“فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثَاقًا قَائِلًا: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هَذِهِ الْأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ”. (تك 15: 18).
لوزير جيش الاحتلال الإسرائيلي الراحل موشيه ديّان جملة لا بد أن وقعها كان حلوًا في أذنيه حين رددها عقب الانتصار على العرب عام 1967، إذ قال: “إذا كنا نملك التوراة ونعتبر أنفسنا شعب التوراة، فعلينا أيضًا أن نمتلك أرض التوراة”، في إشارة إلى الآية المذكورة أعلاه.
تلخص جملة ديّان العلاقة التي تشكل محور هذه الورقة المعمقة، وهي العلاقة الوظيفية بين النص الديني والمطلب السياسي، فحين سعى إلى تبرير موجة الاستيطان التي أعقبت احتلال سيناء والضفة الغربية، لجأ إلى النص الديني لاستدعاء حدود الأرض الموعودة لشعب إسرائيل كما يفهمها من النص التوراتي، وتحويل هذا الفهم إلى سند سياسي للاحتلال والاستيطان.
ومن الرغبة في أن يفهم العالم النص التوراتي بالطريقة ذاتها، تأسس موقع “الكتاب المقدس الإسرائيلي” عام 2018، الذي يقول عن نفسه: “في السنوات التي تلت الولادة الحديثة لدولة إسرائيل، كانت الدولة اليهودية في طليعة اهتمام العالم. اليوم، هناك محاولات لا حصر لها لتشويه وتدمير دولة إسرائيل. وهناك أيضًا حركة متزايدة باستمرار من الصهاينة الكتابيين الذين يقفون إلى جانب أمة إسرائيل كتعبير عن التزامهم بكلمة الله الأبدية”.
ويتمثل هذا الالتزام الذي تقطعه المؤسسة على نفسها في حماية “كلمة الله الأبدية” بنشر آلاف المقالات والشروحات عن الكتاب المقدس والأعياد اليهودية، وتقديم قراءات مستخلصة من لغته العبرية الأصلية، من منظور يهودي تقليدي يركز بصورة خاصة على “أرض إسرائيل”، بالمفهوم الذي يربطها بـ”إسرائيل الكبرى”.
وبالنسبة إلى موقع “الكتاب المقدس الإسرائيلي” وغيره من المؤسسات التي تتبنى التصور نفسه، بتنوعاته بين الصهيونية اليهودية والصهيونية الإنجيلية وبعض الأصوات العربية المؤيدة لها، تشكل الآية الواردة في سفر التكوين مرتكزًا رئيسيًا للدعاوى التي تدرج مصر ضمن حدود أرض الميعاد الممنوحة لذرية النبي إبراهيم.
وهي الحدود التوراتية لـ”أرض إسرائيل” التي تمتد، بحسب الموقع، من ساحل البحر الأبيض المتوسط إلى الخليج العربي، وتبلغ ذروتها في عهد الملك سليمان وفق الرواية التوراتية، لتشمل أجزاء من مصر والأردن وسوريا الحديثة.
ولم يكن استدعاء مفهوم “إسرائيل الكبرى” وليد العصر الرقمي، فموقع “الكتاب المقدس الإسرائيلي” يقدم اليوم نسخة عصرية منه عبر خرائط رقمية جذابة ومنتجات مصممة للفضاء الرقمي، فيما تعود جذوره إلى أدبيات مبكرة مؤسسة للصهيونية، واستحضره هرتزل، رغم إلحاده، في يومياته حين تحدث عن حدود للدولة اليهودية المرتقبة تمتد بين النيل والفرات.
لكن تحديد هذا المفهوم لم يكن مسألة سهلة، فضلًا عن تطبيقه على الأرض، فمن الناحية اللغوية، ثمة خلاف جوهري حول المقصود بـ”نهر مصر”، فالكلمة العبرية المستخدمة عادة للدلالة على نهر النيل في نصوص توراتية أخرى تختلف عن التعبير الوارد في الإصحاح المذكور، الذي يتضمن الوعد لإبراهيم.
ووفقًا لبعض الباحثين والمفسرين، يشير التعبير إلى وادي العريش، أو “نهر مصر”، وهو مجرى موسمي صغير يفصل سيناء عن فلسطين التاريخية، بدلًا من نهر النيل الممتد في الأراضي المصرية، ويذهب تحليل آخر إلى أن الرقعة الفعلية التي عاش فيها إبراهيم وإسحاق ويعقوب لم تتجاوز المنطقة الممتدة بين شكيم، نابلس، وبئر السبع، وأن الحدود الأوسع الواردة في سفر التكوين تمثل حدًا نظريًا أقصى لم يتحقق فعليًا حتى في أوج قوة الممالك الإسرائيلية القديمة.
تكمن أهمية هذا الجدل اللاهوتي واللغوي في كشف موقع مصر داخل التصورات التوراتية لمشروع “إسرائيل الكبرى”، فالمسألة نفسها محل خلاف حتى بين المؤمنين بالنص التوراتي، فيما تحولت إحدى قراءاته الممكنة إلى تأويل سياسي جرى توظيفه داخل المشروع الصهيوني منذ تشكله في أواخر القرن التاسع عشر.
ومن هنا، تركز هذه الورقة على البعد السياسي لهذا الغموض التأويلي، وكيفية توظيفه عمليًا، وما تركه من أثر في تصورات الحركة الصهيونية تجاه مصر وسيناء. وفي كتابها “مصر وإسرائيل ودول حوض النيل”، تشير المؤرخة المصرية زبيدة عطا إلى أن الفكر الصهيوني منذ مطلع القرن العشرين تعامل مع سيناء باعتبارها فضاء جغرافيًا قابلًا لإعادة التشكيل وجزءًا مهمًا من المجال الحيوي للمشروع الصهيوني.
كما عكست مصطلحات مثل “فلسطين المصرية” و”الجنوب الفلسطيني”، التي راجت في بعض الأدبيات الصهيونية المبكرة، نزعة إلى إعادة تصور الحدود على أساس توراتي يدمج سيناء رمزيًا في خريطة “إسرائيل الكبرى”.
كيف تجلت هذه التصورات تاريخيًا؟ وكيف بقيت حاضرة في السردية الصهيونية رغم مرور عقود على توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل؟ وإلى أي مدى يمكن أن تنتقل اليوم من الذاكرة والأيديولوجيا إلى الحسابات السياسية؟ هذه هي الأسئلة التي تحاول الورقة تتبعها والإجابة عنها.
