عندما يدور الحديث عن نفوذ الحكومات الأجنبية داخل مراكز صنع القرار في واشنطن، يقفز اسم إسرائيل مباشرة إلى الواجهة دائما، بينما نادرًا ما تحظى الإمارات بالقدر نفسه من الانتباه، بيد أن تحقيق صحيفة “وول ستريت جورنال” المنشور في 19 يوليو/تموز الحالي بعنوان “ضابط الاستخبارات الذي تجسس على الإمارات وساهم في فوزها بملف الذكاء الاصطناعي”، يفتح العيون على حجم النفوذ الإماراتي وطبيعته، إذ انتقل نفوذ أبوظبي من المفهوم التقليدي لجماعات الضغط (اللوبي)، القائم على شركات العلاقات العامة والمال السياسي المباشر، إلى مفهوم أعمق هو الاستثمار في المسيرة المهنية للمسؤولين.
جوهر هذه الاستراتيجية – التي نناقشها في هذا التقرير – تقوم على أن الإمارات لا تشتري الولاء عند التقاعد فحسب، بل توفر للمسؤول الأمريكي شبكة أمان مالي ووظيفي خلال فترات خروجه من السلطة، بما يضمن لها وسيطًا محليًا داخل النظام الأمريكي عند عودته إلى الحكم.. أي أن أبوظبي لا تراهن على الموظف المتقاعد بل على الموظف “الدوّار” الذي يتنقل بين القطاعين العام والخاص، فتحتضنه في فترة الفراغ لتقطف ثماره حين يعود.
يفكك تقريرنا هذه الاستراتيجية عبر خمسة محاور، من الدفاع إلى الاستخبارات، ومن التلاعب اللغوي في ملف السودان إلى هندسة الحواضن الفكرية وبيوت الخبرة، وصولًا إلى تجاوز الخطوط الحمراء وردود الفعل التشريعية الأمريكية.
ماتيس الذي أطلق على الإمارات لقب “إسبرطة الصغيرة”
تتضح ملامح الاستراتيجية في سلسلة من الحالات المتراكمة عبر السنين، أبرزها حالة الجنرال جيمس ماتيس الذي تقدم في يونيو/حزيران 2015 بطلب رسمي إلى مشاة البحرية ووزارة الخارجية للحصول على إذن بالعمل مستشارًا عسكريًا خاصًا وسريًا لمحمد بن زايد في الجوانب العملياتية والتكتيكية والمعلوماتية والأخلاقية لحرب اليمن، وذلك وفق وثائق كشف عنها تحقيق لصحيفة “واشنطن بوست” في فبراير/شباط 2024.
واللافت أن ماتيس عاد إلى البنتاغون وزيرًا للدفاع في يناير/كانون الثاني 2017 من دون أن يكشف علنًا عن عمله الاستشاري السابق لحاكم أبوظبي، وأن مسؤولين كبارًا ودبلوماسيين في المنطقة قالوا للصحيفة إنهم لم يكونوا على علم بذلك.
هكذا تحولت فترة ماتيس البيّنية بين التقاعد من الجيش والعودة إلى الحكومة إلى جسر رسّخ علاقة أبوظبي الاستراتيجية بالمؤسسة العسكرية الأمريكية وهو الذي أطلق على الإمارات لقب “إسبرطة الصغيرة” (Little Sparta) عندما كان قائدًا للقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) بين عامي 2010 و2013. برر الوصف بأنه تعبير عن إعجابه الشديد بأبوظبي ودورها الإقليمي النشط الذي يتجاوز حجمها الجغرافي.

أظهرت الوثائق التي حصلت عليها واشنطن بوست معارضة ماتيس لذكر هذا الدور في إفصاحاته المالية عند توليه منصب وزير الدفاع، فضلًا عن تلقيه مكافآت مالية مقابل خدماته، كجزء من ظاهرة أوسع لتجنيد الإمارات لعسكريين أمريكيين متقاعدين.
