في 16 يوليو/تموز الحالي، كشفت وكالة رويترز، نقلًا عن مصدرين إيرانيين كبيرين ومصدر إقليمي مطلع، أن طهران طلبت من جماعة الحوثيين في اليمن الاستعداد لإغلاق مضيق باب المندب في حال أقدمت الولايات المتحدة على استهداف البنية التحتية للطاقة داخل إيران.
جاء الكشف بعد يوم واحد من تقرير لصحيفة التلغراف البريطانية أفاد بأن الحوثيين يمهدون لفتح جبهة جديدة في حرب إيران عبر التحكم في المضيق بالتنسيق مع حركة الشباب الصومالية، وبما أن مضيق هرمز مغلق فعليًا أمام حركة الشحن، فإنّ هذا التهديد يضع العالم أمام سيناريو لم يحدث من قبل في التاريخ الحديث، ممثلًا في شلل متزامن لأهم شريانين للطاقة والتجارة في الشرق الأوسط.
إذ إن الأزمات السابقة، من حرب الناقلات في الثمانينيات إلى هجمات الحوثيين على الملاحة منذ نهاية 2023، وحتى الأشهر السابقة من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كانت تفصل دائمًا بين توترات الخليج وتوترات البحر الأحمر، أما اليوم فالمسرحان يتصلان في معادلة ردع واحدة تديرها طهران.
البحر الأحمر.. الجبهة الثانية لإيران
منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، تحولت الجغرافيا البحرية إلى سلاح مركزي في يد طهران، إذ أغلق الحرس الثوري مضيق هرمز عمليًا أمام حركة السفن منذ 4 مارس/آذار 2026 وحتى تاريخ اليوم، تخللت تلك الفترة انفراجة هشة وقصيرة لم تدم طويلًا (17 يونيو/حزيران – منتصف يوليو/تموز) مما أدى إلى تحول نحو 90 بالمئة من حركة المرور بعيدًا عن المضيق، قبل أن تتجاوز النسبة 95 بالمئة مع تصاعد التهديدات الإيرانية للسفن العابرة.
دفع هذا الإغلاق دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، إلى تحويل صادراتها النفطية نحو موانئ البحر الأحمر، حتى بات الممر يحمل نحو 7 بالمئة من إمدادات الطاقة العالمية بعد أن حولت الرياض قرابة 70 بالمئة من صادراتها عبر ميناء ينبع، وهكذا ارتفعت قيمة باب المندب من ممر ملاحي مهم إلى المخرج البديل الوحيد المتبقي لنفط الخليج.
وفي ظل استئناف الضربات الأمريكية على إيران خصوصًا بعد استهداف القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) لشبكات طرق وجسور إيرانية، فإنّ طهران يبدو أنها تسعى لتكتيك توزيع الساحات بصورته الأوضح بنقل كلفة الضربات الموجهة لعمقها الجغرافي إلى الممرات المائية الدولية عبر وكلائها، بحيث تتوزع خسائر الحرب على الاقتصاد العالمي بدلًا من أن تتركز على الأراضي الإيرانية، ويتضاعف الضغط على واشنطن وحلفائها دون أن تضطر طهران لتوسيع المواجهة المباشرة.
صاغت منصات الحرس الثوري هذا التوجه صراحة، إذ نشرت وكالة أنباء فارس المرتبطة بالحرس، بحسب ما أوردته التلغراف، عقيدة تسمي باب المندب “الجبهة الثانية” في أي حرب أوسع، وتقول إن المضيق سيغلق مع هرمز لقطع التمويل واللوجستيات عمن وصفتهم بـ”أعداء إيران” وخنق التجارة العالمية.
ويتسق ذلك مع إعلان الحرس الثوري، عبر وكالة إرنا الرسمية، أن صادرات الطاقة الإقليمية “إما أن تكون للجميع أو لا تكون لأحد”، وبهذه الصياغة تتحول المنطقة الممتدة من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي من مجرد ممر تجاري إلى خط دفاع وهجوم متقدم لإيران في مواجهة التحالفات الدولية.

سيناريو الشلل البحري المزدوج
لم يشهد التاريخ الحديث إغلاق المضيقين في وقت واحد، وهي حقيقة أكدتها التلغراف نصًا حين أشارت إلى أن باب المندب وهرمز لم يغلقا قط في الوقت نفسه، وهنا يكمن جوهر القدرة التعطيلية الكامنة التي تمتلكها طهران اليوم، والتي تفوق قدرة أي قوة إقليمية أخرى في التاريخ المعاصر.
