“إن تاريخ الشعب اليهودي سلسلة مروعة من التجارب المؤلمة، وعلينا مساعدتهم على التحرر من الخوف. إنهم ليسوا أعداءنا، بل خوفهم هو عدونا الحقيقي، وأنا أرفض أن أكون ضحية لهذا الخوف” – علي أبو عواد في تصريح لمنصة يورونيوز.
في إحدى المؤتمرات الأوروبية الكثيرة، التي تستضيف دُعاة السلام الفلسطينيين والإسرائيليين، تتناثر تصريحات الناشط الفلسطيني علي أبو عواد على الإعلام الأوروبي كأعجوبةٍ تستحق الدهشة. فلسطيني اعتُقل وأصيب على يد الاحتلال، واعتُقلت والدته أيضًا، وقُتل أخوه برصاصة في الرأس على حاجزٍ إسرائيلي، ثم يخرج قائلًا: “الفلسطينيون ليسوا ضحايا لأحد”، ” كم عدد اليهود الذين يجب قتلهم للثأر لمقتل أخي؟”.
ليس هذا فحسب، بل يطلق أذنيه إصغاءً لحاخامٍ من دعاة حركة “غوش إيمونيم” الاستيطانية، فيُنشئ منظمة يُطلق عليها “تغيير” وينخرط في منظمة أكبر تحمل اسم “شورشيم/جذور” محاولًا معالجة الضعف الفلسطيني الأساسي الذي يُعبر عنه بالقول: “نحن ضعفاء لأنه لا توجد حركة فلسطينية سلمية”!
انتهاءً بتحوله، وتحول هذه المنظمات، إلى واجهة للتطبيع تحت مسمى اللاعنف، يحتفظ فيها الإسرائيلي بالأرض وفق منهج قادة منظمة جذور، ويتغير فيها الفلسطيني فيكف عن علاقته بالأرض وقتاله من أجلها وفق منهج علي أبو عواد وعائلته ومنظمته “تغيير”، وخلف ذلك كله آلة دعائية غربية ترى في أبو عواد الفلسطيني الصالح.
ضمن ملف “التطبيع بالوكالة” تنطلق السطور التالية بحثًا في تاريخ منظمة شورشيم “جذور”، بداياتها وقادتها وشبكاتها وشراكاتها، ثم تقاطعها مع عائلة أبو عواد في منظمة تغيير، وصولًا إلى مواقفها ما بعد السابع من أكتوبر، لرسم صورة للفلسطيني الذي يتنازل عن حقه وأرضه تحت مسمى “عبثية المقاومة” و”اللاعنف”.
الكرامة الفاصلة بين غوش عتصيون وبيت أمر
في عام 2014، قرر الحاخام مناحيم فرومان، أحد الوجوه المبكرة والمقرّبة أيديولوجيًا من حركة غوش إيمونيم الاستيطانية الدينية، وحاخام مستوطنة تقوع، المقامة على الأرض الفلسطينية في الخليل، زيارة عائلة أبو عواد المتاخمة لأراضي المستوطنة وإجراء حوارٍ مباشرٍ مع أفرادها.
كان توجه الحاخام فرومان معقدًا بالنسبة للمستوطنين، فهو خريج مدرسة هاراف الدينية التي خرج منها معظم قادة الاستيطان الديني، وهو التلميذ المطيع لأفكار الحاخام تسفي يهودا كوك الذي ربط الاستيطان بالخلاص الديني لليهود، لكن وجهة نظره لم تلبث أن أصبحت أوضح، إذ طرح فرومان رؤيته للاستيطان، إذ يؤمن بأنه حق ديني لليهود يتيح لهم السكن في جميع أنحاء أرض “إسرائيل” بوصفه جسرًا للتواصل مع الفلسطينيين، يمكن أن ينتهي بالتعايش لا الإقصاء.