النمط نفسه يتكرر مع ريتشارد كلارك، منسق مكافحة الإرهاب الأسبق، الذي ترأس مجلس محافظي معهد الشرق الأوسط وأسس شركة الاستشارات “غود هاربر” في أبوظبي، وبحسب تقارير رويترز والجزيرة ساهمت أعمال كلارك في بناء قدرات المراقبة السيبرانية الإماراتية.
أما البريد الإلكتروني المسرّب للسفير الإماراتي يوسف العتيبة (الذي نشرته “ذي إنترسبت” في تحقيقها بعنوان “حكومة خليجية قدمت هدية سرية بقيمة 20 مليون دولار لمركز أبحاث في واشنطن”) فيكشف أن كلارك أمّن نحو 20 مليون دولار لمعهد الشرق الأوسط عبر تحويلات تعويضية مرّت من شركة “توازن القابضة” إلى مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية المرتبط بجهاز أمن الدولة في أبوظبي ثم إلى المعهد.
إذ كتبت رئيسة المعهد ويندي تشامبرلين إلى مسؤول إماراتي يدعى سيف الهاجري: “أبلغ السفير يوسف العتيبة رئيسنا ريتشارد كلارك بلطف بمنحة مركز الإمارات للدراسات”، تحول المعهد بحسب تلك الوثائق إلى أداة نفوذ إماراتية موثقة، وفي السياق نفسه يبرز اسم ريتشارد ميرفي، الدبلوماسي المخضرم وعضو مجلس محافظي المعهد.
قصة المنطقة من واقع #تسريبات_الإمارات #اختراق_إيميل_السفير_الإماراتي #العتيبةhttps://t.co/5NTCFw09b3 pic.twitter.com/2zaz29BwID
— نون بوست (@NoonPost) June 4, 2017
لكنّ أكثر الحالات دلالة هي حالة ضابط الاستخبارات جوناثان “جوني غانون” التي كشفها تحقيق وول ستريت جورنال المشار إليه في بداية التقرير، فقد كان غانون ضابطًا ميدانيًا بارزًا أمضى أكثر من 26 عاما في وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) وتولى رئاسة محطات استخبارية متعددة في الخارج، قبل أن يرسله مدير الوكالة ويليام بيرنز عام 2023 إلى أبوظبي تحت غطاء دبلوماسي في السفارة الأمريكية، لتقييم شركة “جي 42” (G42) وتقييم رئيسها الشيخ طحنون بن زايد – الذي يشغل في الوقت ذاته مستشار الأمن الوطني الإماراتي – بسبب صلات الشركة بالصين وهواوي، وذلك قبل السماح لها بالوصول إلى رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
وبحسب “وول ستريت جورنال” تطور دور غانون تدريجيًا من جمع المعلومات إلى قناة اتصال: فقد نقل النصائح إلى طحنون طوال أكثر من ستة أشهر بشأن ما تحتاجه الشركة لنيل رضا واشنطن، بل أعطى تلميحات هادئة عن المشاكل التي كشفها التجسس، وسرعان ما كانت تلك المشاكل تختفي. إذ قدمت “جي 42” عرضًا تقديميًا قالت فيه إنها أزالت معدات هواوي بقيمة 150 مليون دولار من أنظمتها، وطار غانون إلى واشنطن ليطلع كبار المسؤولين بينهم وزيرة التجارة جينا رايموندو وبريت مكغورك على استنتاجاته، في دور غير معتاد لرئيس محطة، وقد جاء في التحقيق حرفيًا أنه “انتهى به الأمر من التجسس على جي 42 إلى مساعدة الإمارات على تنظيف المشاكل المقلقة التي اكتشفها”.
بعد تقاعده من الوكالة في صيف 2025، تحول غانون من مقيّم أمني إلى مروّج وميسّر للصفقات، فقد أصبح بحسب التحقيق، يسافر إلى الإمارات بشكل متكرر لعقد لقاءات بين مسؤولين تنفيذيين أمريكيين ومسؤولين أمنيين إماراتيين، ويساعد شركات الأمن على الفوز بعقود استشارية، فيما يغازل “جي 42” كعميل محتمل، وقد انتقده أكثر من 30 مسؤولًا حاليًا وسابقًا في الدبلوماسية والأمن القومي والبيت الأبيض ومجتمع الاستخبارات، حتى إن بعضهم رأى أنه “تماهى مع الطرف الآخر”، معتبرين أنه “كان يمهّد الطريق لتخلّي أميركا عن أفضليتها في المنافسة الجيوسياسية الحاسمة لهذا القرن”.
