ترجمة وتحرير: نون بوست
على مدى أكثر من أربعة عقود، كان ميناء جبل علي هو المحرك الرئيسي لتحول دبي من مركز تجاري إقليمي إلى أحد أبرز المراكز التجارية في العالم.
لكن الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران كشفت الآن مدى هشاشته، إذ أدّت الاضطرابات الحادة في حركة الشحن عبر مضيق هرمز إلى شلّ العمليات في هذا الموقع ذي الأهمية الاستراتيجية البالغة.
وقال إيريك هوبر، كبير المستشارين في شركة “دريوري” للاستشارات البحرية، والمسؤول التنفيذي السابق في موانئ دبي العالمية، إنّ “سيناريو التوقف المتكرر” لحركة الشحن في الخليج شكّل “خطرًا وجوديًا” على الإمارة، مضيفًا أنّ جبل علي كان “عنصرًا أساسيًا في نمو دبي ونموذج أعمالها”.
نشأت فكرة جبل علي من تاريخ دبي التجاري الطويل ودورها كحلقة للوصل والتجارة بين الهند والمملكة المتحدة، عندما كانت الإمارة محمية بريطانية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
وتعود الفكرة إلى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم دبي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، لكن المشروع واجه في بدايته انتقادات باعتباره مشروعًا طموحًا أكثر من اللازم، لا سيّما في وقت كان فيه ميناء المدينة القائم آنذاك غير مستغل بالكامل.
لكن وفقًا لعادل مالك، الأستاذ المشارك في اقتصاديات التنمية بجامعة أكسفورد، فإنّ رؤية الشيخ راشد كانت “مستندة إلى الحقائق والاحتياجات المحددة لدبي”، وهو ما جعل جبل علي أكثر من مجرد ميناء.
وجاءت الخطوة الحاسمة عام 1985 مع إنشاء منطقة جبل علي الحرة، التي سمحت للشركات باستيراد المكونات، وتصنيع السلع أو تجميعها محليًا، ثم إعادة تصديرها من دون المرور بالنظام الجمركي المعتاد، وتضم المنطقة حاليًا 12 ألف شركة.
في الوقت نفسه، من المقرر أن يصبح مطار آل مكتوم المجاور أكبر مطار في العالم من حيث طاقة استيعاب الركاب والبضائع على حد سواء، بعد اكتمال مشروع توسعته الذي تبلغ تكلفته 35 مليار دولار.
وقال مالك إنّ “نموذج دبي” جمع بين الموانئ والتجارة الحرة وحركة رؤوس الأموال والسلع والعمالة، ما أتاح للإمارة بناء “اقتصاد قوي غير نفطي”، في حين ظلّت دول أخرى في المنطقة أكثر اعتمادًا على المحروقات.
ويشكل الميناء والمنطقة الحرة وحدهما أكثر من خُمس الناتج المحلي الإجمالي لدبي، وكان ميناء جبل علي مسؤولًا العام الماضي عن 30 بالمئة من إيرادات شركة موانئ دبي العالمية، إحدى أبرز شركات الإمارة، والمملوكة لعائلة دبي الحاكمة من خلال مجموعة “دبي العالمية”.
وقد جذبت الأهمية الاستراتيجية للميناء مستثمرين كبارًا من الخارج، ففي عام 2022، دفع “صندوق معاشات وإيداعات كيبيك” الكندي 5 مليارات دولار مقابل حصة تبلغ 22 بالمئة في مشروع مشترك يشمل ثلاثة أصول في دبي، من بينها ميناء جبل علي والمنطقة الحرة التابعة له. واستثمرت شركة “حصانة” السعودية لاحقًا 2.4 مليار دولار مقابل حصة تبلغ 10 بالمئة.