الزيارة الأولى للحاخام لم تكن عشوائية أو اعتباطية، إذ اختُيرت عائلة أبو عواد بعناية، فابنها الأول، علي، تحول خلال اعتقاله في سجون الاحتلال من “مناضل سابق” إلى “معلمٍ للاعنف، إذ استطاع نتيجة إضرابه عن الطعام مع والدته رؤيتها في السجن، ما جعله مدركًا -وفق قوله- أن إظهار إنسانيته بطريقة سلمية هو أفضل سلاحٍ لتحقيق حقوقه.
ثم بعد إطلاق سراحه من السجن، عمل ضابط أمنٍ في صفوف السلطة الفلسطينية، إلى جانب والدته التي نشطت في حركة فتح، بينما عمل أخوه يوسف في شركة تتبع الصندوق القومي اليهودي، حتى عام 2000 حين انعطف مسار العائلة إثر مقتل يوسف برصاص جندي “إسرائيلي” على الحاجز إثر مشادةٍ بينهما، “، يقول عواد إن إطلاق النار جاء نتيجةً لمجادلة أخيه للجندي، وهو ما يُعد انتهاكًا للوائح جديدة لم يكن على علم بها!)
حينها كان علي في المملكة العربية السعودية، يتشافى إثر إصابةٍ برصاصة أطلقها مستوطن عليه، بينما كان يُغيّر إطار سيارته على طريق في الضفة الغربية، يتحدث علي عن هذه المرحلة لصحيفة أوروبية فيقول:” وجدت نفسي أمام مفترق طرق، امتلأت بالكراهية، فاضطررت إلى تغيير مساري تمامًا. هناك 600 ألف مستوطن في الضفة الغربية، حيث نسعى لإقامة دولة فلسطينية، وبدلًا من شيطنتهم، علينا أن نجعل الطرفين يتحملان المسؤولية ونتفاوض على مخرج من هذا المأزق.”
كان من ضمن المعزين بموت يوسف “منتدى عائلات الضحايا” وهي منظمة “إسرائيلية تستضيف “الآباء الإسرائيليين المفجوعين”، وخلال عامٍ واحد انضم عواد ووالدته وشقيقه خالد إلى المنتدى، ليلتقي هناك بـ “روبي داملين “، وهي يهودية ولُدت في جنوب إفريقيا ثم انتقلت إلى فلسطين، لتتطوع في جيش الاحتلال خلال النكسة، ثم تستقر في إحدى الكيبوتسات، قبل أن تتزوج وتعمل في صحيفة جيروزاليم بوست، ثم في شركة علاقات عامة.
الجامع بين داملين وأبو عواد، هو الفقدان، إذ قُتل ابنها ديفيد في عملية فدائية فلسطينية أثناء خدمته العسكرية على حاجز عوفر عام 2002، بينما قُتل شقيق علي على حاجزٍ آخر برصاص جنديٍ “إسرائيلي” -رغم أنه كان يعمل لصالح “إسرائيل” وصندوقها القومي الاستيطاني-.
لكن أبو عواد يحظى بخلفية أكثر إثارة من داملين، إذ يتم تعريفه بوصفه “لاجئًا من عائلة ناشطة سياسيًا، شهد قيام الإسرائيليين بضرب والدته وإذلالها بسبب نشاطها السياسي، حيث كانت ناشطة جداً في منظمة التحرير الفلسطينية، وبعد خروجه من السجن وخدمته في قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية المُنشأة حديثًا، خاب أمله في العملية السياسية، فاستقال منها.

وهكذا انطلق أبو عواد مع روبي داملين في رحلة حول العالم، ما بين 2002 وحتى 2009، جال بها أكثر من 40 دولة، بصفته المتحدث الفلسطيني باسم منتدى عائلات الثكلى التابع لـ”دائرة الآباء”، ما جعله في دائرة الضوء “السينمائي” لعددٍ من الأفلام من بينها؛ نقطة التقاء Encounterpoint وطفولة محرمة Forbidden Childhood.