يحمل غانون اليوم لقب “زميل استخبارات متميز” في معهد الشرق الأوسط، أي أنه انتقل من قلب الوكالة الاستخباراتية الأشهر على مستوى العالم إلى حاضنة فكرية تُعدّ نفسها أداة نفوذ إماراتية وهو التجسيد الأكمل لدورة الاستثمار في المسيرة المهنية، فضلًا عن عمله عضوًا ومستشارًا في مجلس الأعمال الأمريكي الإماراتي.

بريت مكغورك والسودان.. التلاعب اللغوي كأداة تبرئة
يمثل بريت مكغورك، مستشار الشرق الأوسط في إدارة بايدن، الحالة الأبرز لما يمكن تسميته التبرئة عبر التلاعب اللغوي، ففي ديسمبر/كانون الأول 2024، وجّه مكغورك رسالة إلى السيناتور كريس فان هولن ردًا على ضغوط الكونغرس لوقف صفقات السلاح للإمارات حتى تتوقف عن تسليح قوات الدعم السريع في السودان، وقد جاء في الرسالة العبارة المفصلية: “على الرغم من التقارير التي تلقيناها والتي تشير إلى عكس ذلك حتى الآن، فقد أبلغت الإمارات الإدارة أنها لا تنقل حاليًا أي أسلحة إلى قوات الدعم السريع ولن تفعل ذلك مستقبلا”.
عند تفكيك هذه الصياغة تظهر ثلاث حيل لغوية دقيقة: أولًا، عبارة “أبلغت الإمارات” تنسب الادعاء إلى أبوظبي نفسها لا إلى تحقّق أمريكي مستقل، فتتحول واشنطن من محقّق إلى ناقل أمين للرواية الإماراتية، ثانيًا، عبارة “لا تنقل حاليًا” تقرّ ضمنًا بالماضي أي بالنقل السابق من دون أن تعالجه أو تحاسب عليه، ثالثًا، عبارة “مستقبلًا” تمنح أبوظبي “صفحة بيضاء” تبدأ من لحظة الرسالة.
وهكذا تتحول رسالة رقابية مفترضة إلى وثيقة تبرئة مغلّفة بلغة دبلوماسية، وقد وعد مكغورك في الرسالة نفسها بتقديم تقييم “لمصداقية وموثوقية هذه التطمينات” بحلول 17 يناير/كانون الثاني 2025 أي قبل ثلاثة أيام من تسليم بايدن السلطة لترامب، وتجدر الإشارة إلى أن خبراء الأمم المتحدة المكلفين مراقبة حظر السلاح على دارفور كانوا قد وصفوا اتهامات تمرير الإمارات السلاح إلى الدعم السريع عبر تشاد بأنها “ذات مصداقية”.
الأخطر أن مكغورك ظهر لاحقًا إلى جانب طحنون بن زايد بعد أشهر قليلة فقط من تبرئته الفعلية لأبوظبي، فقد انتقل بريت مكغورك إلى القطاع الخاص شريكًا في “لوكس كابيتال” الاستثمارية في مطلع 2025 (أعلنت الشركة انضمامه في 31 يناير/كانون الثاني 2025)، كما أصبح مستشارًا كبيرًا لشركة “سيسكو” لشؤون الشرق الأوسط، حيث أشاد الرئيس التنفيذي لسيسكو بدوره الحاسم في انضمام الشركة إلى مشروع “ستارغيت الإمارات” مع “جي 42”.
