نون بوست نون بوست

نون بوست

  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
من بحر قزوين إلى أوروبا.. كيف تصنع أنقرة وباكو طريق الطاقة البديل؟
نون بوست
التقارب المصري التركي.. لماذا يقلق واشنطن وتل أبيب؟
نون بوست
الحرب التي تدرّ ذهبًا.. كيف يمول الدعم السريع مشروعه؟
نون بوست
من غزة إلى ألبانيا.. منطق استعماري عابر للحدود خلف الاستثمارات والمنتجعات الفاخرة
نون بوست
التوسع الإسرائيلي يزلزل أركان الشرق الأوسط
نون بوست
كيف استغل صهر ترامب منصبه لجني الأموال؟
نون بوست
شبكة تتساقط تباعًا.. ماذا تكشف الاعتقالات الأخيرة لقادة فلول النظام؟
نون بوست
عن المعركة التي طال انتظارها.. المسلمون في الانتخابات التمهيدية الأمريكية
نون بوست
استراتيجية نتنياهو الأمنية تتهاوى على ثلاث جبهات
نون بوست
تكلفة المغامرات العسكرية الأمريكية على الدول المضيفة.. هل تقلب إيران المعادلة؟
نون بوست
تركيا وأرمينيا على طريق التطبيع.. هل تكفي المصالح لتجاوز أثقال الماضي؟
نون بوست
آثار الجزيرة السورية تحت معاول المنقبين.. من يحمي ما تبقى من تاريخ البلاد؟
نون بوست نون بوست
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
من بحر قزوين إلى أوروبا.. كيف تصنع أنقرة وباكو طريق الطاقة البديل؟
نون بوست
التقارب المصري التركي.. لماذا يقلق واشنطن وتل أبيب؟
نون بوست
الحرب التي تدرّ ذهبًا.. كيف يمول الدعم السريع مشروعه؟
نون بوست
من غزة إلى ألبانيا.. منطق استعماري عابر للحدود خلف الاستثمارات والمنتجعات الفاخرة
نون بوست
التوسع الإسرائيلي يزلزل أركان الشرق الأوسط
نون بوست
كيف استغل صهر ترامب منصبه لجني الأموال؟
نون بوست
شبكة تتساقط تباعًا.. ماذا تكشف الاعتقالات الأخيرة لقادة فلول النظام؟
نون بوست
عن المعركة التي طال انتظارها.. المسلمون في الانتخابات التمهيدية الأمريكية
نون بوست
استراتيجية نتنياهو الأمنية تتهاوى على ثلاث جبهات
نون بوست
تكلفة المغامرات العسكرية الأمريكية على الدول المضيفة.. هل تقلب إيران المعادلة؟
نون بوست
تركيا وأرمينيا على طريق التطبيع.. هل تكفي المصالح لتجاوز أثقال الماضي؟
نون بوست
آثار الجزيرة السورية تحت معاول المنقبين.. من يحمي ما تبقى من تاريخ البلاد؟
  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
تابعنا

ذهب أبيض وممرات جديدة.. لماذا يتصارع الكبار على المحيط المتجمد الشمالي؟

محمد مصطفى جامع
محمد مصطفى جامع نشر في ١٠ يونيو ,٢٠٢٦
مشاركة
نون بوست

يمر المحيط المتجمد الشمالي بتحولٍ استراتيجيٍ كبيرٍ، فمع تسارع ذوبان الجليد بفعل التغير المناخي تحول هذا الحيز المائي النائي من منطقة معزولة طبيعيًا إلى ساحة مواجهة جيوسياسية واقتصادية بالغة الأهمية. ولم يعد الغطاء الجليدي مجرد عائق يحمي الحدود الشمالية للدول المطلة عليه، بل بات بوابةً تكشف عن احتياطيات طاقة ضخمة وممرات تجارية تختصر خريطة الملاحة العالمية.

