قبل أن يصبح الطين جزءًا من لغته الفنية، كان الفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور يعرفه من يد جدته، ففي طفولته ببيرزيت، كان يراقبها وهي تخلط التراب بالماء والقش لتبني خلايا النحل والأفران وتصلح ما يتصدع في البيت، ويساعدها ويلهو بما يتبقى بين يديه.
مرت عقود قبل أن تعود هذه الذاكرة إلى مرسمه في ذروة الانتفاضة الأولى، حين صار شراء الألوان والمواد الفنية من السوق الإسرائيلية سؤالًا سياسيًا للفنانين الفلسطينيين، فمد منصور يده إلى الأرض نفسها.
قال في مقابلة مع موقع “قنطرة” الثقافي الألماني عام 2018 إن “الطين جاء من ذكريات طفولتي”، وكان يحاول في البداية معالجة تشققاته، قبل أن تصبح جزءًا من معنى العمل نفسه.
بين الطفل الذي لعب بالطين والرجل الذي عاد إليه، امتدت حياة فلسطينية كاملة تقريبًا، فقد عاش منصور حرب 1967 والاحتلال والانتفاضتين وأوسلو والحروب الإسرائيلية على غزة، وكان كل تحول فلسطيني يترك أثره في الصورة والمواد التي يعمل بها.
رحل سليمان منصور في القدس مساء 24 أغسطس/آب 2026 عن 79 عامًا، وذلك بعد أيام من فعالية إطلاق كتاب سيرته “على درب الغول” في المدينة المقدسة، والذي أعدته الباحثة رنا عناني من مقابلات طويلة سجلتها معه بين عامي 2020 و2023.
من بيرزيت إلى القدس.. كيف تشكل الفنان؟
ولد سليمان منصور في بيرزيت عام 1947، رابعًا بين ستة أبناء وتوفي والده وهو في الثالثة أو الرابعة، فوجدت والدته نفسها تعيل الأسرة بالخياطة.
أُرسل مع بعض إخوته إلى مدرسة تابعة للكنيسة اللوثرية في بيت لحم، وهناك انتبه المدرس الألماني فيليكس تايس إلى موهبته، ووفر له أدوات الرسم وشجعه على المشاركة في مسابقة دولية مرتبطة بالأمم المتحدة.
روى منصور في حوار مع مجلة “رمان” الثقافية الفلسطينية في مايو/أيار 2017 أنه فاز بالجائزة الأولى، وطُبع رسمه على غلاف كتالوغ المسابقة وحصل على 200 دولار، فغيّرت الجائزة نظرة المدرسة والعائلة والقرية إلى موهبته ومنحته ثقة أكبر باختيار الفن.
وتنقل مراجعات “على درب الغول” أيضًا ذكريات عن الجوع وبعض المدرسين المتشددين والانضباط الصارم، وهي تفاصيل تكشف جانبًا شاقًا من سنوات المدرسة الداخلية.
ظلت بيرزيت وريفها مصدرًا لذاكرته البصرية، من المصاطب الحجرية والزيتون والتين واللوز إلى الضوء فوق التلال وبرك السقي التي كان الأطفال يسبحون فيها صيفًا، وعادت هذه التفاصيل لاحقًا في لوحاته.
وكان للبيت والكنيسة أثر مبكر في تكوينه البصري، فرسم عام 1965 صورة لجده الكاهن الأرثوذكسي بولس خوري، وظلت الأيقونات المسيحية وصور الأم والطفل حاضرة في أعماله.
وتستعيد المذكرات جده الآخر جريس منصور، مدير مدرسة لوثرية في القدس، الذي كان يجيد العربية الفصحى والألمانية وشارك باحثين ألمان في جمع الحكايات الشعبية الفلسطينية، إذ وصفه سليمان بأنه “فلسطيني الانتماء، ألماني التعليم”، وهي تركيبة رأى شيئًا منها في تكوينه الشخصي أيضًا، بين الثقافة الأوروبية التي تعرف إليها مبكرًا وبين فلسطين التي أصبحت مركز تجربته.