وبحسب صحيفة “ذي سان فرانسيسكو ستاندرد”، اصطحب مكغورك في فبراير/شباط 2025 شريك لوكس كابيتال جوش وولف إلى السعودية والإمارات لعقد صفقات ذكاء اصطناعي بمليارات الدولارات مع قادة المنطقة، كما أشار تحقيق وول ستريت جورنال – في 19 يوليو/تموز الحالي (عن ضابط الاستخبارات جوني غانون) – إلى ظهور مكغورك مع طحنون في سياق وفد لوكس كابيتال، أي أن المسؤول الذي برّأ أبوظبي من دعم مذابح الدعم السريع أصبح شريكًا تجاريًا يقتات من العلاقة نفسها التي رعاها من موقعه الرسمي.

الدبلوماسية الإماراتية العميقة
تكشف بيانات معهد كوينسي، في تقريره “أفكار كبيرة وأموال كبيرة: تمويل مراكز الأبحاث في أميركا”، أن الإمارات هي أكبر ممول حكومي أجنبي منفرد لمراكز الأبحاث الأمريكية، إذ ضخّت 16.7 مليون دولار خلال الفترة 2019-2023، تلتها بريطانيا (15.5 مليون) وقطر (9.1 مليون)، فيما كان أكبر المستفيدين “المجلس الأطلسي” (20.8 مليون دولار من مجمل الممولين الأجانب) و”بروكينغز” (17.1 مليون) و”صندوق مارشال الألماني” (16.1 مليون).
وبحسب التتبع نفسه، قدمت الإمارات نحو 3.1 مليون دولار في عام 2024 وحده، ومن أبرز المستفيدين أيضًا “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” (CSIS) و”معهد الشرق الأوسط”.
وفي حادثة موثقة عبر بريد العتيبة المسرّب و”ذي إنترسبت”، دفعت أبوظبي 250 ألف دولار لـ”مركز الأمن الأمريكي الجديد” (CNAS)، كشف الموقع عن فاتورة مؤرخة في 12 يوليو/تموز 2016 وجّهت إلى السفارة الإماراتية مقابل ورقة بحثية حول النظام القانوني الحاكم لتصدير الطائرات المسيّرة العسكرية (في إطار نظام مراقبة تكنولوجيا الصواريخ MTCR)، وكانت الفاتورة موقّعة من ميشيل فلورنوي، المؤسِّسة المشاركة والرئيسة التنفيذية للمركز.
وإلى جانب مراكز الأبحاث، تعمل الإمارات عبر مجالس الأعمال المشتركة (مجلس الأعمال الأمريكي-الإماراتي) وشركات الاستشارات الخاصة (غود هاربر، مجموعة كوهين، لوكس كابيتال).
نلاحظ أن الاستراتيجية التي اتبعتها أبوظبي تكمن في التقاطها للمسؤولين الأمريكيين خلال فترات الانتقال بين الإدارات الجمهورية والديمقراطية للحفاظ على جاهزيتهم الحزبية والسياسية، فماتيس جمهوري، ومكغورك خدم أربع إدارات متعاقبة، وكلارك امتدّ عبر الحزبين، فهذا التنويع في الاستثمار في المسيرة المهنية للمسؤولين الأمريكيين يضمن لأبوظبي وسطاء في أي إدارة قادمة مهما كان لونها السياسي.
ويمثل السفير يوسف العتيبة العقل المدبّر لهذه الشبكة، فقد كشف تسريب بريده الإلكتروني التي تم الإشارة إليها عن دوره في توجيه تمويل معهد الشرق الأوسط ومركز الأمن الأمريكي الجديد، وتنسيقه ضد إيران، وإنفاق نحو 2.7 مليون دولار لتلميع صورة الرئيس المصري السيسي.

وفي تطور لافت كشفت “واشنطن بوست” في تشرين الثاني/نوفمبر 2022 عن تقرير سرّي أعدّه مجلس الاستخبارات القومي (NIC) يتهم الإمارات بشن عمليات منهجية تشمل التبرعات، والضغط السياسي، والتجسس لاختراق النظام السياسي الأمريكي وتوجيه سياسته الخارجية، وأوضح التقرير استغلال الإمارات لثغرات قانونية مثل الاعتماد على التبرعات الانتخابية وضعف إنفاذ قوانين الإفصاح عبر إدارات متعددة وتوظيف مسؤولين أمريكيين سابقين لخدمة مصالحها الإقليمية، وقد ردّ العتيبة علنًا بأنه “فخور بنفوذ الإمارات ومكانتها الطيبة في الولايات المتحدة… فهي مكانة اكتُسبت بجهد وعن جدارة”.
