نون بوست نون بوست

نون بوست

  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
من المظلة الأمريكية إلى الخيار الباكستاني.. الخليج يعيد رسم خريطة أمنه
نون بوست
باب المندب بعد هرمز.. السلاح الإيراني التالي
نون بوست
“وسيم ومقاتل عظيم”.. زعيم العراق الجديد يتودد إلى واشنطن
نون بوست
صيانة في غمرة الجراحة.. كيف تُبعث الأجهزة الطبية في مستشفيات غزة؟
نون بوست
العالم ينفض يديه من أمريكا.. معاداة واشنطن تتخذ شكلًا مختلفًا
نون بوست
قطع شرايين إيران.. ماذا تريد واشنطن؟
نون بوست
مرفأ اللاذقية.. ماذا يعني الظفر ببوابة سوريا على المتوسط؟
نون بوست
من أرض الثروات إلى قوافل الرحيل.. ماذا يحدث في الحسكة؟
نون بوست
تفاصيل خطة ترامب الجديدة: التخلي عن إعادة إعمار غزة الشامل لصالح مخيم تجريبي
نون بوست
داخل “جذور” وشركائها.. كيف تعيد المنظمة تشكيل الفلسطيني المقبول غربيًا؟
نون بوست
الزيدي في واشنطن.. صفقات بمليارات الدولارات مشروطة بنزع سلاح الفصائل
نون بوست
“تمنيت أن أموت”.. شهادات تكشف التعذيب والاعتداء الجنسي في سجون الاحتلال
نون بوست نون بوست
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
من المظلة الأمريكية إلى الخيار الباكستاني.. الخليج يعيد رسم خريطة أمنه
نون بوست
باب المندب بعد هرمز.. السلاح الإيراني التالي
نون بوست
“وسيم ومقاتل عظيم”.. زعيم العراق الجديد يتودد إلى واشنطن
نون بوست
صيانة في غمرة الجراحة.. كيف تُبعث الأجهزة الطبية في مستشفيات غزة؟
نون بوست
العالم ينفض يديه من أمريكا.. معاداة واشنطن تتخذ شكلًا مختلفًا
نون بوست
قطع شرايين إيران.. ماذا تريد واشنطن؟
نون بوست
مرفأ اللاذقية.. ماذا يعني الظفر ببوابة سوريا على المتوسط؟
نون بوست
من أرض الثروات إلى قوافل الرحيل.. ماذا يحدث في الحسكة؟
نون بوست
تفاصيل خطة ترامب الجديدة: التخلي عن إعادة إعمار غزة الشامل لصالح مخيم تجريبي
نون بوست
داخل “جذور” وشركائها.. كيف تعيد المنظمة تشكيل الفلسطيني المقبول غربيًا؟
نون بوست
الزيدي في واشنطن.. صفقات بمليارات الدولارات مشروطة بنزع سلاح الفصائل
نون بوست
“تمنيت أن أموت”.. شهادات تكشف التعذيب والاعتداء الجنسي في سجون الاحتلال
  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
تابعنا

“تجميد الاتفاق المائي مقدمة لاهتزازات أكبر”.. حوار مع الباحث وليد حباس

سندس بعيرات
سندس بعيرات نشر في ١٩ يوليو ,٢٠٢٦
مشاركة
نون بوست

منذ توقيع معاهدة وادي عربة عام 1994، شكّل ملف المياه أحد بنود التعاون الأساسية بين الأردن وإسرائيل، ونظّم الملحق الثاني من المعاهدة إدارة الموارد المائية المشتركة، قبل أن تتوسع لاحقاً الترتيبات بين الجانبين لتزويد الأردن بكميات إضافية من المياه في ظل تفاقم أزمته المائية.