بنهاية تلك الرحلة، توصل أبو عواد لضرورة إنشاء “حركة فلسطينية وطنية سلمية” تقوم على مبدأين؛ مقاومة الاحتلال سلميًا، والتوقف عن لعب دور الضحية والتوسل للآخرين طلبًا للمساعدة، وهكذا أطلق منظمة “تغيير” بالتعاون مع أخيه ووالدته بهدف خلق “مساحة لا نكون فيها أسرى الغضب الذي يُولّده هذا الوضع يوميًا. يجب أن نتحرر من سجن روايتنا”، وانطلق في زيارة المجتمعات المحلية الفلسطينية للضغط على السياسيين لتلبية احتياجات التنمية الاجتماعية وإنهاء الاحتلال.
وهكذا، أصبحت عائلة أبو عواد مناسبةً جدًا لزيارة الحاخام فرومان، ليتطور لقاؤه الأول بها عام 2014 إلى سلسلة اجتماعات عائلية، ولقاءات نسائية وورش عملٍ مشتركة، وصولًا إلى “رد فعلٍ مشترك” على الأحداث السياسية، بعقد أول اجتماع موسّع في تموز/يوليو 2014 بين إسرائيليين وفلسطينيين محليين داخل جزء من كتلة عتصيون الاستيطانية.
قيادة استيطانية وواجهة فلسطينية
ثم تم تأسيس مركز “كرامة” على أرض عائلة أبو عواد المتاخمة لأراضي قرية بيت أمر، الواقعة على بعد أمتار قليلة من مركز غوش عتصيون التجاري، كإحدى فروع منظمة جذور، ثم إنشاء جمعية B8 of Hope، التي تجمع تبرعات لكلٍ من جذور والتغيير وتقوم بدعم الأنشطة الاجتماعية لكلٍ منهما.
من بين هذه الأنشطة المطالبة بالإفراج عن أبناء الأعضاء، ممن “يتورطون” في رشق الحجارة، و “إرسال رسائل تعزية” لعائلات مستوطنين، قتلوا على يد فلسطينيين، بهدف إدانة العنف، كما تستضيف المنظمة لقاءات بين تلامذة المدارس الدينية الاستيطانية والفلسطينيين، وترفع عرائض رافضة لضم الضفة.
في الواقع، من الصعب فهم الاستراتيجية التي تعمل بها منظمة جذور، فمن ناحية رؤسائها والقائمين عليها، فالحاخام الأول فرومان، ناشطٌ في الاستيطان ودعمه، والحاخام الثاني إحنان شليزنجر، الذي يُعرف نفسه بأنه “مستوطن صهيوني متحمّس”، انتقل من نيويورك في العشرينيات من عمره ليعيش في مستوطنة ألون شفوت ضمن تجمع غوش عتصيون في الضفة الغربية، ويخدم في الجيش الإسرائيلي.
طوال فترة شبابه كان إحنان جزءًا من شبكة مؤسسات دينية صهيونية مثل يشيفوت هار عتصيون، ويشيفوت بات آين، وبيت ميدراش إليل ، وهو إلى جانبها مؤمنٌ مخلص بالصهيونية و “حق اليهود في فلسطين”، وضمن مؤسسات جذور فهو يتولى منصب “مدير العلاقات الدولية” في المؤسسة، وهو المتحدث الأبرز في جولات المحاضرات الغربية والمقابلات الصحفية، حيث يقدّم روايته الشخصية عن “التحول” من مستوطن منعزل إلى “شريك في الحوار” – وهي الرواية الأساسية التي تسوَّق بها المؤسسة لجمهورها الغربي، اليهودي تحديداً، دون التخلي عن الاستيطان.
أما الحاخام شاؤول يودلمان، الذي قدم إلى فلسطين من أمريكا، وتتلمذ على يد الحاخام فرومان، ساعيًا لتحقيق “مستقبل اليهود على أرض فلسطين”، فقد انطلق في جهده من منظمة حملت اسم “أرض شالوم” أولًا، لمحاربة تفجير الحافلات خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، قبل أن ينتقل إلى منظمة “جذور” ويكون عضوًا في فريق قيادتها، ليمثل التيار الاستيطاني الديني الذي يسعى لتقديم صورة “معتدلة” و”إنسانية” للمشروع الاستيطاني من دون التخلي عن حضوره الفعلي على الأرض المصادرة، محاولًا تحقيق حلمه بـ “السلام” رغم إقامته في مستوطنة تقوع.