فمن جهة هرمز، عَبَر المضيق نحو 20 مليون برميل نفط يوميا في 2024، أي ما يعادل نحو خمس استهلاك السوائل النفطية عالميًا وأكثر من ربع التجارة البحرية للنفط، إضافة إلى نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية ومعظمها قطري، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
بينما من جهة باب المندب، مرّ عبره نحو 4.2 مليون برميل يوميًا في 2025 بحسب وكالة الطاقة الدولية، نزولًا من نحو 8.7 مليون برميل يوميًا في 2023، وهو انخفاض سببه هجمات الحوثيين التي أعادت توجيه الملاحة منذ نهاية 2023، إلى جانب نحو 10 إلى 12 بالمئة من التجارة البحرية العالمية ونحو 30 بالمئة من حركة الحاويات عبر مسار قناة السويس.
الأخطر في هذه المعادلة أن البدائل شبه معدومة، فبينما تملك السعودية والإمارات خطوط أنابيب تلتف جزئيًا على هرمز – كخط شرق غرب السعودي (خط أنابيب بترولاين) الممتد إلى ميناء ينبع النفطي على البحر الأحمر بطاقة تصل إلى نحو 5 إلى 7 ملايين برميل يوميًا، وخط أنابيب حبشان-الفجيرة الذي ينقل جزءًا من نفط أبوظبي برًا إلى ميناء الفجيرة المطل على خليج عُمان وبحر العرب – فإنّ النفط المتجه إلى آسيا عبر ينبع يظل مضطرًا لعبور باب المندب، أما تجارة الحاويات فلا بديل لها على الإطلاق سوى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وبذلك يغلق الإغلاق المزدوج الدائرة على مخارج الطاقة والتجارة معا.
ويضع هذا السيناريو استراتيجيات الأمن البحري الغربية أمام تحد بنيوي هو التشتت العملياتي بين مسرحين متباعدين جغرافيا ومتصلين إستراتيجيًا: فتحالف حارس الازدهار الذي أطلقته واشنطن في ديسمبر/كانون الأول 2023 بمشاركة أكثر من عشرين دولة ركز جهده على البحر الأحمر، واعتُبر أطول اشتباك بحري أمريكي منذ الحرب العالمية الثانية بحسب مركز الاستراتيجية البحرية، ومع ذلك لم ينجح في وقف هجمات الحوثيين وقتها. ذلك يعني أنّ مطالبة الأساطيل الغربية في الوقت الحالي بتغطية الخليج وخليج عمان والبحر الأحمر وخليج عدن في آن واحد، وسط استنزاف موثق لمخزون الصواريخ الاعتراضية، تعني توزيع أصول محدودة على جبهتين تختار إيران توقيت إشعالهما.
أمام تكثيف الحوثيين هجماتهم الصاروخية قرب باب المندب وغياب الرد الأمريكي.. هل يمكن لتحالف “حارس الازدهار” وقف هجمات الحوثيين في البحر الأحمر؟#غزة https://t.co/mpQefomQ5j
— نون بوست (@NoonPost) December 20, 2023
كيف جمع البحر الأحمر خصمين؟
على ضفتي المدخل الجنوبي للبحر الأحمر تلتقي مصالح طرفين غير دولتيين متناقضين أيديولوجيًا هما الحوثيون على الساحل الغربي لليمن، وحركة الشباب على الساحل الصومالي المقابل عبر خليج عدن، فقد نقلت عدة مصادر استخباراتية في وقت سابق أن هناك مؤشرات كثيرة على التنسيق بين الحوثيين وحركة الشباب. بيد أن التلغراف – وفي في تقريرها الأخير – أضافت أن هذا التنسيق يهدف إلى السيطرة الكاملة على مضيق باب المندب وإغلاقه عندما تقرر إيران ذلك، وأوضحت الصحيفة البريطانية أن الحوثيين ينقلون تكنولوجيا المسيرات إلى الحركة نيابة عن إيران ليصبحوا بذلك قادة المنطقة.
قد يبدو هذا التحالف للوهلة الأولى منافيًا للمنطق، فحركة الشباب حركة سلفية جهادية تبايع تنظيم القاعدة منذ عام 2012، وتقوم عقيدتها على تكفير الشيعة أصلًا، بينما الحوثيون جماعة زيدية شيعية تدور في فلك إيران وتستمد منها السلاح والعقيدة السياسية معًا، وفي القاموس الأيديولوجي لكل طرف، الطرف الآخر خصم ديني قبل أن يكون أي شيء آخر.