أحلام هرتزل وعلاقاته التي لا تكفي
في كتابه “المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل”، يكشف الصحفي والمؤرخ محمد حسنين هيكل إحدى الوثائق التي تسجل المغامرات المبكرة للمشروع الصهيوني، من خلال مراسلات زعيمه ثيودور هرتزل مع وزير الخارجية البريطاني الماركيز لانسدون. وفي إحدى رسائله، كتب هرتزل:
“إن هناك موجات هجرة متدفقة من شرق أوروبا الآن، وإذا لم تفتحوا لها الباب بسرعة لتذهب إلى فلسطين، فسوف تجدون رجالها ونساءها وأطفالها بمنقولاتهم أمامكم في الحي الشرقي من لندن. إن بعضهم جاء بالفعل إلى هنا، ونحن لا نريد كثيرين منهم هنا بحيث تضطرون إلى التوقف عن منحهم حق اللجوء السياسي، ولذلك فإن من الخير أن تسارع إنجلترا على الفور إلى حل هذا الإشكال. والحل في يدها، فهي تملك في جنوب شرق البحر الأبيض المتوسط أقاليم خالية من السكان، وبالذات في المنطقة الساحلية الموجودة بين العريش وشبه جزيرة سيناء”.
كانت “فلسطين المصرية” أحد أحلام هرتزل، وقد حُددت حدود هذه المنطقة المتخيلة بالبحر المتوسط شمالًا، والحدود العثمانية شرقًا، ووادي العريش جنوبًا، وقناة السويس غربًا، وهي مساحة تتقاطع إلى حد بعيد مع جغرافيا سيناء المعاصرة. نظر الصهاينة آنذاك إلى المنطقة باعتبارها أرضًا هامشية قليلة السكان، ذات هوية سياسية وحدودية رخوة، يمكن توظيفها متى سمحت الظروف. كما رأى بعضهم أنها تقع ضمن الحدود التوراتية لـ”أرض إسرائيل”، وهو ما جعل موقعها بين فلسطين وسيناء أحد عناصر جاذبيتها للمشروع الصهيوني.
وحتى إذا تعذر تحويل هذه الأرض إلى مستوطنة دائمة، ظل لها دور آخر في تصورات هرتزل، إذ أرادها “منطقة عبور” للمهاجرين اليهود في طريقهم إلى فلسطين، بحيث يقيمون فيها مؤقتًا إلى أن تحقق مفاوضاته مع السلطان العثماني انفراجة تسمح بنقلهم إلى وجهتهم النهائية.

لم يكتف هرتزل بالحلم، بل شرع في اتخاذ خطوات فعلية على الأرض.
في عام 1902، توجه إلى وزير المستعمرات البريطاني جوزيف تشامبرلين، واقترح عليه مشروعًا للاستيطان اليهودي يشمل قبرص، التي كانت تضم مستوطنة يهودية بالفعل، والعريش وشبه جزيرة سيناء، وأبدى تشامبرلين، المعروف بعدائه للسامية ومعارضته هجرة يهود أوروبا الشرقية إلى بريطانيا، تعاطفًا مع الفكرة، بينما عرض هرتزل خطته لإنشاء “شركة يهودية شرقية” برأس مال قدره خمسة ملايين جنيه إسترليني لاستعمار سيناء والعريش وقبرص.
سرعان ما خرجت قبرص من المشروع، بعدما أكد تشامبرلين لهرتزل أن بريطانيا لن تطرد المسلمين أو اليونانيين لصالح المستوطنين اليهود، وفق ما يذكر الباحث جوزيف مسعود.
انتقل هرتزل بعدها إلى مصر، حيث التقى الخديوي عباس حلمي الثاني وعرض عليه مشروعه، خلال رحلة زار فيها العريش والوديان المحيطة بها. طلب هرتزل استئجار مساحة تقدر بنحو 630 ميلًا مربعًا حول العريش، لتكون منطقة تجمع واستقرار أولي للمهاجرين اليهود، واقترح أن تستأجرها المنظمة الصهيونية لمدة 99 عامًا، تحت الحماية البريطانية المباشرة. ووفق ما يذكر هيكل، لم يبد الخديوي اعتراضًا كبيرًا على الفكرة، وانصبت معظم مناقشاته مع هرتزل على العائد المالي المتوقع من المشروع.
والمفارقة أن العقبة الأبرز أمام المشروع جاءت من ممثل بريطانيا في مصر نفسه، اللورد كرومر، وكان اعتراضه في الأساس فنيًا، مستندًا إلى تقديرات المهندسين البريطانيين بشأن كميات المياه التي يحتاجها المشروع من نهر النيل.
رأى المهندسون، وعلى رأسهم مهندس الري وليام جارستين، أن توفير المياه المطلوبة يستلزم تحويل جزء من مياه النيل عبر أنفاق أسفل قناة السويس، بما قد يؤثر في الزراعة المصرية وإنتاج القطن الحيوي لمصانع لانكشاير البريطانية. وعلى هذا الأساس، خلص كرومر إلى أن المشروع غير قابل للتنفيذ، وقال عنه إنه “مطاردة حلم غير قابل للتحقق”.
وكان للرفض بعد سياسي أيضًا، فقد وجد كرومر نفسه في موقف دقيق بسبب خلافاته المستمرة مع الخديوي عباس حلمي الثاني، وسط توترات إقليمية متصاعدة. ورأى أن الظروف في مصر والمنطقة لا تحتمل خطوة من شأنها استفزاز المشاعر الوطنية والدينية، في وقت كانت فيه الصحافة المصرية قد بدأت بالفعل التنبه إلى المشروع الصهيوني، وكانت مجلة “المنار” لصاحبها رشيد رضا من الأصوات المبكرة التي حذرت من مخاطره في فلسطين.
بدت مهمة هرتزل في سيناء شديدة الصعوبة، بينما ظهر في الأفق عرض بريطاني آخر لرعاية الاستيطان اليهودي في شرق إفريقيا، فيما عُرف لاحقًا بمشروع أوغندا. وفي المؤتمر الصهيوني السادس عام 1903، تفجر خلاف حاد وصل إلى الاشتباك بالأيدي بين أنصار المشروع ومعارضيه، وكان من أبرز الرافضين المنظر الصهيوني دافيد تريتش، صاحب تصور “فلسطين الكبرى” التي تضم قبرص وسيناء والعريش.
بالنسبة إلى تريتش وغيره من أصحاب هذا التصور، لم تكن أوغندا جزءًا من الجغرافيا المنشودة للمشروع الصهيوني، ورغم تعثر مشروع سيناء في مرحلته المبكرة، ظل حاضرًا في التفكير الجيوسياسي للحركة الصهيونية، وعاد أثره للظهور في محطات لاحقة بعد قيام دولة الاحتلال.
