نون بوست نون بوست

نون بوست

  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
الاشعارات عرض المزيد
انتهى اتفاق كان يضيف إلى إمدادات الأردن 50 مليون متر مكعب سنويا من "إسرائيل"
نصف مليار متر مكعب مفقودة.. من أين يحصل الأردن على الماء؟
نون بوست
تقارب فوق حقل من الألغام.. هل تتجاوز بغداد وأنقرة إرث الخلافات؟
نون بوست
بوابة ليبيا الشرقية.. لماذا تتنافس القوى الدولية على طبرق؟
تملك تركيا قوة بحرية أكبر وأكثر تنوعًا من نظيرتها الإسرائيلية
تركيا و”إسرائيل” في شرق المتوسط.. لمن ترجح كفة القوة البحرية؟
الحرس الثوري الإيراني أنشأ خلايا صغيرة تعمل خارج الهياكل المعروفة للفصائل العراقية
المسيّرات العابرة للحدود.. كيف تصل من العراق إلى أهدافها في الخليج؟
يكشف صعود بايكار أن تركيا قطعت شوطًا واسعًا في تصميم المسيّرات وإنتاجها وتسويقها
“بايكار” التركية.. من ورشة قطع غيار إلى منظومة مُسيّرات عابرة للحدود
نون بوست
عقود تمتد إلى ما بعد 2040.. كيف تربط مصر أمنها الطاقي بإسرائيل؟
نون بوست
نتنياهو يواجه معادلة دقيقة في واشنطن
نون بوست
23 مليون دولار لإسقاطه.. هل تهزم “أيباك” عبدول السيد؟
يختلف الوضع الجغرافي والقانوني لنهر الليطاني والخط الأزرق والحدود الدولية
بين الليطاني والخط الأزرق.. أين سيُحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية؟
نون بوست
رحيل الدكتور مازن المبارك.. أستاذ الأجيال وحارس اللغة العربية
نون بوست
دولة العبار على الساحل.. كيف انتزعت “إعمار” البحر من المصريين؟
نون بوست نون بوست
الاشعارات عرض المزيد
انتهى اتفاق كان يضيف إلى إمدادات الأردن 50 مليون متر مكعب سنويا من "إسرائيل"
نصف مليار متر مكعب مفقودة.. من أين يحصل الأردن على الماء؟
نون بوست
تقارب فوق حقل من الألغام.. هل تتجاوز بغداد وأنقرة إرث الخلافات؟
نون بوست
بوابة ليبيا الشرقية.. لماذا تتنافس القوى الدولية على طبرق؟
تملك تركيا قوة بحرية أكبر وأكثر تنوعًا من نظيرتها الإسرائيلية
تركيا و”إسرائيل” في شرق المتوسط.. لمن ترجح كفة القوة البحرية؟
الحرس الثوري الإيراني أنشأ خلايا صغيرة تعمل خارج الهياكل المعروفة للفصائل العراقية
المسيّرات العابرة للحدود.. كيف تصل من العراق إلى أهدافها في الخليج؟
يكشف صعود بايكار أن تركيا قطعت شوطًا واسعًا في تصميم المسيّرات وإنتاجها وتسويقها
“بايكار” التركية.. من ورشة قطع غيار إلى منظومة مُسيّرات عابرة للحدود
نون بوست
عقود تمتد إلى ما بعد 2040.. كيف تربط مصر أمنها الطاقي بإسرائيل؟
نون بوست
نتنياهو يواجه معادلة دقيقة في واشنطن
نون بوست
23 مليون دولار لإسقاطه.. هل تهزم “أيباك” عبدول السيد؟
يختلف الوضع الجغرافي والقانوني لنهر الليطاني والخط الأزرق والحدود الدولية
بين الليطاني والخط الأزرق.. أين سيُحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية؟
نون بوست
رحيل الدكتور مازن المبارك.. أستاذ الأجيال وحارس اللغة العربية
نون بوست
دولة العبار على الساحل.. كيف انتزعت “إعمار” البحر من المصريين؟
  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
تابعنا

كيف أصبح جنرال نتنياهو منافسه الأقوى؟

ديفيد ريمنيك
ديفيد ريمنيك نشر في ٢٩ يوليو ,٢٠٢٦
مشاركة
نون بوست

إيزنكوت، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق وابن مهاجرين مغاربة، يسعى لاستقطاب الناخبين الساخطين من "اليمين المعتدل" في إسرائيل.

ترجمة وتحرير: نون بوست

في ليلة دافئة مليئة بالبعوض في قرية كفار هاناجيد الساحلية، التي سُمّيت على اسم شموئيل هاناجيد، الشاعر والعالم والمحارب ورجل الدولة البارز في الأندلس الإسلامية، اجتمع حشد ناضج يضم بضع مئات في ساحة القرية، وجلسوا بقلق على الكراسي البلاستيكية البيضاء، بانتظار وصول غادي آيزنكوت، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي المتقاعد، الذي يبدو حاليًا أنه يملك أفضل فرصة للإطاحة ببنيامين نتنياهو، أطول رؤساء الوزراء خدمة في تاريخ الدولة، في الانتخابات المقررة في 27  أكتوبر/ تشرين الأول؛ لكن آيزنكوت متأخر عن الموعد.

كانت الأغاني الإسرائيلية الشعبية تصدح عبر مكبرات الصوت، والجو مشبع بالأحاديث السياسية؛ فمصادر القلق لا تنتهي: القتال في الشمال بلبنان؛ وتحوّل إدارة ترامب من مفاوضات محمومة مع النظام الإيراني المتشدد إلى حملة قصف طويلة؛ وصفقات المصالح بين نتنياهو والمتدينين المتشددين، المكوّن الأساسي في قاعدته الانتخابية؛ وتصاعد العداء لإسرائيل عبر الطيف الأيديولوجي وفي أنحاء العالم. لكن الأمر الذي نادرًا ما يُناقش، في كفار هاناجيد وغيرها، هو المعاناة الإنسانية الهائلة والدمار في قطاع غزة، والفظائع التي يرتكبها المستوطنون يوميًا ضد الفلسطينيين في القرى المنتشرة في جميع أنحاء الضفة الغربية.

أخيرًا، وصل آيزنكوت، والذي يبلغ من العمر ستة وستين عامًا، وهو رجل ذو بطن بارز وتعبير وجه يعبّر عن الألم، وعندما يبتسم، يتجهم وكأنه يشعر بألم عرق النسا. يرتدي قميص بولو داكن اللون، وهو الزي الذي اعتاد ارتداءه بعد تقاعده من الخدمة العسكرية. كان والدا آيزنكوت مهاجرين مغاربة من ذوي الدخل المتواضع، وقد وُلد في طبريا ونشأ في إيلات، وهما مدينتان تعتبران من المدن الواقعة في الأطراف الإسرائيلية. وإذا فاز آيزنكوت، فسيكون أول رئيس وزراء من هذا الأصل.

ويمثل هذا مشكلة لنتنياهو؛ فعلى الرغم من نشأته في حي ثري بالقدس، وكونه ابن مؤرخ بارز من أصل أشكنازي متخصص في محاكم التفتيش الإسبانية، فقد قدّم نفسه هو وحزبه الليكود منذ فترة طويلة باعتبارهما المدافعين الأمنيين عن الطبقة العاملة والمتدينين والمهمشين والمزراحيين الذين قدموا من مجتمعات يهودية في دول إسلامية. ويعتقد معظم المحللين هنا أنه يمكن لآيزنكوت في انتخابات محتدمة أن يفوز إذا استقطب بعض الناخبين من “اليمين المعتدل” في مدن مثل كريات شمونة، وأوفاكيم، وأسدود، ونهاريا، وديمونة. وقد كتب الصحفي هيلو غلازر في صحيفة “هآرتس”، أن آيزنكوت يُوصف من قبل مؤيديه في كثير من معاقل الليكود التقليدية بكلمة “ديالنا”، وهي كلمة تعني “واحد منا” باللهجة المغربية العربية.

وصفق الحشد بهدوء بينما صعد آيزنكوت إلى منصة صغيرة مؤقتة، وشرح لهم أنه قضى معظم يومه في مدينة عسقلان؛ حيث حضر جنازة ضابط شاب برتبة نقيب يُدعى دافيد حزوت، قُتل في معركة “عند الفجر” في لبنان.

وقال آيزنكوت بنبرة متزنة وجادة: “لم أكن أعرفه شخصيًا، لكن عائلته طلبت مني الحضور؛ حيث فقد والده وكان الابن الوحيد لأمه، وله أخت واحدة. وقد وافقت والدته على توقيع استمارة السماح له بالخدمة القتالية لأنه أصرّ، وتطوع في وحدة قتالية بلواء غولاني”. وكما يعلم جميع الحاضرين في التجمع، كان هذا هو اللواء الذي خدم فيه آيزنكوت أيضًا، وهو رمز شعبي في إسرائيل يُعرف بـ”لواء الشعب”.

وخلال الساعة التالية، ألقى آيزنكوت خطابه وأجاب على الأسئلة بطريقة روتينية؛ فهو لا يتمتع بفصاحة نتنياهو ولا بطلاقته في اللغة الإنجليزية، كما أنه لا يشبه الشخصيات النارية من حقبة سابقة، مثل مناحيم بيغين؛ بل يكاد يكون مملًا، وهو يجعل من ذلك ميزة.

وقد أسس في العام الماضي حزبًا باسم “ياشار”، وهو اسم يعني “المستقيم، والنزيه، والعادل”. واستعرض على المنصة بسرعة محاور حملته ووعوده الانتخابية، ومن بينها تعهد بإعادة إسرائيل إلى كونها “دولة يهودية وديمقراطية تقدمية وليبرالية”. ونادرًا ما نسمع مثل هذه العبارات من نتنياهو، ناهيك عن اثنين من أكثر وزرائه عنصرية ورجعية: إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي، وبتسلئيل سموتريتش، وزير المالية. وكلاهما لا يخفيان دعمهما للتطهير العرقي في غزة وضم الضفة الغربية.

ويقدم آيزنكوت نفسه على أنه الجندي المتواضع، والمبتدئ في السياسة الذي لم يلطخه الفساد أو النفاق؛ فبعد واحد وأربعين عامًا من الخدمة في جيش الدفاع الإسرائيلي، بما في ذلك فترة عمله تحت قيادة نتنياهو كرئيس أركان الجيش، وهو أعلى منصب عسكري، خدم آيزنكوت في الكنيست من عام 2022 إلى عام 2025. ويقول إنه اكتشف خلال تلك الفترة القصيرة من ولايته أن “الديمقراطية الإسرائيلية أكثر هشاشة بكثير مما كنت أتصور”.

نون بوست
بالنظر إلى تقلبات السياسة الائتلافية، قد يخرج آيزنكوت من الانتخابات كزعيم للمعارضة دون أن يتمكن من تشكيل حكومة.

منذ انهيار عملية أوسلو للسلام واندلاع الانتفاضة الثانية، قبل جيل مضى، اتجه الرأي العام بشكل مطرد نحو اليمين. وبحسب المعايير الإسرائيلية المعاصرة، يمكن وصف آيزنكوت بأنه ديمقراطي ينتمي إلى يسار الوسط. وبناءً على إلحاح مستشاريه، واستجابةً للواقع السياسي لإسرائيل في مرحلة ما بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول، فإنه يتجه أكثر نحو الوسط.

ونادرًا ما يعرب آيزنكوت عن تحفظاته بشأن حجم الحرب في غزة وطريقة إدارتها، وقد وصف مؤخرًا عمدة نيويورك، زهران مامداني، بأنه معادٍ للسامية لطلبه من الحكومة الفيدرالية اعتقال نتنياهو بموجب مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية. كما يتجنب آيزنكوت استخدام مصطلحات حل الدولتين، على الأقل كاحتمال قريب المدى.

وفي يونيو/ حزيران الماضي، قال لمحاوره في برنامج “ميت ذا برس” على القناة 12: “لم أقل قط دولتان لشعبين، لأنني أدرك عمق هذا الصراع الديني الوطني الاجتماعي، وأي شخص يتحدث عن “السلام الآن” والدولتين لا يفهم هذا الصراع”.