لكنّ التاريخ القريب يعلمنا أن العداء العقائدي كثيرًا ما يتراجع أمام حسابات المصلحة، فإيران نفسها سبق أن وثقت تقارير أمريكية وأممية تسهيلها مرور عناصر من القاعدة عبر أراضيها حين خدم ذلك أهدافها، والقاعدة قبلت ذلك التسهيل رغم عدائها المعلن لطهران، والمنطق هنا بسيط: العدو المشترك يصنع صداقات مؤقتة، فالحوثيون وحركة الشباب يقفان معا في خندق واحد ضد الولايات المتحدة وحلفائها، وكلاهما مصنف تنظيمًا إرهابيًا لدى واشنطن، وكلاهما يعيش على اقتصاد الحرب والتهريب في بحر واحد هو خليج عدن.
الحوثيون يحتاجون ذراعًا على الضفة الأفريقية تمد نفوذهم إلى ما بعد اليمن، وحركة الشباب تحتاج سلاحًا نوعيًا، وخصوصا تكنولوجيا المسيرات، لا تجده في أسواق التهريب التقليدية، وهكذا صارت العلاقة أقرب إلى صفقة تجارية منها إلى تحالف عقائدي، سلاح وتدريب مقابل موطئ قدم ومعرفة بالساحل الصومالي، وقد لخص تقرير أممي هذه المعادلة حين وصف التعاون بين الجماعتين بأنه يتجاوز التبادل النفعي البحت ليخدم استراتيجية نفوذ حوثية أوسع، من دون أن يعني ذلك ذوبان الفوارق العقائدية بينهما.
كشف تقرير فريق خبراء مجلس الأمن المعني باليمن المؤرخ في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2025 (الوثيقة S/2025/650) أن التعاون بين الجماعتين ليس تبادليًا بحتًا، بل جزء من استراتيجية حوثية لبسط نفوذ إقليمي متزايد، ونقل عن مصادره أن الحوثيين يقيمون خيارات تنفيذ هجمات بحرية انطلاقًا من الساحل الصومالي بهدف توسيع منطقة عملياتهم.
يقوم هذا التحالف الناشئ على تكامل واضح في القدرات، فالحوثيون يمتلكون ترسانة صواريخ باليستية وجوالة مضادة للسفن، من بينها طرازا عاصف وتنكيل المشتقان من نماذج إيرانية بمدى يصل إلى نحو 450 إلى 500 كيلومتر ورؤوس حربية تتجاوز 300 كيلوغرام بحسب المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، إضافة إلى مسيرات انتحارية من عائلتي صماد وشاهد وألغام بحرية وزوارق مفخخة مسيرة.
وقد أفاد مصدر مقرب من الجماعة، عبر رويترز، بأن الحوثيين أكملوا استعداداتهم فعلا بنشر صواريخ ومسيرات في المرتفعات المطلة على الحديدة وخليج عدن وباتوا بانتظار الأمر، وأن ممثلي الحرس الثوري الموجودين في اليمن هم من سيتحكمون بقرار التوقيت، أما حركة الشباب فتقدم ما ينقص الحوثيين على الضفة الأفريقية المقابلة كالمعرفة الميدانية بالساحل الصومالي، والقدرة على تنفيذ العمليات البرية النوعية، وخبرة القرصنة والسيطرة على خطوط التهريب البحري.
وثّق فريق الخبراء الأممي شبكات الدعم القائمة بين الطرفين بتفصيل لافت، تدريب عناصر من حركة الشباب في اليمن على تكنولوجيا المسيرات وصناعة العبوات المتطورة، وإيفاد مهندسين عسكريين حوثيين إلى الصومال، وسفر مئات المقاتلين الصوماليين للتدريب في معسكرات حوثية، ورصد خلايا للحركة في حضرموت مهمتها شراء السلاح من تجار مرتبطين بالحوثيين وتهريبه عبر زوارق تقليدية إلى موانئ صومالية مثل قندلة وعلولة ورأس عسير.
كما ضبطت قوات الأمن الصومالية بالفعل شحنات متفجرات ومسيرات في طريقها من اليمن إلى الصومال، ويقدر ماثيو برايدن، مدير مركز ساهان للأبحاث والمسؤول الأممي السابق، أن الحركة جندت وأرسلت مئات الشبان الصوماليين إلى اليمن للتدريب على القتال البري والبحري. والتقدير هو أن هذه الشبكات، إذا اكتمل نضجها، تنشئ كماشة أمنية تطوق مدخل البحر الأحمر من ضفتيه، بحيث لا يعود تأمين الملاحة ممكنا بضرب الساحل اليمني وحده.
