تكتسب ليبيا أهمية إقليمية ودولية متزايدة، إذ يرتبط مستقبلها بملفات استراتيجية تتصدرها النفط وأمن الطاقة العالمي، والاستقرار الأمني والاقتصادي في حوض المتوسط، فضلًا عن ملف الهجرة غير الشرعية.
وفي ظل الجهود الأممية والإقليمية الرامية اليوم لتحريك المسار السياسي الليبي، تتجه الأنظار إلى موازين القوة العسكرية على الأرض، خاصة مع تقدم المشير خليفة حفتر في السن وبلوغه 83، وما يثيره ذلك من تساؤل حول من سيتولى القيادة بعده ومدى قدرته على ضبط شرق البلاد.
ولم يغب هذا الأمر عن حسابات حفتر نفسه، إذ سارع في خطوة استباقية لترتيب مرحلة ما بعد رحيله، وبذل قصارى جهده لإعادة هيكلة قواته وترسيخ حضور أبنائه في مفاصل المؤسسات العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. لكن من بين جميع أبنائه، يبرز ابنه الأصغر اللواء صدام حفتر، والذي رغم صغر سنه (35 عامًا)، فرض نفسه كالشخصية الأكثر نفوذًا وحضورًا بين إخوته.
صعد صدام في السنوات الأخيرة عبر دوره في إدارة العمليات العسكرية والأمنية وقيادته للواء “طارق بن زياد” الذي شكل ذراعًا ضاربًا في صراع والده على السلطة، ومن خلال هذا الموقع، رسخ نفوذه داخل برقة وفزان ومنطقة الهلال النفطي، قبل أن يمتد تأثيره إلى الاقتصاد الموازي وإدارة شبكات التجارة والتهريب وتوظيف عوائد الطاقة لخدمة مشروعه.
وخلال العامين الماضيين، ركز صدام على تعزيز حضوره السياسي والاجتماعي وتحسين صورته العامة، حتى باتت صوره تتصدر شوارع بنغازي إلى جوار صور والده. كما كثف من تحركاته الخارجية كلاعب يسعى لحجز مقعد رئيسي في رسم ملامح أي تسوية سياسية مستقبلية للبلاد، وشملت جولاته عواصم دولية وإقليمية كبرى كواشنطن، وموسكو، وباريس، وروما، وأنقرة، والقاهرة، وأبو ظبي، وإسلام آباد، إضافة لدول الساحل الإفريقي.
في تقريرنا هذا، نبحر في قصة صعود نجل المشير حفتر، ونرصد كيف تحول في أقل من عقد من قائد ميداني متهم بالانتهاكات في لواء طارق بن زياد، إلى مهندس للاقتصاد الموازي وشبكات التهريب، مرورًا بإمساكه بملفات التنسيق الأمني والتحالفات من موسكو إلى واشنطن وتل أبيب، وصولًا إلى فرض نفسه كرقم صعب والخليفة الأوفر حظًا لوراثة عرش أبيه في قيادة معسكر شرق البلاد، والراعي التنموي المؤهل لقيادة مستقبل ليبيا.
البدايات الأولى
وُلد صدام حفتر عام 1991 بمدينة بنغازي شرقي ليبيا في قبيلة الفرجان، وهو الابن الأصغر لحفتر، وسُمي تيمنًا بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذي كانت تجمعه بحفتر علاقة ودية.
وتتضارب الروايات بشأن ازدواجية جنسية صدام ونشأته، إذ يعتقد كثيرون أنه نشأ في ولاية فرجينيا الأمريكية، حيث عاش والده في المنفى من ديسمبر 1990 حتى عودته إلى ليبيا عام 2011 بعد سقوط نظام القذافي.
لكن تؤكد روايات أخرى أن صدام ترعرع في مسقط رأسه بنغازي، وتولت والدته تربيته بينما كان والده يعيش في المنفى، ولا تُعرف تفاصيل كثيرة عن طفولته وسنواته الأولى، باستثناء أنه عاشها في الظل ولم يحصل في تلك الفترة على أي مؤهلات تعليمية جامعية.