كان منصور يخطط قبل 1967 للسفر إلى الولايات المتحدة لدراسة الفن لكن الحرب غيرت مساره، فقد روى أنه شاهد قتلى قرب بيرزيت وشارك أهل البلدة في دفن ثلاثة مقاتلين مصريين قضوا بعد اشتباك مع قوة إسرائيلية، ثم التحق بأكاديمية بتسلئيل للفنون في السنة نفسها التي احتلت فيها “إسرائيل” شرق القدس والضفة الغربية.

كان في العشرين حين دخل تلك المؤسسة الإسرائيلية، وكانت الأكاديمية متأثرة بالتيارات الغربية السائدة ولا سيما التعبيرية التجريدية، فيما ظل اهتمامه مشدودًا إلى الناس والقرية وما يجري خارجها.
أمضى منصور ثلاث سنوات في بتسلئيل وغادر قبل السنة الرابعة بعدما طُلب منه تسديد رسوم متراكمة، وقد اهتزت علاقته بالأكاديمية قبل ذلك إثر حريق في مكتبتها، إذ شعر يومها بأن الطلاب والأساتذة ينظرون إليه بريبة وكأنه يقف وراء “عمل تخريبي”، قبل أن يتبين أن السبب تماس كهربائي. وقال لاحقًا إن شيئًا “انكسر” داخله بعد تلك الواقعة، ومع أزمة الرسوم انتهت تجربته في الأكاديمية عام 1970.
بعد بتسلئيل اتجه منصور إلى واقعية رمزية جمعت أثر الفن الأوروبي والمكسيكي والأيقونة المسيحية والريف الفلسطيني. وخلال السبعينيات استقرت أبرز رموزه، فربط البرتقال بذاكرة الساحل ونكبة 1948، والزيتون بالأرض المحتلة منذ 1967، والثوب بالهوية، والمرأة بالأم والوطن والثورة.
وتربط موسوعة “متحف”، التابعة للمتحف العربي للفن الحديث في الدوحة، هذه العناصر بتكوين قاموس بصري فلسطيني حديث كان منصور من أبرز صانعيه.
وفي مطلع الثمانينيات، عمل منصور مع الفنان التشكيلي نبيل عناني، أحد أبرز رفاقه في الحركة الفنية الفلسطينية، على جمع أثواب فلسطينية قديمة من مناطق مختلفة ودراستها، ثم شاركا في إعداد دليل للتطريز ضمن مشروع لجمعية إنعاش الأسرة.
من “جمل المحامل” إلى الارتباط بالأرض
بدأت فكرة أشهر أعماله “جمل المحامل” من مشهد يومي بالقدس، إذ تعود البذرة الأولى لها إلى عام 1969، حين كان منصور يراقب الحمّالين وهم ينقلون الحقائب والأجهزة والأغراض الثقيلة، وظلت الصورة تتطور بذهنه سنوات، حتى اختفت الحمولة اليومية وحلت مكانها المدينة المقدسة.
وفي 1973 رسم رجلًا مسنًا نحيلًا، منحنيًا تحت حبل يثبت كتلة تضم القدس وقبة الصخرة، وحيدًا تقريبًا في فضاء يزيد إحساس الثقل، وبعدها اقترح الكاتب الفلسطيني إميل حبيبي اسم “جمل المحامل” على العمل.
عام 1975 تحولت اللوحة إلى ملصق انتشر في البيوت والمخيمات والمكاتب والمقاهي وسيارات الأجرة، وتروي المذكرات أن الملصقات كانت تطبع بوسائل محدودة وتوزع وسط المصادرة والملاحقة، حتى أصبحت الصورة المطبوعة أشهر لدى الجمهور من اللوحة الأصلية.
ولسنوات ظل مصير الأصل غامضًا، قبل أن تعيد دار “كريستيز” الدولية للمزادات التحقيق في تاريخ العمل بالتعاون مع منصور عام 2015، ليتبين أنه رسم ثلاث نسخ.
ظهر أصل 1973 لدى جامع في لندن، فيما وصلت نسخة ثانية من منتصف السبعينيات إلى الرئيس الليبي المخلوع معمر القذافي، ويرجح أنها فقدت في القصف الأمريكي على طرابلس عام 1986.