وهو إلى جانب “حلمه” مناصرٌ شديد للتجنيد الإلزامي حتى بين المتشددين اليهود، إذ يرى في مقالٍ له: “إن التجنيد الإلزامي للخدمة العسكرية، هو حرصٌ على رفاهية مجتمعنا الإسرائيلي، يُحفّز الكثيرين على تجاوز مصالحهم السياسية الشخصية وتحمّل المسؤولية الجماعية، حتى إعفاء المتدينين المتشددين من الخدمة لا يستند إلى حقّ فردي في عدم الخدمة.”
بمعنى، أن الجناح اليهودي من المنظمة لا يُحارب الاستيطان، الذي هو لب الوجود اليهودي في فلسطين، ولا يتراجع عن انتهاكه لحقوق أهلها بادعاء ملكيتها، وإنما يُحاول محاصرة المقاومة من خلال دعوة الفلسطينيين للتعايش وفق مظلة التطوير الاجتماعي، وتعويض الخسائر، وتوفير فرص العمل وضمان حرية التنقل، ليشعر الفلسطينيون بأنهم “بشر”.
في المقابل يمثل الجناح الفلسطيني في المنظمة، إلى جانب علي أبو عواد، كُلًا من شقيقه خالد أبو عواد، وابنة شقيقه سهير أبو عواد، وأخوها شادي أبو عواد، ونور عوض، وآمنة طبوق، إضافة إلى ثلاثة أسماء أخرى لا يُعرف عنها توصيف ولا صورة باستثناء أدوارها في قيادة التطبيع الجغرافي في المناطق الفلسطينية.
وفقًا لموقع المنظمة شارك خالد في تأسيس ثلاث منظمات تطبيعية، وحصل على جوائز دولية عديدة لمشاريعه، من بينها جائزة اليونسكو مادانجيت سينغ لتعزيز اللاعنف والتسامح عام 2011، كما اختاره المركز الملكي للدراسات الاستراتيجية الإسلامية ضمن قائمة أكثر 500 شخصية إسلامية تأثيراً عام 2010، وهو مُخرج أفلامٍ سينمائية.
فيما تشغل سهير -ويشير إليها الموقع بلقب “سوسو”- مهمة تنسيق وتيسير حلقات حوار الشباب، بالإضافة إلى حلقات استماع للنساء، كما شاركت في تأليف كتابها الأول (مع كاتب يهودي أمريكي)، وهو كتاب للأطفال يستكشف أوجه التشابه بين الأطفال الفلسطينيين واليهود، وهي حاصلة على شهادة البكالورويس في اللغويات التطبيقية من جامعة فلسطين الأهلية في بيت لحم عام 2024.

أما شقيقها شادي فهو المتحدث باسم المنظمة، ومنسق البرنامج الشبابي وممثلها الفلسطيني في جولات المحاضرات الأمريكية (كما في فعاليات جامعة برانديز وجامعة ريتشموند وغيرها)، مستحضراً دوماً خلفية عائلته في قيادة الانتفاضة الأولى كعنصر شرعية سردية أمام الجمهور الغربي.
بينما يشغل نور عوض موقع الناطق الرسمي بالإنجليزية، وهو مرشد سياحي حاصل على ترخيص من وزارة السياحة الفلسطينية، انضم للمنظمة عام 2016 بعد لقائه بالحاخام إحنان شليزنجر، ويُنظم حاليًا أنشطة فلسطينية “إسرائيلية” مشتركة، ضمن جولات جيوسياسية للناطقين بالإنجليزية.
في القائمة هناك إياد، وهو أبٌ فلسطيني لأربع بنات يُقيم في بيت لحم، ويُدير برنامج الشباب الفلسطينيين، وطارق وهو المنسق الفلسطيني لفرع تلال الخليل الجنوبية، وسليمان المنسق الفلسطيني لفرع وادي الأردن، وهبة ربادي مديرة مكتب المنظمة في القدس، الحاصلة على بكالوريوس مزدوج في الاتصال والصحافة وعلم الجريمة من الجامعة العبرية في القدس، قبل أن تعمل كمساعدة تدريس في الجامعة نفسها، ثم منسقة مشاريع في مركز بيريز للسلام، ثم تنتقل منتصف 2024 إلى منظمة “جذور”.
