طوال العقود الأربعة والنصف الماضية، ارتكزت الرؤية الأمنية الإقليمية لإيران على معادلة معقدة تتشابك فيها الجغرافيا بحمولة التاريخ، وتتداخل فيها هواجس الأمن القومي بملامح الهوية المذهبية والقومية، وهي معادلة فرضت مسارًا ممتدًا من التوجس والتعايش الحذر في علاقاتها مع دول الجوار، لا سيما دول الخليج العربي.
لكن تلك الثوابت التي وجهت سلوك طهران لعقود، باتت اليوم أمام اختبار غير مسبوق بعد أن حلت الذكرى السنوية للثورة الإيرانية هذا العام وسط واقع إقليمي مغاير تمامًا، إذ تمر طهران بأكثر مراحلها حساسية نتيجة تعرضها لسلسلة من الانتكاسات الداخلية والخارجية، في وقت أسهمت فيه حرب 2026 في مضاعفة الضغوط على القيادة الإيرانية، لا سيما إثر خسارتها جيلًا كاملًا من قادة الحرس الثوري وانتقالها من مربع الهجوم إلى وضعية الدفاع.
كما يتجلى هذا التحول في انحسار الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية وبداية تآكل أذرعها، إذ تشهد الساحة العراقية جهودًا رسمية لتقليص نفوذ الميليشيات الموالية لطهران، بالتزامن مع تحولات لافتة في المشهد السياسي اللبناني أفرزت حكومة جديدة تبدو أقل ارتهانًا للمصالح الإيرانية، وإذا ما استمرت هذه الديناميكية، فقد يشهد النفوذ الإيراني في اليمن تراجعًا مماثلًا.
وأمام هذا التراجع، تجد طهران نفسها مجبرة على المفاضلة بين خيارين، إما الإصرار على مواصلة مشروعها التوسعي رغم كلفته العالية وتصاعد تحدياته، أو إعادة ترتيب تحالفاتها وخياراتها الإستراتيجية، لاسيما تجاه دول الخليج.
ومن أجل الإحاطة بأبعاد هذا المشهد ومآلاته، نبحر في تفاصيل العلاقات الخليجية الإيرانية عبر محطاتها التاريخية، لنرصد كيف تحولت ديناميكيات الجوار من “تعاون مصلحي حذر” في عهد الشاه محكوم بظلال الحرب الباردة، إلى “صراع تصادمي” عقب ثورة 1979، مرورًا بتبني استراتيجيات “الدفاع الأمامي” وحروب الوكالة، وصولًا إلى مسارات التهدئة الهشة والتحولات الجيوسياسية الكبرى الممتدة حتى عام 2026.
جذور الهوية وظلال الماضي: كيف تتشكل الاستراتيجية الإيرانية؟
تستمد إيران حضورها كأبرز القوى الإقليمية في المنطقة من موقعها الجيوسياسي المؤثر وحجمها السكاني، إلى جانب تميزها بهوية عرقية ومذهبية مغايرة لمحيطها السني، وهي هوية ترجع جذورها إلى العهد الصفوي الذي حكم البلاد لأكثر من قرنين.
حين حكم الصفويون إيران، بلغت البلاد أوج قوتها، واندمجت الهوية القومية الإيرانية في المذهب الشيعي، ليشكلا معًا ركيزة أساسية في الحفاظ على الكيان الإيراني، إلا أن سقوط الصفويين عام 1722 أدخل إيران في حقبة من الفوضى والصراعات الداخلية، لم تتخللها سوى فترات قصيرة من الاستقرار.
ثم في القرنين التاسع عشر والعشرين، واجهت إيران موجات من التدخلات الخارجية، وتغيرات سياسية عميقة، أهمها تجربتا الحكم في عهد مصدق ومحمد رضا شاه، ولا تزال هذه الذاكرة التاريخية حاضرة بقوة في النقاشات الفكرية والسياسية الإيرانية اليوم، وتُسهم في تشكيل استراتيجية طهران وعلاقتها مع الخارج.
من التوجس إلى التصادم
بعد أن اقتصرت العلاقات بين إيران والخليج في مطلع القرن العشرين على قنوات تقليدية محدودة كالتجارة والحج، حملت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية تحولاً جوهريًا. ففي عهد الشاه، دخلت العلاقات طورًا من الاستقرار والتعاون الإستراتيجي، مدفوعة بانضواء الطرفين تحت مظلة المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة، وتنامي هواجسهما المشتركة تجاه تمدد الاتحاد السوفياتي وحلفائه الإقليميين، وفي مقدمتهم العراق.
وقد تطور هذا التقارب إلى تعاون مصلحي، خاصة لمواجهة القومية العربية في عهد ناصر، ثم التنسيق لمواجهة الفراغ الذي خلفه انسحاب بريطانيا من الخليج عام 1971، وقد عمل الأمريكيون على بناء نظام أمني إقليمي قائم على التعاون بين السعودية وإيران لمنع التوسع الشيوعي.
كما نظرت الولايات المتحدة إلى الخليج منذ نهاية الحرب العالمية الثانية باعتبارها منطقة حيوية لضمان تدفق النفط، وسعت إلى تعزيز استقرار إيران من خلال دعمها اقتصاديًا وتقوية بنيتها العسكرية والاستخباراتية، إلى جانب ترسيخ حكم الشاه.