ومع اندلاع الثورة ضد نظام القذافي وهو في العشرين من عمره، عاد والده من منفاه في الولايات المتحدة، لينخرط صدام في الحملات العسكرية والأنشطة الداعمة له. ورغم افتقاره حينها لأي تدريب عسكري، إلا أنه سرعان ما لفت الأنظار ميدانيًا في عام 2012 إثر محاولته للسطو على “مصرف الأمان” في العاصمة طرابلس رفقة مجموعة من المسلحين، وهي الحادثة التي نجا منها بإصابة، ومنها بدأت ترتسم في الأذهان سمعته السيئة.

ومع حلول عام 2014، بدأت حظوظ الشاب تتسع عندما أطلق والده “عملية الكرامة” لمواجهة الجماعات المسلحة المنافسة، وانخرط صدام في كافة تلك الحملات بدءًا من معارك بنغازي وتأمين السيطرة الكاملة لـ “الجيش الوطني الليبي” على إقليم برقة شرقي البلاد.
خرج صدام حفتر من دائرة المجهولية في سن الخامسة والعشرين، وتحديدًا في عام 2016، عندما أوكل إليه والده قيادة “لواء طارق بن زياد” الذي أصبح لاحقًا أقوى التشكيلات العسكرية التابعة لمعسكر الشرق الليبي.
وتكون هذا اللواء من مقاتلين غير نظاميين وعناصر من التيار السلفي المدخلي، وتمتع بتجهيزات عسكرية متطورة مكنته من الانتشار في مختلف المناطق الخاضعة لسيطرة معسكر الشرق.
وقد تحول هذا اللواء إلى نسخة تحاكي لجان القذافي الثورية سيئة السمعة، حيث مارس من قاعدته في “سيدي فرج” شرق بنغازي فظائع واعتقالات منهجة لقمع المعارضين، ووثقت منظمات حقوقية دولية ارتكاب مقاتلي صدام انتهاكات ممنهجة ترقى إلى جرائم حرب، شملت عمليات قتل غير قانونية، واختفاء قسري، وتعذيب، واغتصاب، وتهجير قسري، واستهدف المعارضين في شرق وجنوب ليبيا.
وفي عام 2017، بدأ صدام محاولات شرعنة وجوده العسكري، فتخرج برتبة نقيب من الكلية العسكرية الملكية في الأردن، وانخرط في دورات خارجية شملت العمليات الخاصة، وإدارة الوحدات والمدفعية، والاستخبارات العسكرية، فضلًا عن دورة في أمن المعلومات بروسيا، وأخرى في مكافحة الإرهاب بمصر.
ورغم هذا التأهيل المتأخر وافتقاره المسبق للتدريب التقليدي، قفز صدام فوق رتب العرف العسكري بموجب مرسوم استثنائي من رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، فرُقي سريعًا إلى رتبتي رائد ومقدم في غضون عام واحد، وصولًا إلى رتبتي عقيد وعميد بحلول عام 2023.
وخلال الهجوم العسكري الفاشل على العاصمة طرابلس (2019-2020)، غاب صدام عن الخطوط الأمامية للمعارك، وركز جهوده على إدارة الدعم اللوجستي وتأمين السلاح والذخيرة عبر شركات طيران وشبكات إمداد سرية.
بين من يموت أو من يصبح من ذوي الإعاقة.. نقص الأكسجين يخنق المواليد الجدد في #ليبيا بسبب حصار حفتر وهجماته.. شاهد التفاصيل pic.twitter.com/GJZBxCywD7
— نون بوست (@NoonPost) February 15, 2020
ثم شهد عام 2024 القفزة الأكبر والأسرع في مسيرة صدام، إذ أعلنت الأكاديمية العسكرية المصرية للدراسات العليا والاستراتيجية منحه درجة دكتوراه الفلسفة في العلوم العسكرية، وهو ما أثار موجة من الاستهجان والاستهزاء في الأوساط المتابعة. وعسكريًا في العام نفسه، عُين صدام رئيسًا لأركان القوات البرية، ولم تمضِ سوى ثلاثة أشهر على هذا التعيين حتى أصدر حفتر في أغسطس 2024 قرارًا بترقية ابنه إلى رتبة فريق.
وتُوج هذا الصعود السريع في 11 أغسطس 2025 حين أصدر حفتر قرارًا بتعيين ابنه الفريق صدام نائبًا له في قيادة الجيش الوطني الليبي، ليتحول الشاب رسميًا إلى الرجل الثاني في معسكر شرق البلاد والخلف الفعلي لوالده.