مع متابعتي لحملة آيزنكوت وحديثي المطوّل معه، اتضح لي أن الجانب الأكثر جاذبية في شخصيته لا علاقة له بالأيديولوجيا أو السياسة، وإذا فاز (وهذا الأمر، رغم ارتفاع أرقامه الأخيرة في استطلاعات الرأي، غير مضمون بالنظر بالنظر إلى المهارات السياسية لنتنياهو)، فسيكون ذلك لأنه يمثل النقيض التام لـ”بيبي” في أسلوبه وشخصيته. علاوة على ذلك، فإنه يعكس في أعين العديد من الإسرائيليين صورةً ما عن أنفسهم، فهو رجل محطم عانى من خسارة عميقة، وهو سياسي ترتكز أعمق صلاته بالناخبين الإسرائيليين على حزنه.

في صباح 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، كان آيزنكوت في منزله بهرتسليا شمال تل أبيب، حين بدأت الأخبار تتوالى من جنوب إسرائيل: آلاف من مقاتلي حماس، بقيادة قوات النخبة، اخترقوا السياج الحدودي مع غزة في أكثر من مئة نقطة، ودخلوا إسرائيل برًا على دراجات نارية وشاحنات صغيرة، وبحراً عبر زوارق، وجوًا عبر مظلات شراعية بمحركات، وتسللوا بسرعة مذهلة إلى نحو عشرين كيبوتس وإلى مدينة سديروت الصغيرة، وبدأ الهجوم. سرعان ما وردت تقارير عبر الإذاعة والتلفزيون عن عائلات تحصّنت في غرف آمنة، تستغيث عبر الهاتف، ولم تصل أي مساعدة تذكر لساعات طويلة.

بينما كان آيزنكوت يستوعب تلك التقارير الأولى، نادى على أحد أبنائه الخمسة، وهو ابنه غال البالغ 25 عامًا.

قال له: “غال، استيقظ. لقد اندلعت الحرب”.

رد غال: “ماذا تقول؟”

قال آيزنكوت مرة أخرى: “لقد اندلعت الحرب”.

كان غال، الذي كان يدرس المعلومات الحيوية في جامعة تل أبيب، في المنزل لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، وقال لي آيزنكوت: “كانت فكرته وحلمه أن يصبح طبيبًا أو عالمًا”.

وقاد آيزنكوت سيارته ليصطحب غال إلى شقته في تل أبيب ليحضر زيه العسكري ومعداته، ثم اصطحبه إلى نقطة التجمع حيث انضم إلى زملائه من جنود الاحتياط، وكان غال قد تلقى تدريبًا كمسعف قتالي.

بعد أربعة أيام، ومع اقتراب الغزو البري لغزة ودراسة شن هجوم على حزب الله في لبنان، طلب نتنياهو من آيزنكوت الانضمام إلى مجلس حرب مصغر. وكان آيزنكوت قد خدم تحت قيادة نتنياهو كرئيس لأركان الجيش من فبراير/ شباط 2015 إلى يناير/ كانون الثاني 2019، لكنه أصبح الآن خصمًا سياسيًا له.

كان نتنياهو يأمل في إظهار جبهة موحدة أمام جمهور منقسم بشدة، أصبح جزء كبير منه يكرهه ولا يثق به. وبعد أشهر من المظاهرات الجماهيرية ضد مساعيه لتقييد سلطة القضاء، كان بحاجة ماسة إلى الدعم للحرب المقبلة. وقبل هجوم حماس، كان العديد من جنود الاحتياط، بمن فيهم طيارون في وحدات سلاح الجو، قد هددوا برفض الخدمة احتجاجًا على الخطر الذي اعتقدوا أن نتنياهو يشكله على المؤسسات الديمقراطية الإسرائيلية.

وقال إيزنكوت: “انضممت إلى مجلس الحرب، رغم أنني لم أتخيل يومًا أن أجلس على طاولة واحدة مع بن غفير وسموتريتش. كان الاجتماع الأول – الذي عُقد في 11 أكتوبر/ تشرين الأول – مليئًا بأجواء من التوتر الشديد. اتصل بي بيبي ليطلب مني حضور اجتماع في الخامسة مساءً، وحين دخلت الغرفة لم أكن أعرف ما موضوعه. كانت هذه المرة الأولى التي أدرَك فيها بيبي معنى فقدان التوازن. كان الأمر غريبًا جدًا؛ في البداية لم أعرف ما الذي نقوم به، ثم أدركت أنهم استدعوني للحديث عن عملية اغتيال تستهدف حسن نصر الله، زعيم حزب الله. لم أكن أعلم أن نتنياهو أنهى لتوّه مكالمة مع بايدن، وأن بايدن قال له: “لا تفعل”. كانت هناك عرض تقديمي، وقيل إن الهجوم سيكون عند السابعة مساءً. بعد أن أنهى رئيس الأركان حديثه، التفت نتنياهو إلى مجلس الحرب وقال: “ما رأيكم؟””.

وحصلت الاستخبارات الإسرائيلية لاحقاً على وثائق تشير إلى أن يحيى السنوار، زعيم حماس في غزة، وقادة آخرين في الحركة، ناقشوا لعدة سنوات مع نصر الله والنظام الإيراني “خطة التدمير” متعددة الجبهات ضد إسرائيل. وقد أطلق السنوار الهجوم دون إنذار مسبق لحلفائه، ثم أرسل رسائل إلى بيروت وطهران يعتذر فيها عن مفاجأته لهم ويناشدهم الانضمام إلى القتال فوراً. وكانت قوة الرضوان النخبوية التابعة لحزب الله وترسانته الهائلة من الصواريخ متمركزة في جنوب لبنان بالقرب من الحدود، لكن نصر الله رفض التسرع في خوض حرب بهذا الحجم والخطورة، واكتفى بالموافقة على هجوم محدود ورمزي دعماً لحماس.

وفي حكومة الحرب، عارض آيزنكوت فتح جبهة ثانية، وقال: “قلت إنه يجب أن نركز على الجنوب، وكنا بحاجة إلى توفير الاستقرار هناك. وفقط بعد أن نتعامل مع حماس في الجنوب، ينبغي أن نتجه شمالاً”، وأكمل قائلاً: “انتهى الاجتماع في تمام الساعة السادسة، وتوجهنا إلى ملجأ تحت الأرض. وعندما وصلت، أخبرني شخص ما أن عميداً وحيداً – وهو أميت ساعر، رئيس قسم الأبحاث في الاستخبارات العسكرية – هو وحده الذي كان يفكر بعقلانية، بينما فقد الجميع صوابهم. فقال رئيس الأركان العامة: “علينا أن ننهي هذا النقاش، لأنه لم يتبق لي سوى عشرين دقيقة قبل أن أرسل الطائرات إلى الجو”. لذلك طلبت أن يقف هذا العميد ويقدم عرضه أمام الغرفة. وقال ساعر إنه يعتقد أن ذلك سيكون خطأً جسيماً. وبعد عرضه، وافقه الرأي ثلاثة أشخاص آخرين في الحكومة”. وفي النهاية، انتصر رأي آيزنكوت، وبينما كانت الطائرات في الجو، ألغى نتنياهو الضربة.

وقال آيزنكوت: “لقد منعنا اتخاذ قرار خاطئ للغاية، لأنه وفقاً لصحيفة واشنطن بوست، لو هاجمنا لبنان في ذلك الوقت، لكنا قد حققنا الرؤية الإستراتيجية للسنوار في إشعال حرب إقليمية فورية. وكانت حماس، التي سببت لنا أكبر خسارة لنا في التاريخ، ستصبح جبهة ثانوية”.

وانتهى الاجتماع حوالي منتصف الليل، وبينما كان آيزنكوت في طريقه إلى المنزل، لاحظ وجود عدة رسائل على هاتفه من ابنه غال.

فاتصل به مجدداً وسأله: “غال، ما الذي يجري؟”

وقبل سنوات، عندما استطلع آيزنكوت رأي عائلته بشأن خوض الدخول إلى عالم السياسة، أخبره غال أن أربعة عقود في الجيش كانت خدمة كافية وعليه أن يستمتع بحياته، لكنه قال له الآن: “أنا أفهم لماذا من المهم أن تشارك في السياسة”.

وأخبرني آيزنكوت قائلاً: “كنت ما زلت مرهقاً من الاجتماع، فقلت له: ‘أعتقد أنني فعلت للتو شيئاً مهمًا للغاية من أجل الحرب، وسأخبرك عنه لاحقاً'”.

وفي الأسابيع التالية، شارك آيزنكوت في نقاشات محتدمة حول إدارة الحرب، وضغط من أجل التوصل إلى اتفاقيات سريعة لتحرير أكبر عدد ممكن من الرهائن. وكان الرهائن متناثرين في مختلف أنحاء غزة، والكثير منهم في أعماق شبكة الأنفاق تحت القطاع. ولم تكن الاستخبارات الإسرائيلية ترى أي أفق لإنقاذهم بأعداد كبيرة، ولن تكون هناك معجزة على غرار عملية عنتيبي. وجادل آيزنكوت بأن السبيل الوحيد لإعادتهم إلى الوطن هو جعل إطلاق سراحهم الأولوية الوطنية ومواصلة التفاوض مع السنوار.

وفي المقابل، وضع سموتريش وبن غفير وكبار المسؤولين العسكريين القضاء على حماس في المقام الأول، بغض النظر عن التكلفة التي يتحملها المدنيون. ومع تزايد أعداد الضحايا والدمار، استند نتنياهو إلى مبدأ بلا نهاية والتي سرعان ما أطلق عليها اسم “النصر المطلق”. وأشارت التقارير الاستخباراتية إلى أن الرهائن يتعرضون لسوء المعاملة، ومع ذلك أبدى نتنياهو ووزراؤه تعاطفاً ضئيلاً مع عائلاتهم التي كانت تتوسل لاتخاذ إجراءات لتحريرهم. وبعد أن خسر الجدال، غادر آيزنكوت حكومة الحرب في نهاية المطاف، وقال إنه لم يعد بإمكانه أن يكون “ورقة توت” لرئيس وزراء كان همه الأساسي هو الحفاظ على ائتلافه مع بن غفير وسموتريش، فضلاً عن بقائه السياسي الخاص.

في يوم خميس من أواخر شهر نوفمبر/ تشرين الثاني، عاد غال إلى منزله في إجازة قصيرة من الخدمة الاحتياطية. فعلى مدار نحو أسبوع، أدى اتفاق لتبادل الرهائن إلى وقف القتال وأسفر عن إطلاق سراح عشرات الأسرى، وقد انتهت الهدنة في الصباح التالي. وفي ذلك المساء، تناول غال عشاء السبت مع والديه. وفي وقت مبكر من يوم السبت، اصطحبه آيزنكوت بالسيارة إلى تل أبيب، حيث يمكنه استقلال حافلة إلى نقطة التجمع الخاصة به. وقضيا طوال الطريق في صمت تقريباً. وكان غال قد سهر حتى الساعة الرابعة والنصف فجراً مع أصدقائه. وعندما وصلا أخيراً إلى تل أبيب هو والده، تعانقا وتبادلا عبارات الوداع على أمل اللقاء القريب.

وفي ذات صباح من الأسبوع الأول لشهر ديسمبر/ كانون الأول، زار آيزنكوت قاعدة على الحدود مع غزة لحضور إيجاز بشأن المتفجرات التي تمت مصادرتها داخل القطاع. وفي مقر القيادة العسكرية، سحبه جنرال فجأة من الغرفة وأخبره أن غال قد أصيب “إصابة بالغة للغاية”، وأنه ينبغي على آيزنكوت العودة إلى منزله فوراً. وكان آيزنكوت قد نقل مثل هذه الرسائل مرات عديدة من قبل؛ فقال للجنرال: “ثق بي”، إذ كان يدرك تماماً أن ابنه قد مات.

وأضاف آيزنكوت: “في تلك اللحظة، تحولت إلى وضع الطيار الآلي”. وفي نوع من الذهول، ركب سيارته واتجه شمالاً نحو هرتسليا. وبينما كان يقود سيارته، اتصل بابنه الأكبر، غاي، وقال له: “لقد قُتل غال. اذهب إلى المنزل وتأكد من عدم دخول أي شخص إلى البيت حتى أصل إليه”.