تشير التقديرات الصادرة عن هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية (USGS) في تقييمها الشامل لعام 2008 إلى أن المحيط المتجمد الشمالي يمثل أحد أكبر المناطق الحاضنة للطاقة غير المستكشفة في العالم، إذ تقدر احتياطاته منها بنحو 90 مليار برميل من النفط، و1,669 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، و44 مليار برميل من سوائل الغاز الطبيعي.

تتركز 84% من هذه الاحتياطيات في المناطق البحرية المغمورة تحت مياه ضحلة يقل عمقها عن 500 متر، ويمثل الغاز غير المكتشف في هذه المنطقة ما يقارب 30% من الغاز التقليدي غير المكتشف عالميًا، كما يتركز بشكل أساسي في بحر كارا الجنوبي، بينما يحتضن جرف ألاسكا الأمريكي أكبر إمكانات النفط غير المكتشف وكلًا من بحر كارا وجرف ألاسكا يعدان جزءًا أساسيًا من المحيط المتجمد الشمالي.

لكن مع ذلك، تواجه هذه الاحتياطيات الهيدروكربونية تحديات حقيقية لجدواها الاقتصادية، إذ تتطلب عمليات الاستخراج والنقل بناء بنية تحتية بالغة التعقيد والتكلفة تقاوم ظروف المناخ القطبي القاسي، بما في ذلك خطوط الأنابيب والموانئ المتخصصة، فقد كان المحيط المتجمد الشمالي حاجزًا أكثر منه ممرًا، صحراء جليدية مغلقة تفصل القارات بدلًا من أن تصلها، ولا يجرؤ على اختراقها إلا المستكشفون وكاسحات الجليد.

علاوة على ذلك، أحدثت التقنيات التكنولوجية في مجال استخراج الغاز الصخري في الولايات المتحدة – وتحديدًا تقنيات الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي – تحولًا جذريًا في أسواق الطاقة العالمية. وأصبحت احتياطيات الغاز الصخري المقدرة تقنيًا بـ 6,622 تريليون قدم مكعب أكثر جاذبية وتكلفة اقتصادية مقارنة بالغاز القطبي الصعب، مما أدى إلى تراجع الاهتمام التجاري الفوري بالغاز القطبي في السوق الأمريكية والأوروبية، ليتحول التركيز من الاستغلال التجاري العاجل إلى الحيازة الاستراتيجية بعيدة المدى.

Who owns the Arctic and should they drill for oil and gas?
أحد سفن التنقيب عن النفط وسط القطب الشمالي- غيتي إيمجز

الاحترار العالمي قلب المعادلة 

غير أن الاحترار العالمي وارتفاع درجة حرارة الأرض قلب هذه المعادلة رأسًا على عقب، فمع تراجع الغطاء الجليدي في الصيف عامًا إثر عام في الفترة الأخيرة، انكشفت أمام القوى الكبرى ثلاثة كنوز دفعة واحدة: ممرات ملاحية تختصر المسافة بين آسيا وأوروبا اختصارًا جوهريًا، واحتياطيات هائلة من النفط والغاز، وموقع استراتيجي يطل على القطب من فوق رؤوس الخصوم.

يتيح ذوبان الجليد ممرات بحرية ثورية تختصر سلاسل الإمداد العالمية بشكل غير مسبوق، أولها: الممر الملاحي الشمالي (NSR) والذي يمتد على طول الساحل السيبيري لروسيا، ويختصر المسافة بين شمال أوروبا وشرق آسيا بنسبة 30% إلى 40% مقارنة بمسار قناة السويس التقليدي (تقليص الرحلة من 11,200 إلى 6,500 ميل بحري)، مما يوفر 10 إلى 15 يومًا من زمن الإبحار ويخفض الانبعاثات وتكاليف الوقود بشكل كبير.

نون بوست
سفينة Venta Maersk ترسو في الميناء الشمالي- شركة ميرسك

والثاني: الممر الشمالي الغربي (NWP): يمر عبر الأرخبيل القطبي الكندي، ويقلص المسافة بين شرق آسيا والساحل الشرقي لأمريكا الشمالية بنسبة 25% مقارنة بقناة بنما (يوفر حوالي 2,000 ميل بحري)، متجنبًا القيود المفروضة على أحجام السفن العملاقة في القنوات التقليدية.