كما تحضر في القائمة آمنة طبوق، فلسطينية من مدينة نابلس، أمٌ لطفلين استُشهد زوجها برصاص الاحتلال عام 2000 قبل أن تنضم لمنتدى عائلات الثكالى عام 2004، وتنشط في مؤسسة جذور منذ 2016. اللافت أن عدد الإسرائيليين في المنظمة يزيد على ضعف عدد الفلسطينيين، إذ يعمل بها 19 إسرائيليًا داخل وخارج فلسطين، مقابل 8 فلسطينيين، نصفهم من عائلة أبو عواد، ومعظمهم حقق مكاسب من انخراطه في التطبيع مع الاستيطان، من دون أن يعني ذلك مطالبتهم بعدالة فعلية ممن استولوا على أرضهم وحقوقهم.
ما أهّل عددًا منهم لمناصب، كباحثين أو متحدثين، أو للفوز بجوائز مثل علي أبو عواد الذي حصل على جوائز دولية، من بينها تكريمه من مؤسسة Synergos بلقب “المبتكر الاجتماعي للعالم العربي في فلسطين”، وجائزة لوكسمبورغ للسلام كـ”ناشط سلام متميز”، وجائزة إنديرا غاندي للسلام لعام 2023 مشاركةً مع دانيال بارنبويم (احتُفل بها في تشرين الثاني 2024).
ومما يبدو في تركيبة جذور، القيادية، أن المنظمة تقدم مفارقة “فاضحة”، إذ يتلخص مشروعها في جذرٍ واحدٍ لا يُمس، هو جذر الاستيطان نفسه، فرومان بخلفيته الاستيطانية، وشليزنجر ويودلمان بإقامتهما الفعلية في ألون شفوت وتقوع، لم يُطالَبوا يومًا بأن “يتغيّروا”، أو أن يتخلّوا عن الأرض التي استولوا عليها أو يعترفوا بأنها مصادَرة، بينما كان التغيير كله مطلوبًا من الطرف الآخر؛ بمعنى أن يكفّ عن وصف نفسه ضحية، وأن يتوقف عن “لعبة الغضب”، وأن “يتحمل مسؤوليته” في صراع بدأه غيره وورثه هو وحده.
شبكة الشراكات والتمويل.. من الجامعات إلى أكاديميات التجنيد
خلال عقدٍ من الزمن تطورت مؤسسة جذور لتضم شبكة من المراكز المتنوعة، داخل وخارج فلسطين، من بينها مركز في غوش عتصيون، وثلاثة فروعٍ موزعة على جنوب جبل الخليل وشمال الضفة الغربية وغور الأردن، وشراكات مع منظمات غير حكومية تُطلق برامج شبابية سنوية تستهدف عشرات المراهقين الفلسطينيين والإسرائيليين.
كما أصبحت عُضوًا في تحالف السلام في الشرق الأوسط، الذي يضم أكثر من 160 منظمة، والعديد من الفلسطينيين والإسرائيليين، الذين يسعون لإعادة سرد التاريخ، ومراجعة الواقع عبر لقاءات إنسانية تحد من “الكراهية والعنف”.
هناك شراكتها أيضًا مع منظمة “أتيدنة” الدولية في الولايات المتحدة، أول منظمة جامعية مشتركة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، والعرب واليهود، والتي تنظم فعاليات سلام لترسيخ فكرة أن اليهود والعرب أبناء عمومة، وليسوا أعداء، وتقوم بتدريب قيادات شابة على التفاعل والحوار، وتسعى لإيصال نموذج الحوار بين “المستوطنين والفلسطينيين” إلى البيئات الأكاديمية، مثل فعالية “جامعة تكساس” المشتركة لتكريم الفلسطينيين والإسرائيليين الذين قُتلوا منذ السابع من أكتوبر.