وبعد الساعة الثالثة بقليل، وصل آيزنكوت إلى منزله. وكانت زوجته، حنا، تضع حفيدتهما في سريرها لتأخذ قيلولة، وكانت بناته الثلاث هناك أيضاً. فأخبرهن بما علمه بشأن ما حدث؛ فقد اكتشف ضباط الاستخبارات أن رفات إسرائيليين قتيلين – وهما جندي يدعى زيف دادو وشابة تدعى عيدن زكريا، التي كانت حاضرة في مهرجان نوفا الموسيقي- كانت تحتجزهما حماس في أطراف جباليا بشمال قطاع غزة. وقد انضم غال وجندي آخر يدعى إيال بيركوفيتش إلى جهود البحث عن الجثتين واستخراجهما. وأثناء العملية، قُتل غال وبيركوفيتش جراء انفجار عبوة ناسفة. لقد نجحت عملية الاستخراج، ولكن هل كانت تستحق كل ذلك الثمن؟

وقال لي آيزنكوت: “طرحت عليَّ زوجتي الكثير من الأسئلة الصعبة حول هذه المهمة: هل كان من الصواب تعريض حياة الجنود للخطر من أجل استعادة جثث رهائن متوفين؟ لقد سألتني ذلك مراراً وتكراراً”.

تجمّع آلاف الأشخاص في المقبرة العسكرية بمدينة هرتسليا لحضور جنازة غال، وحضر نتنياهو ومعظم أركان المؤسسة السياسية والأمنية في إسرائيل. وأخبرني آيزنكوت أنه لم يبكِ منذ خمسين عاماً، لكنه عندما وقف أمام نعش ابنه المغطى بالعلم وتحدث إلى الحاضرين، لم يستطيع منع دموعه وعجز أحياناً عن مواصلة الكلام.

قال آيزنكوت: “يا غالوش، يا حبيبنا، أعدك بأننا سنظل عائلة متحدة وسعيدة، لكي لا تذهب تضحيتك وتضحيات القتلى الآخرين هباءً، ولكي نكون جديرين بها. أحييك يا ابني الحبيب”. ثم توجه آيزنكوت، مرتدياً نظارات سوداء وبصوت يرتجف، إلى المعزين بالقول: “الألم عظيم، إنه ضخم حقاً. لكننا عائلة سعيدة وقوية، ولو استطاع غال أن يقول لي شيئاً آخر، لقال: “اختاروا الحياة.. استمروا في السعادة”. إنه يعيش معنا في قلوبنا. هكذا كان في حياته، وهكذا سيظل بالنسبة لنا إلى الأبد.”

وبعد ذلك بوقت قصير، أجرت الإعلامية التلفزيونية إيلانا دايان مقابلة مع آيزنكوت على القناة 12، وسألته عن كيفية يتحمل هو وعائلته تلك الخسارة؛ فأجاب قائلاً: “أصبحت الصباحات والليالي أكثر صعوبة، ولكن بالنسبة لي على الأقل، لا بديل عن ذلك، لأني أعلم أن البديل سيء بالنسبة لي شخصياً وسيء للعائلة. إنه يرافقني قبل النوم وعندما أستيقظ. لكنني أمل حقاً أن أتعلم كيف أتعايش مع الأمر، فيجب عليَّ ذلك، فالتعامل مع غير ذلك هو الهاوية بعينها.”

وتلت الخسارة خسارة أخرى؛ حيث قُتل اثنان من أبناء أشقاء آيزنكوت أيضاً في المعارك، أحدهما في خان يونس والآخر في بيت لاهيا. وظل آيزنكوت لفترة طويلة في حالة حداد وإنهاك، مؤجلاً كافة القرارات السياسية. ثم غادر حزب “المعسكر الوطني” في يوليو/ تموز 2025، وأسس حزب “ياشار” بعد شهرين من ذلك، وفي 30 يونيو/ حزيران 2026، أعلن رسمياً عن نيته خلافة نتنياهو في منصب رئيس الوزراء.

وفي أعقاب هجوم حماس في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول مباشرة، تعامل الخطاب العام الإسرائيلي مع فرضيتين باعتبارهما شبه مسلَّمات بديهية.

الأولى هي أن نتنياهو لا يمكنه البقاء في منصبه كرئيس للوزراء بأي حال من الأحوال؛ فقد ترأس، بعد كل شيء، أسوأ انهيار أمني وطني في تاريخ البلاد. أما نتنياهو، الذي لطالما صوّر نفسه على أنه “تشرشل إسرائيلي”، فقد ركّز كل اهتمامه على إيران بينما كان يشن حرباً ثقافية على غرار ترامب ضد أعداء حقيقيين ومتخيلين، مثل وسائل الإعلام، والنخب الثقافية، ومن يُفترض أنهم خصوم “الدولة العميقة” في المحاكم والمؤسسة العسكرية. وكان يعتبر حماس – وخاصة مقارنة بحزب الله في لبنان أو النظام في طهران – مجرد قوة متناثرة من العصابات والمتطرفين المسلحين ببنادق كلاشينكوف، والذين يمكن احتواؤهم عبر ضخ الأموال القطرية، والمراقبة الإلكترونية المتطورة، وجولات دورية من الحروب المحدودة، وهي إستراتيجية تُعرف باسم “جز العشب”.

وفي غضون أسبوع من المذبحة، أظهرت استطلاعات الرأي أن نتنياهو، الذي لم يقدم أي بادرة اعتذار أو ندم، كان على وشك فقدان السلطة حتماً. وكان خليفته المحتمل هو بيني غانتس، الجنرال السابق وقائد الجيش الإسرائيلي، وهو طويل القامة، أبيض الشعر، قليل الكلام، لدرجة أن دونالد ترامب كان سيعتبره حتماً وكأنه “خرج للتو من  استوديوهات اختيار الممثلين”.

واجه نتنياهو غضباً عارماً في الشوارع وداخل أروقة الحكومة. واستذكر يائير لبيد، رئيس حزب “يش عتيد” المعارض ذي التوجه الوسطي اليساري، والذي شغل منصب رئيس الوزراء لمدة ستة أشهر في عام 2022، خطابه الذي ألقاه بحضور نتنياهو في الكنيست بعد الهجوم، قائلًا بنبرة ازدراء تملأ صوته: “سيدي رئيس الوزراء، الشيء المدهش هو أنك ما زلت لا تفهم. لن يبقى منك شيء. لن يكون هناك متحف باسمك، ولا ميدان. ولن يكون هناك حتى نافورة باسم بنيامين نتنياهو. لن يكون هناك سوى شيء واحد: السابع من أكتوبر/تشرين الأول… لقد انتهى وقتك. إن حكومتك المتطرفة والمتهورة تنهار. والأرض تحترق تحت قدميك”.

ومع ذلك، استمر نتنياهو في خوض الحرب، رافضاً الاعتراف بدوره في أسبابها ونشأتها. وفي المقابل، تراجع الدعم لغانتس الذي كان يفتقر إلى رسالة واضحة وحضور جماهيري لافت. وهكذا، قد يُعاد انتخاب رئيس الوزراء هذا الخريف، على الرغم من تراجع مكانته وصعود آيزنكوت مؤخراً. وستكون أساليبه مألوفة تماماً للأمريكيين؛ فهو ينجو بفضل “الغوغائية السياسية الخالصة”، ومن خلال استرضاء قاعدته المتشددة الشبيهة بقاعدة حركة “ماغا”، والانصياع لرغبات الوزراء المتطرفين في سعيهم نحو الضم والتطهير العرقي، والاستجابة لمطالب الحريديم بالإعفاء من الخدمة العسكرية واستمرار حصولهم على إعانات ضخمة من أموال الدولة.

ويعتقد معارضو نتنياهو أن إستراتيجية البقاء هذه قد أصبحت أخيراً غير قابلة للاستمرار. وقال لبيد: “يعتقد بيبي أنه يستطيع الاستمرار في ركوب النمر؛ فهو يظن أنه يستطيع ركوب نمر التطرف اليهودي، لكن النمر هو من يركبه. وهو يظن أنه يستطيع ركوب نمر السلطة الدينية، لكن السلطة الدينية هي من تركبه.”

ومع ذلك، يسود القلق صفوف المعارضة؛ فقد أخبرني إيهود أولمرت، الذي شغل منصب رئيس الوزراء من عام 2006 إلى عام 2009، أن العديد من معارضي نتنياهو يخشون أن يحذو حذو ترامب ويحاول تشويه مصداقية نتائج الانتخابات. وقال أولمرت: “الشرطة هنا لا تدار بالشكل الطبيعي”، حيث يشرف بن غفير، بصفته وزير الأمن القومي، على الشرطة. وتابع أولمرت: “كيف سيضمنون سير الانتخابات إذا خسر بيبي؟ قد يحاول عدم الاعتراف بنتائج الاقتراع، كما فعل صديقه ترامب في السادس من يناير/ كانون الثاني”.

وفي حال فاز نتنياهو، يتوقع آيزنكوت وأولمرت ولبيد والعديد من الأشخاص الآخرين الذين تحدثت معهم أن تزداد عزلة إسرائيل، وأن يفكر العديد من مواطنيها الأكثر موهبة وإنتاجية، وخاصة أولئك الذين يحملون جوازات سفر ثانية، في خياراتهم البديلة. وقال أولمرت: “إذا فاز بيبي في الانتخابات، أرجح أن مائة ألف شخص، تتراوح أعمارهم بين 25 و40 عامًا، من العاملين في مجال التكنولوجيا المتقدمة والأكاديميين الذين لديهم أطفال، سيغادرون البلاد بسرعة”.

وقال عساف شارون، أستاذ الفلسفة في جامعة تل أبيب والناشط المدافع عن الديمقراطية، لي: “أعتقد أن إسرائيل فقدت صوابها، تماماً مثل الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول. وللمرة الأولى في حياتي، لم أعد واثقاً من أن هذه البلاد ستنجو. طالما كرهت هذا التهويل، لكن إسرائيل حشرت نفسها في زاوية أصبح فيها هناك تهديد ملموس لبقاء الدولة.”

وقد أعرب عن هذا الخوف مؤخراً أحد المخضرمين في المؤسسة الحزبية الديمقراطية الأمريكية. ففي أوائل يوليو/ تموز، زار رام إيمانويل، المستشار الكبير السابق لكل من بيل كلينتون وباراك أوباما، جامعة تل أبيب من أجل انتقاد بنتنياهو لقيادته بلاده إلى طريق مسدود كارثي من “الاحتلال والعزلة”. وحذر من أن إسرائيل لا تفقد الحزب الديمقراطي فحسب، بل إنها معرضة لخطر فقدان الولايات المتحدة نفسها. وقال إيمانويل: “إن السعي نحو ما يُسمى بـ”إسرائيل الكبرى” هو أمر مدمر للذات ومتطرف تماماً مثل هتاف “من النهر إلى البحر”. إن حكومَتَكم متواطئة في الفظائع التي تُرتكب الآن بحق العائلات البريئة في الضفة الغربية. وهذا يقوض شرعيتكم الدولية كدولة صغيرة، في وقت أنتم أشد ما تكونون فيه بحاجة إليها.” وكان هذا التحذير قاسياً بشكل خاص لأنه جاء من شخص لا يمكن بأي حال استبعاده كمتطرف أو معادٍ للسامية؛ فقد خدم والد إيمانويل في حرب استقلال عام 1948، واسمه الأوسط هو “إسرائيل”.

وكانت الفرضية الثانية لتلك الأيام الأولى التي أعقبت السابع من أكتوبر/ تشرين الأول هي أن نتنياهو سيكون مجبراً، بحكم الضمير والتقاليد، على تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أسباب الفشل الأمني الكارثي. وستكون على غرار اللجنة التي ترأسها شمعون أغرانات، رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية، في أعقاب الغزو المفاجئ من قبل مصر وسوريا في حرب يوم الغفران في أكتوبر/ تشرين الأول 1973؛فقد حددت لجنة أغرانات الأدلة التي فاتت والتحذيرات التي تم تجاهلها، مما كشف عن إهمال المؤسسة الأمنية، إذ نظرت البلاد آنذاك إلى الهاوية، ولو لم تتجمع قوات الدبابات الإسرائيلية بعد أيام من الخسائر الفادحة في سيناء وهضبة الجولان، لكان الجيش المصري والسوري قد اجتاحا وسط إسرائيل على الأرجح. وقد أدى ذلك التقرير إلى استقالة العديد من كبار مسؤولي الأمن والاستخبارات وساعد في إنهاء المسيرة السياسية لغولدا مائير.

