لا تزال أصداء الزيارة المفاجئة التي أجراها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الإمارات، الأحد 27 سبتمبر/أيلول 2026، تلقي بظلالها على المشهد الإقليمي، في ظل ما أثارته من نقاشات واسعة بشأن دلالاتها وتوقيتها، خاصة في هذه المرحلة الحساسة بالنسبة لتل أبيب ونتنياهو على وجه التحديد.
وبعيدًا عن الرسائل التي حملتها الزيارة في حد ذاتها، فإن أكثر ما أثار الجدل كان ما تداولته تقارير إعلامية بشأن مشاركة ممثلين عن عدد من الدول العربية، من بينها مصر والسعودية والكويت وليبيا، في لقاء جمع نتنياهو بالرئيس الإماراتي محمد بن زايد، لما تحمله مثل هذه المشاركة، إن صحت، من دلالات سياسية وأمنية لافتة.
وكانت القناة 14 الإسرائيلية، المقربة من نتنياهو، قد ادعت مساء الثلاثاء 29 سبتمبر/أيلول أن اجتماعه مع بن زايد في أبوظبي جرى على مرحلتين؛ اقتصرت الأولى على لقاء ثنائي بين الجانبين، بينما شهدت الثانية اجتماعًا موسعًا بمشاركة ممثلين عن عدد من الدول، زاعمة أن إجمالي الدول المشاركة بلغ عشرًا.
ورغم نفي كل من السعودية والأردن ومصر ما تردد بشأن مشاركتها في الاجتماع، فإن القناة العبرية نقلت عن مصدر إماراتي لم تسمه تأكيده حضور ممثلين عن تلك الدول، مشيرة إلى أن المناقشات تناولت تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي، والعمل على بناء إطار إقليمي لمواجهة ما وصفته بـ”التهديدات المشتركة”.
– شهد اجتماع رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو والرئيس الإماراتي محمد بن زايد في أبوظبي حواراً موسعاً ضم ممثلين عن 10 دول، من بينها الولايات المتحدة ومصر والسعودية والكويت والبحرين وعمان والمغرب وليبيا (حفتر)، بحسب القناة 14 الإسرائيلية.
– رافق نتنياهو خلال الزيارة وفد أمني… pic.twitter.com/cQW78bSmvo
— نون بوست (@NoonPost) September 29, 2026
وبصرف النظر عن صحة مشاركة هذه الدول من عدمها، وفي ظل ما هو قائم بالفعل من اتصالات مباشرة وغير مباشرة بين تل أبيب وعدد من العواصم العربية، تبقى التسريبات نفسها محملة بالعديد من الأسئلة: ما الهدف من تمريرها في هذا التوقيت؟ وهل تسعى إسرائيل من خلالها إلى اختبار فرص تعميق اندماجها في الإقليم العربي؟
كما يبرز سؤال آخر أكثر أهمية: ما الذي يمكن أن تقدمه إسرائيل لدول الخليج في مقابل هذا الانفتاح؟ وهل نحن أمام محاولة لصياغة معادلة إقليمية جديدة تقوم على تقديم دعم أمني واستخباراتي وعسكري في مواجهة إيران والحوثيين، مقابل توسيع دوائر التطبيع أو تخفيف حدة التوتر مع إسرائيل، حتى وإن لم يصل الأمر إلى تطبيع سياسي كامل؟ ثم ماذا عن الدور الإماراتي في تمرير تلك المعادلة؟
تمرير ممنهج للرواية.. ما الهدف؟
لا يمكن قراءة تمرير مثل هذه الادعاءات، بهذا الشكل الممنهج وعبر أكثر من وسيلة إعلامية عبرية، بمعزل عن السياق السياسي الأوسع الذي جاءت فيه الزيارة، فاستقبال نتنياهو في أبوظبي، بعد المشهد اللافت الذي شهدته الجمعية العامة للأمم المتحدة مع انسحاب وفود عدد من الدول أثناء إلقائه كلمته، يمكن فهمه في إطار محاولة كسر حالة العزلة الدولية التي تواجهها إسرائيل، وتخفيف جانب من الضغوط المتزايدة على حكومة الاحتلال.