اقتصاد الظل والنفط
بدأت أولى محاولات صدام حفتر للسطو على المال العام عام 2012 بمحاولة فاشلة للسطو على “مصرف الأمان” في طرابلس. ومع اتساع نفوذه العسكري، انتقلت هذه المحاولات إلى مستوى أكثر تنظيمًا، ففي يوليو 2017 وبعد انتهاء معارك بنغازي وسيطرة قوات حفتر على المدينة، فرض صدام سيطرته على فرع مصرف ليبيا المركزي في بنغازي.
وتشير تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة إلى أن صدام أمر رجاله بنقل مبالغ ضخمة من مصرف ليبيا المركزي إلى جهة غير معلومة، شملت 160 مليون يورو، و639 مليون دينار ليبي، ومليوني دولار، إضافة إلى آلاف القطع النقدية الفضية، ليخرج بأكثر من نصف مليار دولار بعملات متعددة في واحدة من أكبر عمليات السطو على البنوك في التاريخ.
ووفقًا لما أورده تقرير لموقع “أفريكا إنتليجنس” في ديسمبر 2022، فقد أحكم صدام قبضته على القطاع المصرفي في شرق ليبيا لضمان تمويل قواته وتعزيز نفوذه المالي، كما دفع بموالين ومقربين منه في إدارة مصرف ليبيا المركزي في بنغازي.
أيضًا شرع صدام في توظيف هيئة الاستثمار العسكري لنهب البنية التحتية لبنغازي ومخلفات الحروب عبر مصادرة المصانع وبيعها كخردة، والاستيلاء على المشاريع الزراعية في الجنوب.
وقد تأسست “هيئة الاستثمار العسكري” عام 2016 بقرار من خليفة حفتر لتكون الذراع الاقتصادية لقواته في الشرق الليبي، ومُنحت إعفاءات من الضرائب والرسوم الجمركية، إلى جانب احتكار حق إمداد السفن بالوقود وتصدير الخردة المعدنية، وتشير تقارير متعددة إلى أن صدام مارس نفوذًا واسعًا على ملفاتها الاقتصادية، واستفاد منها في توسيع شبكات النفوذ الاقتصادي التابعة لمعسكر الشرق.
كذلك أسس صدام جهاز “طارق بن زياد للخدمات والإنتاج”، والذي توسع في الحصول على عقود حكومية شملت صيانة الطرق، وجمع النفايات، وإعادة إعمار المدن. وتعرض الجهاز لانتقادات واسعة بعد اتهامه بالاستيلاء على عقارات في وسط بنغازي وإجبار أصحابها على التنازل عنها مقابل تعويضات ضئيلة قبل أن يتغير اسم الجهاز إلى “الوكالة الوطنية للتنمية”.
وتوسعت أنشطة صدام الاقتصادية مع تصاعد كلفة العمليات العسكرية، فقد أشارت تقارير دولية إلى تورطه في إدارة شبكات شملت تهريب الخردة المعدنية، والوقود، والذهب، ومخدرات القنب والكبتاغون عبر موانئ طبرق وبنغازي وتوزيعها في أنحاء أفريقيا، إضافة إلى تنظيمه رحلات جوية سرية لنقل الذهب بين أفريقيا وأمريكا اللاتينية، فضلًا عن امتلاكه نفوذ غير مباشر في شركة طيران محلية تعرف باسم “برنيق”.
كما اتهمت تقارير ومنظمات دولية صدام بالارتباط بعمليات الاتجار بالبشر، فيما قال ناجون من حادثة غرق سفينة المهاجرين قبالة السواحل اليونانية إن شبكات مرتبطة بمعسكر الشرق أشرفت على تسيير قوارب الهجرة غير النظامية من السواحل الليبية نحو أوروبا.
ابنه المشرف، ميليشياته المنفذ وأثينا كانت المتستر.. تحقيق يكشف ضلوع خليفة #حفتر في غرق مهاجري سفينة #اليونان pic.twitter.com/59I3P0AOQG
— نون بوست (@NoonPost) July 26, 2023
وحين أعادت قوات فاغنر الروسية انتشارها حول المنشآت النفطية الرئيسية عقب توقف المعارك في طرابلس (2019–2020)، تعززت سيطرة صدام حفتر على المؤسسات والشركات العاملة في قطاع النفط في شرق ليبيا، وبرز بوصفه الشخصية الأكثر تأثيرًا في إدارة هذا الملف.
