نون بوست نون بوست

نون بوست

  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
الاشعارات عرض المزيد
يقف موظفون بجوار شاحنة وقود أثناء تفريغها في محطة وقود بالقاهرة، 10 مارس/آذار 2026 (رويترز)
من الحقول إلى الكهرباء.. كيف تتعامل مصر مع انقطاع إمدادات الغاز؟
نون بوست
من التحرر إلى الانبطاح.. كيف تبخّرت شعارات تراوري عند أعتاب “إسرائيل” والإمارات؟
نون بوست
لماذا تبدو دير الزور الأكثر إنهاكًا في سوريا؟
نون بوست
سلام بارد مع إيران وتحالف أعمق مع إسرائيل.. مناورة الإمارات بعد الحرب
نون بوست
كيف أصبح جنرال نتنياهو منافسه الأقوى؟
انتهى اتفاق كان يضيف إلى إمدادات الأردن 50 مليون متر مكعب سنويا من "إسرائيل"
نصف مليار متر مكعب مفقودة.. من أين يحصل الأردن على الماء؟
نون بوست
تقارب فوق حقل من الألغام.. هل تتجاوز بغداد وأنقرة إرث الخلافات؟
نون بوست
بوابة ليبيا الشرقية.. لماذا تتنافس القوى الدولية على طبرق؟
تملك تركيا قوة بحرية أكبر وأكثر تنوعًا من نظيرتها الإسرائيلية
تركيا و”إسرائيل” في شرق المتوسط.. لمن ترجح كفة القوة البحرية؟
الحرس الثوري الإيراني أنشأ خلايا صغيرة تعمل خارج الهياكل المعروفة للفصائل العراقية
المسيّرات العابرة للحدود.. كيف تصل من العراق إلى أهدافها في الخليج؟
يكشف صعود بايكار أن تركيا قطعت شوطًا واسعًا في تصميم المسيّرات وإنتاجها وتسويقها
“بايكار” التركية.. من ورشة قطع غيار إلى منظومة مُسيّرات عابرة للحدود
نون بوست
عقود تمتد إلى ما بعد 2040.. كيف تربط مصر أمنها الطاقي بإسرائيل؟
نون بوست نون بوست
الاشعارات عرض المزيد
يقف موظفون بجوار شاحنة وقود أثناء تفريغها في محطة وقود بالقاهرة، 10 مارس/آذار 2026 (رويترز)
من الحقول إلى الكهرباء.. كيف تتعامل مصر مع انقطاع إمدادات الغاز؟
نون بوست
من التحرر إلى الانبطاح.. كيف تبخّرت شعارات تراوري عند أعتاب “إسرائيل” والإمارات؟
نون بوست
لماذا تبدو دير الزور الأكثر إنهاكًا في سوريا؟
نون بوست
سلام بارد مع إيران وتحالف أعمق مع إسرائيل.. مناورة الإمارات بعد الحرب
نون بوست
كيف أصبح جنرال نتنياهو منافسه الأقوى؟
انتهى اتفاق كان يضيف إلى إمدادات الأردن 50 مليون متر مكعب سنويا من "إسرائيل"
نصف مليار متر مكعب مفقودة.. من أين يحصل الأردن على الماء؟
نون بوست
تقارب فوق حقل من الألغام.. هل تتجاوز بغداد وأنقرة إرث الخلافات؟
نون بوست
بوابة ليبيا الشرقية.. لماذا تتنافس القوى الدولية على طبرق؟
تملك تركيا قوة بحرية أكبر وأكثر تنوعًا من نظيرتها الإسرائيلية
تركيا و”إسرائيل” في شرق المتوسط.. لمن ترجح كفة القوة البحرية؟
الحرس الثوري الإيراني أنشأ خلايا صغيرة تعمل خارج الهياكل المعروفة للفصائل العراقية
المسيّرات العابرة للحدود.. كيف تصل من العراق إلى أهدافها في الخليج؟
يكشف صعود بايكار أن تركيا قطعت شوطًا واسعًا في تصميم المسيّرات وإنتاجها وتسويقها
“بايكار” التركية.. من ورشة قطع غيار إلى منظومة مُسيّرات عابرة للحدود
نون بوست
عقود تمتد إلى ما بعد 2040.. كيف تربط مصر أمنها الطاقي بإسرائيل؟
  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
تابعنا

تصدع “هيرتيج”: هل يواجه اليمين الأمريكي حربًا أهلية في حقبة ما بعد ترامب؟ 

اليزابيث زيروفسكي
اليزابيث زيروفسكي نشر في ٣٠ يوليو ,٢٠٢٦
مشاركة
نون بوست

ترجمة وتحرير: نون بوست

“لا يمكنك أبدًا إضفاء الطابع المؤسسي على الحدس الفطري لقائد شعوبي عظيم وبطولي مثل دونالد ترامب، أو تيدي روزفلت، أو أندرو جاكسون”، هكذا أخبرني كيفن روبرتس، رئيس مؤسسة “هيريتيج”، هذا الربيع، مضيفًا: “ولكن المغزى هو أنه في المستقبل، وفي مساء العشرين من يناير/ كانون الأول 2029، سيكون الرئيس ترامب قد غادر مسرح الأحداث. وعلينا نحن المحافظين أن نجيب عن السؤال: إلى أين تتجه هذه الحركة؟ وما لا يمكنها فعله – وما يجب ألا تفعله أبدًا – هو العودة إلى ما كانت عليه 20 عامًا”.

تجد مؤسسة “هيريتيج” نفسها حاليًّا غارقة في صراع داخلي يعكس ذلك الذي يعصف بالحزب الجمهوري: كيف يمكن تسخير الطاقة التي أطلقتها “الترامبية” دون أن تجتاحها بالكامل العناصر المتأثرة بنظريات المؤامرة والنزعة القومية المتطرفة، لا سيما بين الجيل الصاعد الذي لم يعرف شيئًا سواها. ولقد اعتادت “هيريتيج” منذ زمن طويل على تعيين خبرائها في مناصب رئيسية داخل الإدارات الجمهورية، كما فعلت في ولاية ترامب الأولى، وقدمت مشروعها المعروف بـ”مشروع 2025″ باعتباره الخطة الشاملة التي ستحتاجها إدارة ترامب الثانية المتشددة لتنفيذ أجندتها.

ولكن بمجرد تولى ترامب منصبه، تم تهميش “هيريتيج” بدلًا من ذلك، وبينما كانت تحاول شق طريقها للعودة إلى مركز السلطة، انغمست المؤسسة في صراعات داخلية شرسة، فقد وجد الحرس القديم من خبراء المؤسسة أنفسهم محاصرين بتدفق من المحافظين الأكثر راديكالية، والذين غالبًا ما يكونون أصغر سنًا، والذين كانوا حريصين على إعادة تشكيل مؤسسة اليمين في حقبة ما بعد ترامب على وفق أهوائهم: متسمين بالانغماس الدائم في الفضاء الرقمي، والشراسة في خوض الحروب الثقافية، ومتشددون في رفض عقائد المحافظين التي انتشرت في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

نون بوست
يعمل كيفن روبرتس، رئيس مؤسسة “هيريتيج”، على إعادة تشكيل المؤسسة المحافظة العريقة لتلائم الحزب الجمهوري في حقبة ما بعد ترامب.

جاءت اللحظة الفارقة في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، عندما نشر روبرتس مقطع فيديو على منصة “إكس” دعمًا لتاكر كارلسون، الذي واجه انتقادات واسعة النطاق لاستضافته المؤثر القومي الأبيض ومعادي السامية البالغ من العمر 27 عامًا، نيك فوينتيس، في برنامجه. وانهالت الإدانات من مختلف تيارات اليمين، حيث نأى عدد من أقرب حلفاء كارلسون بأنفسهم عنه بسبب قراره تحويل برنامجه إلى ما وصفه أحدُهم مؤخرًا، وهو الفيلسوف الإسرائيلي الأمريكي يورام هازوني، بأنه “المنصة الرئيسية لنشر معاداة السامية الشرسة في اليمين السياسي”. وسارع روبرتس للدفاع عن كارلسون، مناديًا بـ”التحالف السام الذي يهاجمه”، ومؤكدًا أن المحافظين “لا ينبغي أن يشعروا بأي التزام بدعم أي حكومة أجنبية بشكل تلقائي، مهما اشتدت الضغوط من جانب طبقة العولمة والجهات الفاعلة السيئة التي تخدم أجندة شخص آخر”.