إضافة للشراكة مع “منظمة أمل تكفا” التي تتيح تعاون الخبراء الميدانيين والمنظمات والناشطين لدعم بناء السلام في المجتمع المدني بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وتساعد في توفير الموارد المالية وربط المنظمة بشبكات المانحين.
في السياق نفسه هناك الشراكة مع “A Land for All” وهي مبادرة سياسية إسرائيلية–فلسطينية تأسست عام 2012، يقودها أكاديميون وخبراء وناشطون من الجانبين، وتطرح نموذجًا بديلاً عن حل الدولتين التقليدي، يقوم على “دولتين في وطن واحد” (Two States, One Homeland).
في قائمة الشركاء “مركز العدالة والحرية” وهو مبادرة سياسية إسرائيلية-فلسطينية أخرى تدعو للتعاون وحرية الحركة والعدالة واللاعنف بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهناك جمعية “Interfaith Encounter Association (IEA)” والتي تسبغ صبغةً دينية على المنظمات عبر مسار الحوار بين الأديان وتنظيم لقاءات دينية عبر جذور بين الحاخامات والشيوخ، وهو ما ينسجم مع رؤية الحاخام مناحيم فرومان وحنان شليسنغر بأن البعد الديني جزء أساسي من معالجة الصراع.
كما تمتد شراكات المنظمة لتشمل كُلاً من GO Campaign و Friends in Peace (FiP) وهي مؤسسات دولية مقرها الرئيسي في ولاية نيوجيرسي بالولايات المتحدة، تمول مشاريع تعليمية للأطفال والشباب وتدعم الفعاليات المشتركة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بالإضافة لمنصة إعلامية أسستها الصحفية جيني نيمكو تحمل اسم “TalkMatters” وتنشر قصصًا إيجابية عن مبادرات السلام والحوار، وتستضيف لقاءات مشتركة مع العاملين في هذه المنظمات.
يمتد ذلك إلى تمويلٍ ودعمٍ لبعض الأنشطة وبرامج الحوار، قُدمت من قبل برامج الدبلوماسية العامة التابعة للسفارة الأمريكية في القدس، وفقًا لموقع المنظمة، وشراكة في أنشطة مشتركةٍ مع عددٍ من الدول العربية المطبعة، مثل المغرب، والتي كان آخرها ندوة حوارية حملت عنوان ” القدس وجبل الهيكل كمصدر للبركة” بين الأديان شارك فيها خالد أبو عواد مع الحاخام مردخاي بارور من خلال مشروعه “بركات القدس”، في طنجة، الأسبوع المنصرم.
جغرافية الأنشطة تمتد أيضًا إلى باريس، وبوردو، والإمارات العربية المتحدة حيث شاركت المنظمة مؤخرًا في المؤتمر الدولي الثالث للحوار بين الحضارات والتسامح، عبر كلٍ من الحاخامات شاؤول يودلمان، ويحيام بورات، وليورا هدار، بالتعاون مع مركز القدس للحوار بين الأديان، ودعمٍ من وزارة التعاون الإقليمي الإسرائيلية.

تمتد الجغرافيا إلى المدارس الفلسطينية من خلال حملات “ادعموا منهج “نعم للتسامح لا للعنف”، حيث استطاعت المنظمة من خلال “أحد قادتها الفلسطينيين” وهو مدير مدرسة، تطوير منهج دراسي يُبرز احترام اليهودية، بالإضافة إلى الأخوة بين بني إسرائيل وأتباع النبي محمد، ويُركز على تهجير الشعب اليهودي من أرضه وهجرته إلى أماكن أخرى، ثم عودته في العصر الحديث.
ونتج عنه تجربة المنهج بموافقة وزارة التربية والتعليم الفلسطينية في أكثر من مئة مدرسة فلسطينية، باعتباره “يُعلّم الطبيعة المدمرة والمُهلكة للكراهية والانتقام، وأنّ السبيل الأمثل لحلّ النزاعات بين الأفراد والعائلات والجماعات هو الإنصات والتفهم والاعتراف والتسامح.”