سمسار يسعى إلى كسب عيّشه من الضباب الجغرافي
تكشف محادثات هرتزل مع ثلاثة أطراف، بريطانيا والباب العالي والخديوي، مقدار الضباب الجغرافي والسياسي الذي أحاط بالمنطقة آنذاك، فقد كانت بريطانيا تفرض سيطرتها الفعلية على مصر، بينما بقيت السيادة العثمانية قائمة اسميًا، في حين ظلت فلسطين خاضعة مباشرة للدولة العثمانية. وخلق هذا التداخل مساحة رمادية في تحديد النفوذ والحدود، استفاد منها المشروع الصهيوني في تحركاته المبكرة.
كان العثمانيون يعتبرون الحدود ممتدة على خط يصل العريش بالسويس، بما يبقي معظم شبه جزيرة سيناء تحت سلطتهم ويمنحهم منفذًا باتجاه قناة السويس، مستندين إلى المرسوم السلطاني الصادر عام 1892 عند تولية عباس حلمي الثاني خديويًا على مصر. في المقابل، تمسك البريطانيون بخط أبعد شرقًا يصل رفح بخليج العقبة، بما يجعل معظم سيناء ضمن الأراضي المصرية، واستندوا في ذلك إلى ملاحظات اللورد كرومر على المرسوم نفسه.
وأقامت السلطات المصرية مراكز حراسة في سيناء تحت عنوان حماية طرق الحج، فيما استمرت الخلافات حول السيادة والحدود في التصاعد بين بريطانيا والدولة العثمانية، حتى انفجرت في أزمة العقبة عام 1906، التي انتهت بتوقيع اتفاقية الخط الفاصل العثماني المصري، ورسخت تبعية شبه جزيرة سيناء لمصر في إطار الصراع الجيوسياسي بين بريطانيا والدولة العثمانية.
في هذا المناخ ظهر مشروع أليكساندر كنيسفيتش، اليهودي البريطاني الذي شغل منصب وكيل القنصل البريطاني في غزة، وكان بحكم موقعه قريبًا من واحدة من أكثر مناطق التماس حساسية في النزاع الحدودي بين الطرفين.
لم يكن كنيسفيتش صهيونيًا عقائديًا بالمعنى المباشر، بقدر ما كان رجل مصالح متعدد الأنشطة. عمل تاجرًا للشعير، ووكيلًا لشركات الشحن، ووسيطًا في بيع الأراضي، وبنى علاقات واسعة مع البدو والأهالي في غزة والعريش، ولم يمنعه عمله في الوكالة البريطانية من البحث عن مصادر دخل أخرى، وكانت المنظمات الصهيونية الباحثة عن أراضٍ للاستيطان واحدة من الفرص التي التقت عندها مصالحه التجارية مع المشروع الصهيوني.
كانت لكنيسفيتش علاقات مع مجموعة من يهود غزة ممن تمتعوا بحضور مؤثر في السياسة المحلية، وقد عرض على مجموعة من الصهاينة في يافا التوسط لدى زعماء القبائل لشراء أراضٍ في المنطقة الواقعة شرق رفح، وبالتعاون مع موسى أروي، المنحدر من إحدى العائلات اليهودية البارزة في غزة، بدأ مشروعه يأخذ شكلًا أكثر جدية، ووصلت بعثة عام 1906 لمسح المنطقة المقترحة للاستيطان. لكن أزمة العقبة التي اندلعت في العام نفسه عطلت المشروع مؤقتًا.
وبعد نحو عام، عادت الفكرة عبر مجموعة أخرى من اليهود البريطانيين تجمعت في “نادي اليهود الأنغلو-فلسطينيين” ومقره يافا، ولم ير أعضاء النادي عائقًا كبيرًا أمام إقامة المستوطنة، فهم مواطنون بريطانيون يتمتعون بحماية قنصلية في غزة، بينما كانت بريطانيا تسيطر على مصر في الجانب الآخر من الحدود التي رُسمت حديثًا. تحمس كنيسفيتش للمشروع وسارع إلى احتضانه، وكتب إلى النادي عام 1907:
“تُعد رغبتكم في تشكيل نوع من مستعمرة لليهود البريطانيين في غزة أو بالقرب منها مناسبة تمامًا، وفي المكان والزمان الصحيحين، وهذا ما تحتاجه غزة لتطوير تجارتها وأعمالها، وأدعوكم بصدق للتحلي بالشجاعة والقوة والبدء فورًا. أعدكم بأي مساعدة أستطيع تقديمها، وبما أن غالبية المستعمرين سيكونون مواطنين بريطانيين، فلدي الحق في حمايتهم، وأتمنى لو استطعتم البدء فورًا في تنفيذ نواياكم”.
وفي ورقته البحثية “الدبلوماسية الهامشية ـ ألكسندر كنيسفيتش والوكالة القنصلية في غزة 1905-1914″، وهي المصدر الأساسي لتفاصيل هذا المشروع، يوضح الباحث دوتان هاليفي أن مساعي كنيسفيتش اقتربت بالفعل من النجاح. فقد كاد يحصل على نحو خمسين ألف دونم لصالح جهات صهيونية، واقترض مبالغ كبيرة لشراء أراضٍ من البدو، وسعى إلى إقناع الأطراف المعنية بأن الصفقة تحظى بضمانات من الحاكم البريطاني لسيناء، وأن السلطات البريطانية لن تعترض عليها.
وبحلول عام 1910، كان كنيسفيتش أقرب من أي وقت مضى إلى تنفيذ المشروع، قبل أن تعيد السلطات البريطانية في مصر تقييم تبعات السماح بإقامة مستوطنة صهيونية في سيناء، في وقت كانت فيه الصحافة الصهيونية تقدم المشروع باعتباره امتدادًا لمحاولات هرتزل السابقة ومداولات المؤتمر الصهيوني عام 1903.
ومع خروج القضية إلى العلن عبر صحيفة “التايمز”، وجدت بريطانيا نفسها في موقف حرج في مصر، إذ بدت وكأنها ترعى التوسع الصهيوني وتفتح له الطريق في الأراضي الواقعة عند تخوم الدولة العثمانية. وفي عام 1911، رفع عدد من وجهاء غزة عريضة إلى إسطنبول اشتكوا فيها، من بين أمور أخرى، من تعاون السلطات المحلية مع الخطط الصهيونية في المنطقة، بالتزامن مع توسع كنيسفيتش في إبرام صفقات لشراء الأراضي في غزة والعريش.
وخشية تدهور علاقاتها مع الدولة العثمانية وتصاعد الغضب في مصر وفلسطين، تدخلت بريطانيا لإيقاف المشروع، وقررت أن بعض الأراضي التي اشتراها كنيسفيتش من زعماء القبائل هي في الأصل أراضٍ حكومية لا يجوز بيعها، وحين حاول الالتفاف على القرار، أصر اللورد كتشنر، المعتمد البريطاني في مصر آنذاك، عام 1913 على وقف الصفقات وتعويض كنيسفيتش عن خسائره.