هذا إلى جانب الثروات الطبيعية التي سبق الإشارة إليها، فالمنطقة الواقعة شمال الدائرة القطبية تحتوي على نحو 30% من الغاز غير المكتشف في العالم و13% من النفط غير المكتشف، وبتعبير الكميات المطلقة، تشير التقديرات إلى أن القطب قد يحتوي على نحو 90 مليار برميل من النفط و1670 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي. ومجتمعةً، يمثل ذلك ما يقارب 22% من إجمالي موارد النفط والغاز غير المكتشفة والقابلة للاستخراج تقنيًا في العالم.

ولهذا السبب، حين يُقال إن المحيط المتجمد الشمالي يخفي خُمس ثروة الكوكب من المحروقات، فإن ذلك ليس مبالغة، بل تقدير علمي معتبر، كما أن نقطة أخرى جوهرية يجب التوقف عندها وهي أن الثروة الأبرز في المحيط هي الغاز الطبيعي غير المكتشف، وهو أوفر بثلاث مرات من النفط في المحيط، ومتركز إلى حد كبير في الجانب الروسي، وهذا التركز الجغرافي ليس تفصيلًا ثانويًا بل هو أحد مفاتيح فهم السلوك الروسي في المنطقة برمتها.

النتيجة أن المحيط الشمالي تحول من هامش منسي إلى مركزٍ للتنافس الدولي، وما يجعل هذا التنافس خطيرًا بالتحديد هو أنه يدور في منطقة لم يُفصَل لها إطار قانوني واضح، وتتداخل فيها مطالبات السيادة، وتتسارع فيها عسكرة لا تقابلها آليات كافية لاحتواء الأزمات كما سنوضح في الأسطر التالية.

القوى الخمس الكبرى وظل الصين القطبية

تتوزع السيادة والمطالبات الإقليمية في المحيط المتجمد الشمالي بين خمس دول ساحلية هي روسيا، وكندا، والدنمارك (عبر غرينلاند)، والنرويج، والولايات المتحدة (عبر ألاسكا). ويمثل الممر الملاحي الشمالي بؤرة خلاف جوهرية، إذ تدعي روسيا سيادتها الكاملة عليه كونه يمر بمياهها الداخلية والتاريخية، فارضة قيودًا ورسومًا ومرافقة إجبارية بكسارات الجليد، وهو ما ترفضه أمريكا والاتحاد الأوروبي اللذان يعتبرانه مضيقًا دوليًا مفتوحًا للملاحة الحرة، ويتكرر الخلاف بين أمريكا وكندا حول الممر الشمالي الغربي ونزاع بحر بوفورت الغني بالنفط والذي يقع شمال ألاسكا الأمريكية.

خلف هذا المشهد الخماسي، تقف الصين كدولة شبه قطبية وفق كتابها الأبيض لعام 2018، طارحة استراتيجية طريق الحرير القطبي كجزء من مبادرة الحزام والطريق لتنويع الإمدادات. وتعتمد بكين على حرب القانون للضغط باتجاه جعل القطب الشمالي تراثًا مشتركًا للبشرية لتقويض السيادة المطلقة للدول الخمس وتسهيل وصول سفنها البحثية وكسارات الجليد التابعة لها. 

قدمت روسيا أولى مطالباتها عام 2001 للجنة حدود الجرف القاري لتكون أول دولة في تاريخ اللجنة، ثم نقحتها في 2015 مضيفةً نحو 1.2 مليون كيلومتر مربع، وأودعت في 2021 ملحقَين بلغا نقاطًا قرب القطب الشمالي وحدود المناطق الاقتصادية لغرينلاند وكندا. حتى إن خبير الأمن القطبي روبرت هيوبرت لخص الأمر بأن موسكو تطالب عمليًا بمعظم الجرف الكندي والدنماركي بوصفه جرفها هي. 