وخلال تلك المرحلة، بدأت تظهر ملامح تنافس بين طهران ودول الخليج، حيث اتخذت طهران خطوات توسعية، كمحاولتها ضم البحرين عام 1968، لكنها تراجعت عن هذا الطموح عقب استفتاء أشرفت عليه الأمم المتحدة أكد رغبة البحرينيين في الاستقلال، واعترفت إيران رسميًا بسيادة البحرين عام 1970.
كما استغلت إيران تراجع القومية العربية بعد هزيمة 1967 لتوسيع نفوذها الإقليمي، ففي عام 1971، احتلت ثلاث جزر إماراتية استراتيجية ولا تزال تسيطر عليهما حتى اليوم، ثم في عام 1972، تدخلت إيران في عُمان لمساندة السلطان قابوس ضد تمرد ظفار، وهو تدخل أثار قلقًا لدى بقية دول الخليج، كما دعمت طهران التمرد الكردي في العراق حتى توقيع اتفاق الجزائر عام 1975 الذي أنهى الخلاف الحدودي مع بغداد.
ساهمت هذه السياسات في توتير العلاقة بين إيران ودول الخليج، وأدت إلى فترات من القطيعة وإعادة التواصل أكثر من مرة، ومع ذلك، لم تصل هذه التوترات إلى مستوى العداء الكامل، بل ظلت في إطار من التنافس المحدود الذي لم يمنع قيام علاقات ودية نسبيًا قائمة على المصالح المشتركة.
لكن سقوط نظام الشاه وإعلان الجمهورية الإسلامية مثلا تحولًا جذريًا أعاد رسم ملامح العلاقة بين إيران ودول الخليج، إذ تحولت من تنافس هادئ إلى توتر صريح، ورغم أن ثورة 1979 كانت شأنًا إيرانيًا نتاجًا للديناميكيات السياسية والاجتماعية في أواخر عهد بهلوي والتطورات التي شكلت إيران الحديثة، إلا أن الخميني وسع من رؤيتها لتأخذ بعدًا عالميًا، حيث دعا المسلمين حول العالم إلى استلهام الثورة الإيرانية والإطاحة بالأنظمة الحليفة للولايات المتحدة.
في هذا السياق، تبنت طهران خطابًا تصادميًا تجاه دول الخليج، وأطلق الخميني دعوات لتصدير الثورة معلنًا عن رغبته في إسقاط الأنظمة الخليجية. وقد شكل مبدأ تصدير الثورة ركيزة أساسية في سياسة إيران الخارجية خلال تلك المرحلة، وجرى الترويج له تحت شعار نصرة المستضعفين.
ومع ترسيخ أركان النظام الإيراني الجديد، لم تبقَ هذه الدعوات حبيسة الخطاب، بل تحولت إلى خطوات عملية، تمثلت في إنشاء “مكتب حركات التحرر” لتقديم الدعم الفكري والعسكري والمالي للحركات الثورية خارج الحدود، إلى جانب تأسيس هيئة رسمية للإشراف على الأنشطة الدينية الإيرانية في الخارج.
أثارت هذه التحركات قلق دول الخليج، لا سيما تزامنها مع اندلاع احتجاجات شيعية في السعودية أواخر عام 1979 وبداية 1980، وقد رفع المحتجون صور الخميني ورددوا شعارات معادية للسعودية والولايات المتحدة، كما شهدت البحرين مظاهرات مماثلة، واتُهمت إيران بالتورط في محاولات انقلابية داخل البحرين وإثارة اضطرابات أمنية في الكويت.
وفي هذا الإطار التصعيدي، واصلت إيران ضغوطها على السعودية عبر تحريك مظاهرات خلال مواسم الحج، والتي بلغت ذروتها في أحداث يوليو 1987، حين قُتل مئات الإيرانيين خلال اشتباكات مع قوات الأمن السعودية، وأعقب ذلك قيام متظاهرين إيرانيين بمهاجمة السفارتين السعودية والكويتية في طهران، ما أسفر عن مقتل دبلوماسي سعودي.
إلى جانب ذلك، واجهت السعودية تهديدًا أمنيًا متزايدًا تمثل في بروز حركة “حزب الله الحجاز”، وهي جماعة شيعية مرتبطة بحزب الله اللبناني لجأت إلى العنف لتحقيق أهدافها، ولم تتمكن الرياض من احتواء هذا التهديد إلا بعد تنفيذ حملة أمنية موسعة استهدفت كوادر الحزب وشبكاته داخل المملكة.
وفي ظل تصاعد التوترات الإقليمية عقب الثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية، استمرت طهران في استهداف الملاحة في الخليج، وردًا على هذه التحديات، أسست دول السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، عُمان، والبحرين مجلس التعاون الخليجي عام 1981، كإطار سياسي وأمني مشترك لمواجهة التهديدات المتنامية في المنطقة، وفي مقدمتها المخاطر الآتية من إيران.
وقد زاد من أهمية هذا التكتل الخليجي اشتداد الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988)، التي شكلت أحد أكثر الصراعات دموية وكلفة في تاريخ المنطقة، حيث تكبدت إيران خسائر مادية ضخمة قدرت بنحو 450 مليار دولار، ولم تقتصر آثار الحرب على الخسائر الإنسانية والاقتصادية، بل كان لها تأثير عميق في تشكيل السياسات الداخلية والخارجية لإيران لعقود تالية.
