لم تنجُ المواقع الأثرية في سوريا من التخريب طيلة سنوات الحرب الماضية، وتعرضت غالبيتها للتدمير والتخريب الممنهج، سواء بفعل الأعمال القتالية أو بسبب التنقيب العشوائي عن الآثار، والذي لا يزال متواصلًا حتى يومنا هذا.
تُوصف منطقة الجزيرة في أوساط الآثاريين بأنها “جنة الآثار السورية”، حيث تحوي أكثر من 1500 موقع أثري، غالبيتها غير مسجلة، ولم تُجرَ فيها التنقيبات بشكل نظامي. وبالعموم، تعد الجزيرة السورية من أكثر البقاع في سوريا والعالم غنىً بالآثار، حيث تعاقبت عليها عديد الثقافات والحضارات منذ فجر التاريخ، وما جرى للآثار في بقية البلاد جرى عليها من حيث التدمير والتخريب.
التلال المفتوحة على النهب
مع سقوط نظام الأسد في أواخر عام 2024، ومع تبلور العهد الجديد، تفشت ظاهرة التنقيب عن الآثار في عموم البلاد بشكل هستيري. أفراد وجماعات وعصابات منظمة استغلوا هشاشة الوضع الأمني في سوريا الجديدة، ولا تزال أنشطتهم متواصلة في مناطق الجزيرة المحررة حديثًا من سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد). إذ تشهد المواقع والتلال الأثرية في الحسكة والرقة ودير الزور عمليات تنقيب علنية وبطرق فوضوية، من دون أي رقيب أو حسيب، بل يتولى الأهالي في عديد المرات مهمة حماية تلك الآثار بشكل تطوعي.
آخر تلك الحوادث الموثقة كانت في بلدة “جزرة البو حميد” غربي دير الزور، حيث أقدمت مجموعة من الأشخاص بتاريخ 17 من أيار/مايو المنصرم على تجريف أجزاء من تل الحميضة الواقع في البلدة المذكورة بواسطة جرافة (تركس). وبحسب ما قال الآثاري إبراهيم المعدان، ابن المنطقة، فإن الموقع المسمى “تل الفخار” عند الأهالي يعود إلى فترة أوروك المتأخرة، أي نحو 3000 سنة قبل الميلاد تقريبًا. وأثناء قيام تلك العصابة بمحاولة تجريف التل بحثًا عن الآثار، خرج أهالي المنطقة إليهم وأوقفوهم، وقاموا باستدعاء عناصر الأمن الداخلي الذين اعتقلوهم.
وبحسب إبراهيم، فإن هذا الموقع ليس الوحيد الذي تعرض للتجريف، إذ طالت عمليات التنقيب مواقع أخرى في محيط المنطقة كذلك، من قبل مجموعات أخرى من الباحثين عن الآثار.
شرعت مجموعة مسلحة ترتدي زي الأمن العار بتجريف موقع تل الحميضة الأثري في منطقة جزرة البوحميد غربي دير الزور، باستخدام آليات ثقيلة
وقال شهود عيان إن أفراد المجموعة الذين وصلوا بسيارتين وآلية “تركس” من منطقة الشامية، غطوا لوحات مركباتهم بالطين وبدأوا بأعمال تجريف واسعة داخل التل pic.twitter.com/IGTjvrZY3k
— maya (@meme_syr3) May 18, 2026
سارقون كُثر وضحية واحدة
هذا الهوس بالبحث عن الآثار اليوم ليس بجديد، بل هو استكمال لمسيرة طويلة من التنقيبات الفوضوية التي ساهمت في تدمير الإرث التاريخي السوري وسرقته، والتي امتدت منذ عهد عائلة الأسد التي هيمنت على كامل مقدرات البلاد فوق الأرض وتحتها، حيث كانت عمليات سرقة الآثار تُدار عبر قادة الفروع الأمنية.
إذ بدأت بشكل علني على يد رفعت الأسد، شقيق الدكتاتور حافظ الأسد، ومع انطلاق الثورة السورية أخذت أشكالًا أكثر شمولًا من عديد الأطراف، وعلى رأسهم قادة ميليشيات النظام، وفي مقدمتها ميليشيا الفرقة الرابعة التي كان يتزعمها ماهر الأسد، شقيق الرئيس المخلوع، حيث كانت تدير تجارة الآثار بالتوازي مع تجارة المخدرات، وخلقت الفرقة الرابعة اقتصادًا مستقلًا لها نتيجة تلك الأعمال.