واعتذر روبرتس لاحقًا لموظفي مؤسسة “هيريتيج” عن اختيار كلماته، التي انتقدها البعض معتبرين أنها تتماشى مع الصور النمطية المعادية للسامية، وعن “خذلانه لهذه المؤسسة”. ولكن عندما سألته عن مقطع الفيديو، أصرّ على أن مهمة “هيريتيج” تتمثل في معرفة كيفية بناء تحالف يمكنه الفوز بالانتخابات وممارسة السلطة بفاعلية. ويُظهر روبرتس، البالغ من العمر 52 عامًا، طاقةً تتسم بالود والثقة؛ حيث كان يرتدي بدلة زرقاء مفصلة بعناية مع حذاء رعاة بقر من جلد التمساح، تماشيًا مع سنوات توليه رئاسة كلية وايومنج الكاثوليكية. وقبل توليه منصبه في “هيريتيج” عام 2021، تمثل عرضه أمام مجلس الأمناء، وفقًا لموقع “ذا ديسباتش”، في قدرته على الجمع بين الروح الشعبوية الجديدة للحركة المحافظة ومؤسسة تقليدية مثل “هيريتيج”. واستطرد قائلًا في إشارة إلى فوينتيس: “لا يمكنك تكوين تحالف حاكم إذا كنت تقول: لن أتحدث حتى إلى الأشخاص الذين يستمعون أحيانًا إلى بودكاست لشخص يُعد أحمق تمامًا”. وأضاف: “هذا لا يعني أننا نؤيد ما يقوله ذلك الشخص. بل نؤيد محاولة إقناع هؤلاء الأشخاص بما هو صواب وما هو خطأ”.

نون بوست
بعد أن استضاف تاكر كارلسون المؤثر القومي الأبيض ومعادي السامية نيك فوينتيس في برنامجه، أثار دفاع روبرتس عن كارلسون ضجة كبيرة داخل مؤسسة “هيريتيج”.

بدا أن العديد من الموظفين والخبراء في مؤسسة “”هيريتيج”” يرفضون فرضية أن أمثال هؤلاء ينتمون إلى تحالفهم، ناهيك عن فكرة أن أحدًا يحاول إرشادهم إلى الطريق الصواب. وأخبرني موظفون قدامى في “هيريتيج” أن الأشخاص الذين اعتادوا التعاون معهم في مكاتب الكونغرس، ومحاكم الاستئناف، والسفارات الأجنبية، والمؤسسات الأخرى، لم يعودوا يرغبون في الارتباط علنًا بمؤسسة “هيريتيج” وما يرونه ولاءً منها لكارلسون. وفي رسالة استقالة نُشرت لاحقًا، قال جوش بلاكمان، وهو باحث قانوني عمل منذ سنوات على طبعة جديدة من “دليل “هيريتيج” للدستور”، إن المشاركين في إعداد الكتاب انسحبوا من فعالية للترويج له ورفضوا توقيع النسخ. وكتب بلاكمان أن قضاة سبق لهم التحدث في المؤسسة قالوا “إنهم لن يعودوا مرتبطين بمؤسسة “هيريتيج””.

في أعقاب نشر مقطع الفيديو الخاص بروبرتس، غادر العشرات من الموظفين. وانضم 18 منهم إلى مركز الأبحاث الجديد التابع لنائب الرئيس السابق مايك بنس، والمُسمى “تعزيز الحرية الأمريكية”، الذي أسسه بنس بعد فترة وجيزة من ترك منصبه في عام 2021، ليكون ملاذًا للمحافظين الأكثر تقليدية. (وقد استقطب المركز الأموال والخبراء، وإن لم يحقق بعد ارتفاعًا متناسبًا في مكانته).

وبدا روبرتس غير مكترث بتلك المغادرات، إذ أخبرني قائلًا: “هناك عدد قليل من الزملاء السابقين، ممن لم يبقَ منهم الكثير، أرادوا توجيه رسالة “هيريتيج” وتنفيذ تلك الرسالة على طراز حقبة الثمانينيات.. لذا، أعتقد أنه من المناسب أنهم ذهبوا إلى مركز أبحاث بنس”. واستطرد قائلًا إن بعض الباحثين، لا سيما في أقسام القانون الاقتصاد، كانوا “معتادين على تسيير الأمور على هواهم.. ومن الجيد أنهم رحلوا”.

وما بدا من الخارج وكأنه نزوح لموظفي “هيريتيج” استجابة لأزمة كارلسون، ليس في الواقع سوى جزء صغير من إجمالي 293 شخصًا غادروا المؤسسة منذ عام 2021. وقال لي العديد من الموظفين السابقين إنه بحلول وقت واقعة الفيديو، كانت تسود أجواء عامة من انعدام الأمان وخيبة الأمل، حيث كان الموظفون يتعرضون للفصل أو يستقيلون دون أي إعلان أو تفسير.

وأخبرني أحد أعضاء هيئة السياسات السابقين في “هيريتيج”، ممن تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم خوفًا من تداعيات مهنية: “كان الناس يختفون ببساطة. تأتي في عطلة نهاية الأسبوع لتجد نفسك تقول: مهلًا، عذرًا، كم عدد الأشخاص الذين لم يعودوا هنا؟”، وأطلق الموظفون على ذلك لقب “ألعاب الجوع في “هيريتيج””.

ومع تزايد التسريبات لوسائل الإعلام، وسعي المزيد من الناس لشغل وظائف في أماكن أخرى، سادت حالة من جنون العظمة. واعتقد بعض الموظفين أن أجهزة حواسيبهم في العمل تحت المراقبة، فلجأوا إلى التواصل مع بعضهم البعض عبر تطبيق “سيغنال” والهواتف المؤقتة. (وردًّا على هذا الاتهام وغيره من الاتهامات المحددة التي وجهها الموظفون السابقون، كتب أندي أوليفاسترو، رئيس مسؤولي التطوير في “هيريتيج”، في رسالة بالبريد الإلكتروني: “إن محاولتهم الأنانية والمريرة والانتقامية لتشويه سمعة “هيريتيج” من الخارج تُظهر بوضوح تام سبب عدم بقائهم داخل المؤسسة بعد الآن”).

وأخبرني العديد من الموظفين السابقين أن عملية التغيير الجماعي هذه كانت متعمدة؛ وقال لي أحد كبار المحللين السابقين في “هيريتيج”، والذي أصر على عدم الكشف عن هويته خوفًا من الانتقام المهني: “هناك حركة تتشكل في أوساط اليمين، وقد تسللت إلى مجموعة متنوعة من مؤسسات المحافظين الرئيسية وسيطرت عليها”. وهذا ما حدث في “هيريتيج”. وقال المحلل: “لقد كان أمرًا مخططًا له.. وكان انقلابًا”.

ويمكن القول إن مشاكل “هيريتيج” بدأت مع “مشروع 2025″؛ فمنذ عام 1980 أصدرت “هيريتيج” دليلًا للسياسات بعنوان “تفويض القيادة” كل أربع سنوات تقريبًا لأي إدارة جمهورية محتملة مقبلة. وقد قُدِّم كتيبها الأول الذي يقع في ألف صفحة إلى حكومة رونالد ريغان، الذي استخدمه بمثابة خارطة طريق لعصر ريغان. ولم يكن “مشروع 2025″ إعادة اختراع جذرية، بل كان إعادة صياغة للعلامة التجارية، كما كان عودة إلى التصور الأصلي لـ”التفويض” بوصفه عملًا تعاونيًا؛ فقد استقطب “مشروع 2025” مجموعة غفيرة من الأصوات ضمن ما يُسمى “اليمين الجديد” – تجاوز عددهم 50 صوتًا – بما في ذلك مجموعات مثل “أمريكان كومباس”، وهي منظمة محافظة اجتماعيًّا تدعو إلى سياسات اقتصادية لدعم الطبقة العاملة، ومجلة “أمريكان كونسيرفاتيف” التي شارك في تأسيسها باتريك ج. بوكانان، وهو أحد رواد حركة “أمريكا أولًا” والنزعة القومية والذي ترشح للرئاسة ثلاث مرات، و”معهد كليرمونت”، وهو مركز تفكير يميني يسعى لاستعادة مبادئ تأسيس أمريكا، و”مركز تجديد أمريكا” الذي أسسه رسل فوت، وهو مدافع عن الرؤية المتطرفة للسلطة التنفيذية والمدير الحالي لمكتب الإدارة والميزانية في إدارة ترامب.