لكن المثير، أن المنظمة الداعية للتسامح والسلام، تُخصص جزءًا من برامجها لأكاديميات التجنيد الإسرائيلية، إذ نظمت خلال شهري مايو ويونيو 2024 أكثر من 25 لقاءً مع أكاديميات تجنيد، للتأكيد على “مشاعر الفخر والإلهام” بأداء الجنود خلال “سنة كاملة فاصلة”، كما واصلت أنشطتها خلال وبعد السابع من أكتوبر، وذلك عبر برامج الزووم والجلسات الافتراضية، ثم استؤنفت بعد عدة أشهرٍ بشكلٍ وجاهي.
هذا التنوع الكبير في أنشطة المؤسسة وتداخلها مع الحقول العسكرية والتعليمية والإعلامية والسياسية جعلها في عين الإعلام الغربي والأمريكية، محاطة بتغطيته المتكررة والودودة عبر عددٍ من الصحف والقنوات مثل Jerusalem Post ،Times of Israel، ،The Christian Century The Nation ،Sojourners ،France24 (بالإنجليزية والعربية)، إضافة إلى منصات بودكاست مثل Brené Brown. وDaniel Gordis، حيث تنطلق التغطية من قصة “التحول الشخصي” لمستوطن يتعلم الاستماع وفلسطيني سابق في المقاومة المسلحة يتبنى اللاعنف، كنموذج ملهم يتجاوز السياسة، دون البحث في جوهر هذا اللقاء، ومدى قدرته على تغيير واقع الإبادة أو الضم أو استمرار النكبة أو الاعتقال الإداري أو غيرها من السياسات التي يعيش سُكان القرى الفلسطينية المجاورة لـغوش عتصيون، بيت أمر وما حولها وجوهًا متعددة منها.
في المقابل، يتعامل معها الإعلام الفلسطيني بوصفها “تطبيعًا صلفًا”، إذ سبق لشركة قدس الإخبارية نشر تقرير يضع جذور في قائمة مؤسسات التطبيع المشمولة بالمقاطعة والعزل، والتي تضم إلى جانب جذور كُلًا من “Holy Land Trust”، و”مجلس القدس للنساء”، و”تحالف السلام الفلسطيني، وهي في مجملها مؤسسات ترتبط بشبكات تمويل واسعة (بريطانيا، استراليا، كندا، الإمارات، الولايات المتحدة) تستهدف تفكيك وعي المجتمع الفلسطيني عبر برامج التعايش.
كما كانت حركة المقاطعة BDS قد أصدرت في وقتٍ سابق بيانًا يُجرم كُلا من مؤسستي جذور وزمزم، بصفتهما تتجاوزان التطبيع في أنشطتها إلى درجة خدمة نظام الاحتلال والاستعمار-الاستيطاني والأبارتهايد الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، وتضرب نضال الشعب الفلسطيني من أجل مصالح ضيقة.
-ملاحظة: هُناك عدة منظمات فلسطينية تحمل اسم جذور، وكرامة، المنظمة المقصودة في بيانات حركة المقاطعة هي التي يقودها أبو عواد والحاخام إحنان، والتي تقوم بلقاءات تطبيعية.
صناعة التعايش.. كيف تُعاد صياغة الفلسطيني؟
رغم “الفرادة” التي تُطرح بها جذور وأنشطتها، إلا أنها على الأرض ليست نموذجًا مختلفًا أو استثناءً منعزلًا، بل هي جزء من صناعة “إسرائيلية” أمريكية كاملة من منظمات الحوار، التي تنتمي لمظلة أكبر عنوانها “تحالف السلام في الشرق الأوسط”ـALLMEP، تضم القائمة “شراكة، وصواب، وهداية، وإيكو بيس، وجذور وكرامة، وعتيدنا، وأتيدنا، وصندوق إسرائيل الجديد “الداعم والممول لمشاريع إسرائيلية داخلية”، وجيلنا يتحدث “التي تقوم بتدريب قادة رأي فلسطينيين وإسرائيليين على التعايش”، ومبادرات أبراهام، ومنظمة النساء من أجل السلام وأكثر من 160 منظمة أخرى.