أما الثالثة فرسمها منصور عام 2005 مع بعض التعديلات، ثم بيعت في مزاد “كريستيز” بدبي عام 2015 وانتقلت إلى مجموعة مؤسسة دالول للفنون في بيروت.

وفي 1976 رسم “عروس الوطن” عن لينا النابلسي، الطالبة الفلسطينية التي استشهدت برصاص جندي إسرائيلي في نابلس خلال احتجاجات طلابية، وروى منصور أنه قرر رسمها بعدما صودرت الصور الفوتوغرافية التي التقطت لها عقب قتلها.
وفي العام نفسه رسم لوحة “الصمود والأمل”، ثم جاءت “ابنة القدس” عام 1978 و”امرأة تحمل القدس” عام 1979، حيث انتقلت المدينة من ظهر الرجل المنهك إلى المرأة التي تحملها فوق الرأس أو تضمها إلى جسدها. وفي 1982 أنجز “السجن” و”صبرا وشاتيلا”، ثم “الرحلة إلى مصر” عام 1984 و”فلسطين الأم” و”أسلاك شائكة” عام 1986.
وفي 1979 شارك منصور مع نبيل عناني وكامل المغني في تأسيس Gallery 79 في رام الله، التي أصبحت مساحة دائمة لعرض الفن الفلسطيني قبل أن تغلقها سلطات الاحتلال في العام التالي.
وروى منصور في مقابلة نشرها موقع “Hyperallergic” الأمريكي المتخصص في الفنون في ديسمبر/كانون الأول 2023 أنه تعرض للاعتقال والاستجواب، وتحدث عن مصادرة أعمال وإغلاق معارض.
وفي اجتماع بعد إحدى هذه الوقائع، حذر ضابط إسرائيلي الفنانين من جمع الأحمر والأخضر والأسود والأبيض، فسأل زميله الفنان عصام بدر عما سيحدث لو ظهرت الألوان نفسها في زهرة أو بطيخة، فجاءه الرد بأن المصادرة ستطالها أيضًا. وتحولت تلك الحكاية لاحقًا إلى جزء من تاريخ رمز البطيخ الفلسطيني.
ومع الانتفاضة الأولى امتدت المقاطعة إلى مواد الرسم نفسها، فقد وجد منصور وزملاؤه نبيل عناني وفيرا تماري وتيسير بركات أن شراء مواد إسرائيلية يتعارض مع المناخ الذي يدعو إلى المقاطعة والاكتفاء المحلي، ومن هنا تشكلت تجربة “نحو التجريب والإبداع” التي بدأت بذرتها عام 1987 وتبلورت تنظيميًا في 1990.

اتجه منصور إلى الطين والقش والخشب، فيما جرب رفاقه الحناء والجلد والأصباغ الطبيعية ومواد محلية أخرى. وقال في حوار “رمان” في مايو/أيار 2017 إن التجربة جاءت “كضرورة ملحة”، ووصفها بأنها ثمرة ظرف تاريخي فرض البحث عن شكل آخر للعمل.
في البداية حاول منصور سد تشققات الطين وإصلاحها، ثم بدأ يتعامل معها كجزء من العمل، فرأى فيها صدى للجغرافيا الفلسطينية المجزأة وللجسد والزمن، وقال عام 2018 إن “الطين يعكس أيضًا مصير الإنسان”.
ظهر هذا التحول في عمل “القرية” عام 1990، الذي صنعه من الطين على الخشب، ثم في “جسم متضائل” عام 1996، حيث جعل جفاف الطين وتشققه يحاكيان تقلص الأرض الفلسطينية وتجزئتها.
وفي العام نفسه بدأ سلسلة “أنا إسماعيل”، مستلهمًا قصة النبي إسماعيل، وما تحمله من معاني الرحيل والاقتلاع والارتباط بالأرض. وشكّل منصور بالطين شخصيات تبدو كآثار أو شواهد قديمة، وربط من خلالها الحكاية بتجربة الفلسطينيين مع الفقد والمنفى.