البحر الأحمر يجر القرن الأفريقي إلى الحرب
توفر هشاشة القرن الأفريقي بيئة مثالية لامتداد المواجهة، فحركة الشباب استعادت خلال العام الماضي 2025 معظم الأراضي التي خسرتها أمام الحكومة الصومالية بين 2022 و2023، ووصفت مجموعة الأزمات الدولية الوضع بالجمود الاستراتيجي، حكومة فيدرالية عاجزة عن الحسم وحركة عاجزة عن إسقاط العاصمة، ويتزامن ذلك مع تقليص البعثة الأفريقية وأزمة تمويلها، ما يترك فراغًا أمنيًا قابلًا للاستثمار في عمليات تخريب وضغط ارتدادي تخدم المعادلة الإيرانية دون أن تحمل بصمتها المباشرة.
وفي قلب هذه الجغرافيا تقع جيبوتي، الدولة الصغيرة المطلة على المضيق مباشرة، والتي تستضيف أكبر تجمع للقواعد العسكرية الأجنبية في العالم، أولها القاعدة الأمريكية “ليمونيه” التي يعمل فيها أكثر من خمسة آلاف عسكري ومدني أمريكي، وهي القاعدة الأمريكية الدائمة الوحيدة في أفريقيا، إلى جانب استضافة جيبوتي قواعد فرنسية وصينية ويابانية وإيطالية.
هذا الحشد من القواعد ربما يجعل جيبوتي وشركاءها في مرمى استهداف عبر الساحل الأفريقي المقابل، خصوصًا إذا انتقلت تكنولوجيا المسيرات الحوثية إلى حركة الشباب على نطاق تشغيلي، إذ يصبح تهديد القواعد ممكنًا من داخل الإقليم نفسه دون إطلاق صاروخ واحد من اليمن.

أما الكلفة الإنسانية فتتجاوز الحسابات العسكرية، الصومال على سبيل المثال يستورد كل نفطه ومعظم حبوبه عبر البحر، وحذر برنامج الأغذية العالمي في يونيو/حزيران 2026 من أن مليونين ونصف مليون صومالي إضافي قد يعجزون عن تحمل كلفة السلة الغذائية الأساسية، مع توقع أن يواجه ستة ملايين ونصف مليون شخص مستويات أزمة من الجوع خلال 2026. كما أن جيبوتي تستورد نحو 90 بالمئة من غذائها، وإثيوبيا ذات البالغ عدد سكانها 130 مليون نسمة تعتمد بنسبة 95 في المئة على ميناء جيبوتي في حركة الاستيراد والتصدير.
أما على المستوى الأوسع، يقدّر البرنامج أن استمرار التصعيد وبقاء النفط فوق مئة دولار قد يدفعان نحو 45 مليون شخص إضافي إلى الجوع الحاد عالميا، مع ارتفاع متوقع بنحو 17 بالمئة في أعداد من يعانون انعدام الأمن الغذائي في شرق وجنوب أفريقيا، بعبارة أخرى، تحول موانئ الضفة الأفريقية إلى مناطق غير آمنة لا يهدد سلاسل الإمداد العالمية فحسب، بل يفجر أزمات إنسانية في أفقر أقاليم العالم وأكثرها اعتمادًا على الاستيراد البحري.
كلفة حرب الممرات
إذا نُفذ الإغلاق المزدوج، فستُجبر السفن على الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما يضيف إلى الرحلة بين 3500 و4000 ميل بحري، ويطيل زمنها من عشرة أيام إلى أسبوعين، مع زيادة تُقدَّر بنحو مليون دولار في كلفة الوقود لكل رحلة ذهاب وإياب بين آسيا وأوروبا.
وتشير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن الرحلة بين بحر العرب وشمال أوروبا تستغرق نحو 19 يومًا عبر البحر الأحمر، بينما تمتد إلى نحو 34 يومًا عند الالتفاف حول أفريقيا. وفي ظل عبور تجارة سنوية تُقدَّر بنحو تريليون دولار عبر مضيق باب المندب، فإن أي إغلاق متزامن له مع مضيق هرمز سيعيد رسم خريطة التجارة والطاقة العالمية، ويُلحق اضطرابات واسعة بسلاسل الإمداد وأسواق الشحن.