جميع هذه المنظمات تستهدف نمطًا واحدًا من البناء، هو ترسيخ طبقة من الفلسطينيين والعرب تقبل الإسرائيلي المحتل، بروايته و”تاريخه” ووجوده واستيطانه وعسكرته، تقبل حقه في القتل وتعتذر عن الموت، تقبل حقه في التهجير وتعتذر عن الوجود، تقبل حقه في الاعتراض على المناهج وتعتذر عن الأحاديث والآيات.
تتجاوز هذه المنظمات ميادين السياسة المكشوفة، وهي لذلك أشد خطرًا، إذ تستهدف السكان المحليين، طلبة المدارس، المجتمعات الفقيرة، العمال والنساء والأطفال، وتتشعب بينهم، بشكلٍ مكشوف تحت شعار “اسمعني أولًا ثم احكم علي”، لينتهي المطاف بتأسيس جيوبٍ متوائمة مع رواية المحتل وموقعه وموقفه.
قيمة هذه الاستراتيجية هي في شرعنتها للمخاطرة، فبينما يحظى الساسة المطبعون بالحماية والإسناد، لا يتوفر ذلك للسكان والطلبة وغيرهم، ما يجعل خيارهم في تبني رواية محتلهم، والمخاطرة بأرواحهم ومكانتهم الاجتماعية أكثر إقناعًا لمحيطهم، خاصةً إذا ما اقترنت مواقفهم بحزمة تحفيزات مادية في مجتمعات معوزة وفقيرة، من قبيل الشراكة في مؤتمرات وتوفير منحٍ طلابية وفرص عملٍ في المستوطنات وتغطية تكاليف السفر وغيرها.
يرأس هذه المنظمات -دون استثناء- “إسرائيليون” أدوا الخدمة العسكرية، وخدموا في صفوف الاحتياط، بعضهم في وحداتٍ قتالية، ومعظمهم في وحدات استخباراتية أمنية مثل الشاباك ووحدة 2800، وهم للمفارقة رافضون لاتفاقية أوسلو ويحاربونها، يطرحون الرفض بوصفه عجزًا لها عن السلام، بينما يكشف الحاخام فرومان وغيره عن أسباب الرفض بالقول “تجاهل أوسلو ما تعنيه يهودا والسامرة، 90% من المواقع اليهودية المذكورة في الكتاب المقدس تقع هناك، أوسلو تنازلت عنها”.
أما موقف هذه المنظمات من الاستيطان فيُعبر عنه بقول فرومان نفسه “بصراحة، بصفتي إسرائيليًا يهوديًا، لا أرى في خريطة إسرائيل خطًا فاصلًا كبيرًا يُدعى الخط الأخضر في منتصفها”، بينما يعتبره الحاخام إحنان شليزنجر “حماسه الشخصي”، دون أن يُخفي دور منظمته في “تغيير فهم الناس النهائي لهويتهم، ودورهم في الحياة، وكيف ينبغي لهم أن يعيشوا” بالنسبة له يسبق فعله “أي سياسة”.

كيف نفهم جذور ونقرأ أمثالها؟
يمكن فهم جذور وأمثالها من خلال مقارنة التعريف الغربي لمروّج للاحتلال مثل علي أبو عواد، بتعريف مستوطن مثل إحنان شليزنجر، من خلال خسارات النص والمنطق، وتنازلات الضحية وإصرار الجاني.
ففي بودكاست غاريت اللاهوتي الإنجيلي، يُعرف أبو عواد بأنه؛ ناشط فلسطيني بارز يُعلّم أبناء وطنه المقاومة السلمية، ويتواصل مع الإسرائيليين اليهود الذين يعيشون في قلب الصراع، يروي قصته المؤثرة عن النضال العنيف، والسجن، والفقد، واكتشاف طريق المقاومة السلمية، وهي قصة تحوّل شخصي.
بينما يُعرّف إحنان بصفته حاخامًا ومعلّمًا أرثوذكسيًا، ومستوطن صهيوني متحمس، تغيرت حياته جذرياً بفضل صداقته مع علي، تعقد فهمه لحقيقة الصراع في الشرق الأوسط وللصهيونية بشكل كبير بسبب العالم الموازي الذي عرّفه عليه علي.