وهكذا انتهى المشروع بقرار بيروقراطي، ومعه آمال كنيسفيتش والجهات الصهيونية التي وقفت خلفه، لكن العام التالي حمل تحولًا تاريخيًا أكبر، مع اندلاع الحرب العالمية الأولى وبداية أفول الدولة العثمانية، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة من السيطرة البريطانية ويتسع معها مجال الحركة أمام المشروع الصهيوني.
جمهورية مصر المُستقلة ودولة إسرائيل الناشئة
مع بسط بريطانيا سيطرتها على المشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى، دخل المشروع الصهيوني مرحلة توسع في الاستيطان داخل فلسطين، قبل أن يواجه قيودًا متزايدة خلال الثلاثينيات، ثم مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، بفعل تعقيدات علاقة بريطانيا بالعرب والمسلمين وحاجتها إلى استمالتهم في المواجهة الدولية.
وفي تلك المرحلة، وبينما تركز الجهد الصهيوني على إحلال المهاجرين اليهود في فلسطين، تراجعت أهمية مصر نسبيًا في حسابات المشروع، وكانت الجغرافيا المصرية قد أخذت شكلًا أكثر رسوخًا بعد استقلال البلاد عام 1922 وقيام المملكة المصرية، مع بقاء أربعة تحفظات بريطانية تتعلق بتأمين مواصلات الإمبراطورية، والسودان، والدفاع عن مصر في مواجهة أي اعتداء خارجي، وحماية المصالح الأجنبية والأقليات.
تعاملت المملكة المصرية، ومعها البرلمان الذي هيمن عليه حزب الوفد في مراحل واسعة وأسهم في صياغة الهوية الوطنية المصرية الحديثة، مع سيناء باعتبارها جزءًا واضحًا من جغرافيا الدولة، ورغم محدودية المشروعات التنموية فيها مقارنة بالمراكز الحضرية الكبرى، لم تعد شبه الجزيرة مساحة رخوة مطروحة للمساومة أو لإقامة مشروعات استيطانية خارجية.
وفي المقابل، انصب اهتمام الحركة الصهيونية خلال تلك الفترة على صراعها مع السياسات البريطانية المقيدة للهجرة والاستيطان، ولا سيما ما عُرف بـ”الكتب البيضاء”. ومع نهاية الثلاثينيات ومطلع الأربعينيات، أخذ هذا الصراع طابعًا مسلحًا عبر التنظيمات الصهيونية التي خرجت تدريجيًا من عباءة الانتداب البريطاني وواجهته، وصولًا إلى إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948.
عبرت أرتال الجيش المصري سيناء إلى فلسطين للمشاركة في حرب 1948، ثم عادت بعد الهزيمة التي تركت آثارًا سياسية عميقة داخل مصر، وامتدت تداعياتها إلى النظام الملكي نفسه، الذي سقط عام 1952، ليخلفه نظام قاده ضباط كان بعضهم قد خاض حرب فلسطين، ومن بينهم جمال عبد الناصر الذي حُوصر في الفالوجة. ومنذ تلك اللحظة، دخلت العلاقة بين مصر والمشروع الصهيوني مرحلة جديدة، بعدما تحول الأخير من حركة تسعى إلى إقامة دولة إلى دولة قائمة بالفعل.
ومنذ السنوات الأولى لقيام إسرائيل، رأى رئيس وزرائها الأول ديفيد بن غوريون أن المواجهة المباشرة مع مصر بهدف احتلالها بصورة دائمة أو ضم أجزاء واسعة منها رهان بالغ الكلفة وصعب التحقيق، كما يذكر إيلان بابِه في كتابه “فكرة إسرائيل”.

رأى بن غوريون أن الكتلة السكانية الضخمة لمصر، وثقلها كأكبر دولة عربية، ودورها القيادي في محيطها، تجعلها هدفًا يصعب ابتلاعه عسكريًا أو سياسيًا، وتفرض على إسرائيل اتباع سياسة مختلفة في التعامل معها.
وبمساعدة مستشاره إلياهو ساسون، صاغ بن غوريون ما عُرف لاحقًا بـ”عقيدة الأطراف” أو “مبدأ المحيط”، وقد أشرنا إليها من قبل، إذ قامت هذه العقيدة على بناء تحالفات مع دول الجوار غير العربية المناوئة لفكر عبد الناصر القومي العروبي، وعلى رأسها تركيا وإيران البهلوية وإثيوبيا، إلى جانب استمالة أقليات إثنية ودينية داخل الدول العربية، مثل الموارنة في لبنان والأكراد في العراق، بهدف كسر الطوق الجغرافي العربي المحيط بإسرائيل ونقل دوائره إلى الخارج.
وجاء قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا عام 1958 ليعزز هذه المخاوف، ويدفع نحو تكثيف تلك التحالفات، فقد نظرت إسرائيل، وشاركتها تركيا هذا التصور، إلى الوحدة المصرية السورية باعتبارها تهديدًا مشتركًا يستدعي مزيدًا من التنسيق بين دول المحيط.
وكان الهدف من هذه السياسة يتجاوز الاحتواء والردع. فمن خلال بناء شبكة علاقات مع الدول الطرفية، سعت إسرائيل، كما ترى إحدى الدراسات المنشورة في “فورين بوليسي”، إلى إقناع الدول العربية تدريجيًا باستحالة القضاء عليها، ودفعها في نهاية المطاف نحو القبول بتسويات سياسية وسلام مستقبلي، ولو على المدى البعيد.
“سيناء الإسرائيلية”.. كيف رآها اليسار؟
شهدت سنوات عقيدة بن غوريون محاولة مبكرة لضم سيناء إلى الحدود الإسرائيلية، فبعد اجتياحها عام 1956، ضمن العدوان الثلاثي الذي نُسق مع بريطانيا وفرنسا، أعلن بن غوريون قيام “المملكة الثالثة لإسرائيل”، واعتبر ذلك يومًا تاريخيًا ينبغي للأمة اليهودية أن تفخر به، بعد “العودة إلى جبل سيناء”.
وتحمل هذه اللغة دلالة تتجاوز البلاغة الحربية، إذ تكشف حضور التصور التوراتي في خطاب بن غوريون نفسه، وهو ما سنعود إليه لاحقًا عند مقارنة موقع مصر في تصورات اليمين واليسار الإسرائيليين.
