًا بـ”دبلوماسية الزلازل”، وكانت روسيا في وضع اقتصادي وسياسي صعب، بينما أسقطت الولايات المتحدة نظام صدام حسين في العراق، وتراجعت التوترات مع سوريا.

ومنح هذا الهدوء النسبي تركيا وقتًا للاستثمار في برامج محلية مثل الدبابات والمسيّرات والمروحيات الهجومية، كما ساعد النمو الاقتصادي في العقد الأول من الألفية على تمويل هذا الطموح، فيما عززت وفرة الأموال في الأسواق الدولية وتدفق الاستثمار الأجنبي قدرة أنقرة على ضخ أموال في هذا القطاع.

ومع الوقت، لم تعد الصناعات الدفاعية مجرد حاجة عسكرية، بل تحولت أيضًا إلى ورقة سياسية داخلية، تستخدمها الحكومات لإظهار الاستقلال والقدرة والإنجاز الصناعي.

وجاءت نقطة التحول العملية في اجتماع اللجنة التنفيذية للصناعات الدفاعية “SSİK” في 14 مايو/أيار 2004 والذي أُلغيت فيه برامج كانت تقوم أساسًا على الشراء الجاهز من الخارج، مثل دبابات القتال الرئيسية ومروحيات الهجوم والمسيّرات واستُبدلت بها برامج تتضمن تطويرًا محليًا واسعًا. ومن هذا النهج خرجت لاحقًا مشاريع مثل دبابة “Altay”، ومروحية “T129 ATAK”، ومسيّرة “Anka”، وكورفيت “MilGem”.

9- تأميم الصناعة وبناء السيطرة الوطنية

رافقت هذه المرحلة جهود لإعادة هيكلة الصناعة الدفاعية، فقد حاولت “SSM” إعادة ترتيب المقاولين الرئيسيين والفاعلين الكبار، وفتح المجال أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة، وشراء حصص المستثمرين الأجانب في مشاريع دفاعية مشتركة.

في هذا السياق، اشترت مستشارية الصناعات الدفاعية التركية SSM وشركة توساش TUSAŞ عام 2005 حصص شركة لوكهيد مارتن Lockheed Martin الأمريكية الدفاعية، في شركة TAI، وأُعيدت تسميتها Turkish Aerospace Industries.

كما شهدت المرحلة نفسها استعادة حصص في شركات مشتركة مع شركاء أجانب، فقد انتقلت حصة الشريك الفرنسي في Thomson Tekfen Radar إلى هافلسان HAVELSAN، وهي شركة تركية–فرنسية أُنشئت عام 1990 لإنتاج رادارات إنذار مبكر بعيدة المدى ضمن نقل تكنولوجيا، ثم أُعيدت هيكلتها باسم هافلسان تكنولوجي رادار Havelsan Teknoloji Radar.

وفي المسار نفسه، استوعبت أسيلسان ASELSAN شركة مايكس MİKES، المتخصصة في أنظمة الحرب الإلكترونية والرادار والاستخبارات، ومنها أنظمة حماية ذاتية لطائرات F-16.

وبذلك تمثل الاتجاه العام خلال النصف الثاني من العقد الأول للألفية، بتعزيز السيطرة الوطنية وتقديم الحلول المحلية على نموذج الاعتماد على الشركاء الأجانب.

ويظهر ذلك في مشروع “ATAK”، إذ اختارت تركيا مروحية “A129 Mangusta” الإيطالية، لكنها زودتها بإلكترونيات طيران من “أسيلسان” وأنظمة سلاح من “روكيتسان”، بينما وفرت “توساش” التصنيع والتطوير المحليين.

وقد مهّد هذا البرنامج لاحقًا لمشاريع مروحيات محلية مثل “Gökbey”، كما ظهر المنطق نفسه في مشروع “MilGem” البحري، فقد صُمم الكورفيت حول نظام إدارة قتال محلي “GENESIS”، مع مساهمة محلية في التصميم والهندسة وبعض الأنظمة الفرعية، بينما بقيت مكونات كبرى مثل الحساسات ومحطات الطاقة والآلات مستوردة.

ومع السفن التالية، زادت نسبة المحتوى المحلي عبر مشاركة أحواض السفن والشركات الصغيرة والمتوسطة. وفتحت التجربة الطريق أمام برامج بحرية لاحقة مثل فرقاطة “İstif”، وسفينة الاستخبارات “Ufuk”، وسفن دورية “Hisar”، ونسخ تصديرية من “MilGem” لباكستان وأوكرانيا.