وفي الوقت نفسه، يصعب فصل هذا التحرك الإماراتي عن الحسابات الداخلية الإسرائيلية، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات المقررة في نهاية أكتوبر/تشرين الأول المقبل، في وقت يواجه فيه نتنياهو وحكومته ضغوطًا وانتقادات حادة من المعارضة وقطاعات داخلية، إلى جانب اتهامات بأن سياساته أسهمت في تعميق عزلة إسرائيل على الساحة الدولية وإدارة عدد من الملفات بصورة أثارت انتقادات واسعة.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم تمرير رواية مشاركة ممثلين عن عدد من الدول العربية في الاجتماع الذي جمع نتنياهو بمحمد بن زايد في أبوظبي، فمثل هذه الرواية، بصرف النظر عن مدى دقتها، تصب سياسيًا في مصلحة نتنياهو، لأنها تقدم صورة مغايرة تمامًا لخطاب العزلة الدولية، وتوحي بأن إسرائيل لا تزال قادرة على التواصل والتنسيق مع دول عربية والجلوس معها على طاولة واحدة لمناقشة ملفات إقليمية مشتركة.
وإذا صحت رواية المشاركة العربية بالفعل، فمن المرجح أن يسعى نتنياهو إلى توظيفها داخليًا باعتبارها دليلًا على استمرار حضوره الإقليمي وقدرته على الحفاظ على قنوات اتصال مع عواصم عربية، وهي رسالة قد يكون لها صدى مباشر في معركته الانتخابية، خصوصًا في مواجهة خصوم يتهمونه بإضعاف مكانة إسرائيل الدولية وتعميق عزلتها.
نفي لا ينفي الاتصالات
صحيح أن السعودية والأردن، ومن بعدهما مصر، نفت بشكل أو بآخر مشاركة ممثلين عنها في اجتماع أبو ظبي، إلا أن هذا النفي لا يعني بالضرورة غياب قنوات الاتصال والتنسيق السياسي بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.
فخلال السنوات الأخيرة، كشفت مناسبات متعددة عن وجود اتصالات وتفاهمات، بدرجات متفاوتة، بين تل أبيب وعدد من العواصم العربية، بما في ذلك بعض الدول التي وردت أسماؤها في التقارير الإعلامية الإسرائيلية بشأن الاجتماع، غير أن جانبًا كبيرًا من هذه الاتصالات ظل يجري بعيدًا عن الأضواء، سواء عبر قنوات خلفية أو اتصالات غير معلنة.
ويرتبط هذا النهج الخاص بسرية اللقاءات بعدة اعتبارات، في مقدمتها تجنب إحراج الحكومات العربية أمام رأي عام لا يزال قطاع واسع منه رافضًا للتطبيع بأشكاله المختلفة، فضلًا عن الرغبة في الفصل بين التنسيق المرتبط بملفات أمنية أو سياسية محددة وبين الانتقال إلى علاقات معلنة أو تطبيع سياسي كامل، ومع ذلك، شهدت السنوات الماضية لقاءات واتصالات معلنة وغير معلنة بين مسؤولين إسرائيليين وشخصيات ومسؤولين عرب.
اللافت هذه المرة كان في الإعلان الإماراتي الرسمي عن استقبال نتنياهو في أبوظبي، وسواء جاء الإعلان في أعقاب التسريبات الإسرائيلية التي سبقت الكشف عن الزيارة، أو عكس رغبة إماراتية في الانتقال بدرجة أكبر من الاتصالات المغلقة إلى العلن، فإن المشهد في حد ذاته يمثل تطورًا لافتًا في مستوى إظهار العلاقات الإماراتية-الإسرائيلية إلى العلن.
ومما يزيد من غموض تلك المشاركة عدم صدور تعليق إماراتي حاسم على التقارير التي تحدثت عن وجود ممثلين عرب في الاجتماع، فباعتبار أبوظبي الجهة المستضيفة، كان بإمكانها نفي هذه الروايات أو تأكيدها بصورة مباشرة، وهو ما أبقى الباب مفتوحًا أمام المزيد من التساؤلات بشأن طبيعة اللقاءات التي جرت وحدود المشاركة فيها، ومن هنا يبرز سؤال أوسع يتعلق بالدور الذي قد تسعى الإمارات إلى لعبه خلال المرحلة المقبلة.
