بإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تنفيذ ما وصفه بأكبر عملية «خنق اقتصادي» لإيران في التاريخ، عبر حملة عقوبات جديدة قد تطال دولًا وشركات ومؤسسات مالية تواصل التعامل مع طهران، تدخل العلاقات الأمريكية-الإيرانية منعطفًا استثنائيًا من التصعيد المتبادل، يتجاوز في خطورته ما اعتاده الطرفان على مدى عقود طويلة.
ويبدو أن واشنطن، بعد ستة أشهر من الحرب المتواصلة مع إيران، بما خلفته من خسائر عسكرية وبشرية ولوجستية، باتت ترى أن المواجهة العسكرية وحدها قد لا تكون كافية لكسر جمود الصراع ودفع طهران إلى مراجعة مواقفها المتشددة، ومن هنا، برز الخيار الاقتصادي باعتباره سلاحًا أكثر شراسة وفعالية، لكن هذه المرة ضمن استراتيجية مختلفة تقوم على توسيع نطاق الضغط وتطويق إيران من خلال استهداف قنوات تعاملها مع الخارج.
ورغم أن هذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها طهران لعقوبات اقتصادية أمريكية، فإن المشهد هذه المرة يبدو مختلفًا؛ إذ لم يعد الأمر مقتصرًا على فرض عقوبات على شركات أو كيانات إيرانية، بل يتضمن تلويحًا باستهداف أطراف ودول وشركات تتعامل مع إيران، في محاولة لخنق القنوات التي تعتمد عليها طهران للتجارة والتمويل، وإغلاق المسارات البديلة التي طالما لجأت إليها للالتفاف على العقوبات.
– تستعد واشنطن لفرض حزمة عقوبات مالية تاريخية بهدف تقويض الاقتصاد الإيراني وإسقاط النظام، وسط تحذيرات شديدة للشركاء التجاريين لطهران
– أكدت طهران عبر رئيس أركان قواتها المسلحة جاهزيتها لتقديم رد حاسم وساحق، مشددة على استنفار قطاعاتها البرية والبحرية والجوية والسيبرانية.
– أقرّ… pic.twitter.com/4ecdmlxMtR
— نون بوست (@NoonPost) August 22, 2026
وبعيدًا عن الغموض الذي لا يزال يحيط بهذا التهديد، في ظل عدم كشف واشنطن تفاصيل الإجراءات الجديدة حتى الآن، والتي قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إنه سيعلنها خلال مؤتمر صحفي في 24 أغسطس/آب الجاري، إلا أن مجرد التلويح بها فتح الباب أمام سيل من التساؤلات حول الاقتصادات الأكثر تعرضًا لخسائر مباشرة إذا توسعت العقوبات لتشمل المتعاملين مع إيران، وكيف ستنعكس هذه التدابير على الدول المرتبطة بطهران ماليًا وتجاريًا، وفي مقدمتها الصين.
كما تطرح العقوبات المرتقبة بشكلها المعلن عنه تساؤلات أخرى بشأن القطاعات الأكثر عرضة للتضرر، بدءًا من المصارف والمدفوعات، مرورًا بالشحن والتأمين والطاقة، وصولًا إلى التجارة وإعادة التصدير، وما إذا كانت كلفة هذه العقوبات ستدفع الدول المتعاملة مع إيران إلى تقليص علاقاتها الاقتصادية معها، أم ستدفعها، في المقابل، إلى البحث عن قنوات بديلة ومسارات تجارية ومالية جديدة لتجنب الضغوط الأمريكية.
الصين.. الاختبار الأصعب
تُعد الصين الطرف الأكثر تعرضًا للضغط في ظل هذه التهديدات، إذ تستحوذ على أكثر من 80% من النفط الإيراني المنقول بحرًا، بما في ذلك الشحنات التي تنقل عبر ما يُعرف بـ«أسطول الظل»، فضلًا عن حجم تجارتها الكبير مع إيران، كما تمثل بكين بالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني رئة اقتصادية مهمة وحساسة، إذ لعبت خلال السنوات الماضية دورًا بارزًا في الحفاظ على قدر من الاستقرار الاقتصادي لطهران، بما انعكس بصورة غير مباشرة على قدرتها على الصمود في مواجهة الضغوط والعقوبات الغربية.