وقد أثار هذا الأمر انتقادات بشأن غياب الشفافية في إدارة عائدات النفط والوقود، حتى إن أحد كبار المسؤولين الماليين الليبيين وصفه بأنه “صندوق أسود”. كما رصدت تقارير دولية دولية ضلوع صدام في شبكات تهريب النفط.
وفي عام 2023، بلغت سيطرة صدام على قطاع النفط ذروتها بكسر الاحتكار التاريخي للمؤسسة الوطنية للنفط على الصادرات، حيث جرى تأسيس شركة نفطية خاصة تدعى “أركنو” والتي تحولت خلال أشهر معدودة إلى عملاق نفطي بعقود ضخمة.
وأثبتت تقارير لجان الخبراء التابعة للأمم المتحدة أن “أركنو” تخضع لسيطرة مباشرة وغير معلنة من صدام حفتر، حيث أبرمت اتفاقات تقديم خدمات لتشغيل حقول استراتيجية كبرى مثل “السرير” و”مسلة”، وبدأت بتصدير النفط الخام لحسابها الخاص وتسييل عائدات بملايين الدولارات.
وقد أتاحت التغييرات التي شهدها قطاع النفط منذ عام 2022 لصدام حفتر توسيع نفوذه على معظم المنافذ البرية والبحرية في شرق ليبيا، وتعزيز سيطرته على حركة صادرات النفط والوقود.

وبحلول عام 2024، امتد نفوذ صدام إلى توظيف قطاع الطاقة كورقة ضغط سياسية، ففي أغسطس من نفس العام، أمر صدام بإغلاق حقل الشرارة، أكبر حقول البلاد والمشغل بواسطة شركة ريبسول الإسبانية.
وجاء هذا الإغلاق كرد فعل فور إبلاغه من السلطات الإيطالية بوجود مذكرة توقيف وإشعار قانوني بحقه صادرين عن إسبانيا على خلفية مصادرة الأخيرة لـ 10 سفن تحمل أسلحة ومعدات عسكرية كانت متجهة إلى بنغازي.
صناعة الشرعية الشعبية
بدأت الملامح الأولى لإعادة رسم الصورة العامة لصدام حفتر في عام 2021، حين دشن حضورًا مكثفًا على منصات التواصل الاجتماعي، وتحولت حساباته الرسمية إلى منبر لاستعراض تحركاته.
وتتنوع المواد التي ينشرها بين مقاطع فيديو تُبرز جولاته التفقدية للمشاريع الخدمية وإعمار المدن، ولقاءاته مع القبائل، بجانب صور لقاءاته الدبلوماسية مع قادة العالم، إلى جانب إبراز رعايته المتكررة للأنشطة والمسابقات الدينية والبطولات الرياضية الشبابية.
ومع عام 2022، انتقل صدام إلى مرحلة إضفاء الشرعية السياسية على نفوذه المتنامي، حيث تجلى ذلك في تكليفه من والده بتمثيله في المفاوضات التي أفضت إلى اتفاق تقاسم عائدات النفط مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة.
في الواقع، أولى صدام اهتمامًا كبيرًا لبسط نفوذه اجتماعيًا من خلال صناعة حاضنة مجتمعية ودينية تعزز من حضوره السياسي والشعبي. فأطلق جولات ميدانية واسعة للتواصل مع القبائل في الجنوب تحت مسمى “رحلة الوفاء”، عقد خلالها اجتماعات مع الشيوخ والوجهاء.

كما حظي باستقبال لافت من أعيان وزعماء مدينة سرت، وتفقد ميدانيًا سير العمل في مشاريع حيوية كصيانة وتوسعة الطريقين الشرقي والغربي في سرت، ومشاريع الخدمات ومشروع 1500 وحدة سكنية في الكفرة.