السلام البارد
بعد إخفاق إيران في تصدير ثورتها إلى دول الخليج طوال ثمانينيات القرن الماضي، تبنت في التسعينيات سلوكًا أقل ثورية، فمع وفاة الخميني وتولي رفسنجاني الرئاسة عام 1989، أعلن الأخير أن “على إيران التوقف عن سياسة خلق الأعداء”، معلنًا عن تحول في السياسة الخارجية من نهج عدائي إلى تعايش براغماتي، لم يعتبر رفسنجاني أنظمة الخليج خصومًا يجب إسقاطهم، بل رأى فيهم شركاء اقتصاديين محتملين سعى إلى استقطابهم للاستثمار في إيران.
وقد جاءت التطورات الإقليمية لتدعم هذا التوجه، إذ ساهم غزو العراق للكويت عام 1990 في تهيئة المناخ أمام إيران لإعادة الانخراط مع دول الخليج، فالعدوان العراقي أزاح خصمًا مباشرًا لطهران، وفتح المجال أمام تقارب حذر مع دول الخليج، ومع تحول العراق من قوة موازنة لإيران إلى تهديد مباشر لدول الخليج، مالت دول الخليج إلى تعزيز اعتمادها عسكريًا على الولايات المتحدة، وهو ما اعتبرته إيران تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، ما أعاد إنتاج جو من التوتر والشك المتبادل بين الجانبين.
في هذا السياق، أصدرت إيران عام 1992 أول عقيدة عسكرية رسمية لها، والتي جسدت إدراكًا لمواطن ضعفها الاستراتيجية في تلك المرحلة، فقد خرجت للتو من حرب طويلة ومرهقة مع العراق انتهت دون نصر حاسم، كما كانت تعاني من عزلة إقليمية ودولية واقتصاد متداعٍ وشعب مثقل بالأعباء.
وزاد من تعقيد وضعها مشاهدتها للتفوق العسكري الأمريكي الساحق في حرب الخليج، وأمام هذا الواقع، لجأت إيران إلى تبني استراتيجية تعتمد على الردع غير المباشر، وتطوير قدراتها الصاروخية والسيبرانية، ولاحقًا الطائرات المسيرة، بدلًا من الاستثمار في أسلحة الجو أو البحرية المتقدمة.
ورغم أن مرحلة ما بعد الغزو العراقي للكويت شهدت تحسنًا وتعاونًا نسبيًا في العلاقات الخليجية الإيرانية، لكن السمة الغالبة التي صبغت العلاقات ظلت هي التربص المتبادل، ولم تُستعاد العلاقات إلى المستوى الذي كانت عليه قبل تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومع ذلك، لم ينخرط الطرفان في صدام عسكري مباشر وبقيا محافظين على مسافة حالت دون الاشتباك المباشر.
ومع نهاية التسعينيات، بدأت تلوح بعض المؤشرات الإيجابية، خاصة بعد انتخاب الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي عام 1997، حيث رحبت دول مجلس التعاون بخطابه المنفتح واعتبرته فرصة لتحسين العلاقات. إلا أن هذه الآمال ما لبثت أن تراجعت مع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، الذي شكل نقطة تحول فارقة أعادت تأجيج التوترات، ودفعت بسياسات إيران الخارجية نحو مسارات أكثر حدة.
الغزو الأمريكي للعراق واستراتيجية الدفاع الأمامي
بعد الغزو الأميركي للعراق وسقوط نظام صدام حسين، سارعت إيران لملء الفراغ السياسي هناك، فعززت نفوذها مع القوى العراقية الجديدة، ووقعت أكثر من 100 اتفاقية تعاون مع العراق، وأصبحت أحد أبرز شركائه التجاريين، كما استثمرت في ترميم الأضرحة الدينية في النجف وكربلاء.
وقد جاء هذا التمدد الإيراني نتيجة للفراغ السياسي والأمني الذي خلفه الغزو الأمريكي عام 2003، وهو ما مهد الطريق أمام إيران لتحقيق أهدافها القديمة التي فشلت في تحقيقها خلال الحرب مع العراق بين عامي 1982 و1988.
وفي حين شهدت فترة رئاسة أكبر هاشمي رفسنجاني (1989-1997) ومحمد خاتمي (1997-2005) تراجعًا نسبيًا في حدة التوتر بين إيران ودول الخليج، إلا أن انتخاب محمود أحمدي نجاد عام 2005 أعاد السياسة الخارجية الإيرانية إلى خطاب الثورة الإيرانية في بداياتها.
وفي هذا السياق، سارعت طهران إلى استئناف تخصيب اليورانيوم، ما أثار قلقًا لدى دول الخليج، وفي موازاة ذلك، وسعت إيران من اعتمادها على شبكات الوكلاء في إطار تطبيق استراتيجية الدفاع الأمامي التي تبنتها رسميا عام 2003.
ففي ظل الواقع الجديد بعد غزو العراق، تبني الحرس الثوري الإيراني عام 2003 مفهوم “الدفاع الأمامي” كاستراتيجية جديدة تهدف إلى تحقيق الردع غير المباشر من خلال توسيع النفوذ داخل العالم العربي وتهديد المصالح الخليجية دون الدخول في صدام مباشر، وقد رأت دوائر السياسة الخارجية الإيرانية في هذه الاستراتيجية انعكاسًا لموقع إيران الهش كدولة شيعية فارسية وسط منافسين عرب وسنة، بلا أي تحالفات موثوقة، وتواجه احتواءً تفرضه عليها القوة العظمى في العالم.