10- بناء المنصة الدفاعية أولًا ثم المكونات

من هذه المرحلة خرج نمط أساسي في التوطين التركي تأتي فيه المنصة أولًا، ثم المكونات لاحقًا. أي أن تركيا تبدأ بمنصة عسكرية كبرى، مثل مروحية أو سفينة أو مسيّرة، ثم تزيد تدريجيًا حصة الأنظمة المحلية داخلها.

وقد ساعد هذا النهج في إنتاج رموز دفاعية كبيرة مثل “ATAK” و”Anka” و”MilGem”، لكن تركيا لم تُنهِ الاعتماد على الخارج في الحساسات، والمحركات، وأنظمة الدفع، وبعض الأنظمة الفرعية.

داخليًا، تحولت هذه المنصات إلى رموز سياسية أيضًا، فمع استمرار ذاكرة الحظر والاعتماد على الخارج، قدمت الحكومة مشاريع الدفاع المحلية بوصفها دليلًا على الاعتماد على الذات.

كما أصبحت أرقام المشاريع والإيرادات والصادرات والتوظيف ونسبة المحتوى المحلي جزءًا من الخطاب السياسي التركي. وبحلول أوائل العقد الثاني من الألفية، بدأت برامج مثل “MilGem” و”ATAK” و”Anka” تظهر في الواقع.

أقيم حفل عسكري لتسليم الطراد الثالث من طراز ميلجيم، في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2018
أقيم حفل عسكري لتسليم الطراد الثالث من طراز ميلجيم، في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2018

ومع دخول هذه المنظومات الخدمة، اتسع نطاق المنتجات المحلية إلى المركبات البرية وأسلحة المشاة واتصالات القيادة والسيطرة وأنظمة الاستخبارات والذخائر والمنصات البحرية. وبعد هذه المرحلة، لم يعد التحدي في بناء المنصة فقط بل في استدامتها وصيانتها ودعم دورة حياتها.

11- 2010 – 2015.. التوطين تحت ضغط السياسة

رغم اندفاعها نحو التوطين، لم تتوقف تركيا عن المشاركة في برامج دولية معقدة مثل “F-35” و”A400M”، اللذين عُدّا جزءًا من خريطة تحديث القوات الجوية التركية خلال عقد 2020، لكن مسار التعاون الدولي بدأ يتعرض لاختبارات سياسية متتابعة.

وشكّل حادث “مافي مرمرة” عام 2010 نقطة تدهور حادة في العلاقات التركية-الإسرائيلية، لتعلق أنقرة جميع المشاريع الدفاعية مع “إسرائيل” باستثناء العقود القائمة.

وبعد ذلك بثلاث سنوات، أعلنت تركيا فوز نظام الدفاع الجوي والصاروخي الصيني بعيد المدى “FD-2000” بمناقصة “LORAMIDS”، ما أثار اعتراضًا قويًا داخل الناتو، خصوصًا من الولايات المتحدة. وبعد مفاوضات استمرت عامين، ألغت أنقرة البرنامج وأعلنت أنها ستبحث عن حلول محلية.

في الفترة نفسها، عُيّن إسماعيل دمير رئيسًا جديدًا لـ”SSM”، وبدأ إصلاحات واسعة لتقليل البيروقراطية وتبسيط إدارة البرامج، ما أدى إلى تركيز القرار أكثر في الإدارة العليا.

كما انعكست احتجاجات غيزي بارك عام 2013 على بعض ملفات المشتريات الدفاعية، فبعد اتهام أردوغان لمجموعة “كوتش” بدعم الاحتجاجات، ألغت الجهة التركية المسؤولة عن المشتريات الدفاعية عقد الدفعة الثانية من كورفيتات “MilGem” الذي كان قد مُنح لحوض “RMK Marine”، وهو حوض سفن تابع لمجموعة “كوتش”.

ولم يقف الأمر عند الملف البحري، فشركة “أوتوكار”، التابعة أيضًا لمجموعة “كوتش”، كانت قد طورت دبابة القتال الرئيسية “Altay” بموجب عقد وُقّع عام 2008، لكنها لم تحصل لاحقًا على عقد الإنتاج المتسلسل. وبدلًا منها، مُنح العقد لشركة “BMC”، رغم أن قدراتها في إنتاج دبابة قتال رئيسية كانت موضع تشكيك في ذلك الوقت.