ومع ذلك، لن يقبل نتنياهو تحمل المسؤولية بهذه الطريقة أبداً؛ فقد تعاقبت استقالة من كبار المسؤولين العسكريين والاستخباراتيين، وأصدروا بيانات تعبير عن الأسف الشديد لفشلهم قبل وفي السابع من أكتوبر/ تشرين الأول. أما نتنياهو، رئيس الحكومة التي خدموها، فقد رفض فعل الشيء نفسه، مشيراً باستخفاف وبتبريرات سطحية إلى أن فرانكلين روزفلت لم يستقِل بعد هجوم بيرل هاربر، وأن جورج دبليو بوش لم يتنحَّ بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، إذ ركّزا على الحروب التي أمامهما. إن عدم اعتذار نتنياهو ما هو إلا محاولة للتضليل.

لقد نأى نتنياهو بنفسه علناً عن الحديث المتفشي عن “الخونة من الداخل”، لكنه لم يفعل شيئاً يُذكر لكبح انتشاره في معسكره السياسي وخارجه. وترى هذه المجموعة المؤمنة بنظريات المؤامرة أن كبار الضباط العسكريين والاستخباراتيين فشلوا عمداً في إيقاظه في الوقت المناسب لمنع اجتياح حماس. ووفقاً لاستطلاع أجرته جامعة رايخمان، أصبح ما يصل إلى نصف الذين صوتوا لائتلاف نتنياهو في عام 2022 يؤمنون بمثل هذه النظريات المتعلقة بالدولة العميقة. ومن بين مروجي هذه النظريات معلقون على “القناة 14” الموالية لنتنياهو، وابن نتنياهو يائير، وهو مقدم بودكاست ومثير للجدل على وسائل التواصل الاجتماعي يجمع بين الولاء المطلق لدونالد ترامب الابن، وطاقة نشر المنشورات المثيرة للجدل التي تتميز بها لورا لومر. وادعت تالي غوتليف، عضوة الكنيست عن حزب الليكود، زوراً أن الاستخبارات الأمريكية اعترضت مكالمة هاتفية بين شريك شيكما بريسلر – وهي زعيمة احتجاجية ذات ميول يسارية، والسنوار – زعيم حماس الذي خطط للهجوم.

وقال لي الصحفي عاموس هاريل: “إنها أكثر انتشاراً بكثير من نظريات مؤامرة 11 سبتمبر/ أيلول في الولايات المتحدة، وليس من الصعب معرفة السبب. فمن الصعب أن تشرح لنفسك ما حدث إذا كنت تؤمن بأن بيبي هو الإله. كيف انهار كل شيء بهذه الصورة التامة؟ يجب إلقاء اللوم على شخص ما.”

وعلى الرغم من أن نتنياهو قد أبدى تأييداً شفوياً لفكرة وجوب التحقيق في الإخفاقات الأمنية، إلا أن قلة من الإسرائيليين يتوقعون أن يشكل لجنة تحقيق حكومية مستقلة. وفي غياب مثل هذه اللجنة، قام هاريل، المحلل الدفاعي المخضرم في صحيفة “هآرتس”، بالكثير من العمل الأولي بنفسه. ويعد كتابه الذي حقق مبيعات هائلة مؤخراً، “06:29: تحليل الفشل”، بمثابة لائحة إدانة من أربعمائة صفحة للغطرسة، والإهمال، والرضا المؤسسي عن الذات. ورغم أن هاريل يفتقر إلى سلطة إصدار استدعاءات رسمية كتلك التي تمتلكها اللجان الرسمية، إلا أن مصادره الواسعة في المؤسسة الأمنية القومية مكنته من إعادة بناء كيفية تجاهل التحذيرات مراراً وتكراراً، وكيف تغلغلت فرضية حاكمة -أو ما يُعرف بـ”الكونسيبتسيا”- لتسئ قراءة الوضع في غزة كلياً.

نون بوست
يخشى الكثيرون أن يؤدي فوز نتنياهو إلى تفاقم عزلة إسرائيل بشكل أكبر، ودفع أكثر مواطني البلاد موهبة وإنتاجية إلى الهجرة.

ويصف هاريل كيف رصد الضباط الصغار، بما في ذلك جنديات المراقبة الميدانية المتمركزات بالقرب من غزة، مؤشرات على وقوع هجوم كبير قبل فترة طويلة من اختراق السياج، إلا أن رؤساءهن قاموا بالاستخفاف بتقاريرهن وتجاهلها. كما لاحظ ضباط الاستخبارات أن حركة حماس قد قامت بتفعيل شرائح اتصال إسرائيلية في الساعات التي سبقت الهجوم. لكن كبار الضباط خلصوا إلى أن حماس كانت تجري تمريناً عسكرياً، أو على الأكثر تستعد لهجوم محدود.

ويستعرض هاريل أيضاً المشاورات التي جرت بين كبار المسؤولين العسكريين والاستخباراتيين طوال ليلة السادس والسابع من أكتوبر/ تشرين الأول، بعد ظهور مؤشرات على نشاط غير عادي داخل قطاع غزة؛ فقد تلقى كل من رونان بار، رئيس جهاز الأمن الداخلي “الشاباك”، وهرتسي هاليفي، رئيس أركان الجيش، مكالمات هاتفية في وقت متأخر من الليل. وكانت التقارير تنطوي على قدر كبير من الخطورة لدرجة أن هاليفي كتب لنفسه ملاحظة تقول: “دعونا لا نقنع أنفسنا بأن هذا لا شيء”. وفي حوالي الساعة 5:49 صباحاً، رصدت أنظمة المراقبة الإسرائيلية أشخاصاً على دراجات نارية وسيارات دفع رباعي بالقرب من السياج الأمني. ومع ذلك، لم تُتخذ أي تدابير فعالة لمواجهة ذلك.

وقال لي هاريل: “عندما أقرأ نصوص ما جرى قبل الهجوم، أشعر وكأنني أضرب رأسي بالحائط.”

ويتفق آيزنكوت وبقية قادة المعارضة – بما في ذلك لبيد، ورئيس الوزراء السابق من يمين الوسط نفتالي بينيت، ويائير جولان من حزب الديمقراطيين اليساري – على أن إحدى أولى خطوات حكومة ائتلافية جديدة يجب أن تتمثل في تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول. ومن غير المرجح أن يحظى ادعاء نتنياهو بأن رؤساء استخباراته أخفقوا فقط في إيقاظه بأي وزن يُذكر أمام المحققين.

وقال آيزنكوت: “في التسلسل القيادي، عدم المعرفة لا يعفي من المسؤولية؛ بل على العكس تماماً، إنه يضاعفها. فرئيس الوزراء هو على رأس الهرم، ويتلقى إحاطاته من الاستخبارات العسكرية والجيش، وقد كان متورطاً… وعليه، فقد أُسندت إليه المسؤولية عندما أدى اليمين الدستورية على الكتاب المقدس. إنه يتحمل مسؤولية صارمة وواضحة. لا يتطلب الأمر منك أن تقرر تحمل المسؤولية؛ فهي قائمة بحكم المنصب.”

غير أن إصرار آيزنكوت على مفهوم “مسؤولية القيادة” له حدود واضحة، فهو لا يزال متردداً في توجيه إدانة تفصيلية لنتنياهو إزاء الشدة الاستثنائية التي اتسمت بها حرب غزة وطول أمدها.

وأوضح آيزنكوت قائلاً: “عندما اندلعت الحرب، دفعت الإسرائيليين – ولأول مرة – للحديث بمصطلحات المحرقة. وبدأ الناس يقولون إن “حماس هم نازيون”. وكان هناك قناعة راسخة بوقوع مذبحة واعتداءات جنسية وأمور مروعة، وهذه هي الخلفية المعرفية التي خاض بها الجميع غمار الحرب. ولذا كان أشخاص مثل غال مستعدين للتضحية بكل شيء، بما في ذلك أرواحهم، لكي تبقى الدولة قادرة على الاستمرار… ولكن لا يمكن إنكار حقيقة أنه بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول وبدء الحرب، تحولت العقلية الإسرائيلية نحو اليمين. لقد ظللت على موقفي، لكنني أدركت أنه لو لم تضرب إسرائيل بقبضة حديدية في البداية وتُظهر قوتها، فلن يكون لنا مستقبل هنا.”

كانت هذه رحلتي الخامسة إلى إسرائيل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. عندما زرتُها آخر مرة، في يونيو الماضي، كان نتنياهو وأنصاره يجادلون بأن حماس تتعرض لهزيمة ساحقة وأن إسرائيل استخدمت قوتها العسكرية لإعادة تشكيل المنطقة. وبدون أي سخرية، تحدثوا عن “شرق أوسط جديد”، وهي عبارة استخدمها شمعون بيريز، رئيس الوزراء السابق، ذات مرة لوصف مستقبل سلمي تعيش فيه إسرائيل أخيرًا في وئام سياسي واقتصادي مع جيرانها، بما في ذلك دولة فلسطينية ناشئة.

عندما كان الرجلان خصمين سياسيين، سخر نتنياهو من بيريز ووصفه بأنه منفصل كلياً عن الواقع القاسي للمنطقة. أما الآن، في صيف عام 2025، فقد تصور نتنياهو ومعسكره نوعاً مختلفاً من “الشرق الأوسط الجديد“، وهو شرق أوسط قد تعافت فيه إسرائيل من الكارثة، وسحقت حزب الله بواسطة قاذفات القنابل الأمريكية من طراز (بي -2) التي أرسلها ترامب، ودمرت المشروع النووي الإيراني الذي أعلن الرئيس الأمريكي أنه قد تم “محوه تماماً”. وتوقع هؤلاء قيام انتفاضة شعبية في إيران والانهيار الوشيك للسلطة الدينية الإسلامية. وكان من المرجح حتماً أن يحل الاستقرار في لبنان وسوريا، وأن تتوسع اتفاقيات أبراهام لتشمل المزيد من الدول السنية، ومن بينها السعودية. وقال لي مايكل أورن، الذي شغل منصب سفير نتنياهو لدى واشنطن في ذلك الوقت: “هناك احتمال كبير جداً ألا تكون قادراً على فهم القرن الحادي والعشرين دون فهم حرب الأيام الاثني عشر”.

وقد غاب تماماً عن هذه الرؤية المتعجرفة والمبتهجة والمدعية لنهاية التاريخ أي اعتراف بمقتل ما لا يقل عن سبعين ألف فلسطيني، من بينهم أكثر من عشرين ألف طفل، والدمار الشامل للغالبية العظمى من المساكن والمدارس والمستشفيات في جميع أنحاء قطاع غزة، والعديد من الأفعال الأخرى التي ارتُكبت  هناك والتي تشكل جرائم حرب. ولم تتوقع تلك الرؤية أيضاً أن يشرع نتنياهو وترامب في شن حرب جديدة ومتهورة. وحين عدت، كانت أشهر من القصف الإسرائيلي قد أسفرت عن مقتل آلاف الأشخاص في لبنان وتشريد نحو 1.2 مليون شخص من منازلهم. وبعد مرور عام على حرب الأيام الاثني عشر، أقر أورن قائلاً: “كانت تلك هي النظرة المتفائلة للأمور”.

من جانبه، يعتبر آيزنكوت إعلان نتنياهو النصر في إيران أمراً سخيفاً للغاية. فبعد أن شاهد نتنياهو يطلق ذلك الادعاء في إحدى الأمسيات على “القناة 14″، اتصل بأحد مستشاريه وقال له: “هل يعتقد بيبي حقاً أن الجميع هنا حمقى؟”.