ومن هنا جاء تحذير وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت لبكين بصورة مباشرة، إذ حثها على الانضمام إلى الجهود الأمريكية الرامية إلى ممارسة ضغوط اقتصادية على إيران وعزلها، وعندما سُئل عما إذا كانت العقوبات الاقتصادية الجديدة يمكن أن تشمل الصين، قال لشبكة «سي إن بي سي»: «ضع في اعتبارك أن الصينيين يحصلون على 50% من طاقتهم من الخليج، لذا سيكون من المفيد لهم للغاية الانضمام إلى البرنامج»، وهي رسالة بدت أقرب إلى التحذير السياسي منها إلى مجرد إخبار بمضمون العقوبات المرتقبة.
وفي الوقت نفسه، ألمح بيسنت إلى أن هذا الملف، إلى جانب الملفات الاقتصادية الأخرى محل الخلاف بين واشنطن وبكين، سيكون من الأفضل بحثها بصورة منفصلة وانفرادية، خصوصًا مع اقتراب الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن في أيلول/سبتمبر المقبل، والتي من المتوقع أن يحظى الملف الإيراني بموقع متقدم في جدول أعمال الزيارة.
وفي مواجهة هذا التهديد، جاء الرد الصيني سريعًا على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان، الذي أكد معارضة بلاده لما وصفه بـ«العقوبات الأحادية غير القانونية التي تُفرض دون سند قانوني دولي أو تفويض من مجلس الأمن الدولي»، مضيفًا أن بلاده طالما رأت أن الوسائل العسكرية والعقوبات لا تسهم في حل الأزمات، وإنما تؤدي إلى تفاقم التوترات وتصعيد الموقف، مؤكدًا أن هذه السياسات لا تخدم مصالح أي طرف، وداعيًا إلى حل الخلافات والتناقضات عبر الحوار والتشاور.
من هنا قد تتحول الإجراءات العقابية الجديدة إلى اختبار حساس للعلاقات بين واشنطن وبكين؛ فبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يمثل تضييق القنوات الاقتصادية التي تربط إيران بالصين أحد أهم مفاتيح الضغط على طهران، بينما ترى بكين أن الاستجابة لهذه الضغوط قد تمس مصالحها الاقتصادية وأمن الطاقة، فضلًا عن مبدئها المعلن في رفض العقوبات الأحادية، بخلاف احتمالية خسارة أحد أبرز حلفائها في المنطقة.
شركاء إيران تحت الضغط
إضافة إلى الصين، يُتوقع أن تطال تداعيات العقوبات الأميركية عددًا من الشركاء الاقتصاديين لإيران، وفي مقدمتهم الإمارات التي شكّلت على مدى سنوات أحد أهم الشرايين التجارية والمالية للاقتصاد الإيراني، كما احتفظت بنوك في دبي لفترة طويلة بودائع وأرصدة مرتبطة بطهران، جُمّد جزء منها لاحقًا في إطار العقوبات الأميركية المفروضة على إيران.
وقبل اندلاع الحرب، كانت الإمارات من أكبر الشركاء التجاريين لإيران، إذ وفّرت نحو 30% من وارداتها، بقيمة إجمالية بلغت نحو 21 مليار دولار في عام 2024، وفي المقابل، استحوذت الدولة الخليجية على نحو 13% من الصادرات الإيرانية خلال العام نفسه، بينما بلغ حجم التجارة الخارجية غير النفطية بين البلدين نحو 6.6 مليارات دولار.