وبالتوازي مع تراجع الثقة بين تركيا والغرب في منتصف عقد 2010، على خلفية الملف الكردي والتوترات السياسية الداخلية وخيارات أنقرة في الدفاع الجوي، بدأت الصناعة الدفاعية التركية تواجه صعوبات أكبر في الوصول إلى بعض المكونات والمعرفة التقنية وخاصة في أنظمة الدفع وناقلات الحركة، والإلكترونيات الدقيقة والحساسات.

12- 2016 – 2020.. من مركزية القرار إلى صدمة S-400

جاءت محاولة الانقلاب في تركيا منتصف يوليو/تموز 2016 كتحول أعمق في الدولة والبيروقراطية وصناعة الدفاع. وبعدها، وُضعت “SSM” تحت السلطة المباشرة للرئاسة عام 2018، وأُعيدت تسميتها إلى رئاسة الصناعات الدفاعية “SSB”، في خطوة أبرزت المكانة التي باتت الحكومة، ولا سيما الرئيس أردوغان، تمنحها للقطاع.

في هذه المرحلة، تحولت العمليات العسكرية التركية في سوريا إلى ساحات اختبار مباشرة للمنتجات الدفاعية المحلية، فمن “درع الفرات” بعد محاولة الانقلاب، إلى “غصن الزيتون” و”نبع السلام”، ثم “درع الربيع” في فبراير/شباط ومارس/آذار 2020، ظهرت الحاجة إلى تزويد القوات بالذخائر والحساسات والمعدات بسرعة وكميات كافية.

كما كشفت هذه العمليات استمرار تأثير القيود الرسمية وغير الرسمية التي فرضها حلفاء أنقرة في الناتو على بعض مشاريع التطوير والإنتاج، لذلك بدأت “SSB” وقطاع الدفاع جهدًا واسعًا للبحث عن مصادر بديلة للمكونات والأنظمة الفرعية والمعرفة الفنية، وفي هذه المرحلة برزت أوكرانيا كشريك مهم، خصوصًا في محركات الطيران وأنظمة الرادار.

أما شراء تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية “S-400” عام 2017 وتسلمها في 2019، فمثّل تحولًا آخر بمسار السياسة الخارجية والصناعة الدفاعية.

وعلى عكس اختيار النظام الصيني “FD-2000” عام 2013، الذي قُدّم بوصفه قرارًا تقنيًا وسعريًا، جاء قرار “S-400” من أعلى إلى أسفل بدفع سياسي، ثم صيغت له مبررات تقنية وعملياتية لاحقًا.

لم تكن الصفقة منسجمة بسهولة مع متطلبات تركيا العملياتية وأحدثت شرخًا مع حلفائها في الناتو، والأهم أنها مثّلت تراجعًا عن قاعدة تركية قديمة كانت تعطي الأولوية لمشاركة الصناعة المحلية في الصفقات الكبرى. فقد كانت أول صفقة دفاعية كبيرة منذ عقود لا تمنح صناعة الدفاع التركية دورًا أو فائدة واضحة.

وبعد التسليم، فرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ديسمبر/كانون الأول 2020 خلال ولايته الأولى، عقوبات على “SSB” وأربعة من مسؤوليها بموجب قانون “CAATSA”.

كما أزالت الولايات المتحدة تركيا من برنامج المقاتلة المشتركة “F-35″، وألغت تسليم ست مقاتلات “F-35A” كانت قد صُنعت لتركيا. ولم ينجُ من تلك اللحظة إلا عدد محدود من برامج التعاون الصناعي الخاصة بأجزاء الطائرات والمحركات.

13- المسيّرات.. من الاختبار الميداني إلى أسواق التصدير

رغم تدهور العلاقات الدفاعية مع الولايات المتحدة وأوروبا، أصبحت صناعة الدفاع التركية أكثر نشاطًا في أسواق تصدير جديدة، ولم تقتصر النتيجة على المبيعات، بل فتحت الباب لتعاون عسكري أوسع مع دول مثل ليبيا وقطر والصومال.

في عام 2018، طلبت قطر، أقرب حلفاء تركيا في الخليج، مسيّرات “Bayraktar TB2” من شركة “Baykar”، وتلا ذلك طلب من أوكرانيا.