وفي عام 2021، وافقت إسرائيل على تزويد الأردن بـ50 مليون متر مكعب إضافية من المياه سنوياً، فوق الكميات المنصوص عليها في اتفاقية وادي عربة، لتصبح هذه الكميات عنصراً مهماً في تلبية احتياجات المملكة المائية، التي تواجه أزمة متفاقمة بفعل محدودية الموارد، والنمو السكاني، وتأثيرات التغير المناخي.

لكن قرار إسرائيل تجميد تجديد الاتفاق الخاص بهذه الكميات الإضافية، أعاد فتح نقاش يتجاوز الجانب التقني للملف، ويعكس تحولاً أوسع في طريقة توظيف إسرائيل للملفات الحيوية، وفي مقدمتها المياه، كأدوات نفوذ وضغط سياسي.

ولقراءة أبعاد هذا القرار وخلفياته السياسية والأمنية، أجرى “نون بوست” حواراً مع الباحث في الشأن الإسرائيلي في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، الدكتور وليد حباس، لمناقشة موقع ملف المياه في العلاقة الأردنية الإسرائيلية، ودلالات استخدام الملفات الحيوية في إدارة التوازنات السياسية بين الطرفين، وانعكاسات ذلك على مستقبل العلاقات بين الأردن وتل أبيب.

كيف تقرأ قرار إسرائيل تجميد تجديد اتفاق تزويد الأردن بالكميات الإضافية من المياه؟ وما الذي يكشفه هذا القرار عن طبيعة السياسة الإسرائيلية تجاه الأردن في المرحلة الحالية؟

هذا القرار لا يكشف فقط عن طبيعة السياسة الإسرائيلية، وإنما يكشف أيضاً عن طبيعة العلاقة التي وصلت إليها إسرائيل مع الأردن. فقرار تجميد تجديد اتفاق تزويد الأردن بالكميات الإضافية من المياه لا ينبغي النظر إليه باعتباره خلافاً تقنياً يتعلق بكميات المياه أو بتجديد اتفاق قائم، بل بوصفه مؤشراً سياسياً بالغ الدلالة.

فرفض إسرائيل تجديد الاتفاق يعكس انتقالها في تعاملها مع الأردن من مرحلة يمكن وصفها بعلاقة مستقرة كانت إسرائيل قادرة على إدارة مكوناتها والتحكم بها، حيث تقوم هذه العلاقة على اتفاقية سلام، وتنسيق أمني بين البلدين، وحالة من الاستقرار القائم على عدم المساس المباشر بالطرف الآخر، إلى مرحلة أكثر صراحة في توظيف الملفات الحيوية، وتحويلها إلى أدوات ضغط سياسية.

وكان الأردن يعتقد أن هذه الملفات، وفي مقدمتها المياه، ستظل بمنأى عن التجاذبات السياسية، وأن إسرائيل، باعتبارها الطرف الأقوى في الاتفاقية، لن تستخدمها وسيلةً للضغط. كما كانت تراهن على أن اتفاقية السلام ستوفر لها قدراً من الاستقرار والأمن على المستوى الإقليمي، وأن إسرائيل، مهما كانت سياساتها تجاه الفلسطينيين، لن تنقل هذا النهج العدائي إلى علاقتها مع الأردن.

إلا أن ما نشهده اليوم هو تحول واضح، إذ أصبحت الملفات الحيوية تُستخدم كورقة سياسية، وباتت إسرائيل تربط تعاملها مع الأردن بمواقفه السياسية والإقليمية. وبمعنى آخر، تتعامل إسرائيل مع الأردن وفق منطق “العصا والجزرة” الذي استخدمته سابقاً مع السلطة الفلسطينية، فإذا تبنى الأردن خطاباً أو مواقف تنسجم مع الرؤية الإسرائيلية، ولم تمس القضايا التي تعتبرها إسرائيل حساسة، فإنه يُكافأ. أما إذا قرر لعب دور سياسي أو إقليمي لا ينسجم مع المصالح الإسرائيلية، فإنه يُعاقَب عبر ملفات حيوية، وفي مقدمتها المياه.