وتبرز تركيا كذلك بوصفها أحد الشركاء الاقتصاديين الرئيسيين لإيران، في ظل علاقات تجارية وطاقة ممتدة بين البلدين، حيث تستورد أنقرة نحو 13% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي من إيران، فيما تصدّر إلى السوق الإيرانية مجموعة من المنتجات المصنعة، ويُقدّر حجم التجارة الثنائية بين البلدين بنحو 5 إلى 6 مليارات دولار سنويًا، من بينها صادرات تركية إلى إيران تبلغ قيمتها نحو 3 مليارات دولار.
أما العراق، فيبدو من أكثر الدول تعرضًا لتداعيات أي تشديد للعقوبات، نظرًا إلى عمق تشابك مصالحه الاقتصادية والطاقة مع طهران، فقد تجاوز حجم التجارة بين البلدين 10 مليارات دولار في عام 2025، فيما يمثل قطاع الطاقة أحد أهم محاور العلاقة الاقتصادية، إذ يدفع العراق لإيران نحو 4 إلى 5 مليارات دولار سنويًا مقابل الغاز الطبيعي المستخدم في توليد الكهرباء، وهو ما يجعل بغداد أمام معادلة شديدة الحساسية بين الحفاظ على احتياجاتها من الطاقة وتجنب التعرض للعقوبات الأميركية.
الإمارات تجمد تجارتها مع إيران في خطوة تحمل أبعادًا اقتصادية وأمنية.. فما حجم تأثير القرار على طهران؟
اقرأ المزيد في المادة التاليةhttps://t.co/YIf51Kl1Rv pic.twitter.com/3RvD0YUrpa
— نون بوست (@NoonPost) August 20, 2026
ومن بين الدول الأخرى المرشحة للتأثر باكستان، التي شهدت علاقاتها الاقتصادية مع إيران نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، في ظل تعهدات رسمية من البلدين برفع حجم التجارة الثنائية إلى 10 مليارات دولار، ورغم تأثر التجارة الرسمية بين البلدين بالعقوبات السابقة المفروضة على إيران، فإن التجارة غير الرسمية شهدت نموًا لافتًا، ويُقدّر حجمها بنحو 4 مليارات دولار، ما يجعلها بدورها عرضة للضغوط إذا اتسع نطاق العقوبات الأميركية ليشمل شبكات التجارة والتمويل المرتبطة بطهران.
وتأتي الهند كذلك ضمن الدول التي قد تتأثر، وإن كان حجم التبادل التجاري مع إيران قد تراجع بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، فقد انخفضت التجارة الثنائية إلى نحو 1.6 مليار دولار خلال العام الحالي، مقارنة بنحو 17 مليار دولار في 2018/2019، قبل أن تبدأ مسارًا هبوطيًا وصولًا إلى نحو 4.8 مليارات دولار في 2019/2020.
القطاعات الأكثر تعرضا للعقوبات
وفقًا للنقاشات الدائرة بشأن العقوبات المرتقبة، والتي تستهدف تطويق إيران وخنقها اقتصاديًا، يُتوقع أن تطال خمسة قطاعات مترابطة، يأتي في مقدمتها القطاع المصرفي ونظم المدفوعات، باعتبارهما الحلقة الأكثر حساسية وخطورة، ولا سيما المؤسسات التي تتعامل بالدولار الأمريكي، إذ ستضع هذه العقوبات المصارف أمام معادلة صعبة، فإما الإبقاء على تعاملاتها مع إيران، أو الحفاظ على علاقاتها بالنظام المالي الأمريكي وتجنب التعرض للعقوبات.
ويأتي قطاع الطاقة والنفط في المرتبة الثانية من حيث التأثر، إذ قد تدفع العقوبات المصافي إلى إعادة تقييم مساراتها وتوجهاتها خلال المرحلة المقبلة، على غرار ما حدث مع بعض المصافي الصينية، كما يُرجح أن يتأثر قطاعا الشحن والتأمين بصورة مباشرة، إذ قد تواجه السفن والشركات المشاركة في نقل النفط والبضائع الإيرانية عقوبات مشددة، أو صعوبات في الحصول على خدمات التأمين والخدمات المالية، بما يرفع تكلفة التجارة حتى في الحالات التي تظل فيها السلع نفسها متاحة.
