على مدار عقود طويلة، كرّست الولايات المتحدة حضورها باعتبارها المظلة الأمنية الرئيسية لدول الخليج، مستندة إلى شبكة واسعة من القواعد العسكرية، والقدرات الاستخباراتية، ومنظومات الدفاع الجوي والبحري، فضلًا عن شراكات دفاعية ممتدة مع معظم العواصم الخليجية، وقد منحها هذا الحضور موقع اللاعب الأكثر تأثيرًا في معادلة أمن الخليج، حتى بدا في مراحل عديدة وكأن الأمن الإقليمي لا يمكن فصله عن المظلة الأميركية.
غير أن الحرب الأميركية الإيرانية الأخيرة، وما سبقتها من حرب غزة وتداعياتها الواسعة، أعادتا تشكيل المشهد الأمني والجيوسياسي في المنطقة بصورة لافتة، بعدما انتقلت التهديدات بصورة أكثر مباشرة إلى المجال الخليجي، ووجدت دول المنطقة نفسها أمام احتمالات متعددة للاستهداف والتصعيد، سواء في سياق المواجهة مع إيران أو انعكاسات التحركات الإسرائيلية واتساع رقعة الصراعات الإقليمية.
من هنا بدأت العواصم الخليجية تعيد قراءة المشهد بمنظور مختلف، فوجود القواعد الأميركية وشبكات التحالف التقليدية لم يكن كافيًا، في بعض المحطات، لمنع وصول الصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو تحييد مختلف مصادر التهديد بصورة كاملة، وهو ما دفع عددًا من دول الخليج إلى مراجعة فلسفتها الأمنية نفسها، انطلاقًا من إدراك متزايد بأن المظلة الأميركية، على أهميتها واستمرار ثقلها، لم تعد وحدها كافية لمواجهة طبيعة التهديدات الجديدة، وأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى منظومة أكثر تنوعًا وتعددًا قادرة على سد الثغرات التي كشفتها الأزمات الأخيرة.
في هذه الإطلالة، نحاول قراءة ملامح المقاربة الأمنية الخليجية الجديدة، التي بدأت تتجاوز اختزال أمن الخليج في المعادلة الأميركية وحدها، والانتقال تدريجيًا نحو بناء شبكة متعددة الطبقات من الضمانات والشراكات؛ مع استطلاع مؤشرات خريطة المظلات الأمنية المحتملة التي قد تلجأ إليها دول الخليج في المرحلة المقبلة، ومدى قدرة كل منها على الإسهام في بناء منظومة أمنية أكثر استقلالًا ومرونة وقدرة على التعامل مع التحولات المتسارعة في المنطقة.
المظلة الأمريكية.. الطبقة الأهم رغم تراجع الثقة
في البداية، لا بد من الإشارة إلى أنه رغم ما أثير خلال الفترة الأخيرة بشأن تراجع الثقة في المظلة الأمنية الأميركية، وما كشفته التطورات الميدانية من حدود قدرتها على تحقيق الردع بالمستوى الذي كانت تراهن عليه دول الخليج، فإن الولايات المتحدة لا تزال تمثل الطبقة الأولى والأكثر أهمية في منظومة الأمن والدفاع الخليجي، ومن الصعب، في المدى المنظور، تصور قوة دولية أخرى قادرة على منافستها أو الحلول محلها بصورة كاملة.
فواشنطن لا تزال تمتلك من أدوات القوة والانتشار ما لا يتوافر لأي شريك آخر؛ إذ تحتفظ بوجود عسكري واسع في معظم دول الخليج، فضلًا عن شبكات الإنذار المبكر والقيادة والسيطرة، ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي، والقوة البحرية المنتشرة في المنطقة، كما يرتبط جزء كبير من البنية التسليحية الخليجية بالمنظومات الأميركية من حيث التشغيل والصيانة والتدريب والتكامل الفني وتبادل المعلومات، إلى جانب شبكة متنامية من الشراكات والاتفاقيات الدفاعية التي عززتها واشنطن خلال السنوات الأخيرة مع عدد من دول المنطقة، وفي مقدمتها الإمارات.