هذه هي الرسالة الأساسية التي يحملها القرار. ولذلك ينبغي النظر إليه باعتباره تطوراً يتجاوز ملف المياه ذاته، لأنه يعكس تحولاً عميقاً في طبيعة العلاقة الأردنية الإسرائيلية، وكأن الصفائح التكتونية التي قامت عليها هذه العلاقة بدأت تتحرك. وكما أن تحرك الصفائح التكتونية يسبق وقوع الزلازل، فإن هذا التحول قد يكون مقدمة لاهتزازات سياسية أكبر في مستقبل العلاقة بين الجانبين.

إلى أي مدى يرتبط هذا القرار بالتحولات التي تشهدها السياسة الإسرائيلية، خصوصاً مع صعود اليمين، أم أنه يعكس توجهاً أوسع لإعادة تعريف العلاقة مع الأردن وفق اعتبارات سياسية وأمنية؟

بدايةً، لا أعتقد أن هذا المسار يرتبط فقط بصعود اليمين الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، وإن كان صعود اليمين المتطرف والتيار الديني قد أسهم في تسريع هذا المسار وتعزيز وتيرته. لكن، في تقديري، فإن هذا النهج متجذر في طبيعة الدولة الإسرائيلية نفسها. فإسرائيل، في “الحمض النووي” أو الـDNA الخاص بها هي دولة استعمارية توسعية وعدوانية. وهذه ليست مجرد شعارات أو أوصاف تُستخدم لتزيين الخطاب السياسي، وإنما توصيف يستند إلى طبيعة المشروع الإسرائيلي وسلوكه التاريخي.

فعندما نقول إن إسرائيل دولة استعمارية، فإننا نعني أنها ليست دولة ترسم حدودها ثم تستقر داخلها وتعيش بسلام مع محيطها، بل هي دولة تسعى باستمرار إلى توسيع نفوذها وتعزيز هيمنتها. فهي تعمل، مرةً تلو الأخرى، على بسط نفوذها في الشرق الأوسط، والسيطرة على الموارد الحيوية، وفي مقدمتها المياه، والتحول إلى قوة إقليمية مهيمنة، لا تكتفي بإخضاع الفلسطينيين، وإنما تسعى أيضاً إلى فرض نفوذها على الدول والشعوب المحيطة بها.

وقد رأينا، كباحثين في الدراسات الإسرائيلية، أن النفوذ الإسرائيلي العدواني وغير الأخلاقي لم يقتصر على المنطقة، بل امتد إلى أمريكا اللاتينية، وشمل تدخلات في أفريقيا، بما في ذلك دعم بعض الانقلابات، وتسليح جماعات معارضة في السودان وإثيوبيا. وهذا يعكس، في جوهره، طبيعة السلوك الإسرائيلي في إدارة علاقاته الخارجية.

ومن هذا المنطلق، فإن الأردن، كما غيره من الدول المحيطة، ليس محصناً من هذا النهج. فمجرد توقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل لا يعني أن العلاقة أصبحت بمنأى عن الضغوط أو الابتزاز السياسي. وينطبق الأمر ذاته على الاتفاقيات الإبراهيمية، فحتى الإمارات، التي قد ترى نفسها شريكاً لإسرائيل، ليست بمنأى عن هذا المنطق، لأن إسرائيل، بحكم طبيعة مشروعها، قد تنقلب على أي شريك عندما ترى أن مصالحها تقتضي ذلك.

أما فيما يتعلق بالأردن تحديداً، فإن إسرائيل لم تعد تتعامل معه اليوم بوصفه شريكاً في معاهدة وادي عربة كما كان الحال في السنوات الأولى بعد توقيع الاتفاقية عام 1994. فمن الممكن وصف العقدين الأولين من المعاهدة بأنهما شكّلا مرحلة من الاستقرار، أو ما يشبه “شهر العسل” في العلاقات بين الجانبين. أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة.