وبدأ الجيش بالفعل في تهيئة الأرض لإقامة أولى المستوطنات المدنية في سيناء، تمهيدًا لترسيخ السيطرة عليها، لكن موازين النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية حدّت من فرص استمرار هذا المشروع، إذ فرض الضغط الأمريكي والسوفييتي على إسرائيل الانسحاب من سيناء.
ورغم قصر عمر “المملكة الثالثة”، خرجت إسرائيل بمكاسب مهمة من الحرب، أبرزها تحجيم الوجود العسكري المصري في سيناء لفترة، وخضوع المنطقة لإشراف قوات الأمم المتحدة، إلى جانب ضمان حرية الملاحة عبر المضائق التي كانت مصر قد أغلقتها في وجهها.
وفي عام 1967، بلغ المشروع الصهيوني ذروة جديدة، فما ظل عصيًا طوال عقود منذ البدايات الأولى للمشروع تحقق خلال ستة أيام، حين احتلت إسرائيل كامل شبه جزيرة سيناء، إلى جانب الجولان السوري والضفة الغربية والقدس الشرقية، واستمر احتلال أجزاء من سيناء حتى استكمال الانسحاب بموجب معاهدة السلام، بينما لم تعد طابا إلى السيادة المصرية إلا عام 1989 بعد مسار تحكيم دولي.

ما يلفت الانتباه هنا هو اختلاف مصير سيناء عن مصير الضفة الغربية والجولان، رغم أن المناطق الثلاث احتُلت في الحرب نفسها عام 1967. وهو سؤال ستعود إليه الورقة لاحقًا.
وضعت غنائم حرب 1967 إسرائيل أمام معضلة جديدة تتعلق بكيفية إدارة مساحات واسعة من “أرض إسرائيل” التي ظلت لعقود جزءًا من الحلم الصهيوني، قبل أن يتحول جانب كبير منها خلال ستة أيام إلى واقع تحت السيطرة الإسرائيلية.
وفي هذا السياق، طرح الوزير العمالي إيغال ألون مخططًا غير رسمي لمستقبل الأراضي المحتلة، عُرف لاحقًا باسمه، حيث قام المشروع على إقامة حدود أمنية مع الأردن، وتقليص السيطرة الإسرائيلية على كتلة سكانية عربية كبيرة حفاظًا على الطابع اليهودي للدولة، مع تثبيت ما اعتبره “الحق التاريخي” للشعب اليهودي في “إيرتس إسرائيل”.
واقترح ألون إبقاء منطقة غور الأردن، الممتدة من نهر الأردن إلى المنحدرات الشرقية لجبال نابلس وجنين، تحت السيادة الإسرائيلية، إلى جانب القدس والخليل، أما بقية أراضي الضفة الغربية، فكان التصور يقضي بإعادتها إلى الإدارة الأردنية مع فصلها عن المناطق الخاضعة لإسرائيل، وإنشاء ممر يربطها بالأردن.
وفي الجنوب، اقترح ضم قطاع غزة، الذي كان خاضعًا للإدارة المصرية قبل الحرب، وإعادة معظم سيناء إلى مصر مع احتفاظ إسرائيل بالشريط الساحلي الجنوبي الشرقي الممتد من إيلات إلى شرم الشيخ.
لم تعتمد الحكومة الإسرائيلية المشروع رسميًا، وتعرض لانتقادات واسعة داخل المؤسسة السياسية. وفي خضم الجدل حول مستقبل سيناء، سُئل موشيه ديّان عن أهمية شرم الشيخ، فقال إنها “أهم من السلام مع مصر”.
ورغم بقاء مشروع ألون خارج إطار السياسة الرسمية، وجدت أجزاء منه طريقها إلى التطبيق العملي، فقد سعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى الوصول إلى تسوية منفردة مع مصر، كما انسجمت مسارات الاستيطان على الأرض مع جوانب أساسية من هذا المشروع، حتى انتخابات عام 1977 التي أنهت هيمنة اليسار على السلطة للمرة الأولى منذ قيام إسرائيل.
وبذلك تحول مشروع ألون، رغم عدم اعتماده رسميًا، إلى أحد أبرز التصورات التي عبّرت عن رؤية اليسار الإسرائيلي لمستقبل الأراضي المحتلة وتسوية الصراع. أما اليمين، الذي وصل إلى الحكم عام 1977، فحمل تصورًا مختلفًا في بعض تفاصيله، وخصوصًا تجاه الضفة الغربية وسيناء.
أهمية سيّناء في التخلي عنها.. سياسة الصقور
كان مناحيم بيغن صهيونيًا عقائديًا متشددًا، وقائدًا سابقًا لمنظمة “الإرغون” التي صنفتها السلطات البريطانية تنظيمًا إرهابيًا، وظل مطلوبًا لديها قبل أن يصبح، بعد عقود، أحد الحاصلين على جائزة نوبل للسلام. ومع وصوله إلى السلطة عام 1977، حضرت بقوة الصهيونية التصحيحية التي أسسها زئيف جابوتنسكي، وشكلت مرجعية أيديولوجية أساسية لليمين الإسرائيلي الصاعد.
أصر بيغن على تسمية الضفة الغربية باسمها التوراتي “يهودا والسامرة”، وهو الاسم الذي يحرص نتنياهو على استخدامه حتى اليوم، وتعامل مع هذه الأراضي باعتبارها جزءًا أصيلًا من “أرض إسرائيل” بالمعنى الديني والأيديولوجي، ومن ثم جزءًا غير قابل للمساومة في تصوره السياسي.
أما سيناء، فكان لها موقع مختلف في هذه الرؤية، ودور وظيفي يخدم المشروع الأوسع، فقد أثبتت المواجهة مع مصر حدود القدرة الإسرائيلية على الاحتفاظ بشبه الجزيرة إلى أجل مفتوح، فبعد هزيمة يونيو/حزيران 1967، دخلت مصر حرب الاستنزاف، ثم أعادت بناء قواتها استعدادًا لمواجهة أخرى انتهت بحرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، أو حرب يوم الغفران في الرواية الإسرائيلية.
لذلك كان بيغن مستعدًا للتخلي عن سيناء رغم خلفيته اليمينية المتشددة، فيما بقيت رفح إحدى أكثر النقاط حساسية في المفاوضات، فقد أراد الاحتفاظ بالسيطرة عليها لعزل قطاع غزة بالكامل، ومنع عودته، وفق التصور الإسرائيلي، إلى موقع يشكل تهديدًا مباشرًا لإسرائيل.