ومن هنا، فإن ما أفرزته الأزمات الأخيرة لا يعني سقوط المظلة الأميركية بقدر ما يعني انتهاء مرحلة الاكتفاء بها وحدها، فالولايات المتحدة ستظل الضلع الأبرز في معادلة الأمن الخليجي، بالنظر إلى عمق التشابك العسكري والأمني الذي تشكل على مدار عقود، وهو تشابك يصعب استبداله سريعًا مهما بلغت قوة البدائل المطروحة.
وعليه، فإن الاستغناء عن المظلة الأميركية لا يبدو خيارًا واقعيًا، بينما يصبح التحدي الخليجي الحقيقي هو إضافة طبقات حماية جديدة إلى جانبها، بما يقلل الاعتماد الأحادي عليها ويمنح دول الخليج خيارات أوسع وقدرة أكبر على مواجهة التهديدات المتغيرة.
التحالفات الدفاعية.. تركيا وباكستان النموذج الأبرز
قد تكون الشراكة الدفاعية التي تجمع السعودية وتركيا وباكستان واحدة من أبرز التحولات السياسية والأمنية التي أفرزتها مرحلة ما بعد الحرب، إذ تقدم نموذجًا مختلفًا عن معادلات الحماية التقليدية التي اعتمدت لعقود على القوى الغربية، فتركيا تضيف قاعدة صناعية دفاعية متقدمة، وجيشًا كبيرًا، وخبرة متراكمة في الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية، بينما تمنح باكستان هذا الترتيب عمقًا عسكريًا وبشريًا واستراتيجيًا كبيرًا، إلى جانب امتلاكها قدرات نووية تضيف وزنًا خاصًا إلى معادلة الردع، في حين توفر السعودية الثقل السياسي والاقتصادي والجغرافي الذي يمنح هذا التكتل قاعدة عربية وخليجية واسعة.
ويقوم هذا النموذج على منطق دفاعي جماعي يقترب من فكرة أن الاعتداء على أحد الأطراف يمثل تهديدًا لبقية الأطراف، مع اتجاه نحو بناء أطر مؤسسية أكثر انتظامًا وفتح الباب أمام احتمالات التوسع مستقبلًا، وإذا نجح هذا الترتيب في استيعاب دول خليجية أخرى، فقد يشكل نواة لمظلة ردع إقليمية–إسلامية تعمل بالتوازي مع الشراكات الغربية، لا بالضرورة في مواجهتها أو كبديل مباشر عنها.
لكن القيمة الحقيقية لهذا النموذج ستظل مرهونة بقدرته على الانتقال من مستوى التفاهمات السياسية والبيانات العامة إلى بنية عملياتية واضحة، تشمل خطط دفاع مشتركة، وآليات لاتخاذ القرار، وقواعد اشتباك، وتبادلًا استخباراتيًا منظمًا، وقدرات على الانتشار والاستجابة السريعة، فالمظلات الأمنية لا تُقاس بصلابة نصوصها فقط، وإنما بقدرتها الفعلية على العمل ساعة الاختبار.
خلال قمة "شانغهاي".. أردوغان يعلن تأسيس "تحالف مكة الدفاعي" مع السعودية وباكستان، مضيفًا أن المنطقة بأكملها تدفع ثمن السياسات الإسرائيلية العدوانية في غزة ولبنان. pic.twitter.com/ly9hSl7Y6u
— نون بوست (@NoonPost) September 1, 2026
أوروبا.. طبقة أمنية موازية تعزز هامش المناورة
تبدو أوروبا بدورها مرشحة للاضطلاع بدور أكبر في البنية الأمنية الخليجية خلال المرحلة المقبلة، بما قد يضيف طبقة جديدة إلى جانب المظلة الأميركية والتركية الباكستانية، ويمنح هذا التوجه دول الخليج هامشًا أوسع للمناورة وحرية أكبر في الحركة، بعيدًا عن الارتهان الكامل لطرف واحد، وهو اتجاه تعزز بصورة ملحوظة خلال الفترة الأخيرة مع تصاعد الحاجة إلى تنويع الشركاء والضمانات الأمنية.
وفي هذا السياق، تبرز فرنسا وبريطانيا باعتبارهما أبرز أضلاع الطبقة الأوروبية المحتملة، ففرنسا تمتلك حضورًا عسكريًا مباشرًا في الإمارات، وترتبط باتفاقيات وشراكات دفاعية مع عدد من دول الخليج، من بينها الإمارات وقطر والكويت، كما عززت انتشارها العسكري في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
وإلى جانب البعد الأمني، تتحرك باريس بدافع سياسي واستراتيجي واضح لاستعادة جانب من نفوذها المتراجع دوليًا، والحفاظ على موطئ قدم مؤثر في منطقة ذات أهمية استثنائية على مستوى الطاقة والممرات اللوجستية والتجارة الدولية.