أما داني سيترينوفيتش، الذي أمضى خمسة وعشرين عاماً في مناصب قيادية عسكرية، بما في ذلك رئاسة فرع إيران في الاستخبارات العسكرية، فقد كان أكثر حدة في نقده؛ إذ قال لي: “إن إسرائيل، في غضبها الجريح بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، فقدت عقلها الإستراتيجي”. وأضاف أن الحملة العسكرية المشتركة بين ترامب ونتنياهو انتهت بـ”كارثة مطلقة”؛ فقد أسفر القصف في اليوم الأول عن مقتل المرشد الأعلى الطاعن في السن، آية الله علي خامنئي، الذي خلفه ابنه الأكثر تشدداً مجتبى، مما ترك قيادة الحرس الثوري الإسلامي أكثر راديكالية وقوة من أي وقت مضى. وكانت الآمال أن يؤدي القصف إلى اندلاع انتفاضة شعبية سريعة،  أمراً عبثياً ومثيراً للسخرية منذ البداية”.

وقال سيترينوفيتش في النهاية: “لقد انتهى بنا المطاف إلى منح شرعية أكبر للنظام الإيراني وتقويته”. أما دول الخليج، التي كانت تقترب أكثر فأكثر من إسرائيل والولايات المتحدة، فسوف تسعى الآن إلى التوصل لتسوية مع إيران. لقد تخيل ترامب أنه يستطيع تكرار سهولة العملية الأمريكية في فنزويلا، وبدلاً من ذلك، شن حملة جوية ضد دولة يبلغ عدد سكانها أكثر من تسعين مليون نسمة، ليجد نفسه متورطاً في مستنقع يمزق ائتلاف حركة “ماغا” ويهدد الاقتصاد العالمي. أما نتنياهو، الذي روج هذه الخطة لترامب بعد أن أخفق في ذلك مع رؤساء أمريكيين تعاقبوا منذ عهد جورج دبليو بوش، فهو يواجه الآن قيادة إيرانية بات لديها دافع أقوى لامتلاك سلاح نووي. علاوة على ذلك، انهار الدعم الأمريكي لإسرائيل عبر مختلف أطياف المشهد السياسي، وهو تطور لم يدركه معظم الإسرائيليين بشكل كامل بعد.

وقال لي سيترينوفيتش: “لا يطيق معظم الإسرائيليين سماع أي نقد للسياسة الإسرائيلية في الخارج، ولذلك يسارع الكثير منهم إلى افتراض أن ذلك معاداة للسامية. إن معاداة السامية موجودة حقاً، لكن لا يمكنك أن تكون شديد الدفاع لدرجة الاعتقاد بأن كل نقد يأتي من ذلك المنطلق”.

ومع ذلك، فإن معظم الإسرائيليين، على الرغم من نظرتهم الإيجابية عموماً تجاه ترامب، يعتقدون أن الرئيس الأمريكي أنهى الحملة مبكراً جداً وخذلهم. وأصر أورن قائلاً: “الخلاصة هي غياب الإرادة الأمريكية”.

وقال لي عميت سيجال، المعلق المحافظ في القناة 12 وصحيفة “إسرائيل هايوم”، إن نتنياهو يعتبر تجدد الصراع مع إيران أمراً مفيداً له سياسياً. وأضاف سيجال: “بالنسبة لترامب، يُعد إنهاء الحرب مع إيران شرطاً حاسماً لانتخابات التجديد النصفي. أما بالنسبة لنتنياهو، فإن إنهاء الحرب يشكل العقبة الكبرى أمام الفوز بانتخابات عام 2026. ومن المنظور السياسي، هذا هو سبب وجود خلاف بينهما”.

وعندما تبين أن آيزنكوت سيكون مرشحاً بارزاً لمنصب رئيس الوزراء، أنتج صانعو برنامج التحقيقات الإخباري “أوفدا” على القناة 12 فيلماً وثائقياً مدته ساعة كاملة حول المراحل الأولى لحملته الانتخابية. وكان عملاً تقليدياً يعتمد أسلوب المراقبة الهادئة، وإن كانت كاميرات المراقبة في هذه الحالة ترافق آيزنكوت عن قرب وتلاحق سيارته بينما كان يُنقل من محطة انتخابية إلى أخرى. وكان يجلس في المقعد الأمامي، مبدياً نوعاً من الانفصال الساخر عن الثرثرة والأسئلة الموجهة إليه. ولا يتردد آيزنكوت في وصف نفسه بأنه سمين، واعترف بكل مرح لمرافقيه أنه فقد مؤخراً بضعة كيلوجرامات بفضل مزيج من النظام الغذائي، والتمارين الرياضية، و”الحقنة”.

“قد يكون جميع منافسيه أكثر دهاءً ولباقة منه”، هكذا نطق الراوي في مستهل الفيلم، لكن آيزنكوت “يمتلك قصة أقوى”. وكانت القصة، بطبيعة الحال، قصة الجندي النزيه والأب المكلوم.

والسؤال الذي طرحه الفيلم الوثائقي، ويتكرر يومياً في الصحافة الإسرائيلية، هو ما إذا كان آيزنكوت يمتلك ما يلزم لهزيمة نتنياهو؟. وفي مشهد نموذجي، زار آيزنكوت شقة في تل أبيب تعود لروني وشيلي زهافي، وهما زوجان ثريان جمعا ثروتهما من قطاع التكنولوجيا، والتقى بأصدقائهما الأثرياء مثلهم. وبينما كان يستعد لهجوم مهذب من قِبل هؤلاء المتبرعين المحتملين، أشار الراوي إلى ضرورة تناول مواجهة المشكلة الكبرى المؤلمة التي يتجنب الجميع الحديث عنها. وقد أقر آيزنكوت بأن البلاد اعتادت على سياسي محنك “يبرع في إيصال رسالته، والتحدث، والتواصل”. وحذر أحد الضيوف قائلاً إنه إذا فاز نتنياهو، فإن “نصف أطفال الأشخاص الموجودين في هذه الغرفة لن يكونوا هنا خلال عشرين عاماً”. وكانوا قلقين من أن آيزنكوت، على الرغم من سنواته الطويلة في الجيش، كان “مهذباً أكثر من اللازم” (فالإسرائيليون لا يقدّرون اللباقة في المجمل). حتى إن أحد المتبرعين المحتملين قال له: “استيقظ” و”توقف عن التردد”.

وفي اجتماع أكثر تواضعاً يضم غالبيّة من اليهود المغاربة، كانت الرسالة ذاتها تقريباً. قالت له إحدى النساء: “يجب خلع القفازات.. هذه هي اللحظة المناسبة”.

وفي مشهد آخر، تم تصويره في مقر الحملة الانتخابية، كان آيزنكوت ومستشاروه يتلقون إرشادات من ستيف ميلر، أحد تلاميذ الراحل آرثر فينكلشتاين، المستشار السياسي الأمريكي الذي عمل عن قرب مع نتنياهو. ففي حملة عام 1996، زود فينكلشتاين نتنياهو بشعارات مثيرة للجدل مثل: “بيريز سيقسم القدس” و”بيبي مفيد لليهود”. وقد تجسد هذه الشعارات أسلوبه المعتاد في تحويل الخلاف السياسي إلى خيار صارم بين الأمن والخيانة. وألقى ميلر محاضرة على آيزنكوت ومستشاريه حول فن تحديد المواقف السياسية، ومستخدماً محوراً سياسياً ممتداً من اليسار إلى اليمين، أوضح بجلاء أنه سيكون من الحكمة أن يتجه آيزنكوت نحو اليمين لكسب أصوات الناخبين في وسط اليمين.

سأل آيزنكوت: “ما الذي يحدد اليمين واليسار؟ أهم الفلسطينيون؟” لكن مثل هذه الأسئلة كانت محظورة في النقاشات السياسية السائدة بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول. وحتى يائير جولان، الذي سيشغل الجناح اليساري في أي ائتلاف معارض يقوده آيزنكوت، أخبرني أنه على الرغم من استعداده للحديث عن حل الدولتين كهدف نهائي، إلا أن بقية قادة المعارضة كانوا أكثر تحفظاً بكثير. وقال جولان في النهاية إن الخيار الذي يواجه الإسرائيليين هو “الضم أو الانفصال”، وهو أمر ليس سرا على أحد.

لقد شهدت الأشهر الأخيرة صراعاً محتدماً وتنافساً خفياً داخل المعارضة؛ فقد كان رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي يسعى للعودة إلى منصبه، يأمل في قيادة تحالف واسع يضم جولان، ولبيد، وآيزنكوت، وأفيغدور ليبرمان، وهو سياسي وخضرم يحظى بدعم قوي بين المهاجرين القادمين من الاتحاد السوفيتي السابق. وكان بينيت قد ترأس ذات مرة “مجلس يشع” – المظلة الجامعة للمستوطنات- وشغل لاحقاً منصب وزير الاقتصاد في حكومة نتنياهو. وقد ارتفعت شعبية حزبه لفترة وجيزة في استطلاعات الرأي، لكن آيزنكوت كان متحفظاً تجاه فكرة قبول دور ثانوي، وعندما شكل بينيت ولبيد تحالفاً في أبريل/ نيسان تحت اسم “بياحد” (معاً)، منحاه فرصة أخيرة للانضمام، لكنه رفض. وكان حساباته السياسي سهلة القراءة: لماذا بينيت وليس هو؟

وسرعان ما كشفت استطلاعات الرأي عن هشاشة موقف بينيت؛ حيث كلفه تحالفه مع لبيد فقدان الدعم في أوساط اليمين، في حين أن قبضته على الناخبين الوسطيين لم تكن راسخة قط. (فقد كان وصول بينيت إلى منصب رئيس الوزراء في عام 2021 نتاجاً لتقلبات وهندسة السياسات الائتلافية، على الرغم من أن حزبه لم يكن يملك سوى سبعة مقاعد فقط من أصل مئة وعشرين مقعداً في الكنيست).

وكان أعضاء حملة بينيت حريصين على تحذيري من أنه بوجود آيزنكوت كشخصية قيادية للمعارضة، قد تصبح الانتخابات مجرد “إعادة إنتاج” للتحديات السابقة التي قادها سياسيون من وسط اليسار ضد نتنياهو، مثل: غانتس، ولبيد، وتسيبي ليفني، وإسحاق هرتسوغ. وقال أحد مصادر الحملة: “غادي يتمتع بنسبة تعاطف عالية، وفقدَ ابنه، وهو شخص محبوب.. إنهم يعتقدون أن ذلك سيؤدي الغرض”.

من جانبه، أكد بينيت نفسه على مؤهلاته اليمينية في الملف الأمني، قائلًا لي: “إذا أردنا الفوز، يجب أن نتحد. علينا أن نتعلم من أخطاء الانتخابات السابقة، وأن نجتمع في غرفة واحدة ونتخذ القرارات حتى يتصاعد الدخان الأبيض. لا يزال الوقت مبكراً.”

واتفق آيزنكوت مع ضرورة الوحدة، لكنه ابتسم وأوضح أن مسألة القيادة، في رأيه، قد حُسمت بالفعل. بل إنه تنبأ بما سيفعله نتنياهو بعد خسارته. وقال لي: “أعتقد أنه سيأخذ حقائبه ويمضي، مثلما فعل فيكتور أوربان… لا أظنه سيبقى في صفوف المعارضة، بل أعتقد أنه سيتقاعد.”

وكان آخرون أقل يقيناً، فقد وصف مصدر مقرب من رئيس الوزراء السياسيات الائتلافية في إسرائيل بأنها “سيرك”؛ فقد يبرز آيزنكوت من الانتخابات باعتباره الشخصية المهيمنة في المعارضة ومع ذلك يفشل في تشكيل حكومة: “وحينها، من يدري؟”.

وأكد آيزنكوت أنه لو غادر نتنياهو المشهد حقاً، فستتاح لإسرائيل على الأقل فرصة لتخفيف حدة الاستقطاب وإصلاح مكانتها في الخارج، وكان هذا هو جوهر طموحه الآني. وقال: “لدينا فرصة الآن لبناء دولة يهودية حقيقية… سنمتلك القدرة على تصحيح الانقسام الرهيب الذي نشأ خلال عهد نتنياهو، وإعادة إسرائيل إلى قيم ديفيد بن غوريون”، وهو أحد مؤسسي الدولة وأول رئيس وزراء لها.