ماذا تريد الإمارات؟
يكشف الحراك الإماراتي الأخير تجاه إسرائيل، عن توجه جديد يتجاوز حدود العلاقات الثنائية التقليدية بين البلدين، ويميل إلى توسيع الدور الإماراتي في الدفع نحو ترتيبات إقليمية أكثر تشابكًا، تكون تل أبيب جزءًا منها، خصوصًا في الملفات المرتبطة بإيران والأمن الإقليمي.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الدور الإماراتي باعتباره أوسع من مجرد الوساطة التقليدية بين إسرائيل وأطراف عربية راغبة في توسيع علاقاتها معها، فالإمارات قد تسعى إلى تثبيت موقعها كحلقة وصل إقليمية قادرة على إدارة قنوات اتصال وتفاهمات بين تل أبيب وعدد من الأطراف العربية، في ملفات تمتد من غزة واليمن إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وربما إلى ترتيبات أمنية خليجية أوسع مستقبلًا.
📜نافذة نتنياهو على المنطقة.. كيف تحاول الإمارات كسر عزلته الإقليمية؟👇
📎بعد ثلاثة أيام فقط من انسحاب وفود عشرات الدول من قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء كلمة نتنياهو، استقبله رئيس الإمارات محمد بن زايد في أبوظبي، وأعلنت وكالة الأنباء الرسمية "وام" الزيارة للمرة الأولى… pic.twitter.com/H8fHrWqroY
— نون بوست (@NoonPost) September 30, 2026
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه المنطقة جملة من التحديات المتداخلة، في مقدمتها التصعيد المرتبط بإيران، وتهديدات الحوثيين، وأمن الملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وهي ملفات تفرض نفسها على حسابات إسرائيل والدول الخليجية والعربية على حد سواء.
ومن هنا، تحاول أبوظبي استثمار هذه التحديات المشتركة باعتبارها أرضية لبناء تفاهمات أمنية وسياسية أوسع، يمكن أن تجمع إسرائيل ودولًا عربية في ملفات محددة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة قيام تحالف رسمي أو معلن في المدى القريب.
وبهذا المعنى، فإن الرهان الإماراتي لا يقتصر فقط على تعميق علاقتها بإسرائيل، بل قد يمتد إلى توظيف هذه العلاقة في تعزيز موقع أبوظبي داخل معادلات الأمن الإقليمي، واستعادة مساحة أكبر من التأثير في ملفات المنطقة، مستفيدة من قدرتها على التواصل مع أطراف متعارضة في الوقت نفسه.
التطبيع مقابل إيران.. هندسة أبراهام
تتبلور، في ضوء المؤشرات الحالية، ملامح معادلة إقليمية محتملة تلعب فيها الإمارات دور حلقة الوصل بين الأطراف المختلفة، وتقوم على توسيع التعاون بين إسرائيل ودول الخليج في مواجهة التحديات المرتبطة بإيران والحوثيين، مقابل فتح مساحات أوسع من التقارب مع تل أبيب، مع الوضع في الاعتبار عدم اشتراط أن يأخذ هذا التقارب شكل تطبيع سياسي أو دبلوماسي معلن، إذ قد يبدأ من بوابة التعاون الأمني والاستخباراتي بعيدًا عن الأطر الرسمية التقليدية.
وفي هذا السياق، يبدو النموذج المطروح أقرب إلى شبكة تعاون أمني إقليمية مرنة منه إلى تحالف عسكري رسمي على غرار “ناتو شرق أوسطي”، فهناك بالفعل مجموعة من المصالح والتهديدات التي يمكن أن تشكل أرضية مشتركة، ومن هذه الزاوية، يمكن لإسرائيل أن تعرض قدراتها الاستخباراتية وتقنيات الدفاع الجوي وأنظمة المراقبة والإنذار المبكر باعتبارها مدخلًا لتعزيز التنسيق الأمني مع دول الخليج.
ومع تطور هذا التعاون، قد تتسع تدريجيًا مساحة العلاقات الاقتصادية والسياسية، بينما يمكن للدول التي لا تزال تتحفظ على التطبيع الكامل، أو ترى أن كلفته السياسية والشعبية مرتفعة، الاكتفاء في مرحلة أولى باتصالات أمنية محدودة أو بخفض مستوى التوتر من دون إقامة علاقات دبلوماسية كاملة.
وتمنح العلاقات الوثيقة التي تجمع الإمارات بإسرائيل، بالتوازي مع شبكة علاقاتها الخليجية والعربية، أبوظبي مساحة للتحرك بين الأطراف المختلفة، ومن ثم، قد يسعى الإماراتيون إلى استثمار المخاوف المشتركة المرتبطة بأمن الممرات البحرية والطاقة والتصعيد مع إيران والحوثيين، للدفع باتجاه صيغة من التعاون الإسرائيلي- العربي، سواء اتخذت شكل إطار معلن أو ظلت في حدود التنسيق الأمني غير المعلن.