أما بريطانيا، فتحتفظ بوجود بحري دائم في البحرين، إلى جانب علاقات دفاعية وثيقة مع سلطنة عُمان وعدد من الدول الخليجية الأخرى، كما ظهر حضورها خلال الحرب الأخيرة من خلال إرسال طائرات إلى قطر وعرض توفير غطاء جوي دفاعي للبحرين، ويمنحها هذا الحضور، إلى جانب خبرتها العسكرية الطويلة في المنطقة، مقومات تؤهلها للقيام بدور أمني وازن داخل المعادلة الخليجية الجديدة، ليس باعتبارها بديلًا عن الولايات المتحدة، وإنما كطبقة دعم وردع إضافية تعزز تنوع الخيارات وتقلل الاعتماد على مظلة أمنية واحدة.
المظلات غير العسكرية.. الصين والهند مثال
لا يشترط أن تكون طبقات الحماية التي تعزز المظلة الخليجية عسكرية أو أمنية بالمعنى التقليدي، فهناك مظلات أخرى يمكن أن تؤدي الوظيفة نفسها بأدوات مختلفة، وفي مقدمتها المظلات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، وهنا تبرز قوى مثل الصين والهند باعتبارهما شريكين قادرين على منح دول الخليج مساحات إضافية من الحركة والمناورة، وتخفيف الاعتماد على أدوات الردع العسكري وحدها.
فبكين، رغم صعوبة تحولها إلى بديل عسكري كامل عن واشنطن في الخليج، في ظل افتقارها إلى البنية العسكرية وشبكات القواعد والقيادة والسيطرة التي تمتلكها الولايات المتحدة، فإنها تملك أدوات نفوذ من نوع آخر؛ إذ تلعب دورًا مهمًا في الدبلوماسية الوقائية، والأمن الاقتصادي، والتكنولوجيا، إلى جانب علاقاتها الوثيقة مع إيران وقدرتها على التواصل مع أطراف متعارضة.
ومن ثم، فإن القيمة الأمنية للصين بالنسبة إلى الخليج قد لا تأتي من انتشار عسكري مباشر، بقدر ما تأتي من قدرتها على خفض مستويات التوتر، وتوفير قنوات اتصال، ودعم الاستقرار الاقتصادي، وهي كلها عناصر تؤدي وظيفة أمنية وإن ارتدت غطاءً سياسيًا واقتصاديًا.
والأمر ذاته ينسحب على الهند، التي تتزايد أهميتها في ملفات أمن الطاقة والملاحة والمحيط الهندي، بالتوازي مع اتساع شبكة علاقاتها مع قوى تتقاطع مصالحها مباشرة مع دول الخليج، وهذا يمنح نيودلهي فرصة للتحول إلى إحدى طبقات الأمن غير التقليدية في المعادلة الخليجية، عبر غطاء سياسي واقتصادي ولوجستي أكثر منه عسكريًا مباشرًا، وهو اتجاه بدأت دول الخليج تستشعر أهميته خلال السنوات الأخيرة، مع توسع شراكاتها مع الهند في مجالات الطاقة والاستثمار والموانئ والتجارة والتكنولوجيا، بما يعزز من موقعها كشريك يمكن أن يضيف بعدًا جديدًا إلى مفهوم الأمن الخليجي متعدد الطبقات.
الممرات والموانئ.. الأمن القومي خارج الحدود التقليدية
أعادت الحرب الراهنة تعريف مفهوم الأمن القومي الخليجي بصورة أوسع من التصورات التقليدية التي كانت تحصره في حماية الدولة وحدودها الجغرافية، فالتهديدات لم تعد تقتصر على الصواريخ أو الهجمات المباشرة، وإنما باتت تمتد إلى أمن الطاقة والمياه والتجارة وسلاسل الإمداد والممرات البحرية والموانئ الاستراتيجية، وهي كلها عناصر تحولت إلى خطوط دفاع متقدمة عن الاستقرار الخليجي.