استند مفهوم الدفاع الأمامي إلى الخبرة التي اكتسبها الحرس الثوري الإيراني خلال الحرب مع العراق، ورأت طهران أن الاعتماد على ميليشيات محلية أكثر فاعلية من نشر قوات إيرانية بشكل علني، وبناءً على ذلك، ركزت على تشكيل ميليشيات محلية، يديرها ويدربها الحرس الثوري، ويجمعها خطاب المقاومة، مستلهمة تجربة حزب الله اللبناني في ثمانينيات القرن الماضي.
وبين عامي 2003 و2011، لعب فيلق القدس دورًا محوريًا في تدريب وتسليح الميليشيات الشيعية، ضمن استراتيجية أوسع للحرس الثوري الإيراني في بسط النفوذ الإقليمي، وقد أطلق المرشد الأعلى علي خامنئي على هذه الشبكة اسم “محور المقاومة”، ويُنسب الفضل في تأسيسها إلى قاسم سليماني.
وهكذا فضلت طهران ساحة المعركة على الدبلوماسية، كما أقر بذلك وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف، وفي حين أتاح هذا النهج لإيران توسيع نفوذها في مناطق تعتبرها جزءًا من عمقها الاستراتيجي، لكنه أدى في المقابل إلى تصاعد التوتر مع دول الخليج التي اعتبرت هذه السياسات تهديدًا مباشرًا لأمنها واستقرارها.
ولم تقتصر أسباب التوتر على الأفعال الميدانية، بل تعمقت أيضًا بفعل التصريحات الصادرة عن شخصيات إيرانية بارزة، حيث أثارت موجة من الغضب في الخليج دعوات علنية لضم البحرين إلى إيران، فقد صرح بذلك حسين شريعتمداري مستشار المرشد الأعلى في عام 2007، وعادت هذه المطالبات الظهور في عام 2009 على لسان علي أكبر ناطق نوري وزير الداخلية الأسبق وأحد المستشارين المقربين من المرشد، مما زاد من هشاشة العلاقات الخليجية الإيرانية وأعاد إلى الواجهة هواجس الهيمنة الإيرانية.
تطويق دول الخليج
زاد الربيع العربي من تفاقم التوتر بين إيران ودول الخليج، وكانت احتجاجات البحرين عام 2011 محطة مفصلية في هذا التصعيد، كما اتهمت الكويت إيران بالتجسس والتدخل في شؤونها الداخلية، حيث ظهرت أولى هذه الاتهامات في عام 2010، ثم تجددت في عام 2015 بعد اكتشاف مخبأ كبير للأسلحة داخل الأراضي الكويتية، ولم يتم الكشف عن تورط إيران رسميًا إلا في عام 2017، ما دفع الكويت إلى طرد عدد من الدبلوماسيين الإيرانيين وتخفيض مستوى العلاقات بين البلدين.
وبالتوازي مع ذلك، كانت إيران تخوض معركتها في سوريا التي اعتبرتها بوابتها الاستراتيجية إلى العالم العربي وممر حيوي لدعم حزب الله في لبنان، فمع اندلاع الثورة السورية ضد نظام الأسد عام 2011، رأت طهران فيها تهديدًا مباشرًا لاستراتيجية الدفاع الأمامي التي تفرض التصدي لأي تهديد بعيدًا عن حدودها، لذا سعت بكل الوسائل لمنع انهيار نظام الأسد، معتبرة الدفاع عن نظام الأسد معركة مصيرية تماثل الدفاع عن إيران نفسها.
وأصبح فيلق القدس جزءًا أساسيًا لدعم بقاء نظام الأسد وتعزيز دفاعاته، وشكل الفيلق ميليشيات من لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان، إضافة لمقاتلين شيعة من مختلف أنحاء المنطقة للقتال إلى جانب جيش الأسد.
وجدير بالملاحظة أنه منذ عام 2003، أعاد مفهوم الدفاع الأمامي تشكيل رؤية إيران للأمن القومي بشكل جذري، ففي بداياته، كان يهدف إلى حماية الأمن القومي من خلال الحفاظ على نفوذ إيراني داخل العالم العربي والسيطرة على سياسته، إلا أن تجربة الحرب السورية وسعت هذا المفهوم ليشمل الدفاع عن كامل المجال الشيعي في المنطقة، ما مثل توسعًا كبيرًا في إعادة تعريف الأمن القومي الإيراني ليأخذ بُعدًا مذهبيًا وإقليميًا أكثر اتساعًا من أي وقت مضى.
انتهت فترة حكم أحمدي نجاد في يونيو 2013 وقد خلفت وراءها سياسة خارجية متوترة، لتتولى إدارة روحاني الحكم واضعة في صلب أولوياتها تحسين علاقات إيران مع دول الخليج، مع ذلك، لم يكن روحاني وافدًا جديدًا على المجال السياسي، فهو عمومًا “ابن النظام” بمعنى أن جذوره راسخة تمامًا ضمن النظام السياسي الإيراني.
وفي هذا السياق، وبينما كانت إدارة روحاني تروج لخطاب انفتاح إقليمي، كانت الاستراتيجية العسكرية الإيرانية تمضي في اتجاه مغاير، إذ وصل عدد عناصر الحرس الثوري الإيراني في سوريا بحلول عام 2016 إلى 9200 عنصر، توزعت مهامهم بين حماية نظام الأسد وبناء شبكة عسكرية مشتركة مع حزب الله، ما جعل سوريا الساحة الأهم لتوسيع استراتيجية الدفاع الأمامي، لكن دون أن تكون الوحيدة.