ويشغل مقر حملة آيزنكوت الطابق الثاني من برج مرتفع في “رمات هشارون”، شمال تل أبيب. ومدير حملته، رونان مانليس، هو ضابط ذكي سابق في الاستخبارات العسكرية من أصل روسي، خدم تحت إمرته لأول مرة خلال الانتفاضة الثانية بالقرب من نابلس، ولاحقاً في مقر “الكرياه”، المجمع العسكري في تل أبيب. وبصفته عميداً، كان مانليس أيضاً متحدثاً باسم الجيش الإسرائيلي بين عامي 2017 و2019. وهو لا يخجل إطلاقاً من الترويج لمرشحه أمام الزوار.

وقال لي مانليس خلال زيارتي الأولى إلى رمات هشارون: “يتمتع غادي بالثقل الكافي للقيام بهذا العمل خطوة بخطوة. إنه أحد أذكى الأشخاص في إسرائيل، فهو داهية، وسياسي أكثر مما يعتقد الناس. إنه محبوب؛ فالناس يقتربون منه ويقبلونه. ويخبرني سائق تاكسي أنه ‘قادوش’ أي مُقَدَّس، شبيه بالإله. إنه ما تحتاجه البلاد، وهذه تشبه معركة بايدن ضد ترامب في عام 2020، إنها معركة من أجل روح الأمة. والشخص الوحيد القادر على فعل ذلك هو غادي. وإذا خسّرناها، فلست متأكداً مما إذا كانت ستتوفر لنا فرصة أخرى.”

ولم يكاد يلتقط أنفاسه حتى تابع قائلاً: “على مدار جيل كامل، لم نعرف حقاً سوى رئيس وزراء واحد. ولذلك يعتقد الناس أنك بحاجة إلى إجادة اللغة إنجليزية، ومساحيق تجميل، وجهاز التلقين، والتصفيق الحار في الكونغرس. لكننا بحاجة إلى شيء آخر. نحن بحاجة إلى النقيض تماماً.”

وهكذا جرت الأمور. وفي النهاية، استنفد مانليس رغبته في الدعاية وبدأ يستعرض دوره الآخر: الرجل الصارم المستعد لمحاربة نتنياهو بأسلحته الخاصة. وعندما سألته عن الاستعانة بأحد أتباع آرثر فينكلشتاين، ابتسم وأشار إلى أن عدة أعضاء فريق العمل قد عملوا ضمن دائرة نتنياهو. وأبدى إعجابه بيوناتان أوريش، المستشار الإعلامي لنتنياهو الذي خضع لثلاثة تحقيقات جنائية.

وقال مانليس: “انظر، لا يمكنك هزيمتهم إذا لم تلعب لعبتهم. للأسف، نجح بيبي بكل هذه القاذورات. وإذا كنت أريد الفوز، فأنا بحاجة إلى أشخاص يعرفون كيف ينجحون.” ولم يكن يكترث إن انتقدت صحيفة “هآرتس” اليسارية الحملة لاتباعها أساليب فينكلشتاين: “لن نهزم نتنياهو بمجرد استمالة قراء هآرتس وحددهم. نحن بحاجة إلى جذب ناخبين من بين المعسكرات المختلفة”.

بحلول هذا الوقت، بات بمقدور أي شخصية في الحياة العامة الإسرائيلية أن يتوقع أشرس خطوط الهجوم التي يلجأ إليها نتنياهو؛ وعلى رأسها محاولته وصم آيزنكوت بـ “الموالاة للعرب”. ففي انتخابات سابقة، حذّر نتنياهو من تدفق الناخبين العرب “بأعداد غفيرة” للتصويت لصالح المعارضة. وتجمع هذه التكتيكات بين العنصرية والنفاق؛ فمع أن العرب الفلسطينيين يشكلون نحو خمس سكان إسرائيل، إلا أن تشكيل حكومة تعتمد على الأحزاب العربية لا يزال يُعتبر على نطاق واسع يفتقر إلى الشرعية السياسية. ومع ذلك، بحث نتنياهو نفسه إمكانية ضم منصور عباس، رئيس القائمة العربية الموحدة (راعم)، وهو حزب إسلامي في الكنيست، إلى ائتلافه، قبل أن ينضم عباس في نهاية المطاف إلى الحكومة قصيرة الأجل التي ترأسها بينيت ولابيد.

ولن يمنع أيٌّ من هذا نتنياهو من استخدام السلاح نفسه مجددًا. وتُعد “القناة 14” الأداة الأكثر فعالية فيما يُعرف بـ “آلة السم” التابعة له، وهي منفذ إعلامي تجعل شاشته قناة “فوكس نيوز” تبدو وكأنها شبكة “ديموكراسي ناو!”. ولفترة من الوقت، أبدت القناة تحفّظاً في مهاجمة والد جندي قُتل في الحرب، لكن ذلك التردد تبدد الآن؛ إذ هاجمت مؤخراً حملة آيزنكوت الانتخابية بذريعة التودد إلى الناخبين العرب.

ولا يوفر السجل العسكري لآيزنكوت أي حصانة من إدانات اليمين؛ ففضلاً عن كونه القائد العسكري الأعلى في عهد نتنياهو، فقد خدم في لبنان والضفة الغربية، ويرتبط اسمه ارتباطاً وثيقاً بـ “عقيدة الضاحية” التي تدعو إلى استخدام قوة غاشمة وغير متكافئة ضد المناطق التي تنشط فيها التنظيمات المسلحة، بما في ذلك التدمير الواسع للبنية التحتية المدنية (وتشير “الضاحية” إلى الضواحي الجنوبية لبيروت ذات الأغلبية الشيعية، حيث معقل حزب الله الرئيسي). غير أنه في إسرائيل اليوم، قد تشير الخدمة الطويلة في المؤسسات العسكرية أو الاستخباراتية إلى درجة مشبوهة من الاعتدال؛ فقد خلص العديد من القادة السابقين، الذين صقلتهم عقود من مواجهة المسلحين ومراقبة فشل المفاوضات، إلى أن حل الدولتين أو صيغة من الانفصال عن الفلسطينيين يُعد أمراً ضرورياً، سواء كمبدأ أخلاقي أو كضرورة عملية لبقاء إسرائيل. وسيسعى نتنياهو إلى تصوير آيزنكوت باعتباره ينتمي إلى تلك الفئة. وفي هذا السياق، قال لي نداف إيال، المحلل السياسي في صحيفة “يديعوت أحرونوت” اليومية البارزة: “في الماضي، كان الجنرال يحظى بالتقدير التلقائي لمكانته دون تشكيك، أما اليوم فلم يعد الأمر كذلك؛ اليوم يُصنّف فوراً كـ يساري”.

وتتوقع الحملة الانتخابية أن يحوّل نتنياهو مسيرة آيزنكوت العسكرية الطويلة إلى سلاح ضده، وتُعد “قضية أزاريا” نموذجاً بارزاً لذلك؛ ففي عام 2016، أطلق جندي إسرائيلي يُدعى إليئور أزاريا النار على مهاجم فلسطيني جريح وممدد على الأرض عاجزاً عن الحركة، فأرداه قتيلاً. حينها، أكد آيزنكوت أن أزاريا انتهك المبادئ الأخلاقية للجيش وأيد محاكمته، بينما سارع نتنياهو، بعدما لمس موجة جارفة من التعاطف مع الجندي على منصات التواصل الاجتماعي، إلى الاتصال بوالد أزاريا والترويج لمفهوم “التوازن” في الإجراءات القضائية.

ولا يتردد مانيليس في تحويل مأساة فقدان مرشحه لنجله إلى رصيد سياسي؛ إذ قال لي: “إن وفاة ابنه هي بمثابة ضمانة لعدم اتخاذه أي قرارات قد تشكل خطورة على الأمة”. ويرى مانيليس أن جوهر عمله يكمن في قطع الطريق على نتنياهو لمنعه من رسم الصورة الذهنية لآيزنكوت أولاً. وبنبرة تجمع بين الدهاء والاعتزاز، أخرج هاتفه واستعرض أمامي مقطع فيديو على إنستغرام يتضمن معزوفة انتخابية لحزب الليكود تُغنى باللغة العربية، تُذكّر بتودد نتنياهو لـ منصور عباس. وعلق مانيليس قائلاً: “لا أرى في ذلك أي عنصرية؛ نحن فقط نرد عليه بأسلوبه وأدواته، وعلينا أن نحسم المعركة لصالحنا”.

ثم أراني مقطع فيديو آخر من أشرطة الحملة؛ يُعيد استخدام إعلان لنتنياهو يعود لانتخابات عام 2015 يقول فيه: “أنت من سيحدد من يحمي أطفالك!”، مع إظهار نتنياهو عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي وهو يتجول وسط الركام المتفحم للكيبوتسات التي أحرقتها حماس. وقال لي مانيليس: “إذا كانت لديك رغبة في الخسارة، فلا تستعن بشخص تتلمذ على يد آرثر فينكلشتاين، وتجنب خوض حملة هجومية، واكتفِ بالحديث عن القضية الفلسطينية والتعبير عن إعجابك بمنصور عباس… ثم انتظر لترى ما سيحدث في الخريف”.

وكأنما لجأ المقطع لإثبات صحة وجهة نظر مانيليس حول حتمية خوض مواجهة شرسة، نشرت حملة نتنياهو في منتصف يوليو/تموز مقطع فيديو صُمم بواسطة الذكاء الاصطناعي، بدا وكأنه يتجاوز كل حدود اللباقة والذوق العام.

وأظهر المقطع، الذي شاركه نتنياهو بنفسه، آيزنكوت وهو يركض عبر مرج نحو شاب يرتدي قميصاً كُتب عليه شعار “الوحدة الإسرائيلية”، غير أن آيزنكوت يتجاهل الشاب ويتجاوزه ليرتمي في أحضان منصور عباس. وأشارت التغطيات الإخبارية في مختلف وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى أن الشاب المذكور يُشبه نجل آيزنكوت الراحل “غال”. وكانت عيناف زانغاوكر، وهي أم لرهينة كان محتجزاً في غزة وداغمة سابقة لرئيس الوزراء، من بين العديد داخل إسرائيل ممن اعتبروا الفيديو سلوكاً دنيئاً يجسد التكتيكات الصارخة لحملة نتنياهو؛ إذ كتبت على منصة (إكس): “عندما بدأ عرض الفيديو ورأيت غادي يركض بذراعين مفتوحتين، خالجني شعور بأننا سنرى من الطرف الآخر ابنه الراحل غال يركض نحو أحضان أبيه. عناقٌ كهذا كان ليدفئ القلب… لكن عن أي شيء كنت أبحث؟ هذا هو نتنياهو”.

إن أحد الهواجس التي تُقلق مضجع حملة آيزنكوت يكمن في دونالد ترامب؛ فهل يتدخل الرئيس الأمريكي في اللحظات الأخيرة لنجدة نتنياهو؟ يتساءل مانيليس عما إذا كان ترامب سيصنع لنتنياهو ما حاول جيه دي فانس فعله لفيكتور أوربان عبر خوض حملة انتخابية لصالحه في بودابست. ومع ذلك، يظل مستوى الدفء المتبقي في هذه العلاقة، إن وجد، أمراً غير جليّ؛ فقد كتاب ماغي هابرمان وجوناثان سوان الأخير، “تغيير النظام“، تفاصيل مكالمة هاتفية صادمة انقلب فيها ترامب على نتنياهو قائلاً: “الجميع سئموا منك يا بيبي؛ كل اليهود سئموا منك، بل حتى اليهوديان اللذان يحضران هذه المكالمة سئما منك أيضاً”. ورغم ذلك، يدرك مانيليس تماماً تقلبات سلوك الرئيس الأمريكي وصعوبة التنبؤ به، إذ قد يظل ترامب يفضل “الشيطان الذي يعرفه”. وقال لي مانيليس: “قد تشكل إدارة ترامب العُنصر الكفيل بتقليب موازين اللعبة”.