ولم يقتصر بناء هذه الحاضنة على الأبعاد القبلية والخدمية، بل امتد ليشمل الجوانب الدينية والشبابية وأعمال الإغاثة والمصالحة، حيث حرص صدام على رعاية الأنشطة الإسلامية عبر تنظيم رحلات متكررة لأداء العمرة، وافتتاح مسجد أبو بكر الصديق في المرج بعد ترميمه، ورعاية المتون العلمية المقامة بمساجد بنغازي والمسابقات القرآنية الكبرى مثل مسابقة “ذي النورين” ومسابقة “حفظة الأمة وأبطالها”، إلى جانب استضافته عدد من العلماء والمشايخ.

كذلك ركز على استقطاب الشباب عبر تمويل مبادرات تدريب وتوظيف ألف شاب في الجبل الأخضر، ورعاية “بطولة ليبيا للرماية”، وبناء ملاعب رياضية بمواصفات عالمية. كما عزز صورته الإنسانية بإشرافه المباشر على إرسال المساعدات للمناطق المتضررة من الفيضانات والأمطار الغزيرة في الجنوب، وشكل لجنة لمراقبة أزمة الوقود وتوزيع الإمدادات الغذائية.
وصولًا إلى إشرافه على إطلاق سراح سجناء في إطار جهود المصالحة الوطنية، وسلسلة جولاته التفقدية للحقول والشركات النفطية، إضافة إلى حرصه على تصدر المشهد باستقبال الصيادين الليبيين الذين أُفرج عنهم من مصر بعد احتجاز دام عشر سنوات.
أيضًا قاد صدام جولة استعراضية تفقدية مع مهندسي الصيانة في مواقع خزانات المياه التابعة لمشروع النهر الصناعي في مدينة الشويرف. وتابع تمدده العسكري حتى وصل إلى أقصى جنوب غرب ليبيا، وتفقد قوات الأمن على الحدود الجزائرية.

وفي خطوة كرست صعوده الرسمي كخليفة فعلي لوالده، ظهر صدام بصفته نائبًا للقائد العام للجيش خلال احتفال الذكرى الحادية والستين ليوم الشرطة في مدينة سبها، وأعلن أمام حشد من المسؤولين العسكريين والمدنيين أن السعي لتحقيق الاستقرار هو واقع ستفرضه القوات المسلحة بقوة السلاح.
صدام حفتر في شبكة التحالفات الدولية
بدأ خليفة حفتر منذ عام 2016 في تمهيد الطريق أمام ابنه صدام لتسهيل انخراطه في السلك الدبلوماسي وعقد لقاءات نيابة عنه، وكانت أول مهمة خارجية معلنة له كمبعوث لوالده هي للقاء عسكريين أردنيين عام 2016.
وبمرور الوقت، توسعت صلاحيات صدام ليتحول من مجرد مبعوث لوالده إلى أحد أبرز ممثلي معسكر الشرق الليبي في الاتصالات الخارجية، فشارك في لقاءات رفيعة مع الروس، وقد تميزت العلاقات بين روسيا وحفتر الأب بالمتانة، حيث زودت موسكو حفتر بالأسلحة والخبراء، إلا أن أزمة ثقة ظلت تشوب علاقة الروس بحفتر الأب، حيث تتجنب موسكو المراهنة عليه كشريك استراتيجي دائم، وتعتبره “رجل أمريكا” في ليبيا.

وفي محاولة لضمان استمرارية النفوذ الروسي في مرحلة ما بعد حفتر، اتجهت موسكو نحو بناء قنوات جديدة ومباشرة مع صدام، متعهدةً بتعزيز وتوسيع العلاقات العسكرية مع صدام حفتر، ليكون الركيزة الأساسية لضمان مصالحها وتواجدها شرقي البلاد.
وشهد عام 2021 تحولًا لافتًا في تحركات صدام الدبلوماسية بهدف استقطاب الدعم الدولي والإقليمي، ففي نوفمبر 2021، كشفت تقارير صحفية عن زيارته لإسرائيل وعقد اجتماع سري مع مسؤولين إسرائيليين، وقد حمل رسالة من والده تعرب عن استعداده للانضمام إلى “اتفاقيات أبراهم” والتطبيع مقابل دعم عسكري ودبلوماسي، وهي الزيارة التي جرت بتنسيق وتأييد من رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد.