ومع تهاوي سيطرة قوات النظام وفقدانها السيطرة على مساحات شاسعة من البلاد مطلع عام 2012، دخلت أطراف ثانية على خط تجارة الآثار، حيث كانت المواقع الأثرية من أولى المواقع التي تم السطو عليها مع بقية المؤسسات الخدمية الحكومية، سواء من قبل عصابات متخصصة بهذا المجال أو من قبل الفصائل والتنظيمات المسلحة التي هيمنت على المنطقة آنذاك. كذلك ساهم بعض سكان المنطقة الراغبين بالثراء السريع في عمليات التنقيب تلك.
وبدون مبالغات، كانت فترة سيطرة تنظيم (داعش) والحرس الثوري الإيراني من أكثر الفترات ظلامًا على الآثار في شرقي البلاد وشمالها. فقد تبنى داعش عمليات التنقيب بشكل رسمي، وأسس ما يُعرف بـ”ديوان الركاز” المتخصص باللقى الأثرية، حيث منح كل راغب بالتنقيب رخصة للبحث شريطة تسليم ما يعثر عليه للديوان مقابل أجر مادي. وبالتوازي مع ذلك، نفذ عمليات تنقيب واسعة في المواقع المعروفة، وباشر أعمالًا عبر آليات وفرق متخصصة أدت إلى تجريف عديد المواقع وتدمير أجزاء منها، على غرار عدة تلال في الحسكة ومواقع أثرية في الرقة ودير الزور.
وبعد أفول تنظيم داعش ومجيء الميليشيات الإيرانية إلى دير الزور، حذت الأخيرة حذو التنظيم في استغلال المواقع الأثرية، سواء عسكريًا عبر اتخاذها مقرات وثكنات، أو من خلال التنقيب فيها بحثًا عن الآثار. كما حصل في موقعي دورا أوروبوس ومملكة ماري بريف دير الزور، حيث قامت ميليشيا حزب الله بالتنقيب فيهما بشكل أدى إلى تدمير أجزاء منهما بواسطة الجرافات. كذلك اتخذت ميليشيا أبو الفضل العباس الشيعية من قلعة الرحبة الأثرية في مدينة الميادين شرق دير الزور مستودعًا للذخيرة عام 2019.

أحلام الثراء على أنقاض التاريخ
بالمجمل، يُلاحظ أن عمليات التنقيب في الجزيرة عشوائية في غالبيتها، وتتمحور اليوم بدرجة أكبر في الحسكة، ثم الرقة ودير الزور بدرجة أقل. والعاملون في التنقيب هم من مختلف فئات المجتمع، وحتى من الأطفال، والدافع بالدرجة الأولى هو الفقر وندرة فرص العمل، إذ يدفع اليأس والرغبة بالغنى السريع هؤلاء الناس نحو التنقيب، الذي يتحول إلى عمل خطير في عديد المرات.
في شهر آذار من العام الجاري، لقي ثلاثة فتيان حتفهم في قرية “قانا” بريف الحسكة الجنوبي، إثر انهيار تل أثري عليهم خلال قيامهم بالحفر بحثًا عن الآثار في المنطقة، حيث كانوا يحفرون في تل أثري يُعرف باسم “تل المرزة” الواقع قرب القرية، قبل أن تنهار عليهم كميات كبيرة من التراب، ما أدى إلى دفنهم تحت الردم ووفاتهم.
الملاحظ اليوم أن جل عمليات التنقيب في الحسكة تتركز في الريف الجنوبي من المحافظة، حيث أدى انسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من المنطقة إلى حدوث فراغ أمني كبير، لا يزال واضحًا حتى الآن على الرغم من سيطرة الحكومة السورية على المنطقة. هذه الهشاشة الأمنية، إضافة إلى الفقر الشديد الذي يعانيه غالبية السكان هناك، تدفعهم إلى العمل في التنقيب عن الآثار في التلال الأثرية المنتشرة في المنطقة.
يقول جلال، أحد سكان الشدادي، لـ”نون بوست” “بداية التنقيب العشوائي كانت مع تهاوي سيطرة نظام الأسد على المنطقة بعد عام 2013، إذ باشرت مجموعات مجهولة قدمت من خارج الشدادي بعمليات البحث عن الآثار، تلاها قيام بعض سكان المنطقة بالحفر بشكل فردي في التلال الأثرية. ومع مجيء تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، باشر التنظيم كذلك عدة عمليات تنقيب، وكذلك الحال بالنسبة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، حيث قام بعض قياداتها بجلب حفارات وورشات تنقيب إلى بعض التلال المحيطة أثناء سيطرة الميليشيا على المنطقة، وأذكر من تلك المواقع تل عجاجة وتل طابان”.