الأمن السيبراني
يوفّر ملفان بارزان دليلًا جنائيًا وتاريخيًا على عمق الاختراق وجرأة الأدوات المستخدمة، الأول هو “مشروع رايفن” الذي كشفته رويترز في يناير/كانون الثاني 2019، حيث استأجرت شركة “دارك ماتر” الإماراتية عملاء سابقين في وكالة الأمن القومي للتجسس على ناشطين وصحافيين وخصوم سياسيين وحتى أميركيين باستخدام ثغرة “كارما” التي تخترق هواتف الآيفون من دون نقرة واحدة من الضحية.
وفي سبتمبر/أيلول 2021 وقّع ثلاثة من هؤلاء (مارك باير وريان أدامز ودانيال غيريكه) اتفاق إرجاء ملاحقة قضائية، دفعوا بموجبه غرامات بلغت 750 ألف دولار و600 ألف دولار و335 ألف دولار على التوالي (بمجموع 1.685 مليون دولار)، مع حظر دائم على تراخيص تصدير الأسلحة وتنازل عن التصاريح الأمنية من دون أي عقوبة سجن.
أما الملف الثاني فهو قضية توم باراك، رئيس لجنة تنصيب ترامب عام 2017، الذي اتُهم بالعمل عميلًا غير مسجّل للإمارات ليكون عيونها وآذانها وصوتها داخل الإدارة الأمريكية، غير أن هيئة محلفين في بروكلين برّأته من كل التهم في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، بعد ثلاثة أيام من المداولات.
النقطة المفصلية هنا أن الملفين انتهيا من دون عقوبة رادعة: الأول بغرامات مالية رمزية قياسا بحجم الانتهاك، والثاني بتبرئة كاملة، وهذا ما يعزز مستوى الجرأة لدى أبوظبي واستغلالها للثغرات، فالكلفة القانونية للاختراق تبقى منخفضة والعائد الاستراتيجي مرتفع.
رد الفعل الأمريكي
أثار كشف “وول ستريت جورنال” في مطلع 2026 عن قيام شركة “آريام للاستثمار” المرتبطة بطحنون بن زايد – الذي وصفته الصحيفة بالشيخ الجاسوس – بشراء 49% من “وورلد ليبرتي فايننشال” (شركة العملات المشفرة المرتبطة بعائلة ترامب) مقابل 500 مليون دولار قبل أيام من التنصيب، مع دفع 187 مليون دولار مقدمًا لكيانات عائلة ترامب عاصفة من الغضب في الكونغرس.
قدّمت السيناتور إليزابيث وارن القرار S.Res.598 في فبراير/شباط 2026 (بالشراكة مع زملائها فان هولن وكيم وسلوتكين) يدين ويطالب بعكس قرار تصدير الرقائق للإمارات، ووصفت الصفقة بأنها “فساد بكل بساطة” مضيفة أن على ستيف ويتكوف وديفيد ساكس وهوارد لوتنيك أن يدلوا بشهاداتهم أمام الكونغرس.
ومع ذلك، وفي 10 يوليو/تموز 2026، رفعت وزارة التجارة الأمريكية الإمارات إلى مجموعة التصدير A:5، ما يسمح بتدفق رقائق إنفيديا المتقدمة من دون تراخيص فردية، مع تخصيص جزء كبير منها لـ”جي 42″ ومشروع “ستارغيت الإمارات”.
أما التداعيات المباشرة لتحقيق غانون فتبدو محدودة حتى الآن، إذ لم يصدر عن وكالة الاستخبارات المركزية أو مكتب مدير الاستخبارات الوطنية بيان علني محدد ردًا على التحقيق، وإن جاء نشره وسط عاصفة رقابية أوسع حول صفقة الرقائق وتضارب المصالح المرتبط بعملة عائلة ترامب المشفرة.