ومع أداء مسيّرات “TUSAŞ Anka” و”Bayraktar TB2″ في عمليات مكافحة الإرهاب والعمليات العابرة للحدود في العراق وسوريا، بدأ الطلب على المسيّرات التركية يتوسع، خصوصًا في إفريقيا. وبحلول نهاية 2023، كانت “Baykar” قد صدّرت مسيّرات إلى أكثر من 30 دولة.

14- 2020 – 2026: قفزة الصادرات وحدود الاكتمال

بعد 2020، تحولت الصناعات الدفاعية التركية من مشروع توطين داخلي إلى قطاع تصديري واسع، وأصبحت المسيّرات والسفن والذخائر والإلكترونيات الدفاعية تدخل أسواقًا جديدة، وبدأت شركات تركية كبرى تظهر في التصنيفات العالمية.

لكن هذه القفزة بقيت محكومة بحدود واضحة أبرزها المحركات والحساسات والدفاع الجوي بعيد المدى والمقاتلات المتقدمة.

من 248 مليونًا إلى 10 مليارات.. ماذا تقول الأرقام؟

لا توجد بيانات كاملة تغطي إنتاج تركيا الدفاعي واستيراده وتصديره منذ عام 1923 حتى 2025، فقبل منتصف القرن العشرين، تبقى الأرقام أقرب إلى سجل عقود ومساعدات ومشتريات متفرقة.

وتبدأ القراءة الرقمية الأكثر وضوحًا من عام 1947، حين طلبت واشنطن 400 مليون دولار لمساعدة اليونان وتركيا معًا ضمن مبدأ ترومان، ثم تتضح أكثر بعد 1950 عبر بيانات نقل الأسلحة الكبرى التي يتتبعها معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام SIPRI.

لكن المعهد لا يقيس قيمة صادرات الدفاع بالدولار بل حجم انتقال الأسلحة الكبرى بين الدول وفق مؤشر خاص يُعرف بـ”TIV”، يقدّر الوزن العسكري للسلاح المنقول وليس سعره التجاري.

على سبيل المثال، جاءت تركيا في المرتبة 11 عالميًا في صادرات الأسلحة الكبرى خلال 2020-2024، بحصة 1.7% من الصادرات العالمية وزيادة 103% مقارنة بالفترة 2015-2019، لكن هذا المعدل لا يرصد القيمة التجارية بل حجم نقل الأسلحة الكبرى وفق منهجية SIPRI.

أما أرقام القطاع التجاري فبدأت بالظهور بوضوح أكبر بعد 2002، وفق ما تظهر الأرقام القطاعية المتداولة في الإنفوجراف التالي.

تُظهر الأرقام قفزة واضحة في صادرات الصناعات الدفاعية التركية
تُظهر الأرقام قفزة واضحة في صادرات الصناعات الدفاعية التركية

وتظهر القفزة أيضًا في الشركات، ففي قائمة Defense News لأكبر 100 شركة دفاعية في العالم عام 2025، دخلت خمس شركات تركية: “أسيلسان” في المرتبة 43، و”توساش” في المرتبة 47، و”روكيتسان” في المرتبة 71، و”أسفات” في المرتبة 78، و”MKE” في المرتبة 80.

وبلغت إيرادات “أسيلسان” الدفاعية في هذه القائمة نحو 3.54 مليارات دولار، ما يعكس انتقال بعض الشركات التركية من السوق المحلية إلى موقع أوسع في الصناعة الدفاعية العالمية.

وتكشف أرقام الشركات الخاصة جانبًا آخر من التحول، فقد بلغت إيرادات “بايكار” نحو ملياري دولار في 2023، بحسب تصريح رئيسها التنفيذي، وجاء نحو 90% من مبيعاتها من التصدير.

لكن الأرقام نفسها تكشف حدود الصعود، ففي ملف F-16، بقيت تركيا بحاجة إلى صفقة أمريكية لشراء 40 مقاتلة Block 70، قبل أن تخفّض الصفقة لاحقًا وتلغي 79 حزمة تحديث، مع دفعة مقدمة بلغت 1.4 مليار دولار وقيمة صفقة بعد التخفيض تدور حول 7 مليارات دولار.

وهو ما يعني أن الصناعة المحلية توسعت، لكنها لم تُنهِ اعتماد سلاح الجو على المورد الأمريكي في المقاتلات المتقدمة. وفي الدفاع الجوي، وقّعت تركيا عقودًا بقيمة 6.5 مليارات دولار لتعزيز مشروع “القبة الفولاذية”، الذي يضم 47 مكونًا.