قبل اندلاع الحرب، كانت محطات الحاويات الأربع في الميناء، والمجهزة بأكثر من 110 رافعة، تتعامل مع نحو 40 ألف وحدة مكافئة لعشرين قدمًا (TEU) يوميًا، وفقًا لـ”لويدز ليست”، ما جعل ميناء جبل علي أكبر مركز للشحن في الشرق الأوسط.

يتعرض الميناء الآن لأكبر الضغوط التي واجهها منذ عقود؛ فقد انخفضت أحجام الشحن بأكثر من 90 بالمئة خلال الأسابيع الأولى من الصراع، وفقًا لمسؤولين تنفيذيين في شركة موانئ دبي العالمية، ولم تتعافَ منذ ذلك الحين إلا بصورة طفيفة.
وظلّت حركة الشحن عبر مضيق هرمز منخفضة حتى بعد التوصل في يونيو/ حزيران إلى اتفاق مؤقت لتمديد وقف إطلاق النار وإعادة فتح الممر المائي تدريجيًا، إذ بلغ متوسط العبور 17 سفينة يوميًا خلال الأسبوع المنتهي في 28 أغسطس/ آب، وفقًا لشركة وساطة الشحن “كلاركسونز”، مقارنة بنحو 135 سفينة يوميًا قبل الحرب. ويهدد استئناف الأعمال القتالية هذا الأسبوع بتقليص حركة الشحن بشكل أكبر.
وتأتي أزمة الميناء في لحظة حساسة بالنسبة لشركة موانئ دبي العالمية عقب الرحيل المفاجئ للرئيس السابق لمجلس الإدارة والرئيس التنفيذي سلطان أحمد بن سليم في فبراير/ شباط الماضي، بعد الكشف عن صلاته بمرتكب الجرائم الجنسية الراحل جيفري إبستين، وهو ما أثار اعتراضات من بعض الشركاء الدوليين للمجموعة.


وذكرت موانئ دبي العالمية أنّ أحجام الحاويات في مواقع أخرى واصلت النمو بمعدل يتراوح بين 7 و8 بالمئة سنويًا، ما ساعد في تعويض التراجع الذي شهده جبل علي، في حين ساعدتها شبكتها العالمية التي تضم 60 ميناءً في 80 دولة على الحفاظ على حركة التجارة خلال الصراع.
وقد أضفت هذه الاضطرابات مزيدًا من الإلحاح على سؤال ظل يحيط بجبل علي منذ فترة طويلة: هل تستطيع دولة الإمارات العربية المتحدة إيجاد بدائل قابلة للتطبيق خارج مضيق هرمز؟
وتخطط موانئ دبي العالمية لإنشاء محطتين في ميناء في الفجيرة، وهي إمارة تقع على ساحل خليج عُمان، في إطار مسعى أوسع من جانب الإمارات لتقليص تعرض اقتصادها للمضيق. وقالت الشركة إنّ المنشأتين، اللتين ستبلغ طاقتهما الإجمالية للشحن العام نحو نصف الطاقة الإجمالية لجبل علي، بحسب طبيعة مزيج الشحنات، سيستغرق بناؤهما نحو عامين.
لكن الفجيرة لا تزال في مرمى الصواريخ الإيرانية قصيرة المدى، وقد تعرضت للاستهداف خلال الحرب.
وتستثمر شركات تشغيل أخرى أيضًا في موانئ على خليج عُمان؛ فقد أعلنت شركة “جلفتينر” خطة بقيمة ملياري دولار لزيادة الطاقة الاستيعابية في ميناء خورفكان، في إمارتها الأم الشارقة، بينما قالت شركة الشحن الفرنسية “سي إم إيه سي جي إم” إنّها ستستثمر 400 مليون دولار في ميناء صحار العُماني.
وقال أحمد الحسن، الرئيس التنفيذي لموانئ دبي العالمية في دول مجلس التعاون الخليجي، إن المجموعة لا تزال واثقة من الآفاق طويلة الأجل لجبل علي، لكنها تسعى إلى “بناء قدر أكبر من المرونة” حول الميناء من خلال استثمارات في الساحل الشرقي للإمارات.