وتقتات الحملات الانتخابية على تطورات اللحظة، وتعيش على وقع استطلاعات الرأي المتلاحقة. وبينما كان آيزنكوت والمعارضة برمتها يحققون صعوداً لافتاً، ناولت نوام بار-ليف، رئيسة طاقم آيزنكوت، هاتفها لمانيليس في إحدى الليالي. ألقى مانيليس نظرة على الشاشة ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة، وقال: “هذا أمر مذهل… لقد حظينا بيوم حافل بالانتصارات على منصة بوليماركت!”.

على الطريق المؤدي إلى الخليل، ثاني أكبر مدن الضفة الغربية بعد القدس الشرقية؛ كنتُ أستقل السيارة برفقة “يهودا شاؤول”، الذي خدم في الخليل ضمن صفوف الجيش الإسرائيلي إبان الانتفاضة الثانية، قبل أن يدفعه شعوره بالخيبة إلى المشاركة لاحقاً في تأسيس منظمة “كسر الصمت”؛ وهي رابطة تضم نشطاء من قدامى المحاربين يوثقون اعتداءات المستوطنين، والمساعي الإسرائيلية المحمومة لابتلاع الأراضي الفلسطينية المحتلة دون الإعلان عن ضمها رسمياً. كان معبر ترقوميا جنوباً، والذي كان يغص عادةً بالمسافرين الفلسطينيين، خالياً إلا من الهدوء؛ فمنذ أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، فرضت قوات الأمن الإسرائيلية قيوداً مشددة على حركة الفلسطينيين في أرجاء الضفة الغربية كافة. وفي الوقت ذاته، تصاعد عنف المستوطنين بشكل مثير للقلق عبر أرجاء المنطقة، ممتدًا من القرى القريبة من جنين شمالاً إلى تلال الخليل جنوباً؛ إذ يشن مستوطنون شبان مسلحون، ينتمي أغلبهم إلى بؤر استيطانية عشوائية ويسعون لترهيب القرويين الفلسطينيين، غارات متكررة تشمل ذبح الماشية، وإضرام النيران، وإلحاق الأذى الجسدي بالسكان. ويعلم الفلسطينيون تماماً أنهم لا يستطيعون انتظار أي حماية تُذكر من القوات الإسرائيلية، وربما أقل من ذلك بكثير من جهاز الشرطة الخاضع لوزارة إيتمار بن غفير.

لقد زرتُ الخليل مرات عديدة على مر السنين، لكنها تبدو الآن أكثر إثارة للرعب من أي وقت مضى إذ يسود أجزاءً كبيرة من المدينة صمتٌ كصمت المقابر. وتفرض قوات الجيش قواعد صارمة ومتقاطعة بتعقيد ملتوٍ حول الأماكن التي يُسمح أو يُحظر على الفلسطينيين الترجل أو القيادة فيها، عبر متاهة مربكة من الشوارع “المعقمة”، بينما يكتوي القليل من السكان العرب المتبقين بهذه السلسلة من القيود. قال شاؤول: “في الوقت الحالي، ينظرون إلى غزة ويعلمون أن الإسرائيليين يتصرفون بلا رادع لقسوتهم. لكن ستأتي لحظة يتساءل فيها الشباب الفلسطيني: “لماذا نتقبل كل هذا؟”. وهذه كارثة محققة تنتظر لحظة انفجارها، وأخشى أنها ستكون على غرار سيناريو رفح”.

ويقطن مدينة الخليل نحو مائتين وثلاثين ألف فلسطيني، بينما تتولى كتيبة كاملة من الجيش حماية زهاء ثمانمائة مستوطن يهودي. وفي مستوطنة “كريات أربع”، معقل الاستيطان الرئيسي في الخليل الكبرى، يوجد نحو ثمانية آلاف نسمة، من بينهم بن غفير نفسه. توقفتُ برفقة شاؤول لفترة وجيزة أمام منزل بن غفير الخاضع لحراسة أمنية مشددة من قِبل مسلحين حيث يعيش هناك مع زوجته أيالا وأطفالهما. ويُقال إنهما زارا في موعدهما الأول قبر باروخ غولدشتاين القريب، وهو طبيب ومستوطن مولود في أمريكا فتح النار من بندقية هجومية في 25 فبراير/شباط 1994 على جمع من الفلسطينيين أثناء الصلاة في الحرم الإبراهيمي، فقتل تسعة وعشرين مصلياً وجرح مائة وخمسة وعشرين آخرين.

إن الخليل هي “بلفاست” الضفة الغربية؛ جغرافيا ضيقة ومكانٌ يفيض بالعديد من التراكمات التاريخية المترعة بالدماء والتعصب الديني. فبالنسبة لليهود، لا تزال مذبحة عام 1929 وكأنها حدثت بالأمس؛ وبالنسبة للفلسطينيين، فإن غولدشتاين ما زال حياً بفكره ونهجه.

لقد كسبت حركة “إسرائيل الكبرى” أحد أهم مواطئ أقدامها وأكثرها تأثيراً في الخليل خلال أبريل/نيسان 1968؛ عندما وصل موشيه ليفينغر، وهو حاخام أرثوذكسي، ومجموعة صغيرة من أتباعه تظاهروا بأنهم سياح سويسريون إلى فندق “بارك” المملوك لعرب لإقامة طقوس عشاء الفصح. كان ذلك بعد أقل من عام على انتصار إسرائيل في حرب الأيام الستة واستيلائها على غزة من المصريين والضفة الغربية والقدس الشرقية من الأردن. وبعد انتهاء العيد، رفض ليفينغر وأتباعه المغادرة بل لم يغادروا قط حيث أقاموا في نهاية المطاف مستوطنة “كريات أربع”، في إجراء اعتبروه محاكاة لشراء إبراهيم لمغارة الأنبياء (الحرم الإبراهيمي) في العصر البرونزي.

وكتب موشيه مايفسكي، المؤرخ الرسمي لمستوطنة كريات أربع: “إن فرادة الخليل تكمن في جوهرها الروحي المترسخ في فجر تاريخنا الوطني إذ أن الاستحواذ على أرض إسرائيل بمعناه العملي حدث لأول مرة هنا”. هذا النمط من الاستيطان، الذي يقوم على الاستيلاء المتبوع بموافقة حكومية ضمنية في النهاية، أصبح جزءاً من نهج ميّز احتلال الضفة الغربية منذ ذلك الحين.

وفي أواخر السبعينيات، أجرى الصحفي والمؤرخ الإسرائيلي عاموس إيلون مقابلة مع ليفينغر في الخليل، وسأل الحاخام عما إذا كان يؤيد منح حق التصويت للعرب في إسرائيل الكبرى؛ فأجاب ليفينغر: “أنا أتفق مع أن العرب خُلقوا أيضاً على صورة الله، لكن المشكلة تكمن في معارضتهم لأن تكون هذه دولة يهودية. لذا، يجب أن تُقدَّم يهودية هذه الدولة على كونهم خُلقوا على الصورة الإلهية… يجب إخضاع الديمقراطية للغايات الوطنية والدينية لإسرائيل؛ فهل يُمنح السراق واللصوص الحقوق المدنية في الولايات المتحدة؟”.

وقال المستشار القانوني لليفينغر، إيلياكيم هاعتسني، لإيلون إنه ترك ممارسته للمحاماة وأجّر بيته في تل أبيب لينتقل إلى الخليل، مستطرداً: “أنا رجل في غاية السعادة؛ فالأرض الحقيقية هنا في كريات أربع وليست في تل أبيب… كريات أربع لم تُوجد للدفاع عن تل أبيب بوجه الهجوم العربي، بل العكس هو الصحيح؛ تل أبيب هي التي أُوجدت لحماية كريات أربع”.

وبينما كنت أسير برفقة شاؤول عبر أزقة الخليل ونتناقش حول تصاعد عنف المستوطنين في الآونة الأخيرة، استرجع ذكريات خدمته العسكرية هناك كجندي شاب حيث كان الإسرائيليون يشنون مداهمات ليلية تهدف إلى بث الرعب في نفوس السكان، وهي ممارسة أطلقوا عليها حينها “إثبات وجودنا”. أما الآن، ومع بسط بن غفير وسموتريتش صلاحيات واسعة على الضفة الغربية، فقد أصبح المناخ أكثر شؤماً بدرجة لا تُقاس.

وقال شاؤول: “هل رأيت من قبل نضالاً ضد الاستعمار يرضخ فيه السكان الأصليون وهم يشكلون الأغلبية؟ هؤلاء ليسوا “الهنود الحمر” في أمريكا؛ والهدوء المخيم على الخليل ليس سوى تمويه مجافٍ للحقيقة. أنظر إلى الأرقام؛ هذه ليست الصين والتبت، وإسرائيل لا تملك عشرات الملايين من اليهود لغمر الفلسطينيين ديموغرافياً. إن هذه السياسات الجغرافية الصارمة ليست إلا علامة ضعف في مواجهة الواقع الديموغرافي… وهكذا تماماً تحكم الأقليات”.

نبرة التوجس هذه عكسها ما سمعته في يافا من رولا داوود، إحدى قيادات حزب “مكان لنا جميعًا”، وهو حزب عربي يهودي صغير. حيث قالت: “هناك شيء سينفجر، لا يمكنك سلب حقوق الناس والاعتقاد بأنهم سيجلسون هادئين”. وتذكرت داوود رؤيتها لمستوطن يتعرى تمامًا في الشارع في الخليل، ليتعمد إهانة المسلمين المتدينين حوله؛ وقالت لي: “إنها طريقة أخرى لغزو الأرض”.

قادتني السيارة أنا وشاؤول خارج الخليل باتجاه التلال القاحلة نحو قرية سوسيا؛ حيث كان الرعاة يرعون قطعانًا صغيرة بجانب طريق يؤدي إلى مجموعة من المساكن المتهالكة. وهناك التقينا بناصر نواجعة، وهو رجل هادئ في أوائل الأربعينيات من عمره يعمل كباحث ميداني لصالح منظمة “بتسيلم” لحقوق الإنسان. ويقضي أيامه في تسجيل أعمال عنف المستوطنين في التلال، ويقدر أن هناك حادثة تقع في مكان ما بالمنطقة كل بضع ساعات.

وُلد نواجعة عام 1982 في مغارة بقرية سوسيا القديمة. وبعد أربع سنوات، وعلى إثر إعلان السلطات الإسرائيلية القرية موقعاً أثرياً، كان مع عائلته ضمن السكان الذين جرى تهجيرهم من منازلهم. ويقول نواجعة إن تجربة حياته الأكثر تأثيراً جاءت بعد سنوات؛ حين اعتُقل وهو في السابعة عشرة من عمره برفقة عدد من أبناء القرية، ووُجهت إليهم اتهامات بشن هجوم لا علم لهم به، حيث خضعوا للاستجوب طوال الليل وأجسادهم محنية، و”أنوفنا وأفواهنا في التراب”.

ويضيف نواجعة: “في الصباح، أدركوا أن لا علاقة لنا بالأمر فأطلقوا سراحنا. اقتربنا من التل القريب من منزلنا فلم أجد قريتنا! أين اختفت خيامنا ومنازلنا؟ وعندما وصلت إلى هنا، رأيت الناس يبكون ووجوههم معفرة بالتراب؛ لقد جاء الجيش الإسرائيلي وهدم القرية بأكملها. أكثر من ثلاثين عائلة، في هذا الموقع تماماً حيث نجلس الآن”.

ويسترجع نواجعة تلك اللحظات قائلاً: “كنت ممتلئاً بالكراهية. لو أُعطيت حزاماً ناسفاً حينها لفجرت نفسي في تلك اللحظة من شدة كراهيتي لليهود. قضيت ليلة هنا وأنا أفكر فيما مررت به وفكرة الانتقام تراودني. وفي الصباح التالي، وصلت مجموعة من اليهود، حافلات مليئة بالناشطين اليهود الذين جاءوا لإعادة بناء منازلنا. لقد أحدث ذلك زلزالاً في عقلي! من هؤلاء؟ هل هم عملاء؟ فبالأمس فقط هدم اليهود بيوتنا. دفعني ذلك للتفكير، وعندها أدركت تماماً أنني أقف عند مفترق طرق: إما الانجراف إلى العنف أو سلوك مسار مختلف ينبذ العنف. واخترت هذا المسار”.