أما نسبة المحتوى المحلي، التي تُذكر غالبًا عند حدود 80 أو 82%، فهي تقيس توسع مساهمة الصناعة المحلية في المنظومات والمشتريات، لكنها لا تجيب وحدها عن أسئلة المحركات والحساسات والرقائق وأنظمة الدفع والبرمجيات والتراخيص.

الدولة والشركات في قلب الصناعات الدفاعية التركية

أنتجت الصدمات السابقة والتقييد الغربي رغبة تركية في تصنيع سلاحها بيدها ودفعتها أيضًا إلى إعادة بناء العلاقة بين الدولة والصناعة الدفاعية ليصبح التعامل مع الأخيرة كمشروع سيادي.

في مركز هذه البنية، تقف رئاسة الصناعات الدفاعية “SSB”، الجهة التي تحدد الأولويات وتطلق البرامج الكبرى وتدير المشتريات وتحوّل احتياجات الجيش إلى مشاريع صناعية قابلة للتنفيذ لتعمل كحلقة وصل بين جميع الأطراف.

إلى جانبها، تؤدي مؤسسة القوات المسلحة التركية “TSKGV/TAFF” دورًا لا يقل أهمية، فهي تملك حصصًا مؤثرة في شركات رئيسية مثل “أسيلسان” و”توساش” و”روكيتسان” و”هافلسان”، ما يمنح المؤسسة العسكرية والدولة حضورًا مباشرًا في الشركات التي تنتج الرادارات والطائرات والصواريخ والبرمجيات العسكرية.

وتأتي قوة هذا النموذج الوطني من الملكية والعلاقة القريبة بين المصنع والميدان، على اعتبار أن الجيش التركي ليس مجرد مشترٍ ينتظر المنتج النهائي، بل جهة تستخدم المنظومات وتختبرها في بيئات عملياتية داخلية وخارجية ثم تعمل على تطويرها وتحولها إلى منتجات قابلة للتصدير.

إلى جانب هذه الكتلة المرتبطة بالدولة، برزت شركات أكثر مرونة في الابتكار والتسويق تعمل داخل منظومة واحدة تؤدي أدوارا متكاملة، وهي:

بايكار (Baykar): تبقى الاسم الأكثر حضورًا فيما يتعلق بالطائرات المسيّرة بفضل “بيرقدار TB2” و”أقنجي Akıncı”، ثم الجيل الأحدث مثل “TB3″ و”Kızılelma”.

ودخلت “TB2” الخدمة وصُدّرت واستخدمت ميدانيًا بينما لا تزال “TB3″ و”Kızılelma” ضمن مرحلة أعلى من التطوير، ولم تبلغا بعد درجة النضج العملياتي نفسها.

توساش (TUSAŞ/TAI): تعمل في الطيران العسكري الواسع، من المقاتلة الوطنية “KAAN” والطائرة التدريبية الهجومية الخفيفة “Hürjet”، إلى المسيّرات “ANKA” و”Aksungur” و”ANKA III”.

وتمثل هذه الشركة مساحة الطموح الأثقل في الصناعة الجوية التركية، حيث لا يتعلق الأمر بمسيّرات فقط، بل بمحاولة بناء قدرات وطنية في الطائرات والمروحيات والفضاء.

تي إي آي (TEI) وتي آر موتور (TRMotor) وكاله (Kale) وبي إم سي باور (BMC Power): تقف هذه الشركات في طبقة أكثر حساسية تتمثل في المحركات وأنظمة الدفع.

فكل طموح تركي في المقاتلات والمسيّرات والمروحيات والدبابات والصواريخ يصطدم في النهاية بسؤال المحرك، أي القدرة على تشغيل المنظومة بقوة دفع محلية بدل البقاء تحت رحمة المورد الخارجي.

روكيتسان (Roketsan): تمثل ذراع الضربة التركية، من الذخائر الموجهة إلى الصواريخ التكتيكية والبحرية مثل “ATMACA”. وتكمن أهمية الشركة في أنها تنقل المنظومات المحلية من وسيلة حركة أو استطلاع إلى قدرة ضرب دقيقة، بحيث لا تبقى المسيّرة أو السفينة أو المدرعة منصة حاملة فقط.