ورغم أن تبني استراتيجية الدفاع الأمامي فرض على إيران أعباءً اقتصادية وسياسية ثقيلة، إلا أنها ظلت استراتيجية مفتوحة بلا نهاية واضحة، تتطلب توسعًا دائمًا للحفاظ على فعاليتها، وحسب رواية محمد جواد ظريف، فإن الدفاع الأمامي لا يُسهل عمل السياسة الخارجية لإيران، بل على العكس، يُضيف إليها أعباء وتعقيدات.
وفي سبتمبر 2014 شكل اندلاع الحرب في اليمن فرصة لإيران لفتح جبهة جديدة خارج حدودها، حيث سارع فيلق القدس إلى استغلال الوضع من خلال تقديم الدعم العسكري للحوثيين، ومن خلال هذه القاعدة الجديدة، استطاعت طهران ممارسة ضغوط هائلة على دول الخليج.
أثارت التدخلات الإيرانية المتزايدة في عمق المنطقة قلقًا بالغًا لدى دول الخليج التي رفضت استراتيجية “الدفاع الأمامي”، واعتبرتها مشروع توسعي يهدف إلى فرض الهيمنة، وقد شهدت العلاقة بين الطرفين تصاعدًا في التوتر، خاصة في أعقاب التدخل العسكري الخليجي في اليمن، الذي جاء كرد فعل على تنامي النفوذ الإيراني عبر دعم الحوثيين.
كما زادت حدة الخلافات لاحقًا بعد حادثة تدافع الحج التي أسفرت عن مقتل عدد من الحجاج الإيرانيين، وإعدام نمر النمر في السعودية، تلاه الهجوم على السفارة السعودية في طهران، مما دفع معظم دول الخليج إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران.
الموقف الخليجي الساعي إلى منع التصعيد العسكري يعكس إدراكًا بأن الأوضاع التي جرى رسم ملامح إدارة التوتر فيها، رغم هشاشتها، تظل أقل خطورة من فوضى نظام جديد غير واضح المعالم
📍تفاصيل أكثر في موقعنا الإلكتروني 👇https://t.co/r1ASf7IJ4T
✍️@ahmad_m_tanani pic.twitter.com/MQqb89bz7w— نون بوست (@NoonPost) January 23, 2026
كذلك شكل الاتفاق النووي بين إيران والقوى الكبرى في عام 2015 نقطة تحول، إذ خفف العقوبات عن طهران مقابل قيود على برنامجها النووي، لكن دول الخليج نظرت إليه بريبة، معتبرة أنه مكن إيران من توسيع نفوذها الإقليمي، ورأت دول الخليج أن إدارة أوباما ركزت على إبرام الاتفاق دون كبح تدخلات إيران الإقليمية، ما أتاح لطهران مواصلة دعمها لنظام الأسد، والحوثيين، وحزب الله، والحشد الشعبي في العراق.
لكن في المقابل، لم يعتبر المتشددون داخل إيران الاتفاق مكسبًا حقيقيًا، إذ رأوا فيه تنازلًا عن المبادئ، بينما بدا الاتفاق من منظور دول الخليج وكأنه يعزز مكانة إيران الإقليمية ويمنحها مساحة أوسع لمتابعة مشروعها التوسعي.
لكن جاءت نقطة التحول في 8 مايو 2018، عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران، ما أعاد فرض العقوبات على إيران وأشعل موجة جديدة من التوتر، وعزز موقف التيار المتشدد داخل النظام الإيراني الذي استخدم الانسحاب الأميركي لتأكيد شكوكه السابقة ورفضه للرهان على الدبلوماسية.
في ظل هذا التصعيد، أخذت التوترات بعدًا ميدانيًا متزايدًا، حيث تصاعدت الهجمات المنسوبة إلى وكلاء إيران في العراق واليمن، وكان أبرزها هجوم عام 2019 بالطائرات المسيرة والصواريخ على منشآت النفط السعودية في بقيق وخريص، كما كثف الحوثيون هجماتهم على المدن السعودية، بما في ذلك العاصمة الرياض، ووصلت الهجمات إلى محيط القصر الحكومي عام 2021.
في السياق ذاته، تعرضت الإمارات لهجمات مشابهة بالصواريخ والطائرات المسيرة خلال عام 2019، بالتزامن مع تقدم القوات المدعومة من أبوظبي نحو ميناء الحديدة، قبل أن تضغط واشنطن على الإمارات للتراجع. وفي عام 2022، شن الحوثيون هجومًا استهدف منشآت نفطية في أبوظبي.
لقد طال أمد الحرب في اليمن أكثر مما كانت دول الخليج تتوقع، وفشلت في إبعاد الحوثيين عن صنعاء، وبدلًا من ذلك، أسهمت هذه الحرب في تعزيز ارتباط الحوثيين بإيران، وامتد هذا الدعم ليشمل حزب الله والميليشيات الشيعية الأخرى، فيما وفرت الصواريخ الإيرانية مظلة دفاعية للحوثيين، مما حول اليمن إلى تهديد فعلي لأمن الخليج.
التجميد المؤقت للقضايا الشائكة
تمكنت إيران بحلول عام 2020 من مأسسة وترسيخ نفوذها الإقليمي، ملقيةً بظلال من التهديدات الأمنية فوق سماء الخليج عبر شبكة وكلائها، إذ لم تعد المخاطر محصورة في استهداف المنشآت النفطية والبنى التحتية الحيوية بالصواريخ والمسيرات، بل اتسعت رقعتها لتطال شريان الاقتصاد عبر تهديد حركة الملاحة والأمن البحري في المنطقة.