وبذلك، فإن الرهان المحتمل لا يتمثل بالضرورة في إعلان تحالف إقليمي جديد بقدر ما يقوم على بناء مصالح أمنية متشابكة تجعل التعاون مع إسرائيل أكثر قبولًا وواقعية لدى بعض دول المنطقة، وتفتح تدريجيًا الباب أمام مستويات أوسع من التقارب معها مع تخفيف حدة التوتر وتجفيف منابع الصدام المتصاعد خلال الآونة الأخيرة بسبب السياسات الإجرامية الإسرائيلية في المنطقة.
هدية على طبق من ذهب
من شأن الدور الإماراتي المحتمل في إعادة هندسة مساحات التعاون بين إسرائيل ودول المنطقة أن يمنح تل أبيب حزمة واسعة من المكاسب السياسية والأمنية واللوجستية، في مقدمتها إعادة تقديم إيران باعتبارها تهديدًا إقليميًا مشتركًا، لا مجرد خصم لإسرائيل وحدها، وبهذا المعنى، يستطيع الكيان أن يعيد تموضعه أمام دول الخليج باعتباره شريكًا أمنيًا يمتلك أدوات يمكن الاستفادة منها في مواجهة تحديات مشتركة، وليس فقط طرفًا في الصراع العربي الإسرائيلي بصورته التقليدية.
وقد يفتح هذا التموضع الباب أمام توسع إسرائيلي أكبر في البنية الدفاعية الإقليمية، من خلال أنظمة الرصد والإنذار المبكر وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق في مجال الدفاع الجوي واعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، مما يعزز من وضعيته الأمنية الردعية المبكرة.
وفي حال تطور هذا المسار، فمن شأنه أيضًا أن يزيد من الضغوط الإقليمية على إيران وحلفائها، وأن يدفع تدريجيًا نحو توسيع أنماط التعاون التي بدأت مع اتفاقات أبراهام، ربما بصورة أمنية في البداية، قبل أن تتخذ مستقبلًا أشكالًا سياسية أو دبلوماسية أوسع.
غير أن هذا السيناريو يواجه معوقات حقيقية لا يمكن تجاهلها، فاستمرار الحرب وتداعياتها في غزة، وتصاعد العنف الاستيطاني في الضفة الغربية، واستمرار التوترات في ساحات إقليمية أخرى، كلها عوامل ترفع الكلفة السياسية لأي تقارب عربي معلن مع إسرائيل، وتضع قيودًا أمام تحويل التعاون الأمني إلى مسار إقليمي واسع ومستقر.
ومن ثم، فإن أي محاولة إماراتية للدفع نحو إطار إقليمي جديد ستظل رهينة معادلة معقدة، فمن جهة، هناك مصالح أمنية مشتركة تدفع بعض الأطراف نحو مزيد من التنسيق مع إسرائيل، ومن جهة أخرى، هناك كلفة سياسية وشعبية مرتفعة تفرضها القضية الفلسطينية واستمرار الصراع.
وبين هذين المسارين، قد تسعى أبوظبي إلى توظيف موقعها كحلقة وصل لتعزيز نفوذها الإقليمي، لكن مدى نجاحها في ذلك سيتوقف على قدرة الأطراف المختلفة على التوفيق بين ضرورات الأمن وحساسية المشهد السياسي العربي.
في المحصلة، تبدو المنطقة أمام مرحلة إعادة تشكيل لخريطتها الإقليمية، فرضتها التحولات المتسارعة والتحديات المشتركة، بما يدفع نحو مقاربات جديدة قد تتجاوز الثوابت التقليدية والمرتكزات العروبية التاريخية لمصلحة حسابات أكثر براغماتية تقوم على الأمن والمصالح المتبادلة.
وفي ظل انخراط دول مثل الإمارات في هذا المسار، قد تتسارع خطوات دمج إسرائيل في ترتيبات إقليمية أوسع، ليس فقط عبر بوابة التطبيع السياسي أو الدبلوماسي، وإنما من خلال علاقات أمنية واقتصادية واستخباراتية أكثر عمقًا وتشابكًا.. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: هل تجاوزت المنطقة بالفعل مرحلة الجدل حول التطبيع، لتدخل مرحلة جديدة عنوانها الشراكة الإقليمية الأكثر تعقيدًا وترابطًا؟