ذهبَ سرًّا لإبرام صفقة بيع ليبيا مقابل دعم الموساد.. “هآرتس” العبرية تكشف خفايا زيارة نجل #حفتر لـ” #إسرائيل“.#نون_فيديو pic.twitter.com/CpaWjezvHA
— نون بوست (@NoonPost) November 8, 2021
ومع اندلاع حرب السودان في أبريل 2023، انحاز صدام لرؤية أبوظبي عبر تقديم الدعم لقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، مما أثار استياء النظام المصري. ورغم هذا التوتر، حافظ صدام على علاقات جيدة مع المؤسسة العسكرية المصرية، واستقبل السيسي حفتر ونجله صدام، كما بحث صدام في لقاء منفصل مع وزير الدفاع المصري تعزيز التعاون وأمن الحدود، ودعمت القاهرة تعيينه نائبًا للقائد العام للجيش الوطني الليبي.
وفي مطلع عام 2024، دشن صدام سلسلة جولات أوروبية وعربية وأفريقية واسعة، فتوجه إلى روما والتقى بوزير الدفاع الإيطالي جويدو كروزيتو، مستغلًا ورقة سيطرته على ملف الهجرة غير الشرعية لاستمالة إيطاليا ودول أوروبية أخرى.
أبو ظبي تسلّح حفتر.. تقرير أممي يكشف توجه نحو 150 طائرة إماراتية محملة بالعتاد لدعم حفتر بداية العام الجاري، فما القصة؟ pic.twitter.com/8yzVCdyNRp
— نون بوست (@NoonPost) October 1, 2020
وعلى صعيد دول الجوار الإفريقي، سافر صدام في جولة رسمية إلى تشاد أثمرت عن تحول ميداني بارز، حيث أعلنت القوات المسلحة التابعة لحفتر عن تشكيل قوة عسكرية مشتركة مع الجيش التشادي بهدف تأمين الحدود. وكذلك ذهب صدام إلى عمان لتلبية دعوة رسمية من القيادة الأردنية لبحث التعاون العسكري المشترك، وجولة شملت المغرب والنيجر وبوركينا فاسو، بجانب زيارته إلى الجزائر والإمارات.
وفي يوليو 2024، أجرى صدام زيارة رسمية إلى باكستان التقى خلالها برئيس الوزراء شهباز شريف ورئيس أركان الجيش الجنرال عاصم منير لتطوير التعاون الدفاعي ونقل التكنولوجيا، وهي الزيارة التي تكررت خلال عامي 2025 و2026.
– كشف مسؤولون غربيون وعرب لـ “ميدل إيست آي” عن تسليم باكستان شحنات أسلحة للحكومة المتمركزة في شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر، وذلك ضمن صفقة بتمويل سعودي شملت تفريغ خمس طائرات شحن على الأقل.
– تأتي هذه الخطوة في إطار مساعي الرياض لترسيخ مكانتها كراعٍ رئيسي لحفتر وإزاحة النفوذ… pic.twitter.com/HaWrMFthM9
— نون بوست (@NoonPost) April 21, 2026
أما على الصعيد الأمريكي، فقد بدأ انخراط صدام الدبلوماسي المكثف منذ أكتوبر 2024 بزيارة للولايات المتحدة بدعوة مشتركة من وزارة الخارجية والـ سي أي أيه لإقناع عائلة حفتر بتخفيف علاقاتها العسكرية والسياسية مع موسكو.
وتعمق هذا التواصل في أبريل 2025 بزيارة أخرى لصدام إلى واشنطن بصفته مبعوثًا رسميًا لوالده، حيث التقى بمسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأمريكي ترامب، بالتزامن مع رسو حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس ماونت ويتني” في مرافئ طرابلس وبنغازي.
ومع مطلع عام 2026، استكمل صدام هذا المسار باستقبال مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس في بنغازي لبحث مستجدات المشهد السياسي، وعقد بعدها اجتماعًا مع الفريق جون برينان، نائب قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) لمناقشة الجهود المشتركة في ملف مكافحة الإرهاب.
ولم يمضِ سوى شهر واحد حتى تجددت هذه اللقاءات في فبراير 2026 على هامش مشاركة صدام في أعمال مؤتمر ميونخ للأمن، حيث عقد سلسلة مباحثات مع مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، والجنرال داغفين أندرسون، قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم).
