ترجمة وتحرير: نون بوست
قال وزير الدفاع الأسترالي في نهاية مايو/ أيار، مخاطبًا قاعة مليئة بالأدميرالات والجنرالات في سنغافورة: “قاع البحر هو ساحة معركة”. واستشهد ريتشارد مارلس بعدة كابلات تحت البحر تم قطعها في بحر البلطيق وحول تايوان خلال السنوات الأخيرة، وانضم إلى 16 من نظرائه لإعلان خطط لحماية الشرايين البحرية العالم الرقمي: نحو 700 كابل اتصالات بحري، معظمها مكشوف على قاع محيطات العالم.
ولم تدرك الحكومات والجيوش في آسيا أهمية هذه الكابلات البحرية إلا مؤخرًا، وربما تكون بعض مخاوفها من التخريب مبالغًا فيها؛ إذ لم تُقدَّم حتى الآن أدلة قاطعة تثبت أن حوادث القطع التي أشار إليها مارلس هي أعمال تخريبية. لكنهم محقون بشأن هشاشة هذه الشرايين التجارية. أما الشركات الخاصة التي تبني وتشغّل معظم كابلات العالم البحرية فلا تنتظر الحكومات لتأمينها، بل تتخذ خطوات تلقائية متزايدة لتجنب أكثر المياه نزاعًا في آسيا.
وترتبط آسيا وأستراليا اليوم بأوروبا عبر كابلات ألياف ضوئية تميل إلى الالتفاف بمحاذاة سواحل القارة الآسيوية قبل أن تتجه شمالُا عبر البحر الأحمر، لكن تضافر طفرة الذكاء الاصطناعي والجغرافيا السياسية يعيد توجيه حركة الكابلات عبر المحيطين الهندي والهادئ. ويتجنب هذا المسار الجغرافي الجديد نقاط الاختناق مثل مضيق ملقا والمياه المتنازع عليها مثل بحر الصين الجنوبي، كما يتجنب جزء كبير من هذه الكابلات منطقة جنوب شرق آسيا تمامًا، حيث يمتد مسارها من الشرق الأوسط والهند إلى أستراليا، ثم يواصل طريقه عبر جزر المحيط الهادئ إلى أمريكا.

تم مد أول كابل يسلك المسار الجديد في عام 2022 بين عُمان وأستراليا، مع فروع تمتد إلى القاعدة العسكرية الأنغلو-أمريكية في دييغو غارسيا وجزر كوكوس، وهي إقليم أسترالي صغير في المحيط الهندي. ثم أعلنت شركة غوغل في العام الماضي أن جزيرة كريسماس، وهي إقليم أسترالي آخر في المحيط الهندي، ستصبح مركزًا لشبكة كابلات جديدة تربط بين أستراليا والشرق الأوسط. وستمتد الألياف الضوئية من عُمان مرورًا بالمالديف إلى جزيرة كريسماس، ثم تواصل طريقها إلى أستراليا. ويبدو أن مشروع “ووترورث” الذي تطوره شركة “ميتا” بتكلفة قدرها 10 مليارات دولار، وهو شبكة كابلات عالمية لا تزال قيد الإنشاء، سيتبع مسارًا مماثلاً في المحيط الهندي.
وأول تحول يعيد رسم مسارات الكابلات هو تغيّر الجهة الممولة لها؛ فالكابلات البحرية باهظة التكلفة، ولتخفيف التكلفة، شكّلت شركات الاتصالات الوطنية الكبرى خلال العقود الماضية اتحادات لبنائها. ففي عام 1999، كلّف أحد أول الكابلات الضوئية الكبرى بين أوروبا وآسيا، المعروف باسم “SEA-ME-WE 3″، نحو 1.3 مليار دولار وضم 92 شريكًا في الاتحاد. وكان التمويل والتخطيط بين هذا العدد الكبير من الشركات يزيد التكاليف ويؤخر التنفيذ. وبمجرد تمويله، كان عدد الشركاء يدفع المسار للاقتراب من القارة الآسيوية حيث تتركز غالبية العملاء.
