راكم العدوان الإسرائيلي على غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 ضغطًا واسعًا على الأسطول البري لجيش الاحتلال، جمع بين إصابات الآليات في القتال والاستخدام المتواصل والحاجة المتزايدة إلى المحركات والجنازير وأنظمة التحكم وقطع الغيار.
وبحلول أكتوبر/تشرين الأول 2024 وصل العبء على منظومة الصيانة إلى استعانة الاحتلال، للمرة الأولى، بصناعات مدنية وعسكرية لترميم دبابات وناقلات جند كانت أعمال صيانتها تُنفذ سابقًا داخل الجيش، فيما قدرت وزارة الأخير أن استعادة الجاهزية الكاملة للأسطول المدرع ستحتاج سنوات وكميات كبيرة من القطع.
وخلف هذه الأزمة تمتد شبكة إمداد تقودها الولايات المتحدة، وتوفر جرافات “كاتربيلر D9″، ومركبات “هامفي”، والمركبات التكتيكية الخفيفة المشتركة “JLTV”، وشاحنات “أوشكوش”، ومجموعات دفع لدبابات “ميركافا”، فيما تدخل ألمانيا في سلسلة بعض مكونات الدبابة.
واتسع الجسر الجوي والبحري طوال العدوان، وصولًا إلى شحنة 13 أغسطس/آب 2026 التي حملت إلى حيفا آلاف الأطنان وضمت D9 وهامفي وJLTV مدرعة وشاحنات أوشكوش ومعدات أخرى اشترتها بعثة وزارة الدفاع في الولايات المتحدة.
ما الذي استنزفه العدوان من آليات جيش الاحتلال؟
تعد جرافات D9 من أوضح حالات الاستنزاف، إذ يعتمد عليها سلاح الهندسة في العمليات البرية بعد تدريعها وتجهيزها. وفي مارس/آذار 2025 نقل موقع “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلي عن مصادر عسكرية أن نحو 30 إلى 40% من الجرافات كانت خارج الجاهزية القتالية، بين آليات متضررة وأخرى دخلت دورة الإصلاح والصيانة.
في الوقت نفسه كان الاحتلال ينتظر جرافات إضافية من الولايات المتحدة، بينها طلب يضم 134 جرافة تأخر وصولها مع تعليق واشنطن تصريح التصدير قبل استئنافه خلال 2025، ووصلت عشرات منها إلى حيفا في يوليو/تموز من العام نفسه، ثم ظهرت D9 مجددًا في شحنة أغسطس/آب 2026.
وفي دبابات “ميركافا”، أبلغ جيش الاحتلال المحكمة العليا الإسرائيلية في يوليو/تموز 2024 أن عدد الدبابات المتاحة أصبح أقل من احتياجات التدريب بعد إصابة عدد كبير منها وخروجها مؤقتًا من الخدمة.
ونقلت القناة 13 الإسرائيلية تقديرًا تراكميًا يقارب 500 دبابة أصيبت منذ بدء العدوان، وعادت الغالبية الساحقة منها إلى الخدمة بعد الإصلاح، فيما بلغت جاهزية دبابات الفرقة 162 نحو 92% آنذاك.
ومع امتداد القتال انتقل الضغط إلى مخزون القطع وعمر المكونات، إذ نشرت “يديعوت أحرونوت” في أكتوبر/تشرين الأول 2024 أن الاستهلاك المرتفع للمركبات المدرعة رفع العبء على منظومة الصيانة إلى حد عودة متقاعدين للعمل متطوعين، فيما تحدثت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية في يونيو/حزيران 2025 عن صعوبات لدى اللواء المدرع السابع في الحصول على المحركات والجنازير وأنظمة التحكم.
وفي 26 يناير/كانون الثاني 2026 قالت وزارة الجيش، خلال زيارة مركز الترميم والصيانة العسكري “مشا 7000″، إن القوة البرية تواجه قطعًا مفقودة وقيودًا على التوريد ومنافسة عالمية على الموارد، وإن خطوط إنتاج وترميم وتدريع ميركافا ونمر وإيتان وD9 يجري تسريعها ضمن برنامج بمليارات الشواكل.
ويختلف أثر الاستنزاف بين فئات الآليات، فبينما تتوافر أرقام مباشرة عن جاهزية D9 وإصابات ميركافا، تظهر الحاجة في هامفي وJLTV وشاحنات أوشكوش بصورة أوضح من خلال توسع المشتريات وحزم قطع الغيار والصيانة والاستدامة.

من يمد جيش الاحتلال بالآليات وقطع الغيار؟
تقع الولايات المتحدة في مركز سلسلة التوريد لهذه الفئات عبر مسارات شراء وتمويل مختلفة، إذ تدير واشنطن “المبيعات العسكرية الخارجية” FMS كصفقات حكومية، فيما يمكن أن يمول “التمويل العسكري الأجنبي” FMF بعض المشتريات من أموال المساعدة الأمريكية.
ويسمح “البيع التجاري المباشر” DCS بالشراء من الشركات الأمريكية بتراخيص تصدير، فيما هناك مسار منفصل للمعدات الدفاعية الفائضة EDA القادمة من مخزونات القوات الأمريكية.
وتعود دفعات D9 التي وصلت خلال 2025 و2026 إلى طلب شمل 134 جرافة، فيما تخص الصفقة التي أخطرت بها “وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية” الكونغرس في 28 فبراير/شباط 2025 برنامجًا آخر يبدأ تسليمه المقدر عام 2027.
وفي برنامج JLTV، ارتبطت الطلبات الأولى خلال العدوان بشركة “أوشكوش ديفنس”، ثم أصبحت “إيه إم جنرال” المقاول الرئيسي للبرنامج الأمريكي الأحدث.
ويمتد الإمداد الأمريكي من الآليات الكاملة إلى قطع الغيار وبرامج الصيانة طويلة الأجل، فيما تدخل الشركات الألمانية في سلسلة مكونات ميركافا.