ووصل روبرتس، الذي كان يشغل منصب الرئيس التنفيذي لمؤسسة تكساس للسياسة العامة، وهي معهد بحثي محافظ في أوستن، إلى واشنطن في الفترة الفاصلة بين إدارتي ترامب الأولى والثانية. ورأى الكثيرون من مثقفي “اليمين الجديد” في هذه الفترة الانتقالية فرصة لدعم الولاية الثانية لترامب، وهو شخصية تتمتع بروح السياسات الشعبوية لترامب ولكن من دون أن تحمل أعبائه.

وكان روبرتس في وضع مناسب لاستقطاب الفصائل الفكرية الجديدة المتنافسة على تشكيل الحركة، وكسب ودها أيضًا: “المحافظون القوميون” بقيادة يورام هازوني الذين اعتقدوا أن عقودًا من العولمة دمرت هوية الأمة، والكاثوليك ما بعد الليبراليين، وهي قوة متنامية بين النخبة المحافظة، الذين اعتقدوا أن اقتصاد السوق الحر والليبرالية الاجتماعية قد مزّقا نسيج الأمة، وأقطاب التكنولوجيا، الذين آمنوا بقدرة وادي السيليكون على استعادة هيمنة الأمة الأمريكية. وكان جي دي فانس أحد الشخصيات التي تحدثت بطلاقة بلغة هذه الفصائل الثلاثة جميعها.

ومن بينهم أيضًا حاكم ولاية فلوريدا، رون دي سانتيس. ووفقًا لوكالة رويترز، كانت هناك مكالمات هاتفية شبه يومية بين موظفي مؤسسة “”هيريتيج”” وحملة “دي سانتيس” الرئاسية، فضلًا عن زيارات شهرية إلى تالاهاسي، غالبًا ما كان يقوم بها روبرتس بنفسه. وفي أبريل/ نيسان 2023؛ تصدر “دي سانتيس” قائمة المتحدثين في مؤتمر الذكرى الخمسين لتأسيس “”هيريتيج””؛ حيث عرضت المؤسسة “مشروع 2025”.

نون بوست
روبرتس برفقة رون دي سانتيس، الذي يُقال إن مؤسسة “هيريتيج” أعدت “مشروع 2025” لأجله، توقعًا بأنه سيكون مرشح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة لعام 2024.

وأكد لي العديد من الموظفين في مؤسسة “هيريتيج” أن “مشروع 2025” صُمِّم في الأصل وهو يضع ديسانتيس، بصفته مفكرًا سياسيًّا إستراتيجيًّا، بنصب عينيه. غير أن انسحاب ديسانتيس من السباق الرئاسي في يناير/ كانون الثاني 2024 أجبر المؤسسة على تغيير مسارها. وعقب حسم ترامب للترشح، انهالت تغطيات إعلامية ناقدة ركزت على “مشروع 2025” وأهدافه المعلنة: التفكيك الجذري لـ”الدولة الإدارية”، وتطهير الحكومة والمجتمع المدني من مبادرات “التنوع والمساواة والشمول” المستنيرة، وإغلاق الحدود، وتكريس السلطات في يد السلطة التنفيذية.

وأنكر ترامب بشدة أي معرفة له بـ”مشروع 2025″، وهو ما فسرته وسائل إعلام عديدة بأنه تضليل وتبرؤ متعمّد. لكن موظفين سابقين عدة في “هيريتيج” كشفوا لي أن الزخم الاستعراضي للمشروع أثار غضب ترامب العارم. ووفقًا لروايتهم، شاطَ مدراءُ حملة ترامب الانتخابية، سوزي وايلز وكريس لاسيفيتا، غضبًا لعدم استشارتهما، واتصلا بالمؤسسة للمطالبة بوقف ربط “مشروع 2025” بالإدارة الجمهورية المرتقبة. (هذا ولم يستجب البيت الأبيض لطلبات التعليق المتكررة).

وعقب فوز ترامب؛ وجد روبرتس وقادة آخرون في “هيريتيج” أنفسهم في سباق مع الزمن لتعيين كوادرتهم في الإدارة الجديدة. غير أن روبرتس أقر لصحيفة “نيويورك تايمز” في أواخر عام 2024 بأن العلامة التجارية لـ “مشروع 2025” قد “تحولت إلى عبء سياسي“. وكانت هناك مجموعة من المنظمات الجديدة تتحدى الهيمنة السابقة لمؤسسة “هيريتيج”، ومن بينها “معهد سياسة أمريكا أولًا”، الذي أسسه مسؤولون من إدارة ترامب الأولى. وكانت ليندا مكمان (وزيرة التعليم المستقبلية)، وبروك رولينز (وزيرة الزراعة المستقبلية)، وبام بوندي (التي ستصبح المدعية العامة) جميعهنّ من قيادات هذا المعهد.

وطرح معهد “سياسة أمريكا أولًا” دليله السياساتي الخاص تحت عنوان “أجندة أمريكا أولًا”، والذي كان أقل صخبًا وبهرجة من “مشروع 2025″، رغم تقاطعه الجوهري معه، لكنه يمتلك ذات الفاعلية والتأثير. وفي كتابهما “تغيير النظام”، أشار صحفيا “التايمز” ماجي هابرمان وجوناثان سوان إلى أن راسل فوت لم يكن في البداية ضمن المرشحين لإدارة مكتب الإدارة والميزانية بسبب ارتباطه بـ “مشروع 2025″، ولم يصبح فوت عنصرًا محوريًا في إعادة التشكيل الجذري للحكومة خلال ولاية ترامب الثانية إلا بفضل دعم فانس والمستشار ستيفن ميلر. (وتشير “هيريتيج” إلى أن ثمة 290 من كوادرها يعملون حاليًا في الإدارة الجديدة).

لم ينفِ روبرتس هذه الرواية جملة وتفصيلًا، حتى وهو يستأثر بالفضل لنفسه وللمؤسسة في إنجازات الإدارة. وحين سألته عما يبعث على رضاه بعد انقضاء عام على الولاية الثانية لترامب، أجاب بحماس بالغ: “أنا شخصيًا، وكلنا في هيريتيج، راضون تمامًا عن كل شيء تقريبًًا. وكما تعلم، أمضينا وقتًا طويلًا في دراسة ما ينبغي للإدارة القادمة أن تنجزه”.

ثم أشار إلى نسخة من كتاب “مشروع 2025” استقرت في مكتبه وأردف: “لقد خرجنا بنحو 1900 توصية في هذا الكتاب القيّم، ويُحسب للإدارة، بدءًا من الرئيس ترامب، أنها نفذت ما يقرب من 750 منها”. وعندما أبديتُ شكوكي حول هذا الرقم، سارع إلى التوضيح: “ربما كانت أفكارًا تقاطعنا فيها مع آخرين، أو رؤى نَبَعَت منا أصالةً، لكن المغزى الأساسي هو أننا إذا اتخذنا ذلك التقرير كمعيار للتقييم، فالنتيجة ممتازة بعد عام واحد”.

وفي أعقاب ردود الفعل العكسية العنيفة تجاه “مشروع 2025″، بدا قادة “هيريتيج” مهووسين باستعادة ودّ ترامب. وقُبيل حفل التنصيب مباشرة، علّقوا لافتة ضخمة تلتف حول عدة طوابق من مبنى المؤسسة، الذي يشغل معظم المربع السكني على تخوم “كابيتول هيل”، كُتب عليها: “تهانينا، سيادة الرئيس ترامب!”، وحملت صورة لترامب رافعًا قبضته والتصقت وجهه الدماءُ أعقاب محاولة اغتياله في بنسلفانيا.