ويضيف جلال “مع سقوط النظام عادت عمليات النبش والتنقيب بشكل كبير جدًا، وغالبيتها اليوم تجري ليلًا. فخلال الشتاء الماضي كان الأمر جنونيًا، وكأنها حمى انتشرت بين الناس. هنا نسمع كثيرًا أن عددًا من الأشخاص قد عثروا على لقى أثرية في عدة مواقع، منها تل عجاجة. ولحد اليوم لم تقم السلطات السورية بأي تحرك إزاء هذا الوضع. نادرًا ما تحضر دوريات إلى المكان بعد تلقي بلاغات، لكنها تكتفي بصرف المنقبين، الذين يعودون مجددًا بعد رحيل الدورية. وفي الوقت نفسه لا يمكنني لوم أحد، فالفقر هنا شديد في الحسكة، ولا عمل لدى السكان، وعمليات السرقة منتشرة، والدعم الحكومي ضئيل بل معدوم حتى. لذلك ليس أمام جموع اليائسين سوى التنقيب تحت الأرض. لقد أصبح هذا العمل كالسوسة حرفيًا لدى شريحة لا بأس بها من الناس”.
ما تبقى من التاريخ ينتظر الإنقاذ
في محافظة الرقة لا يختلف الأمر كثيرًا عن الحسكة من حيث أوضاع المواقع الأثرية، فالحال هناك سيئ كذلك، إذ تعاني عديد المواقع الشهيرة من التعديات والإهمال، كما تتعرض بعض التلال الأثرية للنبش والتنقيب. فقلعة جعبر، وقصر البنات، وسور الرقة الأثري، وهرقلة، وتل توتول، وتل زيدان وغيرها، كلها لم تسلم من التخريب والتعدي.
وفي نيسان/أبريل الماضي من العام الجاري، أظهرت مشاهد بثها ناشطون إضرام النار في موقع قصر البنات في الرقة، وهو أحد المعالم العباسية الشهيرة في المحافظة. كما يتحدث بعض السكان عن استخدام الطوب المأخوذ من سور الرقة الأثري في عمليات البناء، من دون أي رادع.

أما في دير الزور، فلم تصل حتى اليوم أي جهة حكومية إلى أي موقع أثري في المحافظة لتفقده، ولا تزال آثار مملكة ماري، ودورا أوروبوس، والرحبة، وحلبية، وزلبية، ودور كاتليمو، وبقرص خارج الحسابات، بل اقتصرت الزيارات إليها على بعض الرحالة والسياح الغربيين الذين زاروا بعضها بقصد الاستكشاف.
وهنا توضع ألف إشارة استفهام حول مصير هذه الأوابد التي تعرضت لتدمير كبير خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية، والتي لو وجدت أي اهتمام حكومي قد تسهم في نهضة المنطقة بوصفها معالم سياحية مهمة. إلا أن الآثار بشكل عام في المحافظات الثلاث لا تزال خارج الاهتمام الحكومي فعليًا، ولا تزال مديريات الآثار والمتاحف من دون أي دعم يُذكر، حالها حال عديد المؤسسات في المحافظات الثلاث.
ولعل الأسوأ في كل ما يحصل أن الفضاء الأزرق، “منصة فيسبوك” مثلًا، قد تحول إلى سوق رقمي للقى الأثرية السورية من دون أي رقابة، يتشارك فيه لصوص الآثار ما عثروا عليه وتُباع هناك القطع الأثرية، وكل هذا من دون رقابة حكومية. كما يُلاحظ كذلك انتشار بيع أجهزة كشف المعادن بكثرة في أسواق المحافظات، على غرار دمشق وحلب، والتي يستخدمها صائدو الآثار في التنقيب، بل بات بعضها يُؤجَّر حتى بالساعات، كما يحصل في بعض نواحي دير الزور والرقة وبشكل علني.
وبالمجمل، لا تزال الجهود الحكومية السورية شحيحة في الجزيرة بشكل عام. والجدير بالذكر أن المديرية العامة للآثار والمتاحف في دمشق كانت قد استعرضت في أيار/مايو المنصرم عددًا من الآثار والتحف السورية التي قالت إنه تم استعادتها بعد أن تعرضت للسرقة خلال السنوات الماضية. ومع ذلك، فإن مسألة حماية المواقع الأثرية المتبقية في البلاد لا تزال دون المستوى المطلوب وخارج الحسابات الحكومية.
إن ما حصل للآثار السورية طوال السنوات الماضية، وما يجري عليها اليوم، يستلزم تحركًا عاجلًا يساعد على استرجاع ما تمت سرقته، ويحفظ ما تبقى من معالم في بلاد كانت تُعد، ومن دون مبالغة، أحد أبرز البقاع في تاريخ البشرية. وبالتأكيد يستدعي ذلك كذلك تنمية مناطق الجزيرة بشكل أكبر، ونشر الوعي بين السكان حول أهمية هذه المواقع الأثرية.