يكشف تحليل أدوات المواجهة عن قصور بنيوي، فمشروع “قانون إغلاق الباب الدوّار”، الذي قدمه بشكل مت كل من السيناتور مايكل بينيت والنائب جو نيغوز العام الماضي – يفرض حظرًا مدى الحياة على تحوّل أعضاء الكونغرس السابقين إلى أعضاء لوبيات، وحظرًا لست سنوات على كبار الموظفين، مع إنشاء قاعدة بيانات علنية للوبيّين.
لكن فرص إقراره ضئيلة، والأهم أنه مصمّم للباب الدوّار التشريعي ولا يعالج مباشرة الثغرة التي يجسّدها ملف غانون المتمثلة في انتقال ضابط استخبارات إلى كيان تجاري مرتبط بدولة أجنبية.
يضاف إلى ذلك تراجع إنفاذ قانون تسجيل العملاء الأجانب (FARA)، ففي مذكرة أصدرتها المدعية العامة بام بوندي في 5 شباط/فبراير 2025، حصرت الملاحقات الجنائية بموجب القانون في “السلوك المشابه للتجسس التقليدي من قبل جهات حكومية أجنبية”، وحلّت فرقة عمل النفوذ الأجنبي، وحوّلت التركيز نحو الإنفاذ المدني.
وقد جاء ذلك بعد سلسلة انتكاسات قضائية، أبرزها حكم قضية ستيف وين (2024) الذي رفض إجباره على التسجيل عميلًا أجنبيًا، هذا التراجع يوسّع عمليا المساحة الرمادية التي تتحرك فيها أبوظبي ووسطاؤها.
كيف تحولت عاصمة القرار الأمريكي إلى بيئة قابلة للاختراق؟
الجواب أن الإمارات لم تكسر القانون بقدر ما استثمرت في ثغراته، إذ احتضنت مسؤولين في فترات فراغهم وتحول الإدارات من جمهورية إلى ديمقراطية والعكس، كما موّلت الحواضن الفكرية التي تصوغ الخطاب، ووزّعت نفوذها على الحزبين، فباتت شريكًا بنيويًا في منظومة النفوذ لا طارئًا عليها.
لهذه الاستراتيجية أثر مباشر على النزاعات التي تتدخل فيها الإمارات عبر وكلاء، ففي السودان تدعم مليشيا الدعم السريع، وفي ليبيا تدعم الجنرال المتقاعد خليفة حفتر وتستخدم قواعده جسرًا جويًا لتمرير السلاح إلى الدعم السريع، بحسب تقارير خبراء الأمم المتحدة، وفي الصومال بنت قاعدة عسكرية في إقليم انفصالي ودرّبت وحدات أمنية في إطار توسّعها في القرن الأفريقي، مع إدارة موانئ دبي العالمية لميناء بربرة عبر امتياز لثلاثين عاما، وفي اليمن دعمت المجلس الانتقالي الجنوبي في مواجهة الحكومة المعترف بها دوليا.
في نهاية عهد بايدن، نجت الإمارات من الرقابة عبر رسالة مكغورك المذكورة، فيما فشلت جهود الكونغرس لتقييد صفقات السلاح، إذ قدّم السيناتور فان هولن (في مجلس الشيوخ) وسارة جاكوبس (في مجلس النواب) قرارات رفض مشتركة في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 لوقف بيع ذخائر (من طراز GMLRS وATACMS) بقيمة 1.2 مليار دولار، لكنها لم تنجح في تمرير الحظر.
ويُشتبه في أن الإمارات نجحت، في أيام بايدن الأخيرة، في دفع اتهام الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية في الحرب، بما يشوّه صورته ويوازن قرار الإبادة الجماعية بحق وكيلها (الدعم السريع)، فيضع الطرفين على على قدم المساواة.
وقد تبنّت إدارة ترامب هذا الخطاب رسميًا، ففي أبريل/نيسان 2025 قرر وزير الخارجية ماركو روبيو أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية في 2024 بموجب قانون الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، لتُبلَّغ العقوبات إلى الكونغرس في 22 مايو/أيار 2025 وتسري اعتبارًا من يونيو/تموز 2025، وفي يوليو/تموز 2026، ساوى المستشار الأمريكي مسعد بولس والوفد الأمريكي لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (برئاسة السفيرة نيكول شامبين) بين “إبادة مليشيا الدعم السريع” و”استخدام الجيش السوداني للسلاح الكيميائي”.