نون بوست
سعيًا لترميم علاقتها بترامب، علّقت مؤسسة “هيريتيج” لافتة تُظهر موقفه التحدي عقب محاولة اغتياله في بنسلفانيا

ووفقًا لشهادات العديد من الموظفين السابقين؛ فقد شهد اهتمام قيادة “هيريتيج” بآراء الخبراء تراجعًا تدريجيًا منذ فترة إذ تسارعت وتيرة تهميش أصحاب الخبرات العريضة في مجالات القانون والاقتصاد والتجارة والسياسة الخارجية، أي من يُعرفون بـ”المؤسسة التقليدية”. ومع الأسابيع الأولى للإدارة الجديدة، وسعي “هيريتيج” لتقريب شقتها مع ترامب، ساد المؤسسة مناخ مشحون بالضغوط؛ حتى بات كل موظف قديم لا يتبنى المسار الجديد بالكامل شخصًا غير مرغوب فيه. وفي هذا الصدد، يعلّق موظف سياسات سابق قائلًا: “كانوا مهووسين باستعادة النفوذ لدى الإدارة، وهو ما فاقم التوتر مع فريق السياسات، الذين كانوا يحتجون بقولهم: انظر، نعلم أن ترامب حريص على تطبيق هذا، لكننا طالما آمنّا، على سبيل المثال، بأن التعريفات الجمركية فكرة سلبية”.

وفي سبتمبر/أيلول 2025؛ وعقب اغتيال تشارلي كيرك خلال فعالية جامعية أثناء إجابته عن سؤال يتعلق بجرائم إطلاق النار الجماعي التي يرتكبها العابرون جنسيًّا؛ وجّه ترامب مكتب التحقيقات الفيدرالي بالتحقيق مع “جميع المشاركين” في “المؤامرات الإجرامية والإرهابية” المحلية. على إثر ذلك، قدم مايك هويل، وهو زميل زائر ومحامٍ في الثلاثينيات من عمره، وكان يدير “مشروع الرقابة” في “هيريتيج” (الذي تأسس عام 2022 لكشف ما يُزعم أنه احتيال وسوء سلوك في إدارة بايدن وبين “داعمي النظام اليساري”)، عريضة للحكومة تطالب بإدراج “التطرف العنيف الملهَم من أيديولوجيا العبور الجنسي” ضمن فئة الإرهاب الداخلي. وجاء في المذكرة: “ُقدّر الخبراء أن 50 بالمئة من حوادث إطلاق النار الرئيسية في المدارس (غير المرتبطة بالعصابات) منذ عام 2015 كانت تتضمن، أو يُرجح تضمنها، أيديولوجيا العبور الجنسي”، وذلك دون تقديم أي بيانات تُسند هذا الرقم. (هذا ولم يستجب هويل لطلبات التعليق).

وبحلول أواخر عام 2025، أُطيح بعدد كبير من الحرس القديم لدرجة أن روبرتس بات يباهي في اجتماعات الموظفين بأنه هو من وظّف 60 بالمئة من شاغلي المبنى. كما انضم ماريو إنزلر، الذي خدم سابقًا في الحرس السويسري بالفاتيكان، إلى “هيريتيج” كمستشار أول. ووفقًا لصحيفة “هيوستن كرونيكل”، كان إنزلر قد استقال من منصبه السابق في جامعة سانت توماس (وهي جامعة كاثوليكية خاصة في هيوستن) وسط اتهامات بأن الجامعة الإيطالية التي ادعى الحصول منها على الدكتوراه لا تمنح هذه الدرجة من الأساس، وأن المؤسسة التي يُفترض أنه ينال منها البكالوريوس ما هي إلا مدرسة ثانوية. وفي العام نفسه، استقطب “مشروع الرقابة” التابع لهويل جيفري ب. كلارك، المسؤل السابق بوزارة العدل والذي وُجّهت إليه اتهامات على خلفية دوره في محاولة إلغاء نتائج انتخابات 2020.

وأخبرني محلل كبير سابق في “هيريتيج” أن المسؤول البارز الذي أجرى معه مقابلة المغادرة أثنى على “إدراكه أنه لم يعد متوافقًا مع المنظمة وقراره الاستقالة طواعية”. واستطرد المحلل قائلًا إن المسؤول أعرب عن “قلقه من أن بقية الموظفين غير المتوافقين لا يغادرون، وهو ما قد يوقع المنظمة تحت سيطرة “الدولة العميقة”، إذ أن هناك من يعمل على تقويضها من الداخل. ثم بدأ يطرح عليّ أفكارًا حول كيفية التخلص منهم ليستطلع رأيي فيها”.

وبدا أن بعض الذين وظفهم روبرتس عقب استقالة المحافظين التقليديين أقل اهتمامًا بتعقيدات السياسات العامة مقارنة بمقتضيات الحروب الثقافية. وكان من بين هؤلاء معتنقون جدد للكاثوليكية أو المسيحية الأرثوذكسية الشرقية، وهي ظاهرة شاعت مؤخرًا بين أبناء جيل الشباب. كما طرأت ديناميكية طبقية جديدة على أروقة “هيريتيج” إذ وصف موظف سابق، اشترط عدم كشف هويته خشية العواقب المهنية، تباينًا صارخًا بين ضيوف حفل التنصيب الذي أقامته المؤسسة في يناير/كانون الثاني 2025 وضيوف الأعوام السابقة، قائلًا: “كان المشهد يبدو وكأن سكان ريف بنسلفانيا العميقة قد اقتحموا ناديًا راقيًا؛ إذ كانت الوشوم على أجساد الحاضرين أكثر عددًا من كلمات الدستور الأمريكي”.

وفي هذا الصدد، أوضح لي روجر سيفيرينو، نائب رئيس قسم السياسات الاقتصادية والداخلية في “هيريتيج” والبالغ من العمر 51 عامًا (قضى منها تسع سنوات في المؤسسة)، أن ثمة “نزعة شعبوية واضحة اكتسبت رواجًا هائلًا في عهد الرئيس ترامب، لأنها تخاطب شريحة مهملة من الناخبين الأمريكيين” ممن شعروا أن “النخب وحدها، ولا سيما القاطنون على السواحل، هم المستفيدون من التجارة الحرة والنمو”. وتابع سيفيرينو أن “هيريتيج” تسعى لضمان ألا تؤدي التطلعات الاقتصادية المحافظة التقليدية إلى التضحية بـ “المكتسبات الأسمى كالأسر والإيمان والأمن القومي”، وهي الأولويات التي تطلق عليها المؤسسة اليوم اسم “هيريتيج 2.0”.

وفي ظلال هذا المناخ الجديد، يذكر المحللون الأقدم ممن يدافعون عن التجارة الحرة أنهم وجدوا أنفسهم في صدام متزايد مع جيل أحدث يتبنى التعريفات الجمركية التي فرضها ترامب. وقال لي أندرو هيل، وهو محلل سياسات تجارية غادر “هيريتيج” في يناير/ كانون الثاني ويشغل حاليًا موقع زميل في منظمة بنس: “الأسواق الحرة والتجارة الحرة؟ لم يعد لهما وجود هناك.. كنتُ آخر من يروج لتلك المبادئ في المؤسسة”.

وأكد هيل أنه كان على أتم الاستعداد لمناقشة السياسات، غير أنه لم يكن مستعدًا بحال لـ “الجلوس ومناقشة ما إذا كانت المحرقة (الهولوكوست) قد وقعت أم لا”. فقد كانت النقاشات بين الموظفين الجدد تُردد باستمرار حججًا يروج لها فوينتس وكارلسون وصانعة البودكاست كانديس أوينز، تشكك في الإجماع التاريخي حول المحرقة أو نشأة دولة إسرائيل. ووصف هيل حوارًا دار بينه وبين أحد الموظفين الجدد، ادعى فيه الأخير أن إمبراطور النشر روبرت ماكسويل، والد غيسلين ماكسويل، شريكة جيفري إبستين السابقة، وهو يهودي تشيكوسلوفاكي الأصل، قد اشترى حقوق جميع كتب التاريخ المدرسية في المدارس العامة بالولايات المتحدة، وأن كل ما ورد فيها عن المحرقة مجرد أكاذيب وأباطيل.