تركزت رؤية بيغن لـ”إسرائيل الكبرى” على مفهوم أيديولوجي أضيق، يحتل فيه الضفة الغربية موقعًا مختلفًا جذريًا عن سيناء، فقد تعامل مع الضفة باعتبارها “أرضًا محررة” وامتدادًا تاريخيًا لـ”أرض إسرائيل”، بينما رأى إمكانية إعادة سيناء مقابل سلام مع دولة بحجم مصر، كما يرى المؤرخ آفي شلايم في كتابه “الجدار الحديدي”.
والتفتت مذكرة لوزارة الخارجية الأمريكية خلال مفاوضات كامب ديفيد إلى هذا التمييز نفسه، إذ ربطت تشدد بيغن تجاه الضفة الغربية وغزة بقناعة راسخة داخل حزب الليكود بأنهما جزء عضوي من “أرض إسرائيل”، في مقابل موقع مختلف لسيناء داخل التصور الأيديولوجي والسياسي للحزب.
وفي ورقته “تيرا موراتا: الضفة الغربية في رؤية مناحم بيغن للعالم”، يوضح الباحث النرويجي يورغان ينسهاوغن أن بيغن نظر إلى الضفة الغربية باعتبارها أرضًا مقدسة عادت بعد غياب تاريخي، في مقابل سيناء التي تعامل معها باعتبارها أرضًا احتُلت في سياق عسكري حديث.
ومع وصول اليمين الصهيوني إلى السلطة، تكشفت هذه الفوارق بصورة أوضح، فقد تعامل بيغن مع مفهوم “أرض إسرائيل الكبرى” بقدر من البراغماتية، رغم انتمائه إلى تيار أيديولوجي متشدد، بما منحه هامشًا أوسع للحركة السياسية وصياغة مستقبل إسرائيل وفق موازين القوة والمصلحة. وفي هذا الجانب، اقترب موقفه من رؤية اليسار الإسرائيلي، ممثلًا بحزب العمل، تجاه سيناء وموقعها من التصور التوراتي لـ”أرض إسرائيل”.
وحين انسحبت إسرائيل من سيناء وأعادتها كاملة إلى مصر، كانت حساباتها قد رجحت كفة المكاسب السياسية والاستراتيجية على كلفة الاحتفاظ بشبه الجزيرة واستمرار حالة الحرب مع القاهرة، وأثبتت التسوية المنفردة مع مصر لاحقًا قيمتها بالنسبة لإسرائيل، إذ وفرت لها هامش حركة أوسع في الإقليم، وظهر ذلك بوضوح خلال غزو لبنان في غياب أي تدخل مصري مباشر.
ومع مرور الوقت، ساهم خروج مصر من دائرة المواجهة العسكرية في إعادة تشكيل الصراع العربي الإسرائيلي، بالتوازي مع انسحاب أطراف أخرى منه بفعل الهزيمة أو التسويات السياسية. وتقلص نطاق الصراع تدريجيًا من مواجهة عربية إسرائيلية أوسع إلى صراع فلسطيني إسرائيلي، قبل أن يتركز في مراحل لاحقة بصورة أكبر على قطاع غزة.
وبحسابات الربح والخسارة الاقتصادية والعسكرية، تخلت إسرائيل عن حقول نفط كانت قد استغلتها على مدار نحو 15 عامًا، ووفرت لها ما بين 20 و30% من إجمالي احتياجاتها النفطية. وفي المقابل، تعهدت الولايات المتحدة بضمان إمدادات إسرائيل من النفط لمدة 15 عامًا، كما أتاحت الاتفاقات مع مصر شراء النفط المصري بأسعار السوق.
أما المكسب الأوسع فتمثل في التحول الكبير الذي طرأ على العلاقات الإسرائيلية الأمريكية بعد نجاح مفاوضات كامب ديفيد، مع تدفق المساعدات العسكرية والاقتصادية الأمريكية إلى إسرائيل وترسخ موقعها في منظومة الدعم الأمريكي.
وعسكريًا، تكشف وثائق بريطانية أوردها تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” جانبًا من الحسابات الإسرائيلية للانسحاب من سيناء، فقد خلص تقييم يعود إلى عام 1986 إلى أن ترتيبات السلام “نزعت بشكل فعال سلاح شبه جزيرة سيناء”، وأن أي هجوم مصري محتمل سيضطر إلى الاعتماد على ثلاثة محاور لوجستية تمتد عبر نحو 80 ميلًا من الصحراء المكشوفة، مع غياب شبكات دفاع جوي وتحصينات كافية، بما يصعّب تحقيق عنصر المفاجأة أمام التفوق الجوي الإسرائيلي المتوقع في شرقي سيناء. ووفق هذا التقدير، فإن استمرار هذا التفوق يعني أن مصر لن تمثل تهديدًا عسكريًا ملحًا لإسرائيل.
لكن هذه الحسابات تعود إلى عام 1986، وقد تغيرت منذ ذلك الحين عوامل عديدة، في مقدمتها حجم وانتشار القدرات العسكرية المصرية في سيناء وطبيعة التوازنات الأمنية على الحدود، وهي تحولات ستعود إليها الورقة لاحقًا.

بعد استعراض أسباب اختلاف التعامل الإسرائيلي مع سيناء عن الضفة الغربية، يبقى النظر إلى حالة الجولان، فالعودة إلى كواليس المفاوضات والوساطات الأمريكية تكشف أن المرتفعات كانت، في مرحلة ما خلال أواخر التسعينيات، قريبة من العودة إلى سوريا في إطار تسوية تشبه في جوهرها ما جرى مع مصر.
ويظهر ذلك في فيلم المنتجة البريطانية نورما بيرسي، المتخصصة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، “إسرائيل والعرب ـ سلام مراوغ”، الذي يضم شهادات لكبار السياسيين والمفاوضين من أطراف عدة، بينهم مادلين أولبرايت من الولايات المتحدة، وأرييل شارون وإيهود باراك من إسرائيل، وفاروق الشرع وبثينة شعبان من سوريا، وتكشف هذه الشهادات مدى اقتراب المفاوضات، في إحدى مراحلها، من التوصل إلى تسوية بشأن الجولان.
لكن وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد، ثم التحولات التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، أعادتا رسم حسابات المنطقة ومسار التفاوض، وبقي ملف الجولان معلقًا، ثم جاءت الثورة السورية والحرب التي أعقبتها لتبدلا موازين القوى على الجبهة الشمالية، بالتوازي مع تصاعد حضور إيران وحزب الله في الساحة السورية.
وفي عام 2019، منح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرار الضم الإسرائيلي للجولان غطاءً أمريكيًا رسميًا، حين اعترف بالسيادة الإسرائيلية على المرتفعات المحتلة، بعد عقود ظل خلالها قرار الضم مرفوضًا على المستوى الدولي.