هذا التوازي أثار انتقاد محللين بارزين، أبرزهم لورين بلوخ بلانشارد، المتخصصة في الشؤون الأفريقية في دائرة أبحاث الكونغرس، فمضمون تحفظها، المدعوم بأدلة مستقلة، يقوم على أن عدد المدنيين الذين قتلتهم مليشيا الدعم السريع يُحصى بعشرات الآلاف، بينما يبقى غير واضح حتى الآن ما إذا كان أحد قد قُتل فعلا في هجمات كيميائية مزعومة خلال هذه الحرب، مشيرةً إلى أن تحقيق “فرانس 24” بدا مؤيدًا للاتهام لكنه وثّق إصابات لا وفيات مؤكدة.
في المقابل، (وبحسب بلانشارد) أثبتت لجنة تقصي الحقائق الأممية أن مجازر الدعم السريع في الفاشر تحمل “بصمات الإبادة الجماعية”، مع مقتل الآلاف وقد وثّقت الأمم المتحدة مقتل نحو 6000 شخص في الأيام الأولى وحدها إلى جانب 10 إلى 15 ألف قتيل في الجنينة، وأكثر من ألف في مخيم زمزم للنازحين، وخلصت المحللة إلى أن الطرفين متورطان بمصداقية في جرائم حرب، لكن مساواة استخدام كيميائي مزعوم لم تُثبت وفياته بإبادة جماعية موثقة تبقى مساواة مضللة، بحسب وصفها.
الرواية التي تبناها مسعد بولوس مستشار ترمب تخدم موضوعيا سردية أبوظبي التي تحرص على مساواة كل من الجيش السوداني والدعم السريع كطرفي نزاع متساويين، لعلمها التام بأنه لا يمكن تبرئة المليشيا التي تدعمها، ولا يمكن حتى مجرد التقليل من جرائمها المروعة. جدير بالذكر أن العديد من المراقبين والمحليين السودانيين رصدوا تقاربًا لدرجة التطابق بين خطاب مسعد بولوس وأبوظبي فيما يخص الشأن السوداني.
أخيرًا، رغم كل التحقيقات والتقارير والتسريبات، نجحت أبوظبي – حتى الآن – في حماية مصالحها الجوهرية في واشنطن من دون تكلفة تذكر، فقد فازت بملف الذكاء الاصطناعي، وحصلت على رقائق إنفيديا، ورُفعت إلى أعلى فئة تصديرية، كما نجا وكلاؤها (ولو مؤقتًا) من محاسبة رادعة، وهذا يعني أن استثمار الإمارات في المسيرة المهنية أثبت أنه أكثر جدوى من اللوبي التقليدي، فهو أقل كلفة قانونية، وأعمق تغلغلًا، وأصعب إثباتًا أمام القضاء.
إن ما يكشفه تحقيق وول ستريت جورنال ليس قصة ضابط واحد “تماهى مع الطرف الآخر” كما وصفه محللين في مجتمع الاستخبارات، بل خللًا بنيويًا في منظومة الحوكمة الأمريكية ممثلًا في نظام باب دوّار يسمح بتحويل الخبرة الوطنية والعلاقات الرسمية إلى سلعة تُباع لاحقا لمن يملك ثمنها، مع تراجع تشريعي ورقابي يفتح المجال أمام الدول الحليفة الثرية لتحويل النفوذ إلى بنية دائمة.
وما لم تُسدّ هذه الثغرة التي يجسّدها ملف غانون في انتقال ضباط الاستخبارات إلى كيانات تجارية مرتبطة بدول أجنبية فإن استراتيجية أبوظبي ستبقى نموذجًا قابلا للتكرار من قبل غيرها، وستبقى واشنطن بيئة مفتوحة للاختراق من الداخل بأدوات مشروعة في ظاهرها.