ومع تراجع الدعم الأمريكي للعمليات العسكرية بقيادة السعودية في اليمن، وتصاعد الهجمات الصاروخية والمسيرة بين عامي 2019 و2022، تعمقت مخاوف عواصم مجلس التعاون الخليجي، مما رسخ لديها قناعة بأن المظلة الأمنية الأمريكية لم تعد ضمانة كافية لصد التهديدات الإيرانية.
وفي مواجهة هذا التهديد، اتجهت الرياض وأبوظبي ودول خليجية أخرى نحو تهدئة التوترات مع طهران، ومهدت الوساطات العراقية والصينية الطريق لاستئناف التواصل الدبلوماسي مع إيران بعد سنوات من العداء، ورغم إرث الخلافات الطويل، تبنت دول الخليج سياسة انفتاح حذر تجاه إيران للحد من مخاطر نفوذها الإقليمي.
على الجانب الآخر، شهد عام 2021 تحولاً في المقاربة الإيرانية، إذ جعل الرئيس إبراهيم رئيسي من التقارب مع دول الخليج ركيزة أساسية في سياسته الخارجية، ودشن لهذا الغرض مبادرة “سياسة حسن الجوار”، معتمدًا إياها كإطار رسمي لإنهاء القطيعة مع الجوار العربي.
وأسفرت هذه الجهود عن إعادة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران في مارس 2023 بوساطة صينية، مما دفع معظم دول مجلس التعاون باستثناء البحرين، إلى استئناف علاقاتها مع طهران.
ونص الاتفاق على مطالبة إيران بوقف دعمها العسكري للحوثيين، غير أن القيادة الإيرانية رأت في تجربة الدفاع الأمامي في اليمن دليلًا على فاعليته، ورأت أنه أسهم في دفع السعودية ودول الخليج إلى تعديل نهجها تجاه طهران.
ورغم هذه التهدئة النسبية بين دول الخليج وإيران، إلا أن ما جرى لم يتجاوز كونه تجميدًا مؤقتًا أو تهدئة للقضايا العالقة، دون معالجة جوهرية لجذور الخلافات البنيوية بين الجانبين، إذ كانت الملفات الخلافية، وعلى رأسها الدور الإيراني في العراق واليمن وسوريا، تُركن مؤقتًا دون تسوية حقيقية.
– طهران تعتقد أن الإمارات تجاوزت دور “المستضيف” للقواعد الأمريكية لتلعب دورًا نشطًا في الحرب، بما في ذلك وضع منشآتها الجوية تحت تصرف العمليات ضد إيران.
– دبلوماسيون إيرانيون يؤكدون امتلاك معلومات استخباراتية (بمساعدة روسية) تشير إلى أن ترامب يخطط لغزو بري للجزر الاستراتيجية… pic.twitter.com/doylE9Fwfz
— نون بوست (@NoonPost) March 28, 2026
كما لم ينعكس هذا الانفراج بشكل ملموس على الخطاب الإعلامي الرسمي أو شبه الرسمي، حيث استمر الإعلام الإيراني في تبني سرديات تصادمية في كثير من الأحيان، تعكس حجم انعدام الثقة وتؤكد أن مناخ التهدئة لم يترسخ على المستوى المؤسسي.
غير أن هذا الزخم الهادئ نسبيًا استمر مع تولي مسعود بزشكيان رئاسة إيران عقب فوزه في الانتخابات الرئاسية، حيث بادر قادة دول مجلس التعاون الخليجي لتهنئته وأرسلوا وفودًا رفيعة لحضور حفل تنصيبه، ومع تعيين عباس عراقجي وزيرًا للخارجية، سارعت دول الخليج إلى فتح قنوات تواصل معه.
وخلال الحرب الإسرائيلية على إيران، أعادت دول مجلس التعاون الخليجي الست التأكيد على موقفها الرافض للضربات الإسرائيلية، وأصدرت بيانات أعربت فيها عن قلقها من التصعيد، وأدانت كل من السعودية وقطر والكويت وسلطنة عمان الهجمات، ووصفت إيران في بياناتها بالدولة الصديقة والشقيقة.
كما أوضحت دول الخليج موقفها الرافض لاستخدام أراضيها أو مجالها الجوي من قبل القوات الإسرائيلية أو الأمريكية في أي هجوم على إيران، وشمل هذا الرفض أيضًا منع تقديم أي دعم لوجستي، كالتزود بالوقود، وتجدر الإشارة إلى أن الضربات الأمريكية في عام 2025 على المنشآت النووية الإيرانية والحوثيين في اليمن نُفذت من أصول عسكرية بعيدة مثل الولايات المتحدة، وقبرص، وحاملات الطائرات والغواصات، دون استخدام القواعد الخليجية.
كما لعبت السعودية والإمارات وقطر دورًا محوريًا في جهود الوساطة بين طهران وواشنطن، إذ عملت على تهدئة التوترات وتقريب وجهات النظر بين الطرفين، وساهمت في تسهيل تبادل الرسائل بين المسؤولين الإيرانيين والأميركيين، كما بذلت جهودًا للضغط على الولايات المتحدة للحد من التصعيد الإسرائيلي، وأجرت اتصالات هاتفية مع الرئيس ترامب بهدف تهدئة الأوضاع.
وقبل حرب 2025، قام وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بزيارة تاريخية إلى طهران، التقى خلالها المرشد الأعلى الإيراني والرئيس بزشكيان وعددًا من كبار المسؤولين، حيث بحثوا تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي ودعم الاستقرار الإقليمي، ووصف الجانبان الزيارة بأنها خطوة مهمة نحو تحسين العلاقات بين البلدين.