إم كي إي (MKE) وتوبيتاك ساجه (TÜBİTAK SAGE): تؤدي الأولى دور القاعدة التقليدية للذخائر والمدافع والأسلحة، بينما تتخصص الثانية في البحث والتطوير وأنظمة الإرشاد والذخائر المتقدمة.

أسيلسان (ASELSAN): تكاد تكون قلب منظومة الإلكترونيات الدفاعية، من الرادارات والاتصالات إلى الحرب الإلكترونية والمستشعرات ومكونات الدفاع الجوي. وتمنح هذه الشركة المنظومات التركية القدرة على الرؤية والاتصال وتوجيه الضربة.

هافلسان (HAVELSAN) وميتِكسان (Meteksan Defense): تعمل الأولى في البرمجيات العسكرية والقيادة والسيطرة والمحاكاة وأنظمة إدارة القتال، بينما تتحرك الثانية في الرادارات والاستشعار والأنظمة المتخصصة، وتمثلان معًا البعد الأقل صخبًا في الصناعة الدفاعية التركية المتمثل في إدارة البيانات خلال المعارك.

أوتوكار (Otokar) وبي إم سي (BMC) وإف إن إس إس (FNSS) ونورول ماكينة (Nurol Makina) وكاتمرجيلر (Katmerciler): في البر، تشكل هذه الشركات قطاع المدرعات والعربات التكتيكية. ويُعد هذا المجال من أكثر القطاعات التركية العسكرية نضجًا في التصدير، خصوصًا في المركبات المدرعة الخفيفة والمتوسطة.

إس تي إم (STM) وأسفات (ASFAT) وتايس (TAIS) وسدف (Sedef): في البحر، تتحرك هذه الشركات ضمن برامج السفن والفرقاطات والزوارق الحربية وسفن الإنزال والتحديث البحري.

ولا تكتفي تركيا هنا ببناء هيكل السفينة بل تحاول دمج أنظمة إدارة القتال والرادارات والتسليح والبرمجيات داخل قدرة بحرية واحدة. وتظهر أهمية هذا القطاع في طموحها داخل البحر الأسود وشرق المتوسط.

نقاط القوة وحدود الصناعات الدفاعية التركية

تظهر نقاط القوة التركية اليوم في خمسة مجالات مترابطة كما يرصدها الإنفوجراف التالي.

تلخّص هذه المجالات قاعدة القوة الحالية في الصناعات الدفاعية التركية
تلخّص هذه المجالات قاعدة القوة الحالية في الصناعات الدفاعية التركية

والأهم من هذه المجالات مجتمعة أن تركيا لم تعد تبيع قطعًا منفصلة فقط، بل أصبحت قادرة على بيع حزمة متكاملة تشمل المنتج وذخيرته والتدريب عليه وصيانته لاحقًا.

ولا تقاس قيمة الصناعة الدفاعية التركية فقط بما تضيفه إلى الجيش الوطني بل بما تفتحه أيضًا من علاقات كما حدث مع عدة دول.

وظهر هذا النفوذ أولًا في أذربيجان، حيث دخل السلاح التركي في بنية تحالف عسكري وسياسي واضحة بعد حرب قره باغ. وفي أوكرانيا، منحت المسيّرات التركية أنقرة موقعًا خاصًا، جعلتها شريكًا أمنيًا لكييف من دون أن تقطع خطوطها مع موسكو.

أما في باكستان، فتتجاوز العلاقة منتجًا واحدًا إلى مشاريع بحرية وتحديثات وتعاون صناعي، بينما تتحرك الشركات التركية في إفريقيا والخليج وآسيا الوسطى والبلقان كبديل أقل كلفة وأكثر مرونة من السلاح الغربي، ومنافس لبعض العروض الروسية والصينية.

بهذا المعنى، لا تبيع تركيا السلاح فقط بل أيضا القدرة على التدريب والصيانة والشراكة وربط الجيوش الأخرى بمنظومتها التقنية والسياسية، ما يجعل الصناعات الدفاعية أداة سياسة خارجية بقدر ما هي قطاع اقتصادي.

لكن هذه الخريطة لا تكتمل من دون النظر إلى حلقاتها الناقصة، فأكثر ما يختبر الاستقلال الدفاعي التركي اليوم ليس الهيكل الخارجي للطائرة أو الدبابة أو السفينة، بل ما يعمل في داخله كالمحرك وأنظمة الدفع والحساسات والرقائق وبرمجيات التشغيل والتوجيه.