إسرائيل باتت تعتقد أنها قادرة على إعادة تسعير العلاقة مع الأردن، أي إعادة تحديد أثمانها وشروطها بما يخدم مصالحها السياسية. صحيح أن هذا التحول يتقاطع مع صعود اليمين الإسرائيلي، إلا أنه لا يقتصر عليه، فحتى في غياب هذا اليمين، كان من المرجح أن تسير إسرائيل في الاتجاه نفسه، وإن بوتيرة أبطأ.

وفي المقابل، أجبرت الحرب الأخيرة الأردن على تبني خطاب سياسي أكثر حدة، ليس بالضرورة نتيجة تغيير في سياساته، وإنما حفاظاً على الاستقرار الداخلي، في ظل وجود شريحة واسعة من الفلسطينيين داخل المملكة. فقد وجد الأردن نفسه مضطراً إلى إعلان موقف سياسي أكثر وضوحاً تجاه الحرب، حتى وإن لم يترجم ذلك إلى خطوات عملية على الأرض.

وقد اعتبرت إسرائيل هذا الخطاب مستفزاً، ورأت فيه خروجاً عن السقف الذي كانت تتوقعه من الأردن. ومن هنا بدأت بإعادة فتح ملفات الاتفاقية، وعلى رأسها الملفات الحيوية، مثل المياه، لتوجيه رسالة واضحة إلى عمّان مفادها أن أي موقف سياسي لا ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية ستكون له كلفة، وأن أدوات الضغط التي تمتلكها إسرائيل، وفي مقدمتها المياه، يمكن استخدامها لمعاقبة الأردن وإعادة ضبط سلوكه السياسي. وهذا، في تقديري، هو جوهر ما يجري اليوم.

إلى أي مدى أصبحت الموارد الحيوية، وفي مقدمتها المياه، جزءاً من أدوات النفوذ والضغط في السياسة الإسرائيلية تجاه الأردن؟

هذا النهج لم يبدأ مع توتر العلاقة بين الجانبين، بل كان قائماً منذ البداية، حتى قبل أن تشهد العلاقات أي تراجع. فبشكل نظري ومجرد، عندما تُبرم اتفاقية بين طرفين، يكون أحدهما الطرف الأقوى، الذي يمتلك الموارد والمياه وعناصر القوة كافة، بينما لا يمتلك الطرف الآخر أدوات موازية، فإن هذه الاتفاقية تكون منذ لحظة توقيعها، قائمة على أسس غير متكافئة.

وفي مثل هذه الحالات، يحتفظ الطرف الأقوى دائماً بإمكانية فرض شروطه أو إعادة تفسير التزاماته بما يخدم مصالحه عندما تتغير الظروف. لذلك، فإن قابلية إسرائيل لاستخدام المياه أو غيرها من الملفات الحيوية كأداة ضغط ليست أمراً مستجداً، بل هي جزء من البنية التي قامت عليها الاتفاقية نفسها.

وهذا لا يقتصر على اتفاقية وادي عربة، بل يكاد يكون سمة مشتركة في جميع الاتفاقيات التي وقعتها إسرائيل مع الأطراف العربية، بدءاً من اتفاقياتها مع منظمة التحرير الفلسطينية، مروراً بالاتفاق الذي وقع مع لبنان عام 1983، ووصولاً إلى اتفاقيتي السلام مع الأردن ومصر. ففي جميع هذه الاتفاقيات، حرصت إسرائيل على الاحتفاظ بمفاتيح القوة،  فهي تسيطر على الموارد، والمياه، والغاز، والطاقة، وطرق النقل واللوجستيات، إضافة إلى الملفات الأمنية، وهو ما يمنحها قدرة دائمة على التحكم في مسار العلاقة.