في المقابل، نالت النرويج أول توصيةٍ مؤاتية عام 2009 بعد تقديمها في 2006، وقدمت الدنمارك في ديسمبر/كانون الأول 2014 مطالبةً شملت قاع القطب الشمالي، وكندا صاغت ملفها في 2019. أما الترسيم النهائي في المناطق المتداخلة فيتوقف على اتفاقٍ ثنائي، بينما تشير التقديرات إلى دراسة الطلب الروسي وحده قد تستغرق من ثلاث إلى خمس سنوات بفعل تراكم القضايا أمام اللجنة.

التصعيد الميداني 

يشهد المحيط المتجمد الشمالي عسكرة متسارعة، حيث تقود روسيا السباق بإعادة تنشيط القواعد السوفيتية مثل قاعدة “البرسيم القطبي” في جزيرة ألكسندرا لاند وقاعدة روجاتشيفو بجزيرة نوفايا زيمليا، وتجهيزها ومنظومات دفاع جوي من طراز “تور-إم 2 دي ‌تي” و”بانتسير-إس‌إيه” وصواريخ “سارمات” و”كينجال” فرط الصوتية، والطوربيد النووي ذاتي القيادة “بوسيدون” على بعد 300 ميل فقط من سواحل ألاسكا. 

يدعم هذه البنية العسكرية أسطول كسارات الجليد الأضخم في العالم، حيث تمتلك روسيا أكثر من 40 كسارة جليد نووية وتقليدية قادرة على فتح مسارات بحرية عسكرية وتجارية طوال العام ومزودة بأسلحة تكتيكية، بينما تقتصر قدرة الولايات المتحدة على كسارتين أو ثلاث كسارات جليد قديمة.

في المقابل، اتخذ حلف الناتو والولايات المتحدة خطوات مضادة ملموسة لإعادة التوازن الجيوسياسي، مستفيدين من انضمام فنلندا والسويد، ففي ديسمبر 2025، حدث الحلف النطاق الجغرافي لقيادة القوات المشتركة بنورفولك لتشمل الدول الاسكندنافية الجديدة لتأمين الممرات البحرية الشمالية. وفي فبراير/شباط 2026، أطلق الناتو نشاط اليقظة المعزز “حارس القطب” لتأمين مراقبة موحدة لنشاط الخصوم، كما جاءت مناورات “الاستجابة الشمالية” لعام 2026 (CORE 26) بمشاركة 32,500 جندي من 14 دولة غربية لتؤكد جاهزية القوات للقتال في بيئات متجمدة قاسية، ترافق ذلك مع تبني البنتاغون لاستراتيجية محدثة لعام 2024 تقوم على عقيدة المراقبة والاستجابة بالاستثمار في رادارات متقدمة وأنظمة كشف مبكر وسد الفجوات التقنية.

ولا يقتصر النزاع على السطح، بل يمتد إلى قاع المحيط وجرفها القاري، ففي 6 فبراير/شباط 2023، أصدرت لجنة حدود الجرف القاري بالأمم المتحدة توصيات شبه نهائية لصالح المطالب الروسية، حيث قبلت اللجنة الأدلة العلمية التي تؤكد أن “سلسلة جبال لومونوسوف” (Lomonosov Ridge) تمثل امتدادًا جغرافيًا طبيعيًا للجرف القاري لروسيا (ارتفاع تحت بحري)، مما يمنح موسكو حقوقًا سياديةً على مساحة 1.79 مليون كيلومتر مربع تتقاطع في مساحة 436,500 ميل بحري مربع مع كندا والدنمارك. 

لكن وفي تحدٍ صريح لهذا الإطار الأممي، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في 19 ديسمبر/كانون الأول 2023 من طرف واحد إحداثيات جُرفها القاري الممتد بمساحة مليون كيلومتر مربع تشمل مناطق شاسعة في القطب الشمالي وبحر بيرنغ، وهو ما ردت عليه روسيا برفض رسمي قاطع لعدم التزام واشنطن بالحصول على توصية لجنة الجرف القاري بسبب عدم تصديقها على معاهدة قانون البحار.