وباتت المناقشات حول الحرب العالمية الثانية أمرًا شائعًا في “هيريتيج”، واكتظت بالكثير من “إعادة الطرح والمراجعة لبحث من كان الطرف الشرّير ومن كان الجانب الخيّر”، وفقًا لما ذكره لي ريتشارد شتيرن، الذي كان يشغل حينها موقع مدير مركز الميزانية في “هيريتيج” ويُعدّ الآن عضوًا في منظمة بنس. وكان عدد غير قليل من الموظفين الجدد من معجبي بات بوكانان، الذي ألّف كتابًا يجادل فيه بأن تشرشل، وليس هتلر، هو من أشعل فتيل الحرب العالمية الثانية. ويبدو أن عددًا منهم يشاركونه هذا الرأي، بحسب ما أكده لي موظفون سابقون عديدون. وكان من بين هؤلاء كبير الاقتصاديين في “هيريتيج”، إي. جيه. أنطوني، البالغ من العمر 38 عامًا (والذي رشحه ترامب عام 2025 لإدارة مكتب إحصاءات العمل، قبل أن يُسحب الترشيح لاحقًا وسط تشكيك في مؤهلاته)، حيث أشاد بكتاب بوكانان عبر منصة “إكس”.

ومؤخرًا، أُعيد تقديم بوكانان من قِبل البعض في التيار اليميني باعتباره الأب الروحي للترامبية، على الرغم من أن الحزب الجمهوري كان قد همّشه في التسعينيات بسبب ادعاءاته حول هيمنة اليهود على السياسة الخارجية لواشنطن في الشرق الأوسط. وقبل شهر واحد فقط من حادثة كارلسون وفوينتس، نشرت “هيريتيج” مقطع تكريم قصير لبوكانان على قناتها في يوتيوب بعنوان “كان بات بوكانان محقًا في كل شيء”، وذلك في إطار جهودها للمطالبة بتقليده وسام الحرية الرئاسي.

ولطالما كانت الحدود الفاصلة بين بناء التحالفات والتدقيق في هوية المنضمين (حراسة البوابة) ضبابية داخل اليمين الأمريكي؛ إذ يُنسب إلى ويليام إف. باكلي، العرّاب الفكري للمحافظين بعد الحرب العالمية، الفضل في تحييد معادي السامية وغيرهم من المتطرفين، حتى وإن كانت تلك الخطوط الحمراء تُخترق أحيانًا. غير أن هذه الحدود ازدادت ضبابية وتداخلًا في عهد ترامب؛ فبعيد الاجتماع العام الذي عقده روبرتس للحد من التداعيات الناجمة عن دفاعه بالفيديو عن كارلسون، كتب رايان نيوهوس، رئيس طاقم روبرتس البالغ من العمر 31 عامًا والمسؤول عن كتابة سيناريو الفيديو عبر منصة “إكس”: “الأقنعة تسقط كل يوم الآن، وإستراتيجية حراسة البوابة التي أرسى قواعدها باكلي تحتضر بسرعة. هذا ليس مجرد كشف للحقيقة لأولئك الذين يتابعون عن كثب، بل هو توطيد لمستقبل مشروع والتوحد داخل تحالف “ماجا”.

وقد استقال العديد من الموظفين الذين غادروا “هيريتيج” بدافع الإحباط ممّا رأوه عجزًا من جانب المؤسسة عن النأي بنفسها بشكل حاسم عن المتطرفين والمثيرين للجدل. وكما صاغها لي المحلل الكبير السابق، فإن هذه الجماعات “كانت موجودة على الدوام في الهامش، لكنها لم تستولِ على المؤسسات الرئيسية من قبل.. وهذا هو التحول الجديد”.

ربما تتجلى هذه التحولات بأوضح صورها في شخصية سكوت ينور، الذي انضم إلى “هيريتيج” عام 2025. وينور، وهو أستاذ العلوم السياسية في جامعة بويزي ستيت، ويركز في أطروحاته منذ فترة طويلة على السياسات الأسرية إذ لا تختلف آراؤه بشأن المرأة تقريبًا عن خطاب الدعاة “الذكوريين” المتصاعد نفوذهم أمثال جول ويبون ودوغلاس ويلسون، اللذين يناديان بالعودة إلى الأدوار التقليدية بين الجنسين. وفي حين دارت نقاشات غير رسمية داخل “هيريتيج” لزمن طويل حول ما إذا كانت النسوية قد تجاوزت حدودها، فإن ينور نقل السجال إلى مستوى آخر تمامًا.

يعتقد ينور أن الموجة النسوية الأولى، التي منحت المرأة حق التصويت، كانت خطأً تاريخيًا، وأن النساء لا ينبغي أن يحظين بحماية قانونية من التمييز في العمل، واصفًا النساء المهنيات بأنهن “مدمنات أدوية، ومزعجات، ومحبات للشجار”، ومؤكدًا أن المجتمع الصحي يستلزم هيمنة النظام البطريركي (الذكوري). ولم تكن هذه الطروحات محصورة في ينور وحده داخل “هيريتيج” إذ جرت مناقشات علنية حول ما إذا كان ينبغي حصر حق التصويت في أرباب الأسر من الذكور فقط. كما نوقش ما إذا كان يجدر بـ”هيريتيج”، في تقريرها الخاص بالسياسة الأسرية، أن تدعم تحويلًا مباشرًا للثروة بمليارات الدولارات سنويًا من العزاب إلى المتزوجين ممن لديهم أطفال عبر تعديلات في قانون الضرائب. وعلى الرغم من التخلي عن فكرة نقل الثروة في النهاية، فإنه بحلول وقت صدور التقرير في وقت سابق من هذا العام، كان الفريق الاقتصادي بالكامل في “هيريتيج” قد سحب أسماءه منه.

كما شهدت التوجهات والسلوكيات داخل المكتب حول المسائل الجنسانية تحولًا ملموسًا؛ إذ روى كل موظف سابق تحدثتُ معه واقعة تتضمن متدربة واعدة في القسم القانوني طلبت النصيحة من سيفيرينو، فقيل لها إنه يجدر بها التفكير في ترك كلية الحقوق والزواج سريعًا وإنجاب الأطفال. (يُذكر أن زوجة سيفيرينو، كاري كامبل سيفيرينو، وهي محامية بارزة ومؤلفة ومحللة، هي خريجة كلية الحقوق بجامعة هارفارد، حيث التقيا هناك). ومن جانبه، يوضح سيفيرينو أنه يقترح على أي شخص يطلب نصيحته أن “تأسيس الأسرة أولًا هو خيار جميل يستحق النظر فيه، لا سيما بالنسبة للأشخاص الموهوبين الذين تنتظرهم مراحل عديدة في الحياة”.

أمّا ليانا جراهام، وهي مساعدة بحوث تبلغ من العمر 22 عامًا في قسم السياسة المحلية بـ “هيريتيج” وعملت على تقرير السياسة الأسرية، فقد أصرت على أن المؤسسة لا تقر أي شكل من أشكال التمييز. لكنها أردفت قائلة إن الغرض من الحياة “لا يقتصر على الإنجازات المهنية”، كما علمتنا “النسوية النمطية التي تُطبَّق على الجميع”. وتابعت قائلة: “أنا لا أقول إنك لا تستطيع السعي وراء هذه الغايات، لكن من الناحية الواقعية، إذا كان الزواج والأسرة أمرًا تصرح برغبتك فيه، فكيف ترتب حياتك بحيث تحققه بالفعل؟”؛ مؤكدة أن نهج “هيريتيج” يقوم على “الإدراك بأن دور الحكومة محدود، وأن هناك الكثير مما يمكن تحقيقه على الصعيد الثقافي”.

غير أنه بالنسبة لبعض الموظفين، كان هذا “الجانب الثقافي”، سواء خارج المؤسسة أم داخلها، هو أصل المشكلة. ففي أواخر عام 2025، أرسل أحد الموظفين رسالة إلى مجلس أمناء “هيريتيج” (حصلتُ على نسخة منها) تسرد ما وصفه الكاتب ببيئة عمل سامة إذ كتب أن روبرتس اعترف للموظفين بأن لديه “نوبات غضب وانفعال لا يستطيع السيطرة عليها”، وأن “شعوره بعدم الأمان” دفعه لتسريح “جميع موظفي المؤسسة القدامى والأكثر خبرة منه، باعتبارهم ينتمون لـ “جمهوريي المؤسسة التقليدية” أو “مرتادي حفلات الكوكتيل في واشنطن”، مشيرًا إلى أن كل من اختلف معه تعرض للترهيب حتى دُفِِعَ للاستقالة.