غير أن المسار كان شاقاً؛ فنواجعة يرعى والداً طاعناً في السن وعليلاً، إلى جانب طفلة في الخامسة من عمرها تعاني إعاقات جسدية وإدراكية شديدة. وذكر أنه تعرض للاعتقال والاحتجاز مراراً، فضلاً عن منعه من زيارة المسجد الأقصى في القدس. وقال: “أنا عدو بالنسبة لنظام الاحتلال، وعلى الجانب الفلسطيني، تشعر دائماً بالحاجة إلى شرح موقفك لأولئك الذين لا يتفهمون وجود ناشطين يهود وفلسطينيين يعملون معاً”.

وعندما يتصل نواجعة وغيره من الناشطين بالشرطة للإبلاغ عن أعمال التخريب أو العنف التي يرتكبها المستوطنون، يعمد عناصر الشرطة أحياناً إلى اقتياد الناشطين أنفسهم إلى قاعدة مجاورة واستجوابهم لساعات؛ إذ كثيراً ما تربط عناصر الشرطة والمستوطنين أواصر صداقة أو قرابة. ويقول نواجعة: “إنهم يعاملون الحيوانات بطريقة أفضل مما يعاملوننا بها”.

ويرى نواجعة أن المخطط كان واضحاً: “تنغيص” حياة أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية، وحين تسمح الظروف السياسية، ضم تلك الأراضي لإنشاء “إسرائيل الكبرى”، وهو المستقبل الذي تخيله موشيه ليفينغر قبل عقود.

ويعتبر نواجعة أن أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول / تشرين الأول وفرت “فرصة ذهبية” لليمين المتطرف للمضي قدماً في أجندته. ويعتريه قلق بالغ من أنه حتى لو أنهت انتخابات أكتوبر/تشرين الأول حكومة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش، فإن أي حكومة معارضة بقيادة آيزنكوت أو غيره ستفتقر إلى الإرادة أو القدرة السياسية لرسم مسار مختلف جذرياً.

ويوضح قائلاً: “حسبما أرى، سيكون هناك تغيير، لكنه لن يكون دراماتيكياً. قد يحمي آيزنكوت “الديمقراطية” والمحاكم داخل إسرائيل، لكن فيما يتعلق بالفلسطينيين، لن تتغير الأمور كثيراً”.

ولا تقتصر حالة الاستنفار هذه على الناشطين الفلسطينيين فحسب؛ ففي يونيو/ حزيران، بعث العشرات من كبار القادة السابقين في المؤسسة الإسرائيلية بمن فيهم رؤساء وزراء وجنرالات وحائز على جائزة نوبل ورؤساء سابقون للموساد برسالة إلى نتنياهو وبن غفير وسموتريتش ووزراء آخرين، احتجاجاً على “الإرهاب اليهودي” في الضفة الغربية. وأشاروا إلى جرائم قتل وعنف جنسي وتدنيس لحرمة الموتى تُرتكب، على حد قولهم، في ظل “إفلات تام تقريباً من العقاب”. وحذر تامير باردو، رئيس الموساد السابق، في الرسالة من أن الفشل في إيقاف هذا العنف يمثل “تهديداً وجودياً لدولة إسرائيل ويخاطر بوقوع مذابح أخرى على غرار أحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول”. وهدد الموقعون باتخاذ إجراءات قانونية، مشيرين إلى أن العنف في الضفة الغربية “يعيد إلى الأذهان جرائم ومذابح مماثلة ارتكبت بحق شعبنا على يد أمم أخرى في شرق أوروبا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين”.

لم يرد نتنياهو، إذ عادة ما يخصص مقابلاته باللغة العبرية للقناة 14 ويتحدث بحرية أكبر للصحافة الأجنبية. وعندما يتطرق إلى الأزمة في الضفة الغربية، فإنه يلجأ إلى أساليب بلاغية للتقليل من حجمها إذ ألقى باللوم في مقابلة حديثة مع شبكة “سي إن إن” على مجموعة صغيرة من الشباب المتطرفين، قائلاً إنهم “نحو مائة وخمسين شخصاً ممن يمكن تسميتهم بالأحداث الجانحين”، وزعم أنهم ليسوا مستوطنين.

وبالنظر من الخارج، قد يبدو إحكام نتنياهو قبضته على السلطة أمراً مستعصياً على الفهم بعد سنوات من الفضائح والبطش والهجوم على المؤسسات الديمقراطية. ورغم الخطر الذي يتهدده في استطلاعات الرأي الحالية، إلا أنه قد يصمد لسبب بسيط: فهو يجيد اللعب على وتر الخوف، وقد صور نفسه على أنه الرجل الوحيد الذي يملك من القسوة ما يكفي لحماية الإسرائيليين.

ونقل لي نداف إيال، المحلل السياسي في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، تفاصيل لقائه مؤخراً بامرأة في كفار عزة، إحدى الكيبوتسات الأكثر تضرراً من هجوم حماس، حيث كانت تبكي وتقول إنها لم تعد قادرة على العيش بالقرب من الفلسطينيين. وقال لي إيال: “إذا فاز نتنياهو، فستكون تلك هي الأسباب. هذا ما لا يفهمه الكثيرون؛ فالشعور السائد داخل إسرائيل، والذي يستوعبه نتنياهو جيداً، يتعلق بشدة بما حدث وكيف أثبتت الأحداث صحة مخاوفك الكبرى. من الخارج، بدا السابع من أكتوبر/ تشرين الأول وكأنه جولة أخرى من العنف انتهت بمقتل سبعين ألف شخص. لكن الحقيقة أن ما حدث في ذلك اليوم لم يسبق له مثيل هنا؛ كانت مأساة حركت عمق التجربة اليهودية عبر آلاف السنين. من هنا يستمد نتنياهو قوته ويحافظ عليها: تشكيكه المستمر، وعدم ثقته بالمنطقة المحيطة به، وتمسكه بمفهوم “الجدار الحديدي”، وقدرته على الاستثمار في النفسية الإسرائيلية؛ فهو يمثل حالة من الشك العميق تجاه العرب ما لم يقبلوا بالهيمنة الإسرائيلية على الأرض”.

كان إيال يرسم ملامح الأرضية العاطفية التي يأمل نتنياهو النجاة من خلالها. أما الرد الذي استقرت عليه حملة آيزنكوت، فكان يعتمد على إبراز التباين في الشخصية بدلاً من تقديم أيديولوجية منافسة. وفي أواخر يونيو/حزيران، أطلق آيزنكوت رسمياً حملة حزبه “ياشار” من مركز للفعاليات في هود هشارون شمال تل أبيب. كان المهرجان المخطط له بعناية يُدار بسلاسة. وخلال استقبال أقيم في الهواء الطلق قبل التجمع، لمحت ناحوم برنياع، عميد الصحافة الإسرائيلية، البالغ من العمر واحداً وثمانين عاماً، بجسده النحيل كالقصبة وهو يتنقل بين مواعيده بالدراجة. ولطالما كان برنياع ناقداً لاذعاً للعديد من رؤساء الوزراء بمن فيهم نتنياهو، لكنه بدا مشجعاً لترشح آيزنكوت، ولا سيما ما يعكسه من انطباع بالاستقامة.

وقال لي برنياع: “يمكنه إيقاف النزيف في مجالين”؛ الأول هو مكانة إسرائيل في العالم: “هل تتذكر الحملة الإعلانية القديمة لـ “سفن أب”؟ إنه يمثل الخيار البديل والمختلف”. أما المجال الثاني فهو حالة الاستقطاب وحدّة الخطاب السياسي؛ إذ يمكن لآيزنكوت أن يجسد نمطاً مختلفاً من الشخصيات العامة: “إنه مضلل؛ فالناس يرون رجلاً بديناً كالدب، دافئاً وبسيطاً في تعامله، لا يبدو كجنرال. لكنه ليس بالشخص العادي على الإطلاق؛ إنه جاد للغاية. ونعم، لقد فقد ابنه في الحرب، وهو يعلم أن فاجعته تشكل مزية سياسية، دون أن يستغل ذلك بأسلوب انتهازي. إنه يمثل العودة إلى مفهوم الخدمة العامة”.

ومع انطلاق أنشودة “غولاني شيلي” (غولاني خاصتي)، نشيد اللواء القديم لآيزنكوت، من المكبرات، صعد المرشح إلى المنصة وسط تصفيق حار. لم يحمل خطابه نبرة أيديولوجية، وخلا تماماً من أي حديث عن دولة فلسطينية؛ فقد بُنيت الحملة حول مفاهيم الخدمة، والتضحية، والإصلاح، والترميم. أما ما إذا كانت هذه الشعارات قادرة على منافسة المخاوف التي دأب نتنياهو على تغذيتها لسنوات، فذاك سؤال ستجيب عنه صناديق الاقتراع.

المصدر: نيويوركر

الوسوم: إسرائيل من الداخل ، الانتخابات الإسرائيلية ، اليمين الإسرائيلي ، اليمين المتطرف ، تظاهرات ضد نتنياهو
الوسوم: إسرائيل من الداخل ، اليمين الإسرائيلي ، ترجمات
تحميل هذا المقال بصيغة PDF
شارك هذا المقال
فيسبوك تويتر واتساب واتساب التليجرام البريد الإلكتروني نسخ الرابط
ديفيد ريمنيك
بواسطة ديفيد ريمنيك صحفي وكاتب أمريكي
المقال السابق انتهى اتفاق كان يضيف إلى إمدادات الأردن 50 مليون متر مكعب سنويا من "إسرائيل" نصف مليار متر مكعب مفقودة.. من أين يحصل الأردن على الماء؟

نشر هذا التقرير ضمن ملف:

ترجمات

ترجمات

تقارير يترجمها "نون بوست" من الصحافة الدولية.

أحدث ما نشر في هذا الملف:

  • نتنياهو يواجه معادلة دقيقة في واشنطن
  • 23 مليون دولار لإسقاطه.. هل تهزم “أيباك” عبدول السيد؟
  • ترامب يسعى لجذب السعودية لـ”اتفاقيات أبراهام”.. والعقبات تتزايد في الإمارات
part of the design
نشرة نون بوست الأسبوعية

قد يعجبك ايضا

نتنياهو يواجه معادلة دقيقة في واشنطن

نتنياهو يواجه معادلة دقيقة في واشنطن

إيزابيل كيرشنر إيزابيل كيرشنر ٢٨ يوليو ,٢٠٢٦
23 مليون دولار لإسقاطه.. هل تهزم “أيباك” عبدول السيد؟

23 مليون دولار لإسقاطه.. هل تهزم “أيباك” عبدول السيد؟

مايكل كروز مايكل كروز ٢٨ يوليو ,٢٠٢٦
ترامب يسعى لجذب السعودية لـ”اتفاقيات أبراهام”.. والعقبات تتزايد في الإمارات

ترامب يسعى لجذب السعودية لـ”اتفاقيات أبراهام”.. والعقبات تتزايد في الإمارات

ريتشل تشيسون ريتشل تشيسون ٢٧ يوليو ,٢٠٢٦
نون بوست

منصة إعلامية مستقلة، تأسست عام 2013، تنتمي لمدرسة الصحافة المتأنية، تنتج تقارير وتحليلات معمقة ومحتوى متعدد الوسائط لتقديم رؤية أعمق للأخبار، ويقوم عليها فريق شبابي متنوّع المشارب والخلفيات من دول عربية عدة.

  • سياسة
  • مجتمع
  • حقوق وحريات
  • آراء
  • تاريخ
  • رياضة
  • تعليم
  • تكنولوجيا
  • اقتصاد
  • صحافة
  • أدب وفن
  • ريادة أعمال
  • سياحة وسفر
  • سينما ودراما
  • طعام
  • صحة
  • ثقافة
  • أحدث التقارير
  • ملفات
  • مطولات
  • حوارات
  • بودكاست
  • تفاعلي
  • الموسوعة
  • بالصور
  • من نحن
  • كتّابنا
  • اكتب معنا
  • السياسة التحريرية
  • بحث متقدم
بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تمت الإزالة من المفضلة

تراجع
Go to mobile version