وتعتمد “ميركافا” على نموذج يجمع الإنتاج والترميم داخل “إسرائيل” مع أجزاء أساسية مستوردة، إذ يوفر عقد “رولز رويس سوليوشنز أمريكا” حزم المحرك والإصلاح، فيما تدخل شركة “رينك” الألمانية، المتخصصة في أنظمة نقل الحركة، في توريد علب التروس وأجزاء منظومة الدفع.
وذكرت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية خلال 2025 أن القيود الألمانية أثرت في توريد مكونات بينها منتجات رينك المستخدمة في ميركافا.
وفي الداخل، يعمل مركز “مشا 7000” والصناعات المحلية على الترميم والتدريع ودمج المكونات المستوردة ضمن خطوط إنتاج موسعة.
ويحتفظ جيش الاحتلال أيضًا بمركبات هامفي أقدم جاءت من فائض الجيش الأمريكي قبل العدوان، ومنها أكثر من ألفي مركبة اشتريت وأعيد تجهيزها قبل سنوات.
أما عقود هامفي وJLTV الأحدث فتظهر في الوثائق كمشتريات جديدة من الشركات المصنعة مع حزم صيانة ودعم، بينما تعود مركبات الفائض الأمريكي إلى مرحلة سابقة قبل العدوان.
كيف تصل الإمدادات إلى جيش الاحتلال؟
منذ الأيام الأولى للعدوان شغلت وزارة جيش الاحتلال جسرًا جويًا وبحريًا، استخدمت فيه الطائرات للشحنات ذات الأولوية والسفن للمركبات والكميات الثقيلة.
بالتوازي تحركت قطع ومعدات عسكرية داخل شبكة الشحن التجاري، وكشف تحقيق لمنصة الصحافة الاستقصائية الدنماركية “دان ووتش”، استنادًا إلى أكثر من ألفي بوليصة شحن، عن حركة منتظمة لسفن شركة “ميرسك” الدنماركية تحمل أجزاء مرتبطة بأوشكوش ومعدات عسكرية أخرى، وظهرت حكومة الاحتلال في عدد من السجلات بوصفها الجهة المستلمة.
ومن بين المسارات التي أعاد التحقيق بناءها رحلة “ميرسك شيكاغو” من نيويورك ونيوجيرسي إلى حيفا أواخر 2023، وشحنات أخرى ظهرت فيها “ميرسك سيليتار”.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، منعت إسبانيا “ميرسك دنفر” و”ميرسك سيليتار” من الرسو في الجزيرة الخضراء، فيما قالت ميرسك في 18 مارس/آذار 2025 إن شحناتها تستبعد الأسلحة والذخائر، وأقرت بنقل بضائع مرتبطة بالمجال العسكري في إطار عقود حكومية وبرامج تعاون أمني.
ويجمع الخط الزمني التالي محطات الجسر العسكري المعلنة منذ ديسمبر/كانون الأول 2023، بالتوازي مع أبرز ما كشفته سجلات ميرسك.
وتغطي أرقام الأطنان المعلنة كامل الحمولات، بما فيها الذخائر والتجهيزات الأخرى، بينما تحدد بعض بيانات الوزارة أنواع الآليات التي وصلت في شحنات بعينها.

وبعد تفريغ الآليات في الموانئ، تُنقل إلى منشآت التدريع والترميم أو إلى قواعد جيش الاحتلال، فجرافات D9 التي وصلت في يوليو/تموز 2025 نُقلت إلى منشآت تركيب التدريع، بينما وزعت شحنات أبريل/نيسان 2026 بواسطة مئات الشاحنات على قواعد الجيش.
وفي شحنة 13 أغسطس/آب 2026 شاركت بعثة المشتريات وإدارة الشحن الدولي ووحدات النقل والتخطيط والمديرية التكنولوجية واللوجستية والقوات البرية في الاستقبال والنقل، فيما اقتصر الإعلان الرسمي على ميناء الوصول وأنواع المعدات ومصدر الشراء الأمريكي من دون نشر اسم السفينة أو ميناء التحميل أو أعداد كل فئة.
ويمتد خط الإمداد من المصانع والموردين في الولايات المتحدة وأوروبا، مرورًا بعقود الشراء وبعثة المشتريات، ثم السفن والطائرات إلى حيفا وأشدود، ومنها إلى منشآت التدريع والترميم والقواعد العسكرية.
ومع برامج يبدأ تسليم بعضها في 2027 وعقود مجموعات دفع تمتد حتى 2032، أصبحت إدامة الأسطول البري مرتبطة ببرامج توريد وصيانة طويلة الأجل فرضها الاستهلاك المتواصل للآليات ومكوناتها منذ بدء العدوان.