في المحصلة، يصعب العثور على فارق أيديولوجي جوهري بين موقع الجولان وموقع سيناء ضمن خطاب “أرض إسرائيل”، الفارق الأهم صنعته السياقات التاريخية والحسابات السياسية والأمنية المتعلقة بكلفة استمرار الاحتلال أو الانسحاب منه، ففي حالة سيناء، رجحت كفة التسوية مع مصر، بينما دفعت تحولات سوريا والمنطقة الجولان في مسار مختلف، حتى أصبح الاحتفاظ به أقل كلفة في الحسابات الإسرائيلية وأكثر ارتباطًا بالصراع الإقليمي المتصل بإيران وحزب الله.
احذر ما تتمنى، أو في معنى أن تكون مصر قابلة للتنبؤ
نعمت إسرائيل بثمار ثلاثة عقود من السلام مع مصر، إلى أن جاءت ثورة عام 2011 وفتحت أسئلة جديدة حول مستقبل العلاقة بين البلدين، وأعادت سيناء إلى دائرة القلق والحسابات الإسرائيلية.
ومع اندلاع الاحتجاجات ضد حسني مبارك، تركز القلق الإسرائيلي بصورة رئيسية على احتمال صعود قوى إسلامية إلى الحكم، في سيناريو استحضر الثورة الإيرانية عام 1979 وفوز حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية عام 2006.
وكما يرى تقييم لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى صدر في خضم الأحداث، راهنت إسرائيل على مصر “يمكن التنبؤ بسلوكها”، يحافظ نظامها على معاهدة السلام ويضمن أمن الحدود، أكثر من رهانها على شكل النظام السياسي نفسه.
وسرعان ما انحسر المد الثوري، واستعادت مؤسسات الدولة القديمة جانبًا كبيرًا من نفوذها، قبل أن يصل عبد الفتاح السيسي إلى السلطة عام 2014، لتدخل العلاقة المصرية الإسرائيلية مرحلة جديدة أعادت قدرًا كبيرًا من قابلية التنبؤ التي سعت إليها إسرائيل.
شهد العقد الأول من حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي مرحلة من الوفاق مع نظيره بنيامين نتنياهو، قامت خلالها الرؤية الإسرائيلية على التعامل مع مصر كقوة مستقرة ومتعاونة على حدودها، وتصاعد التنسيق الأمني بين البلدين إلى مستويات غير مسبوقة، فيما شكلت الحرب على تنظيم الدولة في شبه جزيرة سيناء أحد أبرز المصالح المشتركة التي دفعت هذا التعاون إلى الأمام.
وفي مقابل ذلك، حصلت مصر على تسهيلات استثنائية سمحت للجيش بنشر قوات وعتاد في المنطقة “ج” بما يتجاوز القيود التي حددتها معاهدة السلام، وقد قيّمت ورقة بحثية صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي هذا التموضع العسكري المصري في سيناء ضمن منطق تعايش وظيفي ترى فيه إسرائيل أن وجود مصر قوية وقادرة على ضبط حدودها والتعامل بنفسها مع التهديدات الأمنية قبل امتدادها إلى الجانب الإسرائيلي يخدم مصالحها الأمنية.
ومن هذا المنظور، بدت مصر المستقرة والقادرة على فرض سيطرتها في سيناء أكثر فائدة لإسرائيل من دولة ضعيفة ومفككة يصعب التنبؤ بسلوكها، لكن صورة مصر “القابلة للتنبؤ” بدأت تتغير، مع بقاء ثقلها العسكري ومركزيتها الإقليمية.

ففي أعقاب طوفان الأقصى عام 2023، ظهرت هشاشة هذا التوازن في سلسلة من التوترات بين البلدين، على خلفية ما اعتبرته إسرائيل تجاوزات مصرية لبنود التجريد العسكري المنصوص عليها في معاهدة السلام في مناطق شرق سيناء.
وأشارت تقارير إلى أن مصر رفعت عدد قواتها في شمال سيناء إلى نحو أربعين ألف جندي، ونشرت دبابات ومدرعات ومنظومات دفاع جوي، في ظل مخاوف من تداعيات حرب غزة وسيناريوهات التهجير التي تكررت في تصريحات إسرائيلية وأمريكية. ودفع ذلك إسرائيل إلى مطالبة الولايات المتحدة بالضغط على مصر لإعادة الانتشار العسكري في سيناء إلى ما تعتبره الحدود المتفق عليها.
ومع تصاعد هذه التوترات، ارتفعت داخل إسرائيل أصوات تدعو إلى الاستعداد لاحتمال مواجهة مستقبلية مع مصر، وذهبت بعض الخطابات اليمينية إلى حد الحديث عن أن التخلي عن سيناء كان خطأً تاريخيًا ينبغي مراجعته.
وما تزال سيناء حاضرة في جزء من الخيال السياسي اليميني الإسرائيلي، فقد ترك إخلاء مستوطنة ياميت، أكبر المستوطنات الإسرائيلية في شبه الجزيرة، أثرًا عميقًا في الذاكرة الجماعية لذلك التيار. وبعد الإخلاء، أسس بعض المستوطنين السابقين من ياميت مستوطنة حملت اسم “إيليه سيناي” أو “أشجار سيناء”، وحافظ كثير منهم على مواقف متشددة تجاه أي إخلاء مماثل في الضفة الغربية أو غزة. وظهر هذا الإرث مجددًا خلال الاحتجاجات العنيفة التي رافقت خطة الانفصال عن قطاع غزة في عهد أرييل شارون.
لطالما وُجدت فجوة بين الخطاب الشعبوي لليمين الصهيوني وبين الممارسة السياسية الفعلية، لكن سيناء بدأت في السنوات الأخيرة تعود تدريجيًا إلى دائرة الخطاب السياسي الإسرائيلي، لا كجزء من الذاكرة فقط، بل كخيار يُستدعى في سياقات الحرب والتهجير وإعادة رسم الحدود.
ويُجسد عميحاي إلياهو، وزير التراث من حزب “القوة اليهودية” الذي يتزعمه إيتمار بن غفير، هذا الاتجاه المتصاعد داخل اليمين الإسرائيلي، ففي يوليو/تموز 2024، نشر تغريدة تروج لقمصان تحمل خريطة تضم الضفة الغربية وغزة وسيناء، مرفقة بشعار “احتلوا الآن”، وتكشف هذه اللغة مقدار الحضور الذي باتت تحظى به سيناء داخل الخطاب اليميني الإسرائيلي، خصوصًا لدى تيارات ترى فيها مساحة محتملة لتنفيذ مشاريع تهجير سكان غزة.