ولذلك، فإن الاتفاقيات التي بدت في بداياتها وكأنها تؤسس لحالة من الاستقرار أو ما يشبه “شهر العسل”، تحولت مع مرور الوقت إلى أدوات للمناورة السياسية، تستطيع إسرائيل من خلالها الضغط، أو إعادة تفسير التزاماتها، أو حتى الامتناع عن تنفيذ بعض بنودها عندما ترى أن ذلك يخدم مصالحها.

ولعل المثال الأوضح على ذلك هو ملف المياه مع الأردن. ففي عام 2021، وافقت إسرائيل على مضاعفة كمية المياه المخصصة للأردن لتصل إلى 50 مليون متر مكعب إضافية سنوياً، الأمر الذي جعل الأردن يعتمد على هذه الكميات بصورة حيوية ومتزايدة. وعندما أصبح هذا الاعتماد واقعاً، باتت إسرائيل تمتلك القدرة على استخدام هذه الورقة أداةً للضغط السياسي، وهو ما نشهده اليوم من خلال تجميد تجديد الاتفاق وتحويل المياه من موردٍ تعاوني إلى وسيلة ابتزاز سياسي.

هل يعكس تجميد الاتفاق انتقال ملف المياه من إطار التعاون الذي أرسته معاهدة وادي عربة إلى منطق إدارة النفوذ والضغط السياسي؟

بالتأكيد. في تقديري، إن اتفاقية وادي عربة، منذ توقيعها، لم تكن مجرد اتفاقية للتعاون بين دولتين متكافئتين، بل كانت، في جوهرها، اتفاقية لإدارة النفوذ والهيمنة. فالعلاقة التي أرستها لم تُبنَ على توازن حقيقي بين الطرفين، وإنما على اختلال واضح في موازين القوة، حيث تمتلك إسرائيل الموارد وعناصر القوة الأساسية، بينما يعتمد الطرف الآخر عليها في ملفات حيوية.

ولهذا، فإن من يقرأ الاتفاقية قراءة نقدية منذ اللحظة الأولى كان يستطيع أن يتوقع هذه النتيجة. وقد ذهبت العديد من الدراسات إلى أن هذه الاتفاقيات، مع مرور الوقت، ستتحول من إطار للتعاون إلى أدوات ضغط بيد إسرائيل. وكان الأمر، في نظر كثير من الباحثين، مجرد مسألة وقت.

وهذا ما قيل أيضاً بشأن اتفاقية أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية، إذ حذر كثيرون منذ البداية من أنها ستتحول إلى عبء على السلطة الفلسطينية، لأنها لم تؤسس لعلاقة متكافئة، وإنما لعلاقة تمنح إسرائيل أدوات واسعة للتحكم وإدارة الصراع. والأمر ذاته ينطبق على اتفاقية وادي عربة، التي كان متوقعاً أن تتحول، عاجلاً أم آجلاً، إلى عبء على الأردن، وكذلك الحال بالنسبة لاتفاقية كامب ديفيد مع مصر.

والسبب في ذلك لا يعود إلى الاتفاقيات بحد ذاتها فحسب، وإنما إلى طبيعة السياسة الإسرائيلية، التي تتعامل مع الاتفاقيات باعتبارها أدوات لتعزيز النفوذ وترسيخ الهيمنة. ولذلك، فعندما تتغير الحسابات السياسية أو الأمنية، لا تتردد إسرائيل في توظيف ما تمنحه هذه الاتفاقيات من أوراق قوة للضغط على الطرف الآخر وفرض إرادتها عليه.

كيف يمكن أن يؤثر هذا القرار على مستقبل العلاقات الأردنية الإسرائيلية، خاصة أنه يمس أحد أكثر ملفات التعاون استقراراً بين البلدين؟

إذا أردنا فهم جذر المشكلة في العلاقة بين الأردن وإسرائيل، فلا بد من الإشارة إلى أن هذه العلاقة تقوم على مسارين متناقضين، فمن جهة هناك تعاون قائم على اتفاقية وادي عربة، وتنسيق أمني كامل، وتعاون عسكري، لكن من جهة أخرى هناك حالة من التوتر المستمر لم تختفِ منذ توقيع الاتفاقية.