وفي الجو، يبقى برنامج “KAAN” المثال الأوضح، فالمقاتلة الوطنية تمثل طموحًا تركيًا حقيقيًا، لكنها لم تتحول بعد إلى قدرة عملياتية مكتملة السيادة، لأن المحرك الوطني وسلسلة الإنتاج الواسع والجاهزية القتالية لا تزال قيد التطوير.

وفي البر، تكشف دبابة “Altay” حدود الاستقلال التركي بالمنظومات الثقيلة، فرغم دخولها مسار الإنتاج، لا تزال نسخها الأولى تعتمد على منظومة دفع أجنبية تشمل المحرك وناقل الحركة، قبل الانتقال المخطط له إلى منظومة الدفع المحلية “BATU” التي تطورها شركة “BMC Power” التركية.

أما في الدفاع الجوي، فيحمل مشروع القبة الفولاذية طموحًا واضحًا لبناء شبكة تركية متعددة الطبقات تجمع الرادارات والصواريخ ومراكز القيادة والسيطرة، لكنه قيد البناء حتى الآن.

لذلك، قد تكون المنظومة تركية في تصميمها وتجميعها لكن قطعة واحدة، ككاميرا متقدمة أو رقاقة أو مادة مركبة، قادرة على تعطيل التشغيل أو تأخير الإنتاج إذا خضعت لقيود خارجية.

ويبقى الاختبار الأصعب بعد ذلك في خط الإنتاج، فكثير من المشاريع تستطيع أن تلفت الأنظار بنموذج أولي أو تجربة ناجحة، لكن القوة الحقيقية تبدأ عندما تتحول إلى أعداد كافية تُسلَّم في مواعيدها وتعمل بجودة ثابتة وتجد طريقها إلى الزبائن في الخارج.

ومن هنا فإن القفزة التركية في مجال الصناعات الدفاعية لا تعني اكتمال الاستقلال، لكنها تؤكد أن أنقرة باتت تملك خطوط إنتاج أوسع وبدائل أكثر وقدرة تفاوض أعلى.

وبين ما تحقق وما بقي عالقًا، تتشكل الذراع الطويلة للأناضول كخلاصة لتحول تركي لم تكتمل جميع حلقاته بعد، لكنه غيّر موقع أنقرة من مشتر كبير للسلاح إلى صانع متزايد لأدوات القوة.

الوسوم: أسلحة الجيش التركي ، الصناعات التركية ، الصناعات الدفاعية التركية ، الصناعات العسكرية ، الصناعات العسكرية التركية
الوسوم: ترسانة الجمهورية
تحميل هذا المقال بصيغة PDF
شارك هذا المقال
فيسبوك تويتر واتساب واتساب التليجرام البريد الإلكتروني نسخ الرابط
خالد أصلان
بواسطة خالد أصلان صحفي فلسطيني.
متابعة:
صحفي فلسطيني.
المقال السابق نون بوست الأقصى تحت التهويد العلني.. سوابق ميدانية ترسم التقسيم

نشر هذا التقرير ضمن ملف:

ترسانة الجمهورية

ترسانة الجمهورية

أحدث ما نشر في هذا الملف:

part of the design
نشرة نون بوست الأسبوعية
نون بوست

منصة إعلامية مستقلة، تأسست عام 2013، تنتمي لمدرسة الصحافة المتأنية، تنتج تقارير وتحليلات معمقة ومحتوى متعدد الوسائط لتقديم رؤية أعمق للأخبار، ويقوم عليها فريق شبابي متنوّع المشارب والخلفيات من دول عربية عدة.

  • سياسة
  • مجتمع
  • حقوق وحريات
  • آراء
  • تاريخ
  • رياضة
  • تعليم
  • تكنولوجيا
  • اقتصاد
  • صحافة
  • أدب وفن
  • ريادة أعمال
  • سياحة وسفر
  • سينما ودراما
  • طعام
  • صحة
  • ثقافة
  • أحدث التقارير
  • ملفات
  • مطولات
  • حوارات
  • بودكاست
  • تفاعلي
  • الموسوعة
  • بالصور
  • من نحن
  • كتّابنا
  • اكتب معنا
  • السياسة التحريرية
  • بحث متقدم
بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تمت الإزالة من المفضلة

تراجع
Go to mobile version