وتابعت الرسالة أن المعتقدات الكاثوليكية باتت هي السائدة في المؤسسة، وأصبح يُطلب من الجميع الوقوف ضد الإخصاب خارج الرحم ووسائل منع الحمل، حتى بالنسبة للمتزوجين. كما اعتُبرت النساء العازبات دون أطفال فاشلات و”ليس لديهن أي مصلحة أو نصيب حقيقي في المستقبل”، وهو ما أشار الكاتب إلى أنه “بيئة تمييزية موجبة للمساءلة القانونية”. وأضافت الرسالة: “توقفت التعيينات القائمة على التنافس الوظيفي، وبات يُطلب منا ترجيح كفة الكاثوليك بالدرجة الأولى ممن يتفقون مع كل سياسة يمليها روبرتس”.

ووصف روبرتس نفسه لي بأنه محافظ “حتى النخاع”، وإن كان لا يشعر بالإهانة عندما يشير آخرون إلى عكس ذلك. ويؤكد أن بعض أقرب زملائه هم شخصيات بارزة في “اليمين الجديد”، بمن فيهم هازوني (مؤسس مؤتمر المحافظة الوطنية) وباتريك جيه. دينين (الفيلسوف السياسي الكاثوليكي الذي يدرّس في جامعة نوتردام). وقال لي: “المغزى هو أن هؤلاء هم القادة الفكريون العظام في الحركة المحافظة الآن، وأي محافظ أو ليبرالي صادق فكريًا، فنحن نرحب بوجوده في حركتنا”.

لكن بالنسبة للمراقبين؛ يبدو أن روبرتس قد مرّ بتحول سياسي جذري أعاد من خلاله تشكيل “هيريتيج” بالكامل. وكان ريتشارد راينش، مؤسس مجلة “لو أند ليبرتي” الرقمية والمحافظ المؤمن بالسوق الحرة والكاثوليكي المذهب، من أولى التعيينات التي أجراها روبرتس. وأخبرني راينش أنه خلال مقابلته، حدث بينه وبين روبرتس “تطابق تام في الرؤى”؛ حيث أعد مذكرة تؤكد على “الكثير من الثوابت التي قد تعجب أي محافظ تقليدي من المدرسة القديمة في هيريتيج” على الصعيد الاقتصادي، ولكن “برؤية أخلاقية مستندة إلى القانون الطبيعي”. وأضاف راينش أن روبرتس بدا مسرورًا جدًا حينها، لكن المقترح تبين لاحقًا أنه كان «النقض التام للمسار الذي اختطه روبرتس بعد ذلك”.

وبعد وقت قصير من تعيين راينش، ألقى روبرتس كلمة في مؤتمر “المحافظة الوطنية” عام 2022، الذي ضمّ مختلف فصائل اليمين الجديد الداعمة لترامب، وخاطب الحضور قائلًا: “لم آتِ لدعوة المحافظين الوطنيين إلى الانضمام لحركتنا المحافظة، بل لأعترف بالحقيقة الجلية: وهي أن “هيريتيج” باتت بالفعل جزءًا لا يتجزأ من حركتكم”. وشكّل هذا الإعلان صدمة لعدد كبير من كوادر “هيريتيج”، وكان من بينهم راينش وشتيرن.

وفي عام 2023؛ بعيد وصول فانس إلى واشنطن سيناتورًا عن ولاية أوهايو، أجبرت إدارة “هيريتيج” راينش على حذف منشور له على منصة “إكس” انتقد فيه مشروع قانون قدّمه السيناتور شيرود براون (الديمقراطي عن أوهايو) وشارك فانس في رعايته، وهو التمريض التشريعي الذي رآه راينش بمثابة هدية مجانية للنقابات العمالية. وأوضح لي راينش أنه اكتشف لاحقًا أن “هيريتيج” اتخذت موقفًا مهتزًا ومتذبذبًا من مشروع القانون، رغم تعارضه الصريح مع المبادئ الثابتة للمؤسسة، مجاملةً لفانس ودعمًا لموقفه. كما أُجبر راينش على شطب صفته المؤسسية في “هيريتيج” من رسالة مفتوحة وقّع عليها، تشدّد على صون الحرية الفردية في مواجهة تغول السلطة سواء من اليمين أو اليسار.

ووفقًا لشتيرن، أخذ روبرتس يتحدث في أروقة المؤسسة متخليًا عن مفهوم “الحرية الفردية” لصالح الترويج لمفهوم “الصالح العام”، مفسرًا الحرية لا بوصفها الحق في ممارسة ما تريده، بل في الالتزام بفعل ما “ينبغي” عليك فعله. واعتمد روبرتس ما وصفه شتيرن بـ “الانقلاب في تحديد الأولويات السياساتية”، وهو اندفاع نحو توسيع حجم الحكومة وتزويدها بسلطات تنظيمية أكبر، بدلًا من السعي لتحجيمها. ويستذكر شتيرن كيف كان أحد رؤساء طاقمه السابقين يردد قوله المفضّل: “إن الحدّ الأكثر ملاءمة للحكومة هو عدم وجود حدود لها على الإطلاق”.

نون بوست
في كتابه الصادر عام 2024 بعنوان “ضوء الفجر المبكر: استعادة واشنطن لإنقاذ أمريكا”، يكتب روبرتس عن القوى الإنتاجية للتدمير

وحرصًا منها على ممارسة أقصى قدر من النفوذ، دأبت “هيريتيج” على اعتماد “سياسة الصوت الواحد” حيث يُسوّى أي خلاف داخل الأروقة المغلقة لتُقدَّم المواقف والآراء باعتبارها تحظى بإجماع المؤسسة. غير أن موظفين سابقين أكدوا أن روبرتس وفريقه باتوا يسمحون لكوادر بعينها بتجاوز هذه القواعد وتهميشها. وفي هذا الصدد، يعلّق شتيرن قائلًا: “كانوا ينشرون مواد دون المرور بالقنوات الرسمية المتبعة، وينخرطون في ممارسات تتأرجح بين الوقاحة وتجاوز اللياقة، وصولًا إلى الانتهاك الصريح للإجراءات التنظيمية”.

وإحدى أبرز الحوادث في هذا السياق وقعت عندما استهدفت مجموعةُ اختراق إلكتروني تُدعى “سيجد سيك” تطلق على أعضائها اسم “مجتمع الفرويين المثليين”، مؤسسة “هيريتيج” في صيف عام 2024، وسرّبت أسماء المستخدمين وكلمات المرور والبريد الإلكتروني من موقع إعلامي تابع لها احتجاجًا على “مشروع 2025”. حينها دخل هويل، رئيس “مشروع الرقابة” في المؤسسة، في سجال مباشر مع أحد المخترقين عبر الرسائل، كاتبًا له: “هل تدرك أنك لن تتمكن من ارتداء زي النمر الفروي عندما تأكُلك [محتوى بذيء] في السجن الفيدرالي الذي سأضعك فيه العام المقبل؟”. وعندما هدد المخترق بنشر المحادثة وقام بذلك فورًا، رد هويل: “يرجى مشاركتها على أوسع نطاق.. آمل أن تنتشر كلماتي بأسرع من انتشار الأمراض المنقولة جنسيًا في مجتمعكم المنحل”.

وفي وقت سابق من هذا العام، وعلى منصة “إكس”، وجه هويل حديثه لمحلل يهودي في “هيريتيج” أعرب عن مخاوف دستورية ومنعطف يمس الحريات بشأن اقتراح هويل بحظر الحجاب في الكونغرس، قائلًا له: “اذهب ونظّف حجاب إلهان تنظيفًا جافًا” (في إشارة تهكمية إلى النائبة إلهان عمر عن ولاية مينيسوتا).

وأفاد شتيرن بأن الموظفين عندما كانوا يرفعون شكاوى بشأن هذه التجاوزات التي باتت تتكرر بانتظام، كان رد روبرتس يقتصر على: “يا للأسف.. أنا آسف جدًا، ولن يتكرر هذا مجددًا”، لكن شتيرن يستدرك قائلًا: “لكن لم تكن هناك أي إجراءات تأديبية على الإطلاق”.