هذا التوتر يرتبط بعدة عوامل، أبرزها الملف الفلسطيني. فالأردن هو الدولة التي تستضيف العدد الأكبر من اللاجئين الفلسطينيين، كما يشكل الفلسطينيون من أصول مختلفة جزءاً كبيراً من النسيج الاجتماعي الأردني ولا تزال مخيمات اللاجئين قائمة حتى اليوم. وهذا الملف يمثل حساسية كبيرة بالنسبة للدولة الأردنية، لأنه يرتبط بالحفاظ على التوازن الداخلي ومستقبل القضية الفلسطينية، وهو ملف حاضر دائماً في الحسابات الأردنية والإسرائيلية على حد سواء.

أما العامل الآخر، فيتعلق بما يُعرف بـ”الخيار الأردني” في بعض التصورات الإسرائيلية لحل قضية الضفة الغربية. فمع استمرار التوسع الاستيطاني وصعود اليمين الإسرائيلي الذي ينظر إلى الضفة الغربية باعتبارها جزءاً من “يهودا والسامرة”، فإن هذا يثير مخاوف أردنية من أن تؤدي هذه السياسات إلى خلق ضغوط ديموغرافية وسياسية على الأردن. وهذا الأمر يمثل بالنسبة لعمّان تهديداً للأمن القومي، كما يمثل بالنسبة لإسرائيل جزءاً من حساباتها الأمنية والاستراتيجية.

فإن قرار تجميد اتفاق تزويد الأردن بالكميات الإضافية من المياه لا يمكن قراءته بمعزل عن طبيعة هذه العلاقة المعقدة، فهو يعكس قدرة إسرائيل على استخدام الملفات الحيوية، مثل المياه، كأدوات ضغط سياسية عندما تتعارض المواقف أو المصالح بين الطرفين.

أما مستقبل العلاقات الأردنية الإسرائيلية، فهو مرتبط بكيفية تطور هذه الملفات. وفيما يتعلق بموضوع المياه تحديدًا، هناك أكثر من مسار محتمل، فقد يكون هناك تحرك إقليمي أو مؤتمر سياسي يساعد في احتواء الخلاف، كما يمكن أن تمارس الولايات المتحدة أو المجتمع الدولي ضغوطاً لإعادة ضبط العلاقة بين الجانبين.

كذلك، قد تؤدي التحولات السياسية داخل إسرائيل، سواء بعد الانتخابات أو نتيجة تشكيل حكومة جديدة، إلى تغيير في طبيعة التعامل مع الأردن، بما يسمح بعودة العلاقة إلى مستوى أكثر هدوءاً واستقراراً.

لكن، بغض النظر عن السيناريوهات المحتملة، فإن القضية الأساسية تبقى أن إسرائيل تمتلك القدرة على استخدام ملفات حيوية مثل المياه، أو المسجد الأقصى، أو الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس كأوراق سياسية للضغط وإدارة العلاقة مع الأردن، وهذه القدرة تشكل أحد عناصر التوتر المستمر بين الطرفين.

هل يمتلك الأردن أوراقاً سياسية أو دبلوماسية للتعامل مع هذا التطور، أم أن محدودية الخيارات المائية تمنحه هامشاً ضيقاً للمناورة؟

طبعاً، يمتلك الأردن العديد من الملفات والأوراق التي يمكن أن يستخدمها كأدوات ضغط، أو كأوراق رابحة في إدارة علاقته مع إسرائيل، بل يمكن اعتبار بعضها بمثابة “أوراق جوكر”. لكن الإشكالية لا تكمن فقط في امتلاك هذه الأوراق، وإنما في القدرة السياسية على استخدامها وتوظيفها.