وربما يكون قطاع التجارة والتصدير من بين أبرز القطاعات المتضررة، إذ ستجد الشركات التي تتعامل مع السوق الإيرانية، سواء من جانب التصدير أو الاستيراد، نفسها أمام مخاطر عقوبات قد تدفعها إلى إعادة النظر في تعاملاتها مع إيران.
وقد يمتد هذا التأثير تباعًا إلى قطاع الخدمات اللوجستية والوسطاء؛ فكلما اتسعت شبكة العقوبات، أصبح الوسطاء وشركات الصرافة والشحن والتخليص وإدارة المدفوعات أكثر عرضة للاستهداف، بما يزيد من كلفة التعامل مع السوق الإيرانية ويحد من قدرة الشركات على مواصلة نشاطها فيها.
بين التقليص والبحث عن بدائل
تضع العقوبات المتوقعة الدول والشركات المتعاملة مع إيران أمام مأزق بالغ التعقيد؛ فهي لا تعني بالضرورة دفع هذه الأطراف إلى قطع علاقاتها الاقتصادية بالكامل مع طهران، لكنها، في الحد الأدنى، ستفرض عليها إعادة تقييم خريطة تعاملاتها بصورة شاملة، وفق معادلة دقيقة للربح والخسارة، ولا سيما إذا ارتفعت كلفة استمرار هذه العلاقات إلى مستويات قد تصبح معها مجازفة لا تحتملها الكثير من الأطراف.
وفي هذا السياق، قد تجد هذه الأطراف نفسها أمام مسارين رئيسيين، الأول يتمثل في تقليص التعاملات مع طهران إلى أدنى مستوى ممكن، استجابةً للضغوط الأمريكية والتحذيرات المتكررة من فرض العقوبات، وإن كان مدى هذا التقليص سيظل مرتبطًا، إلى حد كبير، بقوة العقوبات وحجمها، فضلًا عن طبيعة تأثيرها المباشر وغير المباشر على الأطراف المعنية.
أما المسار الثاني، فيتمثل في البحث عن بدائل تتيح إما استمرار التعامل مع إيران حتى وإن تم تقليص الاعتماد عليها، وذلك من خلال مجموعة من الخيارات، من بينها البحث عن موردين بديلين، وإعادة توجيه مسارات الشحن، واستخدام عملات أخرى غير الدولار، إلى جانب صياغة ترتيبات تجارية ومالية أقل عرضة للعقوبات، أو الاتجاه عمليًا نحو تقليل الاعتماد على النفط الإيراني والبحث عن منافذ أخرى، وهو ما بدأت بعض المصافي الصينية في اتباعه بالفعل، عبر البحث عن مصادر بديلة، من بينها النفط العراقي والبرازيلي، لتعويض جزء من الإمدادات الإيرانية.
وفي المحصلة، تبدو العقوبات الأمريكية المحتملة على إيران وكأنها تتجاوز كونها مجرد أداة للضغط على طهران، لتتحول إلى وسيلة لإعادة تشكيل أوسع لخريطة الطاقة والتجارة والتمويل في آسيا والشرق الأوسط، فالمعركة، في جوهرها، لا تبدو موجهة إلى خنق الاقتصاد الإيراني فحسب، بقدر ما تمثل اختبارًا لنفوذ الولايات المتحدة وقدرتها على دفع شركاء طهران وحلفائها إلى الاختيار بين واشنطن وطهران، ومن هنا، فإن نتائج هذا الاختبار لن تقتصر تداعياتها على الاقتصاد الإيراني أو علاقاته التجارية، وإنما قد تمتد لتعيد رسم بعض ملامح خريطة النفوذ الدولي، وتحدد إلى حد بعيد طبيعة التوازنات الاقتصادية والسياسية التي ستطبع المرحلة المقبلة.