وبدا روبرتس نفسه حريصًا على مجاراة الخطاب الصدامي والحاد الذي يعشقه اليمين الجديد؛ إذ وصف “الدولة الإدارية”، التي يسعى لتفكيك سلطتها، بأنها “الحركة الشيوعية السرية داخل أمريكا”. وعندما سألته صحيفة “التايمز” عام 2024 عما إذا كان يعتقد أن جو بايدن فاز بانتخابات 2020، أجاب بـ “لا”، بحجة وجود “نقاط مظلمة وأمور غير معلومة”.

إن ظهور هذه الشخصية العامة العنيفة فاجأ الكثيرين ممن عرفوه في بداية مسيرته الأكاديمية؛ فمثل فانس، نشأ روبرتس في بيئة فقيرة ومضطربة في أرياف لويزيانا ذات الثقافة الكاجونية، وهو ما كتب عنه باستفاضة، قبل أن يتدرج في المؤسسات النخبوية الأمريكية. ونال روبرتس شهادتي الماجستير والدكتوراه في التاريخ الأمريكي، وذكر أحد أساتذته في جامعة تكساس في أوستن أنه على الرغم من وضوح توجهاته المحافظة، فقد كان يتمتع بحس واعي واستيعاب لمجالات الدراسات الليبرالية حول “الهويات الهامشية”. بل إن أطروحته للدكتوراه تناولت مظاهر الاستقلالية والفعل لدى السود في ظل وطأة العبودية بـ “عمق وعاطفة جليّة تجاه موضوع دراسته”، بحسب وصف المؤرخ ديفيد جيه جارو، صاحب السيرة الذاتية الشهيرة للقس مارتن لوثر كينغ جونيور.

ولكن على غرار فانس، تبنى روبرتس نهجًا صداميًا وراديكاليًا في مرحلة لاحقة. وبحلول عام 2024، بات يرى – أثناء مشاركته في البودكاست الخاص بستيف بانون – بأن البلاد تخوض غمار “ثورة أمريكية ثانية”، مشيرًا إلى أنها ستكون سلمًا بلا دماء “إذا سمح اليسار لها بذلك”.

نون بوست
راهنت مؤسسة “هيريتيج” على جي دي فانس كمرشح محتمل للحزب الجمهوري لرئاسة الولايات المتحدة في عام 2028

كانت أول وظيفة لتاكر كارلسون عقب تخرجه في الكلية في مؤسسة “هيريتيج” نفسها. ولطالما كان من أشد الداعمين لروبرتس، حتى إن الأخير وصفه عام 2023، خلال حفل الذكرى الخمسين لتأسيس المؤسسة، بأنه “قائد حقيقي على رأس مؤسسة ذات أهمية فائقة”. لكن يبدو أن ولاءات كارلسون قد تحوّلت جنبًا إلى جنب مع إدراكه للمسار الذي تتجه إليه روح العصر؛ ففي حديث دار بيننا في يونيو/حزيران، قلل كارلسون من شأن “هيريتيج” واعتبرها مؤسسة فقدت أهليتها ووجودها المؤثر، قائلًا: “إنهم عاجزون حتى عن الدفاع عن حرية التعبير”، في إشارة إلى الاعتذار الذي قدمه روبرتس عقب الضجة التي أثارها مقطع الفيديو الخاص به.

وأضاف كارلسون: “إنهم عاجزون حتى عن القيام بالدور البديهي الذي يفترض بمراكز الفكر القيام به، وهو “التفكير” إذ يكتفون بتنفيذ ما يمليه عليهم كبار المانحين، وما يريده المانحون ليس سوى دعم إسرائيل وتخفيض الضرائب. لذا، لا أرى سببًا واحدًا يدفع أي شخص للاكتفاء بما تفعله “هيريتيج”، وأنا حقيقةً أشعر بالأسف تجاه كيفن روبرت”. (هذا ولم يستجب روبرتس لطلبات التعليق بشأن تصريحات كارلسون).

وتتفق سارة لونغويل، ناشرة منصة “ذا بولوارك” المناهضة لترامب والمعارضة لكارلسون في معظم الطروحات، إلى حد كبير مع هذا التقييم، إذ تشير إلى أن: “السبب في نشوب أزمة تاكر برمتها مع “هيريتيج” هو أن تاكر أضحى أكثر نفوذًا وتأثيرًا من المؤسسة نفسها.. هذه المراكز الفكرية لم تعد تتسيد المشهد كما كانت”. وعملت لونغويل في عالم مراكز الفكر المحافظة منذ أوائل عقد 2000، وأخبرتني أنها حين غادرت عقب انتخابات 2016، أدركت “إلى أي مدى كان البقاء في تلك الصالونات المغلقة يعمي البصر عن المشاعر الحقيقية للناخبين الجمهوريين”. وهي تستضيف الآن بودكاست “ذا فوكس جروب”، الذي يجري محادثات متكررة مع مؤيدي ترامب، مؤكدة أنها لمست أن مفاهيم الأسواق الحرة والقيادة الأمريكية للعالم، وهي “المبادئ الأساسية” الصارمة للحركة المحافظة التي صيغت إبان الحرب الباردة، لم تعد تحظى بالقبول والزخم القديمين.

وهذا هو السبب الرئيسي الذي يمنح تحول مؤسسة “هيريتيج” بالنسبة ليورام هازوني، الذي انضم إلى مجلس أمناء المؤسسة في مايو/أيار صفة الضرورة السياسية والعملية في آن واحد. ويصرح هازوني بأن المحافظية الأمريكية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت “جذابة للغاية للجمهور على مدى جيلين متتالين”، غير أنها “تآكلت وأصبحت عاجزة عن تحليل الظواهر السياسية الفاعلة وشرحها”. ويضيف أنها باتت أداة قاصرة عن تقديم حلول لقضايا الهجرة المفتوحة، والتجارة المطلقة بلا قيد، والحروب الممتدة، وهي القضايا الثلاث التي اعتلى ترامب صهوتها للوصول إلى البيت الأبيض. وتابع هازوني قائلًا إنه بمجرد أن يدرك الناس ذلك: “يستفيقون ولسان حالهم يقول: لقد كنا في غفلة تامة، كيف فاتنا إدراك ذلك طوال الوقت؟”.

من جانبه، يؤكد سيفيرينو، نائب رئيس المؤسسة، أن “هيريتيج” صُممت “لتكون في قلب حلبة المواجهة”، و”إذا تغيرت المعطيات ولم تُعدّل تكتيكاتك، فتلك الوصفة المثالية للفشل”. لكنه شدد على أن المؤسسة لا تكتفي بـ “مجرد تشكيل أطر السجال، وهو ما تفعله الأصوات المتصاعدة على الإنترنت عادة، فنحن لا نطرح الأسئلة فحسب بل نقدم الإجابات العملية أيضًا من خلال المقترحات السياساتية الملموسة.

وفي سياق متصل، يرى رايان ويليامز، رئيس معهد كليرمونت، أن الجميع في التيار اليميني يخوضون حاليًا صراعًا لترتيب كيفية التوفيق بين الرعيل القديم ممن عملوا في الحركة منذ التسعينيات، وبين الشباب دون سن الثلاثين الذين شكلت ولايتا ترامب “وعيهم السياسي الرئيسي في أروقة اليمين”. ويشير إلى أن “هيريتيج” نجحت إلى حد ما في “التكيف مع الواقع الجديد على الأرض”. وتتمثل إحدى هذه الظروف في البيئة الإعلامية المتغيرة للرأي العام، ولا سيما حول صناع البودكاست والمؤثرين، الذين يمثل أحد دواعيهم الرئيسية “صياغة النقاش السياساتي والانخراط في المناظرات الفكرية”، بحسب ويليامز، الذي يستدرك قائلًا: “لكن هناك دافعًا تنافسيًا هائلًا آخر يتجسد في رفع معدلات التفاعل، وتحقيق التصفح، وجني الأموال.. وهو ما ترتبط به غالبًا علاقة واهية بالالتزام الدقيق بالحقائق والمصداقية.”