وعاد هذا التصور مرارًا في سياق ما عُرف بـ”الخيار السينائي”، فقد تردد أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو طرح عام 2014 على الإدارة الأمريكية تصورًا يتضمن اقتطاع جزء من سيناء لصالح الفلسطينيين في غزة، مقابل ترتيبات تتعلق بالاستيطان في الضفة الغربية، ونفى مكتب نتنياهو ذلك آنذاك، بينما ذكرت صحيفة “هآرتس” لاحقًا، نقلًا عن مسؤولين أمريكيين سابقين، أن الفكرة طُرحت بالفعل على إدارة باراك أوباما.
ومنذ ذلك الحين، تكرر الحديث عن هذا التصور تحت اسم “الخيار السينائي”، وتوالت بشأنه التسريبات والتقارير إلى حد دفع الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الرد عليه علنًا في أكثر من مناسبة، مؤكدًا رفض مصر تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، ومشيرًا إلى أن إسرائيل، إن أرادت نقل سكان غزة، تستطيع توجيههم إلى صحراء النقب.
تفاؤل الأيديولوجيا.. تشاؤم الجيوسياسة
بات الحديث عن استعداد مصري محتمل لحرب مع إسرائيل حاضرًا بصورة متكررة في التغطية الإسرائيلية، بالتوازي مع تعثر عودة العلاقة بين البلدين إلى مستوى التفاهم السابق، وتراجع التنسيق الأمني بينهما إلى مستوى هو الأدنى منذ توقيع معاهدة السلام، مع اعتماد أكبر على قناة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إدارة بعض جوانب التواصل بين الطرفين. لكن السؤال الأهم يبقى مدى واقعية خيار الحرب بالنسبة إلى أي منهما.
من المنظور المصري، تبدو الحرب الاستباقية خيارًا بالغ الكلفة، فالتجربة العسكرية المصرية المعاصرة، إلى جانب الوضع الاقتصادي الضاغط، تجعل الدخول في مواجهة مباشرة مغامرة تحمل أثمانًا كبيرة. وفي المقابل، قد تتعامل القاهرة مع خيار الحرب إذا فُرض عليها، رغم حجم ما يمكن أن تخسره، وفي مقدمته المساعدات الأمريكية المرتبطة بمنظومة كامب ديفيد، ومكانتها لدى العواصم الغربية كوسيط رئيسي بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
أما من المنظور الإسرائيلي، ومع قدرة إسرائيل على خوض حروب متزامنة على أكثر من جبهة وامتلاكها هامشًا أوسع عسكريًا واقتصاديًا، فتبقى الحسابات أكثر تعقيدًا. وهنا يعود السؤال المركزي للورقة حول موقع مصر داخل تصور “أرض إسرائيل” اليوم، وما إذا كانت ما تزال هدفًا واقعيًا قابلًا للترجمة السياسية والعسكرية، أم أنها بقيت في حدود الخطاب الأيديولوجي والخيال التوسعي.
تبقى مصر حاضرة في الوعي الأيديولوجي لـ”إسرائيل الكبرى” كحد رمزي في الخيال التوسعي، أكثر من كونها هدفًا استراتيجيًا واقعيًا يمكن تحقيقه على الأرض في المدى المنظور، وتحكم ذلك جملة من المحددات الجيوسياسية والديمغرافية.
فالفجوة بين مصر وإسرائيل كبيرة من حيث الحجم السكاني والوزن العسكري والدبلوماسي، إلى جانب المكانة الجيوسياسية التي بات الغرب يمنحها لاستقرار مصر، وهي مكانة لم تكن بالحجم نفسه خلال الحروب السابقة بين البلدين. ولا يرتبط الأمر بقناة السويس وحدها، بل أيضًا بالدور الإقليمي الذي تؤديه مصر، وبحجم سكانها، واستضافتها أعدادًا كبيرة من اللاجئين، فضلًا عن موقع سواحلها الشمالية ضمن مسارات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا.
ولهذا تحتل مصر موقعًا مهمًا في عقيدة الأمن الأوروبي باعتبارها ركيزة للاستقرار الإقليمي، ما يجعل أي سيناريو لانهيار الدولة المصرية، بفعل أزمة اقتصادية أو صراع إقليمي مباشر، مصدر قلق واسع لدى العواصم الأوروبية، ومن هنا يمكن فهم حجم الدعم الاقتصادي الذي قدمه الاتحاد الأوروبي للقاهرة، ومنه الحزمة التي بلغت نحو 7.4 مليار يورو عام 2024.
كما تتمتع مصر بشرعية دولية وموقع دبلوماسي يصعّبان تقديمها باعتبارها دولة “مارقة” على النحو الذي استخدمته إسرائيل طويلًا في خطابها تجاه إيران. لذلك، فإن أي مسار يقود إلى زعزعة استقرار مصر أو تفكيكها سيحمل كلفة أمنية وإقليمية شديدة الارتفاع على إسرائيل وعلاقتها بمحيطها، تتجاوز بكثير حسابات الحروب التقليدية التي خاضتها في مراحل سابقة، حتى في أوج تفوقها العسكري عام 1967.
أثبتت مصر، حتى هذه اللحظة التاريخية، أنها عصية على الإدماج في مشروع “إسرائيل الكبرى”، وفي اللحظات التي اقتربت فيها إسرائيل من السيطرة على سيناء، في ظل حكومات من اليمين واليسار على السواء، رجحت في النهاية حسابات البراغماتية السياسية على الحلم الأيديولوجي، وقبلت إسرائيل بالتخلي عن الأرض حين بدا ذلك أكثر فائدة لاستمرار المشروع الصهيوني ومصالحه الأوسع.
ومع ذلك، ستظل أفكار إعادة احتلال سيناء، وتهجير سكان غزة إليها، وتصوير مصر باعتبارها خصمًا عسكريًا محتملًا، حاضرة في جانب من الخطاب اليميني الإسرائيلي، فالخطاب الأيديولوجي والممارسة السياسية الواقعية قادران على التعايش، حتى حين يسير كل منهما في اتجاه مختلف.
ويبقى هذا الخطاب جاهزًا للتوظيف كلما تبدلت موازين القوى الإقليمية أو تصاعدت الأزمات على جبهة غزة وسيناء، مثلما بقي حلم “إسرائيل الكبرى” تجاه سوريا والعراق والأردن حاضرًا في الخطاب الإسرائيلي، ووصل في عام 2025 إلى لسان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نفسه، رغم ما يحيط بتحققه من عوائق سياسية وعسكرية وجغرافية.
وهنا تكمن ديمومة الفكرة، فالأيديولوجيا تستطيع البقاء طويلًا خارج حدود الممكن السياسي، محفوظة في النصوص والخرائط والخطاب، إلى أن ترى في تحول موازين القوى لحظة مناسبة لاستدعائها من جديد.