فالمشكلة أن العديد من الأنظمة العربية لا تستخدم ما تملكه من أدوات ضغط بالشكل الذي يمكن أن يحقق مصالحها، لأنها غالباً ما تتحرك ضمن حسابات الخوف والحفاظ على التوازنات القائمة، وليس دائماً انطلاقاً من رؤية مستقلة لمفهوم الأمن القومي.

ففي كثير من الأحيان، ترتبط حسابات هذه الأنظمة بالحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة، وضمان استمرار تدفق المساعدات الاقتصادية والسياسية، وتجنب الدخول في مواجهات أو أزمات قد تؤثر على استقرارها الداخلي. ولذلك تصبح الأولوية بالنسبة لها هي الحفاظ على المعادلات القائمة بدل الدخول في مسارات قد تحمل مخاطر سياسية وأمنية.

وهنا تظهر المفارقة، فالدول العربية تمتلك العديد من الأوراق التي يمكن أن تمنحها قدرة أكبر على التأثير لكنها تتردد في استخدامها بسبب هذه الحسابات. فهي تجد نفسها أمام خيارين: إما البقاء ضمن منظومة التحالفات القائمة التي توفر لها الحماية والدعم، وفي مقدمتها العلاقة مع الولايات المتحدة والعلاقات مع إسرائيل، أو الانتقال إلى مسار أكثر تصعيداً قد يضعها أمام ضغوط وتحديات تهدد استقرارها.

لذلك، فإن المشكلة ليست في غياب الأوراق، فالأردن يمتلك بالفعل العديد من الأدوات، وإنما في طبيعة البيئة السياسية والحسابات التي تحدد متى وكيف يمكن استخدام هذه الأوراق.

إذا استمرت إسرائيل في توظيف الملفات الحيوية، وفي مقدمتها المياه، كأدوات ضغط سياسية وأمنية، كيف سينعكس ذلك على مستقبل العلاقات الأردنية الإسرائيلية، وهل يمكن أن يمتد تأثيره إلى استقرار الإقليم؟

لا أعتقد أن هذا المسار سيستمر حتى النهاية، بمعنى أن إسرائيل لن تذهب على الأرجح إلى قطع العلاقة أو تحويل ملف المياه إلى أزمة مفتوحة مع الأردن، لأن القرار في جوهره يحمل رسالة سياسية واضحة أكثر مما يمثل تغييراً جذرياً في طبيعة العلاقة.

لكن استمرار هذا المسار أو التراجع عنه يرتبط بطبيعة العلاقة بين إسرائيل والأردن خلال المرحلة المقبلة. فإسرائيل تدرك أن الذهاب الى مرحلة “كسر العظم” مع الأردن ليس في مصلحتها، لأنها لا تملك بدائل حقيقية عن هذه العلاقة، ولذلك فإن استخدام ملف المياه يبدو أقرب إلى رسالة ضغط أو “فركة أذن” سياسية بهدف إيصال موقف معين إلى الأردن، وليس بهدف الوصول إلى قطيعة أو مواجهة شاملة.

أما فيما يتعلق بمستقبل العلاقات الأردنية الإسرائيلية، فلا يمكن النظر إليها بمعزل عن البيئة الإقليمية الأوسع. فالعلاقة بين الطرفين لا تجري في فراغ، وإنما تتأثر بما يحدث في المنطقة من تحولات وتطورات.

ولفهم مسار هذه العلاقة بشكل أدق، يجب النظر إلى الصورة الإقليمية الكاملة، بما يجري في سوريا وتأثيره على الأردن، والتطورات في لبنان، والتوسع الإسرائيلي في المنطقة، ومستقبل المواجهة مع إيران، إضافة إلى مستقبل اتفاقيات التطبيع الإبراهيمية.