غير أن طفرة الذكاء الاصطناعي أربكت اقتصاديات صناعة الكابلات البحرية وغيرت جغرافيتها. وخلال العقد الماضي، بدأ عمالقة الإنترنت بتمويل وبناء الكابلات منفردين، مما أدى إلى تبسيط عملية التمويل والتخطيط، وقلّص المدة الزمنية اللازمة لإنجاز مشاريع الكابلات الجديدة. واستثمرت غوغل في أول كابل لها عام 2008، ومنذ ذلك الحين موّلت ما لا يقل عن 34 كابلاً آخر، تمتلك منها 18 كابلًا دون شركاء، وتبني شركات مثل ميتا وغوغل ومايكروسوفت الكابلات بوتيرة متزايدة، لا لربط مراكز السكان، بل لربط مراكز بياناتها.
ويستمر البناء بوتيرة متسارعة بالفعل؛ فوفقًا لأحد التقديرات، ستشهد السنوات الأربع المقبلة استثمارًا سنويًّا متوسطه 4 مليارات دولار في الكابلات الجديدة، يأتي معظمها مما يُعرف بـ”الشركات فائقة الحجم” الساعية للفوز بسباق الذكاء الاصطناعي. ورغم أن خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية من شركات مثل “ستارلينك” أصبحت أرخص، إلا أن نقل كل غيغابايت من البيانات إلى الفضاء لا يزال أكثر تكلفة بكثير مقارنة بدفع الضوء عبر الكابلات، ومن المرجح أن يبقى الوضع كذلك لسنوات. ولذلك، لا تزال الكابلات البحرية تحمل 99 بالمئة من حركة الإنترنت العابرة للقارات.
وبينما يشهد سوق الكابلات البحرية عملية دمج رأسية، فإنه يتوسع جغرافيًّا. حيث لم يعد ملزمًا بالبقاء قريبًا من مراكز السكان، مما أتاح للسفن مد الكابلات البحرية عبر المحيطات المفتوحة أكثر من أي وقت مضى. وقد رُسمت المسارات الجديدة لتجنب القيعان البحرية الخاضعة لسيطرة الصين أو الحكومات التي قد تسعى إلى فرض رسوم مقابل مد أو إصلاح كابل عبر ممر ضيق، مثل المضائق الإندونيسية.
أصبحت المخاطر الجيوسياسية أكثر حدة في بحر الصين الجنوبي تحديدًا؛ حيث لم تتمكن الصين بعد من فرض سيطرة كاملة على السطح، لكنها تمارس سيادة فعلية على قاع البحر. وبموجب القانون الدولي، لا يُفترض بالدول أن تتدخل في إصلاح الكابلات خارج مياهها الإقليمية. لكن إصلاح أي كابلات داخل “خط النقاط التسع” الصيني، الذي يمتد لأكثر من ألف كيلومتر من سواحل الصين (والذي تدعي الصين أنه يمثل حدود مياهها الإقليمية)، يتطلب موافقة رسمية من السلطات الصينية.
وتتعرض الكابلات العابرة لنقاط الاختناق مثل مضيق ملقا لمخاطر مشابهة، كما يقول صامويل باشفيلد، الباحث في جامعة لا تروب الأسترالية؛ فالقواعد المتغيرة باستمرار التي تفرضها دول ساحلية مثل ماليزيا وإندونيسيا تهدف إلى جني أرباح من عمليات الكابلات عبر إجراءات مثل اشتراط استخدام سفن محلية. هذه قد تكون إزعاجات مكلفة، وقد تشكل هذه الإجراءات عوائق مكلفة. لكن التصريحات الأخيرة للرئيس الأندونيسي ووزير ماليته، اللذان يعانيان من ضائقة مالية، حول كيفية استفادة البلاد ماليًا من موقعها الذي يطل على بعض أهم الممرات البحرية في العالم، تشير إلى احتمال اتخاذ تدابير أكثر صرامة في المستقبل.
ولتجنب هذه المخاطر، يلتف جزء متزايد من حركة الكابلات حولها ببساطة؛ حيث تمر شبكات غوغل وميتا الجديدة بمسارات بديلة من الشرق الأوسط عبر أستراليا ثم إلى اليابان وكوريا الجنوبية أو أمريكا. وفي المحيط الهادئ، تستخدم الكابلات جزيرة غوام كمركز لربط حلفاء أمريكا في آسيا. وتعد هذه المسارات الجديدة جزءًا من بنية تحتية رقمية تتزايد انقساماتها تحت الأمواج؛ حيث لم يُعتمد أي كابل جديد بين أمريكا والصين منذ تولي باراك أوباما منصبه.
المصدر: إيكونوميست