من “العديد” إلى حرب 2026: تصدع مسار التهدئة
شكل الهجوم الإيراني على قاعدة العديد بقطر في 23 يونيو 2025 أول اختبار عملي لمسار التهدئة الذي بدأ بين إيران ودول الخليج بعد اتفاق بكين عام 2023، ورغم تأكيد طهران أن الضربة استهدفت القوات الأمريكية فقط، وبذل الرئيس الإيراني جهودًا لاحتواء تداعياتها.
لكن العملية حملت رسائل سياسية وعسكرية دشنت مرحلة تصعيد غير مسبوق في مسار العلاقات الإيرانية الخليجية، وجاء تصريح المرشد الأعلى علي خامنئي واصفًا استهداف قاعدة العديد بـ “حادثة كبيرة يمكن تكرارها”، ليؤكد أن عواصم الخليج جزءًا من استراتيجية الردع التي توظفها طهران ضد واشنطن رغمًا عن إرادة جيرانها.
ثم جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مطلع 2026 لتضع حدًا لمسار التهدئة، بعدما تمددت نيران الصراع إلى تهديد الملاحة في مضيق هرمز، واستهداف البنية التحتية الحيوية في الخليج.
وبينما استمرت طهران في توظيف دول الخليج كورقة ضغط عسكرية، لم تبلور الحرب الأخيرة موقفًا خليجيًا موحدًا، بل كشفت عن تباين في مسافات كل دولة، وبرز ذلك في نمط “الردع مع الانفتاح” الذي تبنته السعودية، حيث سعت إلى الحفاظ على مسار التهدئة مع إيران لتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
لكنها في الوقت نفسه عززت جاهزيتها الدفاعية وواصلت تطوير شراكاتها الأمنية والعسكرية مع الولايات المتحدة وقوى أخرى كباكستان وأوكرانيا، كما شنت السعودية والإمارات عمليات هجومية خاصة ضد مواقع إيرانية وميليشيات حليفة، وهو ما لم تقدم عليه أي من الحكومتين منذ عقود.
هل تحولت باكستان من وسيط سلام إلى طرف في الصراع؟.. تسريبات تكشف الاتفاق السري بين السعودية وإسلام آباد. pic.twitter.com/636wX7u45J
— نون بوست (@NoonPost) April 14, 2026
أما الإمارات، فقد تصدر العداء العلني المشهد طوال فترة الحرب، إذ تحملت أبوظبي الفاتورة الأكبر للهجمات الإيرانية بعد أن تركز ما نسبته 63% من الضربات الصاروخية والمسيرة ضد منشآتها النفطية ومطاراتها وموانئها.
ومنذ بداية الحرب، أشاد المسؤولون الإماراتيون بمرونة بلادهم وصمودها، واستعدادها للرد، واستقلاليتها على الساحة العالمية، وأكد أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي، على ضرورة مواجهة إيران التي وصفها بأنها “التهديد الرئيسي” للأمن الإقليمي.
أما قطر وسلطنة عُمان فتندرجان ضمن معسكر الوساطة وخفض التصعيد. فقد واصلت الدوحة انتهاج سياسة الوساطة والحفاظ على قنوات الاتصال مع مختلف الأطراف، فيما تمسكت مسقط بدورها التقليدي وسيطًا بين إيران والولايات المتحدة، انطلاقًا من قناعة بأن احتواء التصعيد يظل الخيار الأكثر واقعية لحماية أمن الخليج.
رغم ما تعرضت له من انتقادات بسبب حياديتها تجاه إيران.. تبرز سلطنة عُمان اليوم كأكبر المستفيدين في فترة ما بعد الحرب سياسيًا واقتصاديًا، إليك التفاصيل 👇 pic.twitter.com/6DCpMhCyyf
— نون بوست (@NoonPost) June 20, 2026
أما الكويت، فحافظت على نهجها القائم على دعم منظومة الأمن الخليجي والتنسيق مع دول مجلس التعاون، مع الإبقاء على قنوات اتصال مع طهران. وفي المقابل، استمرت البحرين في تبني المقاربة الأكثر انسجامًا مع التوجه الإماراتي والأكثر تشددًا تجاه إيران داخل مجلس التعاون، كما عززت علاقاتها العسكرية مع باكستان. وتتعرض الكويت والبحرين لمخاطر تجعل التصعيد مكلفًا من الناحية الوجودية.
مخرجات الحرب والتحول الاستراتيجي
أحدثت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران انعطافة هيكلية في البيئة الأمنية الإقليمية، وتكمن أهم مخرجاتها وجوهر تحولها الاستراتيجي في صياغة ملامح حقبة سيمتد تأثيرها لعقود قادمة، سواء على صعيد إعادة بناء العقيدة الأمنية لدول الخليج، أو رسم الرؤية المستقبلية للمنطقة ومحددات علاقتها مع طهران. وتتبلور أبرز مخرجات الحرب التي ظهرت حتى الآن في النقاط التالية:
إعادة صياغة معادلة الأمن
أسقطت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران فرضية إمكانية عزل المنظومة الخليجية عن ارتدادات الصراع الإقليمي، إذ برهنت العمليات العسكرية أن أي مواجهة واسعة ستطال العمق الخليجي مباشرة، سواء عبر استهداف القواعد العسكرية، وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، أو وضع منشآت الطاقة والبنية التحتية ومفاصل الاقتصاد في مرمى النيران.