وتُوج هذا الماراثون الدبلوماسي المتصاعد في 28 يونيو 2026 بوصول صدام إلى واشنطن في زيارة رسمية رفيعة المستوى حظيت بتغطية إعلامية واسعة، واعتبرها المراقبون جزءًا من الترتيبات والتهيئة العملية لصدام لقيادة المرحلة المقبلة في ليبيا.
وقد سبق هذا الانفتاح الأمريكي حراك أوروبي لافت لصدام في مايو 2026، تمثل في زيارة ذات أهمية خاصة إلى باريس، حيث استُقبل رسميًا في قصر الإليزيه والتقى بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وأبدى رغبته في تطوير العلاقات العسكرية مع فرنسا.

وعلى خطٍ موازٍ للمسار الأمريكي بليبيا، دشنت أنقرة مرحلة جديدة من الانفتاح تجاه معسكر الشرق، فبعد أن ساهم الدعم العسكري التركي في صد هجوم حفتر على طرابلس (2019-2020)، تكيفت أنقرة مع المتغيرات الميدانية والسياسية لتتجاوز في تعاملها حكومة طرابلس، وتفتح قنوات تواصل مباشرة مع صدام حفتر.
وقد توج هذا التحول بزيارتين رسميتين أجراهما صدام إلى أنقرة في أبريل ونوفمبر 2025، حيث أجرى خلالهما مباحثات رفيعة المستوى شملت كلًا من وزير الدفاع يشار غولر، وقائد القوات البرية سلجوق بيرقدار أوغلو، ووزير الخارجية هاكان فيدان، ورئيس الاستخبارات التركية.
– أعلنت وزارة الخارجية الليبية بدء إجراءات الإفراج عن 10 نشطاء يمثلون وفد التفاوض لـ “قافلة الصمود البرية العالمية” وترحيلهم من البلاد، بعد حرمانهم من حريتهم لمدة شهر كامل.
– جاء قرار الإفراج بشكل مباشر وفوري عقب اللقاء الذي جمع رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، مع نائب… pic.twitter.com/N1YnYcvsVX
— نون بوست (@NoonPost) June 24, 2026
ولم يتوقف هذا الزخم عند هذا الحد، بل تعزز في يونيو 2026 بزيارة رئيس الاستخبارات التركية إلى بنغازي للقاء صدام، وقد سبق هذه الزيارة لقاء مباشر جمع صدام بالرئيس أردوغان في إسطنبول على هامش معرض ساها الدولي للدفاع والفضاء والطيران.
وريثٌ بلا إجماع
يُنظر إلى هذا التمكين الميداني المدعوم برعاية أطراف إقليمية ودولية، كخطوات عملية وممنهجة لتحضير آل حفتر لوراثة المشهد وفرض سلطة الأمر الواقع بقوة السلاح. ورغم صعود صدام السريع، إلا أنه لا يحظى بشعبية واسعة في ليبيا، ويفتقر لأي سمات كاريزمية أو لأي حق شرعي للحكم سوى كونه الأكثر نفوذًا وقسوة بين إخوته.
وهذا المشهد الحالي يعيد للأذهان نسخة التوريث السابقة في عهد معمر القذافي، عندما مكن لأبنائه كل سبل الوجاهة السياسية والإعلامية والاقتصادية والرياضية والعسكرية، وعندما دقت ساعة الحقيقة تهاوى البيت برمته.
واليوم، يبدو أن تلك الهواجس تتسلل إلى داخل معسكر الشرق نفسه، إذ لا تبدو خلافة صدام لأبيه محل إجماع، فهناك تيار عقلاني من الداعمين التقليديين لحفتر يعارضون تحويل معسكر شرق البلاد إلى إرث عائلي ويتمسكون بفكرة مأسسة الجيش.
كما يرى محللون ومعلقون ليبيون أن تعين حفتر ابنه صدام نائبًا له سيؤخر كثيرًا من توحيد البلاد، فيما يرى آخرون أن صدام حفتر يفتقر إلى دعم زعماء القبائل الرئيسيين وعشائر مصراتة والشخصيات السياسية البارزة، لا سيما في المنطقة الغربية التي لا يسيطر عليها حفتر والتي تضم نحو 70% من سكان ليبيا، وتحتضن القوى السياسية والمدنية الحية.