المناخ كفاعل جيوسياسي

في السنوات الأخيرة لم يعد تغير المناخ مجرد تراجع بيئي، بل أصبح أحد الفواعل الجيوسياسية النشطة، إذ تسجل المنطقة القطبية – بما في ذلك المحيط الشمالي – معدلات احتباس حراري تفوق المتوسط العالمي بثلاث إلى أربع مرات، مما يدفع العلماء لترقب صيف خالٍ تمامًا من الجليد بحلول العقد القادم.

وكلما تراجع الجليد اتسعت نافذة الملاحة وانكشفت الموارد، وأُعيد رسم خريطة ما هو ممكن اقتصاديًا وعسكريًا، وقد انعكس ذلك على العقيدة الروسية إذ يُصنَف المحيط المتجمد الشمالي في مفهوم السياسة الخارجية لموسكو عام 2023 ثاني أهم منطقة بعد “الجوار القريب” وتجسيدًا لإعادة الترتيب الأمني، حل بوتين عام 2024 المنطقة العسكرية الشمالية التي أُنشئت في 2021، وأعاد تفعيل منطقتَي موسكو ولينينغراد العسكريتين في خطوة ارتبطت جزئيًا بانضمام فنلندا والسويد إلى الناتو الذي غير المشهد الإقليمي ودفع موسكو إلى تعزيز حضورها.

وأوضح تجلٍ لتحول المناخ إلى عامل سيادة هو غرينلاند، ففي يناير 2026 أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن بلاده ستستحوذ على الجزيرة، ودعا في دافوس إلى مفاوضات فورية مع استبعاد القوة العسكرية، إذ ينظر الرئيس الجمهوري إلى الجزيرة كموقع فريد يرصد النشاط الروسي والصيني، وثروة من المعادن النادرة (النيوديميوم، الديسبروسيوم، الغرافيت، النحاس، الليثيوم) التي تطمح الصين لتعدينها ضمن طريق الحرير.

ويزيد المشهد تعقيدًا أن الجزيرة تضم نحو 56 ألف نسمة غالبيتهم من إثنية الإنويت (الإسكيمو سابقًا)، وتتلقى دعمًا دنماركيًا سنويًا يناهز 600 مليون دولار، وأن اتفاقية دفاعٍ أمريكية- دنماركية تعود إلى 1951 تتيح أصلًا وجودًا عسكريًا أمريكيًا فيها، بل إن واشنطن سعت لشرائها منذ عهد وزير الخارجية سيوارد عام 1867.

لكن غرينلاند والدنمارك رفضتا الفكرة قطعًا، فقد رد رئيس وزراء غرينلاند بأن الجزيرة “لا يمكن شراؤها”، وشددت رئيسة وزراء الدنمارك على أنها جزءٌ من المملكة وليست للبيع. ومع ذلك يرى خبراء أن الجدوى الاقتصادية للضم تنهار عند التدقيق، نظرًا لقسوة المناخ وغياب البنية التحتية وكلفةٍ تُقدَر بمئات المليارات.

معضلات التسوية: لماذا يستعصي نزاع المحيط المتجمد الشمالي عن الحل؟

تتكثف معضلات المحيط المتجمد الشمالي لتجعله نزاعًا مزمنًا يستعصي على التسويات الدولية الشاملة، وذلك لـ4 أسباب رئيسية:

  • القصور البنيوي في القانون الدولي: إذ إن اتفاقية قانون البحار (UNCLOS) عجزت عن التنبؤ بالديناميكية العالية التي يفرضها التغير المناخي والتحول المادي السريع لبيئة المحيط المتجمد الشمالي وجليده.
  • حدود صلاحية الهيئات الأممية: فلجنة حدود الجرف القاري (CLCS) المشار إليها أعلاه، هي جهة علمية وفنية تفحص البراهين الجيولوجية ولا تملك أي تفويض سياسي أو قانوني للفصل في النزاعات الحدودية المتداخلة، ومع تجميد عمل مجلس القطب الشمالي تلاشت قنوات التفاوض الدبلوماسية.
  • الموقف الأمريكي الشاذ: حيث تظل الولايات المتحدة الدولة الساحلية الوحيدة في المحيط المتجمد الشمالي التي لم تصادق على معاهدة قانون البحار، مما يضعف موقفها القانوني أمام حرب القانون الروسية والصينية التي ترفض إعلان جرفها القاري الممتد لعام 2023.
  • رمزية النزاع والتحوط للمستقبل: نظرًا لأن الجزء الأكبر من الموارد يقع داخل المناطق الاقتصادية الخالصة المؤكدة للدول (مسافة 200 ميل بحري)، فإن الاستخراج في أعماق المحيط المتجمد الشمالي يفتقر للجدوى الاقتصادية العاجلة في ظل بدائل أرخص كالغاز الصخري. وبناءً عليه، فإن المطالبات بالسيادة على قاع البحر هي مطالبات سياسية ورمزية لتأمين خيارات سيادية للمستقبل البعيد.

أزمات ملاحية كما قضية هرمز

إن جوهر الصراع القادم في المحيط المتجمد الشمالي لا ينفك عن واقع الأزمات الملاحية الراهنة التي تعصف بالمعابر التقليدية في العالم. وتتجلى هذه الحقيقة بشكل صارخ عند النظر إلى الأزمة الحالية لعام 2026 في مضيق هرمز. 

العالم يدخل عصرًا جديدًا تصبح فيه التجارة رهينة للمضائق والقواعد العسكرية والتهديدات البحرية

🔴 كيف يمكن لمضيق عرضه 30 ميلاً فقط أن يهز الاقتصاد العالمي ويهدد الأمن الغذائي والطاقة والتجارة؟ https://t.co/YDgEQ08zes#مضيق_هرمز

— نون بوست (@NoonPost) May 25, 2026

ففي أعقاب الضربات الجوية الأمريكية- الإسرائيلية على إيران في فبراير/شباط 2026، أدى الرد الإيراني وإغلاق المضيق الفعلي إلى شل حركة الطاقة العالمية بالكامل، حيث تراجعت الملاحة في المضيق بنسبة تفوق 90%، وأعلنت قطر للطاقة القوة القاهرة على شحنات الغاز المسال، مما حرم الأسواق العالمية من 20% من إمدادات النفط والغاز دفعة واحدة. وبسبب تعطل مسار البحر الأحمر بالتزامن مع أزمة هرمز، أُجبرت حركة التجارة على التفاف تاريخي ومكلف حول طريق رأس الرجاء الصالح، مما أضاف آلاف الأميال البحرية وأسبوعين من زمن الرحلة، وفجر موجة تضخم عالمية خانقة.

هذه الكارثة اللوجستية في مضيق هرمز لعام 2026 تقدم الدليل العملي الأكبر على زيف استقرار ممرات الطاقة التقليدية وهشاشتها الشديدة أمام العواصف الجيوسياسية. وفي ظل هذا الانكشاف الاستراتيجي، ترتفع فرص المحيط المتجمد الشمالي من مجرد جبهة بيئية بعيدة ليصبح ذات يوم ملاذًا جغرافيًا حتميًا وبديلًا ملاحيًا أكثر أمانًا إذا تم إيجاد تسوية للنزاع.

في النهاية، فإن الممرات المائية في المحيط المتجمد الشمالي مثل الممر الملاحي الشمالي (NSR) تقدم اختصارًا للمسافة بنحو 40% خاصة بين شمال أوروبا وشرق آسيا، لكنها تقع بالكامل ضمن النطاق السيادي الروسي وبعيدًا عن متناول بؤر التوتر التقليدية في الشرق الأوسط ومناطق القرصنة والتحكم الغربي. 