لقد كشفت الحرب عن تداخل بين التصعيد العسكري وهشاشة البنية التحتية في الخليج، حيث برزت المعضلة الأكبر في التباين الجغرافي لآليات حماية الطاقة بين ضفتي الصراع. فبينما تمتلك إيران نحو 100 محطة لتوليد الكهرباء تنتشر وتتحصن داخل تضاريس طبيعية معقدة، كالجبال والوديان والغابات، تفتقر الحواضر الخليجية لهذا العمق الطبيعي، مما يجعل محطاتها الحيوية مكشوفة وقريبة من مرمى النيران الرخيصة والمسيرات الإيرانية.
ونتيجة لهذه المعطيات، تجاوز المنظور الخليجي أطر الدفاع التقليدي ليتسع صوب “مفهوم الأمن الشامل” الذي يدمج أمن الطاقة، والخطوط البحرية، والدفاع الصاروخي والسيبراني، وحماية سلاسل الإمداد والاقتصاد.
وهذا التحول لإعادة صياغة معادلة الأمن سيفرض حتمًا ضغوطًا متصاعدة على موازنات دول الخليج، التي ستجد نفسها مجبرة لإعطاء الأولوية للإنفاق العسكري والتسليحي المتزايد، الأمر الذي سيؤدي إلى تباطؤ وتأخر في تحقيق مستهدفات الرؤى التنموية والاقتصادية.
تنويع الشركاء
يبدو أنه من الصعب الحديث عن ولادة عقيدة أمنية خليجية موحدة في المرحلة المقبلة، فدول مجلس التعاون لا تقف على قلب رجل واحد، ولم تنجح حتى الآن في صياغة أو الاتفاق على عوامل رادعة بالمعنى الجمعي المشترك تجاه طهران.
ومع ذلك، كشفت الحرب عن وجود قاسم مشترك بين دول الخليج تمثل في بناء تحالفات عسكرية جديدة وتنويع الشركاء الأمنيين الدوليين، وتبادل الخبرات في مجال مواجهة الصواريخ والطائرات المسيرة.
وانعكس هذا التوجه في توسع عدد من الدول الخليجية في التعاون الدفاعي مع قوى إقليمية ودولية، حيث عززت السعودية استثماراتها بقطاع الصناعات العسكرية، كما واصلت تعاونها العسكري مع باكستان في مجالات التدريب والتنسيق الدفاعي.
وفي الوقت نفسه، اتجهت كل من السعودية وقطر والإمارات إلى إبرام اتفاقيات تعاون دفاعي مع أوكرانيا ركزت على مواجهة الصواريخ والطائرات المسيرة وتبادل الخبرات العسكرية. كما دفعت الحرب بعض دول الخليج إلى تسريع برامج توطين الصناعات العسكرية.
كذلك عززت الإمارات تعاونها العسكري والاستخباراتي مع إسرائيل خلال الحرب على إيران، وطلب محمد بن زايد نشر منظومات دفاع جوي إسرائيلية، وهو ما تُرجم عمليًا في أبريل 2026 بنشر بطاريات القبة الحديدية ومنظومة شعاع الحديد داخل الإمارات.
لكن هذا المسار لم يؤد إلى تراجع مكانة الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأمني الرئيس لدول الخليج، إذ لا تزال القواعد العسكرية الأمريكية، ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي، والتعاون الاستخباراتي، والانتشار البحري الأمريكي تُشكل الركائز الأساسية للأمن الخليجي.
بموجب المذكرة الحالية، تلتزم واشنطن بعدم التدخل في شؤون إيران ورعاية برنامج إعمار بقيمة 300 مليار دولار. ويمثل هذا تنازلًا كبيرًا مقارنة باتفاق 2015.. فكيف قوّضت حرب إيران مكانة الولايات المتحدة و “إسرائيل”؟ pic.twitter.com/EtZdAJV734
— نون بوست (@NoonPost) June 20, 2026
التعايش الحذر
من جانب آخر، أنتجت مخرجات الصراع انتقالًا في إعادة تشكيل العقيدة الإستراتيجية لدول الخليج وتفضيل مسار الحوار على المواجهة، وفي هذا الإطار، كثفت العواصم الخليجية مؤخرًا قنوات اتصالها مع طهران لبلورة تفاهمات أمنية واقتصادية.
وبرزت مؤشرات على انخراط بعضها في مناقشات للمساهمة في إعادة إعمار الاقتصاد الإيراني ضمن ترتيبات إقليمية ودولية. ومع ذلك، تفتقر المرحلة الراهنة إلى الثقة والدفء، وتبدو أقرب إلى نموذج “التعايش الحذر” القائم على أسس براغماتية.
وبالنسبة لطهران، أفرزت الحرب تحولًا تكتيكيًا في هندسة الحكم، إذ تسببت في تنامي نفوذ العسكر على حساب السياسيين، وباتت الكلمة الفصل لقادة الحرس الثوري الذين غدوا المحدد الأساسي لمسار العلاقات الإيرانية مع الخليج.
وبشكل عام، يرجح أن يظل الطرفان عالقان في دائرة “الحرب الباردة”، إذ إن استمرار التعاون العسكري والأمني بين دول الخليج والولايات المتحدة يعزز من منظور الدوائر السياسية والعسكرية في طهران الشعور بوجود تهديد إستراتيجي مباشر، ما يجعل من الصعب على إيران تبني رؤية إيجابية تجاه دول الخليج، وإبقاء علاقاتها محكومة بالتكيف والمناورة البراغماتية بعيدًا عن أي أفق لمصالحة استراتيجية حقيقية.