لكن مسؤولين تنفيذيين في قطاع الخدمات اللوجستية يقولون إنّ استنساخ النظام الذي بُني حول جبل علي لن يكون أمرًا سهلًا.


لا تكمن ميزة ميناء جبل علي في طاقته الاستيعابية فحسب، بل أيضًا في شبكة الشركات وروابط النقل التي تطورت من حوله. وقال ستيف ويليامز، الرئيس التنفيذي لشركة “نيبون إكسبريس” في المملكة المتحدة، إن الجمع بين الروابط البحرية لجبل علي وقدرات شركة طيران الإمارات في نقل البضائع جعل دبي مركزًا فعالًا من حيث تكلفة النقل البحري-الجوي، إذ “تنقل البضائع بحرًا إلى جبل علي، ثم تشحنها جوًا من الشرق الأوسط إلى وجهتها”.
وقال مسؤول إماراتي كبير إنه سيكون من المستحيل “بناء النظام نفسه… في الفجيرة”، نظرًا إلى أن جبل علي “تحيط به بنية تحتية متكاملة”.
لكن هذه الهشاشة لم تكن أمرًا غير متوقع. وقال هوبر إن خطر تعطل حركة الملاحة في المضيق ظل يؤرق “موانئ دبي العالمية” لوقت طويل، إلا أنه لم يُبذل الكثير من الجهد للتخفيف من حدة هذا الخطر.
تتوفر طاقة استيعابية فائضة كبيرة في أماكن أخرى من المنطقة، لكن رغم قدرة الموانئ الواقعة خارج الخليج، والأقل تعرضًا للمضيق، على استيعاب ما يصل إلى 20 مليون وحدة مكافئة لعشرين قدمًا سنويًا، وفقًا لتقرير صادر عن “دريوري”، وهو ما يزيد عن حوالي 15 مليون وحدة يتم التعامل معها في جبل علي، فإن كثيرًا منها يفتقر إلى روابط النقل اللازمة لخدمة دبي بكفاءة.
فعلى سبيل المثال، يوفر ميناء صلالة في عُمان طاقة استيعابية إضافية تبلغ 3 ملايين وحدة مكافئة لعشرين قدمًا، لكن التقرير يفيد بأنه يبعد نحو 1200 كيلومتر “عن دبي عبر الطرق، مرورًا بصحراء نائية، من دون خط سكة حديد لنقل البضائع”.
وتعني صعوبة إيجاد بديل لميناء جبل علي أنّ الاضطرابات تتجاوز موانئ دبي العالمية لتطال الاستراتيجية الاقتصادية الأوسع لدبي. وقال مالك إن الصراع يهدد نموذج الإمارة القائم على إعطاء الأولوية للتجارة وتنويع الاقتصاد.

وقال: “هذه نقطة تحول حقيقية بالنسبة إلى دبي والإمارات أكثر من أي دولة أخرى”.
وبحسب جيم كرين، الباحث في دراسات الطاقة في الشرق الأوسط بجامعة رايس في ولاية تكساس، فإنّ اعتماد إيران نفسها على دبي قد يشكل عاملًا يحد من وقوع المزيد من الاضطرابات.
وقال كرين: “أخبرني اقتصادي إيراني ذات مرة أن دبي كانت ثاني أهم مدينة للاقتصاد الإيراني، بعد طهران”، مضيفًا أن “لدى إيران دافعًا قويًا لضمان قدرة السفن على الوصول إلى جبل علي واستمرار التجارة بين دبي والعالم”.
ومع ذلك، كشفت الحرب عن حجم المخاطر التي يواجهها الميناء والاقتصاد الذي بُني حوله.
وقال كرين: “دبي كما نعرفها لم تكن لتوجد من دون جبل علي. إنه ببساطة بهذه الأهمية”.
المصدر: فاينانشال تايمز