نون بوست
مؤسسة “هيريتيج”، التي شكلت الإدارات الجمهورية المتعاقبة منذ عهد ريغان، كانت “مُصممة لتكون في قلب الحلبة”، كما يقول روجر سيفيرينو، نائب رئيس المؤسسة. “نحن لا نطرح الأسئلة فحسب، بل نقدم الإجابات”. (تصوير: جاريد سواريس لصحيفة نيويورك تايمز).

ويرى الكاتب المحافظ البارز رود دريهر، الذي تدور طروحاته في فلك المحافظين الوطنيين والكاثوليك ما بعد الليبراليين خلال السنوات الخمس الماضية، أن ثمة مخاطر حقيقية تتهدد اليمين الأمريكي، لا سيما فيما يتعلق بفئة الشباب ممن يُشار إليهم غالبًا باسم “غروبيرز” والذين يتبعون نيك فوينتس. ويصرح دريهر، الذي اختلف مع كارلسون (على غرار هازوني) بشأن ما اعتبراه نبرة معاداة للسامية من جانبه، بأنه “سيكون من الغباء بل ومن القسوة أن يكتفي القادة المؤسسيون في اليمين بتجاهل كل هؤلاء الشباب”. لكنه يقف عاجزًا أمام غياب الرؤية، مضيفًا: “لا أجد نموذجًا لقيادة مؤسسية أو سياسية محافظة تعترف بالحسرة والقلق اللذين يعاني منهما هؤلاء الشباب، ثم تتقدم لتقول لهم: ولكن هناك طريقة أفضل”.

وعن المدى الذي قد تضطر “هيريتيج” للوصول إليه لاستيعاب هذه الفئة، تجلت الإجابة في لحظة لافتة خلال الاجتماع العام لجميع الموظفين، والذي أعقب دفاع روبرتس بالفيديو عن كارلسون؛ ففي تسريبات مصورة، تُسمع إحدى الموظفات الشابات وهي تقول إنها وزملاءها لا يجدون مشكلة في الفيديو الذي أصدره، لكنهم يخشون أن التوقيت غير مناسب لفتح نقاش حول الدعم الأمريكي لإسرائيل، لأن مخاوفهم الجوهرية ستظل دون معالجة. ومضت قائلة: “جيل الشباب ” بات يحمل نظرة غير سلبية بل ناقدة متزايدة تجاه إسرائيل، وليس ذلك لأن ملايين الأمريكيين معادون للسامية، بل لأننا كاثوليك وأرثوذكس ونرى أن الصهيونية المسيحية بدعة حديثة”.

وبدا رد روبرتس موشحًا بقلق ذاتي بقدر ما كان موجهًا إليها: “تلك هي المعضلة الكبرى في الحركة المحافظة حاليًا، السعي لمعرفة كيف يمكننا جميعًا احترام التباين في آراء بعضنا البعض”.

ومع ذلك، فإن الخيارات التي اتخذها تشير إلى أن “هيريتيج” قد راهنت بالفعل على طرف دون آخر. وأكد لي موظفون سابقون أنه على الرغم من أن المؤسسة لا تدعم مرشحين بعينهم بشكل رسمي، إلا أنها تستثمر بكثافة في علاقتها مع فانس، الذي يلبي تطلعات هذا التيار المتصاعد في اليمين. وفي بودكاست أخير، صرح هازوني علانية بأنه يرى في فانس المرشح المفترض لعام 2028.

في المقابل، يتوقع العديد من موظفي “هيريتيج” السابقين أن التحالف مع نشطاء الإنترنت وجيل الشباب استراتيجيةٌ محكوم عليها بالفشل. وفي هذا الصدد، يعلق المحلل الكبير السابق في المؤسسة: “إنهم لا يعبرون عن التوجه العام للسياسيين الجمهوريين على مستوى البلاد، بل يشكلون نسبة ضئيلة للغاية داخل الحزب حتى في واشنطن العاصمة”. وذهب دريهر إلى أبعد من ذلك، موضحًا أن كون المرء محافظًا يتعارض بالضرورة مع “التغيير الراديكالي الجذري.. فإذا كان هؤلاء الشباب يريدون هدم كل شيء، فحسنًا، بمَ سيعوضونه وكيف سيتداركون الفراغ؟”.

وفي الفصول الأولى من كتابه الصادر عام 2024 بعنوان “ضوء الفجر المبكر: استعادة واشنطن لإنقاذ أمريكا”، يقدم روبرتس استعارة مطولة حول الخصائص الإنتاجية للتدمير إذ كتب: “إن النار تحوّل العفن والأخشاب الميتة إلى تربة جديدة، فتخلي الأرض لتبدأ حياة جديدة بالتبلور والاتجاه نحو التجذر”، مضيفًا أن على المحافظين “غرس أشجار جديدة، أي تأسيس مؤسسات حديثة”. واستطرد قائلًا: “ولن يكون لأي من هذا أي قيمة، إذا ظل المحافظون غير راغبين في اتخاذ الخطوة الثالثة الحاسمة: تدمير المؤسسات التي استحال إصلاحها”.

المصدر: نيويورك تايمز

الوسوم: أمريكا في عهد ترامب ، إدارة ترامب ، الجمهوريين ، ترامب رئيسًا للمرة الثانية ، سياسات ترامب
الوسوم: السياسة الأمريكية ، اليمين المتطرف ، ترامب رئيسًا ، ترجمات ، دونالد ترامب
تحميل هذا المقال بصيغة PDF
شارك هذا المقال
فيسبوك تويتر واتساب واتساب التليجرام البريد الإلكتروني نسخ الرابط
اليزابيث زيروفسكي
بواسطة اليزابيث زيروفسكي صحفية سياسية مقيمة في برلين
متابعة:
صحفية سياسية مقيمة في برلين
المقال السابق يقف موظفون بجوار شاحنة وقود أثناء تفريغها في محطة وقود بالقاهرة، 10 مارس/آذار 2026 (رويترز) من الحقول إلى الكهرباء.. كيف تتعامل مصر مع انقطاع إمدادات الغاز؟

نشر هذا التقرير ضمن ملف:

ترجمات

ترجمات

تقارير يترجمها "نون بوست" من الصحافة الدولية.

أحدث ما نشر في هذا الملف:

  • سلام بارد مع إيران وتحالف أعمق مع إسرائيل.. مناورة الإمارات بعد الحرب
  • كيف أصبح جنرال نتنياهو منافسه الأقوى؟
  • نتنياهو يواجه معادلة دقيقة في واشنطن
part of the design
نشرة نون بوست الأسبوعية

قد يعجبك ايضا

سلام بارد مع إيران وتحالف أعمق مع إسرائيل.. مناورة الإمارات بعد الحرب

سلام بارد مع إيران وتحالف أعمق مع إسرائيل.. مناورة الإمارات بعد الحرب

أندرو إنجلاند أندرو إنجلاند ٢٩ يوليو ,٢٠٢٦
كيف أصبح جنرال نتنياهو منافسه الأقوى؟

كيف أصبح جنرال نتنياهو منافسه الأقوى؟

ديفيد ريمنيك ديفيد ريمنيك ٢٩ يوليو ,٢٠٢٦
نتنياهو يواجه معادلة دقيقة في واشنطن

نتنياهو يواجه معادلة دقيقة في واشنطن

إيزابيل كيرشنر إيزابيل كيرشنر ٢٨ يوليو ,٢٠٢٦
نون بوست

منصة إعلامية مستقلة، تأسست عام 2013، تنتمي لمدرسة الصحافة المتأنية، تنتج تقارير وتحليلات معمقة ومحتوى متعدد الوسائط لتقديم رؤية أعمق للأخبار، ويقوم عليها فريق شبابي متنوّع المشارب والخلفيات من دول عربية عدة.

  • سياسة
  • مجتمع
  • حقوق وحريات
  • آراء
  • تاريخ
  • رياضة
  • تعليم
  • تكنولوجيا
  • اقتصاد
  • صحافة
  • أدب وفن
  • ريادة أعمال
  • سياحة وسفر
  • سينما ودراما
  • طعام
  • صحة
  • ثقافة
  • أحدث التقارير
  • ملفات
  • مطولات
  • حوارات
  • بودكاست
  • تفاعلي
  • الموسوعة
  • بالصور
  • من نحن
  • كتّابنا
  • اكتب معنا
  • السياسة التحريرية
  • بحث متقدم
بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تمت الإزالة من المفضلة

تراجع
Go to mobile version