فكل هذه الملفات مترابطة، وأي تغير كبير فيها سينعكس على طبيعة العلاقة بين إسرائيل والأردن. لذلك، لا يمكن قراءة قرار المياه بشكل منفصل، بل يجب وضعه ضمن المشهد الإقليمي الأوسع لفهم اتجاهات العلاقة بين الطرفين ومستقبلها.

الوسوم: اتفاقية الغاز بين الأردن وإسرائيل ، الاحتلال الإسرائيلي ، التنسيق الأمني بين الأردن وإسرائيل ، الشأن الأردني ، العلاقات الأردنية الإسرائيلية
الوسوم: أزمة المياه ، الشأن الأردني
تحميل هذا المقال بصيغة PDF
شارك هذا المقال
فيسبوك تويتر واتساب واتساب التليجرام البريد الإلكتروني نسخ الرابط
سندس بعيرات
بواسطة سندس بعيرات صحفية فلسطينية من رام الله
متابعة:
صحفية فلسطينية من رام الله
المقال السابق نون بوست باب المندب بعد هرمز.. السلاح الإيراني التالي
المقال التالي نون بوست من المظلة الأمريكية إلى الخيار الباكستاني.. الخليج يعيد رسم خريطة أمنه

اقرأ المزيد

  • اتفاقية الغاز مع الاحتلال.. هل يدفع الأردن ثمن الاعتماد؟ اتفاقية الغاز مع الاحتلال.. هل يدفع الأردن ثمن الاعتماد؟
  • سياسات التحكم والإذلال على جسر الكرامة.. حوار مع حلمي الأعرج
  • لماذا تصر "إسرائيل" على ضم غور الأردن؟
  • من "تيليغرام" إلى الخنادق: صفحة روسية تستدرج الأردنيين إلى الحرب
  • قيود صارمة وإقصاء للمستقلين.. معضلة الانتساب لنقابة الصحفيين في الأردن
part of the design
نشرة نون بوست الأسبوعية

قد يعجبك ايضا

لاعبون جدد وجغرافيا بديلة.. سوريا تطارد ورثة الكبتاغون

لاعبون جدد وجغرافيا بديلة.. سوريا تطارد ورثة الكبتاغون

زين العابدين العكيدي زين العابدين العكيدي ١٦ مايو ,٢٠٢٦
مخاوف العطش في زمن الحرب.. على ماذا يعتمد الخليج لتوفير المياه؟

مخاوف العطش في زمن الحرب.. على ماذا يعتمد الخليج لتوفير المياه؟

نون إنسايت نون إنسايت ٣١ مارس ,٢٠٢٦
اتفاقية الغاز مع الاحتلال.. هل يدفع الأردن ثمن الاعتماد؟

اتفاقية الغاز مع الاحتلال.. هل يدفع الأردن ثمن الاعتماد؟

شفاء القضاة شفاء القضاة ١٧ مارس ,٢٠٢٦
نون بوست

منصة إعلامية مستقلة، تأسست عام 2013، تنتمي لمدرسة الصحافة المتأنية، تنتج تقارير وتحليلات معمقة ومحتوى متعدد الوسائط لتقديم رؤية أعمق للأخبار، ويقوم عليها فريق شبابي متنوّع المشارب والخلفيات من دول عربية عدة.

  • سياسة
  • مجتمع
  • حقوق وحريات
  • آراء
  • تاريخ
  • رياضة
  • تعليم
  • تكنولوجيا
  • اقتصاد
  • صحافة
  • أدب وفن
  • ريادة أعمال
  • سياحة وسفر
  • سينما ودراما
  • طعام
  • صحة
  • ثقافة
  • أحدث التقارير
  • ملفات
  • مطولات
  • حوارات
  • بودكاست
  • تفاعلي
  • الموسوعة
  • بالصور
  • من نحن
  • كتّابنا
  • اكتب معنا
  • السياسة التحريرية
  • بحث متقدم
بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تمت الإزالة من المفضلة

تراجع
Go to mobile version