وأثبتت التطورات الأخيرة أن تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، أو استهداف ميناء حيوي، أو تهديد ناقلات الطاقة والكابلات البحرية، يمكن أن يترك آثارًا استراتيجية لا تقل خطورة عن سقوط صاروخ داخل أراضي دولة خليجية، ومن هنا بدأت دول الخليج في توسيع مفهوم المظلة الأمنية ليشمل حماية البنية الاقتصادية واللوجستية، باعتبارها جزءًا أصيلًا من معادلة الأمن القومي وليست مجرد ملفات اقتصادية منفصلة.
الحرب دفعت الخليج إلى مراجعة مسلمات عمرها عقود؛ خطوط الأنابيب، الموانئ، الدفاعات، والتحالفات، كلها دخلت مرحلة إعادة تقييم بعد صدمة #هرمز
🔴 لماذا خرج بعض اللاعبين رابحين من الأزمة بينما دفع #الخليج الكلفة الأكبر؟https://t.co/15fl6ZmpZH#الحرب_الإيرانية_الإسرائيلية #مضيق_هرمز
— نون بوست (@NoonPost) July 21, 2026
وفي هذا السياق، اتجهت بعض دول الخليج إلى الانخراط في أطر وتكتلات متعددة الأطراف لحماية حرية الملاحة وتأمين الممرات البحرية، كما ظهر في المبادرات التي أُعلنت خلال مايو/أيار الماضي بمشاركة قوى غربية وآسيوية، على رأسها بريطانيا وفرنسا، إلى جانب دول خليجية لدعم أمن مضيق هرمز، وقد تمثل هذه الترتيبات نواة لمهام أوسع مستقبلًا، تمتد من هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، وتشمل حماية ناقلات النفط والكابلات البحرية والموانئ والبنية التحتية الحيوية، بما يعزز الانتقال من مفهوم دفاعي ضيق إلى تصور أشمل للأمن الخليجي متعدد الطبقات.
الخليج أولًا.. من استيراد الأمن إلى بناء المظلة الذاتية
لعل الدرس الأبرز الذي أفرزته الحرب الأميركية ضد إيران أن الخليج نفسه يجب أن يتحول إلى المظلة الأولى لأمنه الإقليمي والقومي، فأمن المنطقة لا يمكن أن يبقى معتمدًا بالكامل على مظلات خارجية أو مرهونًا بتحالفات الشرق والغرب، ومن هنا تبرز أولوية بناء قدرة خليجية مشتركة تمتلك من أدوات الردع والدفاع ما يسمح لها بحماية دول المجلس ومجالها الجغرافي ومصالحها الحيوية بقدر أكبر من الاستقلال عن أي دعم خارجي.
وانطلاقًا من هذه القاعدة، أعاد مجلس التعاون الخليجي التأكيد في يونيو/حزيران الماضي أن أمن دوله «كل لا يتجزأ»، بالتوازي مع تحركات لتطوير قدرات الدفاع المشترك، وتعزيز التكامل بين منظومات الدفاع الجوي، والعمل على مشروع خليجي للإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية، بما يعكس توجهًا متزايدًا نحو الانتقال من التنسيق الأمني التقليدي إلى بناء بنية دفاعية خليجية أكثر ترابطًا وفاعلية.
في المحصلة، من المستبعد أن تُستبعد المظلة الأميركية من معادلة الأمن الخليجي أو أن تُستبدل بالكامل بمظلة أخرى، رغم هشاشتها وعجزها عن توفير الأمن الردعي المطلوب، لكن الأرجح أن المنطقة تتجه نحو نموذج أكثر تعقيدًا يقوم على طبقات فوق طبقات ومظلات فوق مظلات؛ بنية عسكرية أميركية تظل حاضرة بقوة، إلى جانب شبكة دفاع خليجي مشترك، وشراكات إقليمية مع تركيا وباكستان، وتفاهمات دفاعية أوروبية، وتحالفات بحرية لحماية الممرات والمصالح الحيوية، فضلًا عن أدوار سياسية واقتصادية متنامية لقوى مثل الصين والهند، وبذلك ينتقل أمن الخليج من الاعتماد على مظلة واحدة إلى هندسة أمنية متعددة المستويات، أكثر مرونة وقدرة على امتصاص الصدمات وتوزيع المخاطر.