هذا التموضع الجغرافي يفسر بشكل كامل الدافع الحقيقي خلف التحالف الأوراسي المتين بين روسيا والصين لتمويل وتأمين طريق الحرير القطبي. فبالنسبة لبكين وموسكو، يمثل المحيط المتجمد الشمالي خط الدفاع والنجاة اللوجستي الذي يضمن تدفق الطاقة والموارد الاستراتيجية بعيدًا عن حصار المضايق الدافئة التي تسيطر عليها البحريات الغربية أو تهددها النزاعات الإقليمية الساخنة كمضيق هرمز ومضيق ملقا.

وعليه، فإن الصراع على مياه المحيط المتجمد الشمالي ليس سباقًا على الذهب الأبيض المتجمد فحسب، بل هو إعادة هندسة شاملة لشرايين الاقتصاد العالمي وأدوات القوة العظمى في القرن الحادي والعشرين.

الوسوم: الأزمة العالمية ، التنقيب عن الغاز ، الحروب العالمية ، القطب الشمالي ، ذوبان الجليد في القطب الشمالي
الوسوم: الاحتباس الحراري ، الحروب ، النظام العالمي ، صفير البحار
تحميل هذا المقال بصيغة PDF
شارك هذا المقال
فيسبوك تويتر واتساب واتساب التليجرام البريد الإلكتروني نسخ الرابط
محمد مصطفى جامع
بواسطة محمد مصطفى جامع كاتب سوداني مهتم بالشؤون الأفريقية
كاتب سوداني مهتم بالشؤون الأفريقية
المقال السابق نون بوست من بحر قزوين إلى أوروبا.. كيف تصنع أنقرة وباكو طريق الطاقة البديل؟

نشر هذا التقرير ضمن ملف:

صفير البحار

صفير البحار

نرصد النزاعات الدولية على بحار العالم، ونوضح دوافع كل صراع وأطرافه وطبيعة مكاسبه سواء كانت جيوسياسية أو اقتصادية.

أحدث ما نشر في هذا الملف:

  • البحر الأسود: مسرح العالم العائم ومركز تجاذباته
  • بحر قزوين: صراع صامت على الطاقة والممرات والنفوذ
  • شرق المتوسط: خرائط متضاربة ومدمرات متقابلة
part of the design
نشرة نون بوست الأسبوعية

قد يعجبك ايضا

البحر الأسود: مسرح العالم العائم ومركز تجاذباته

البحر الأسود: مسرح العالم العائم ومركز تجاذباته

سجود عوايص سجود عوايص ١٠ مايو ,٢٠٢٦
بحر قزوين: صراع صامت على الطاقة والممرات والنفوذ

بحر قزوين: صراع صامت على الطاقة والممرات والنفوذ

أحمد الطناني أحمد الطناني ٩ مايو ,٢٠٢٦
ملامح الشرق الأوسط الجديد.. هل أصبحت “إسرائيل” أقرب للإمارات من السعودية؟

ملامح الشرق الأوسط الجديد.. هل أصبحت “إسرائيل” أقرب للإمارات من السعودية؟

محمد مصطفى جامع محمد مصطفى جامع ٧ مايو ,٢٠٢٦
نون بوست

منصة إعلامية مستقلة، تأسست عام 2013، تنتمي لمدرسة الصحافة المتأنية، تنتج تقارير وتحليلات معمقة ومحتوى متعدد الوسائط لتقديم رؤية أعمق للأخبار، ويقوم عليها فريق شبابي متنوّع المشارب والخلفيات من دول عربية عدة.

  • سياسة
  • مجتمع
  • حقوق وحريات
  • آراء
  • تاريخ
  • رياضة
  • تعليم
  • تكنولوجيا
  • اقتصاد
  • صحافة
  • أدب وفن
  • ريادة أعمال
  • سياحة وسفر
  • سينما ودراما
  • طعام
  • صحة
  • ثقافة
  • أحدث التقارير
  • ملفات
  • مطولات
  • حوارات
  • بودكاست
  • تفاعلي
  • الموسوعة
  • بالصور
  • من نحن
  • كتّابنا
  • اكتب معنا
  • السياسة التحريرية
  • بحث متقدم
بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تمت الإزالة من المفضلة

تراجع
Go to mobile version