والتجربة السابقة تقدم مؤشرًا محسوبًا لا افتراضيًا، فقد أعلن رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع في أبريل/نيسان 2025 هبوط إيرادات القناة بنسبة 61 بالمئة إلى نحو أربعة مليارات دولار في 2024، من مستوى قياسي بلغ عشرة مليارات ومئتين وخمسين مليون دولار في 2023، مع تراجع أعداد السفن العابرة إلى النصف، وقال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن الأزمة كلفت مصر نحو 800 مليون دولار شهريًا، وإن الخسائر التراكمية بلغت نحو عشرة مليارات دولار، إذا صحّت الأرقام، فإنّ هذا كله نتج عن تهديد جزئي لممر واحد، فما بالك بإغلاق كامل للممرين بشكل متزامن؟
وعلى صعيد التأمين البحري، قفزت أقساط مخاطر الحرب في هرمز من نحو 0.125 بالمئة من قيمة السفينة قبل الأزمة إلى ذروة بلغت 2.5 إلى 5 بالمئة في مارس/آذار 2026، أي نحو خمسة ملايين دولار للناقلة العملاقة في العبور الواحد، قبل أن تستقر عند نحو 1 بالمئة، وهي النسبة التي بلغتها الأقساط في البحر الأحمر أيضا بعد تجدد الهجمات.
أما أسعار النفط فقفز خام برنت من نحو 71 دولارًا قبل الحرب إلى نطاق 112 إلى 120 دولارًا بأواخر مارس/آذار 2026، مع صفقات فعلية لامست 130 إلى 150 دولارًا في الذروة، قبل أن يتراجع إلى نحو 85 دولارًا منتصف يوليو/تموز مع جمود الجبهات، والتقديرات تشير إلى أن إغلاقًا مزدوجًا متزامنًا سيدفع الأسعار نحو نطاق 150 إلى 200 دولار للبرميل.
وقد تبنى الخطاب الحوثي نفسه هذا الرقم، إذ حذر مسؤول حوثي كبير، في 15 يوليو 2026، من أن المضيقين سيغلقان في “تحالف عملياتي” ترتفع معه أسعار النفط إلى 200 دولار. ويلاحظ هنا أن الرقم يأتي من طرف في المعادلة عبر مسؤول في جماعة الحوثيين المرتبطة بإيران، أي أنه جزء من حرب الردع النفسي قبل كونه توقعًا اقتصاديًا.
خلاصة القول، إن العالم يقف اليوم أمام وضع لم يجربه من قبل، فحين اندلعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط وأغلقت طهران مضيق هرمز في وجه حركة الشحن، اختبرت عمليًا لا نظريًا، خطورة السلاح الجديد الذي بات بين يديها وهو سلاح لا يتمثل في صواريخ عابرة للقارات ولا في رؤوس نووية، بل يكفي فيه تهديد ممر مائي ضيق ليهتز الاقتصاد العالمي وترتفع أسعار النفط وتفر السفن من المنطقة بأكملها.
هذه التجربة فتحت شهية طهران على تكرار الوصفة نفسها في مكان آخر، فما دام إغلاق مضيق واحد قد منحها كل هذه الأوراق، فإنّ امتلاك مضيق ثان يعني مضاعفة القوة التفاوضية والتدميرية معًا، ومن هنا حثت وكلائها الحوثيين، ومعهم حلفاؤهم الجدد في حركة الشباب، على الاستعداد لاستخدام سلاح مماثل هو إغلاق مضيق باب المندب. وهكذا تحول الدرس المستفاد من هرمز إلى مخطط جاهز للتنفيذ عند مدخل البحر الأحمر، تسنده على الضفة الأفريقية شراكة غير متوقعة جمعت بين نقيضين بدافع المصلحة والعدو المشترك.
وتكمن خطورة هذا التطور في أنه يلغي قاعدة قديمة حكمت أزمات المنطقة كلها هي قاعدة المخرج البديل، ففي السابق إذا اضطربت الملاحة في الخليج بقي البحر الأحمر مفتوحًا، وإذا اضطرب البحر الأحمر بقي الخليج يعمل، أما إذا أغلق المضيقان معًا فلن تجد شحنات النفط والغاز والبضائع القادمة من الشرق الأوسط وآسيا أي طريق قصير إلى أوروبا والعالم، ولن يبقى أمام السفن سوى الالتفاف حول قارة أفريقيا بأكملها، وهي رحلة تضيف أسابيع من الزمن وملايين الدولارات على كل شحنة، وتقدم تجربة قناة السويس التي خسرت أكثر من نصف إيراداتها بسبب هجمات محدودة على ممر واحد صورة مصغرة عما قد يحدث إذا نفذ التهديد كاملا.