ونالت السلسلة الجائزة الكبرى للنيل في بينالي القاهرة السابع عام 1998، قبل أن يجمع نحو عقد من تجاربه بالطين في معرض “عشر سنوات في الطين” عام 2001.
مع الوقت عاد إلى الزيت والفحم والأكريليك ورسم المشهد الطبيعي، فظهرت “ذاكرة الأمكنة” و”مشهد غير مؤكد 1″ عام 2009، وثلاثية بساتين البرتقال و”غزة” عام 2014، ثم “والقافلة تسير” عام 2016.
وقرأت المؤرخة الفنية غانيت أنكوري تجربة منصور ضمن ما سمته “شعرية الصمود”، حيث تستطيع الأرض المتشققة أو القرية الهادئة أن تحمل معنى سياسيًا من خلال الحياة اليومية والاستمرار في المكان، فيما ربطت الباحثة تينا شيرويل مناظره بذاكرة المكان وما يتعرض له من تغيير وفقد.
ومطلع 2026 وصف منصور طريقته بصورة مختلفة، فقال في مقابلة: “أنا لم ولا أعمل على توثيق التاريخ، ربما أوثق حالات يمر بها الشعب الفلسطيني”. كان يرسم الحزن والغضب والأمل والحب، ويعيد في مناظره تشكيل القرية كما بقيت في ذاكرته، فيصلح جدارًا حجريًا ويعيد الخضرة إلى شجرة يابسة، ويتخلص مما يراه مشوهًا للمشهد.
وفي المشهد الفني الفلسطيني، ارتبط فن إسماعيل شموط بالنكبة واللجوء والعودة، واستعادت تمام الأكحل يافا والمرأة وذاكرة الاقتلاع، فيما اتجه مصطفى الحلاج إلى الحفر والغرافيك وعالم يستحضر الأسطورة والتاريخ، وذهب تيسير بركات أبعد نحو التجريد والوسائط المختلطة.
وكان نبيل عناني الأقرب إلى منصور في العمل المشترك والاهتمام بالقرية والتراث، حيث ظل الأخير يصل تجريبه بالإنسان والمكان حتى صار الطين وتشققه من أبرز سمات مرحلته الجديدة.
من اللوحة إلى بناء الحركة الفنية
كان منصور حاضرًا أيضًا في بناء المؤسسات التي حملت الحركة الفنية، فشارك في تأسيس رابطة الفنانين الفلسطينيين في السبعينيات وتولى رئاستها لاحقًا، ثم شارك عام 1994 في تأسيس مركز الواسطي للفنون في القدس وأداره بين 1996 و2003.
وامتد عمله إلى التعليم، فعمل في مركز تدريب المعلمات في الطيرة بين 1974 و1983، ثم في مشروع للحرف بجامعة بيرزيت بين 1983 و1985، ودرّس في جامعة القدس من 2000 إلى 2014. كما شارك في تأسيس الأكاديمية الدولية للفنون في فلسطين، التي انطلقت عام 2006، وعمل مديرًا تنفيذيًا بالإنابة فيها خلال 2006 و2007، بعدما بدأت محاولاته لإنشاء تعليم فني أكاديمي فلسطيني منذ الثمانينيات.
وتحفظ الصور جانبًا آخر من تلك المرحلة، ففي دير غسانة عام 1984، يظهر منصور يتحدث إلى أطفال خلال أول معرض لتيسير بركات في الضفة، وفي صورة أخرى يقف مع نبيل عناني والأطفال أمام المعرض، بما يكشف حضور الفنانين آنذاك في القرى والمدارس والمساحات الصغيرة.
وتستعيد رنا عناني في “على درب الغول” شرفة بيت والدها نبيل في البيرة، حيث كانت طفلة تشاهد اجتماعات الفنانين، قبل أن تعود بعد عقود لتسجل مع منصور المقابلات التي بُني عليها الكتاب.
وبين 1981 و1993 مارس منصور الكاريكاتير السياسي في صحيفة “الفجر” الأسبوعية باللغة الإنجليزية، وكان يميل إلى الصورة القادرة على إيصال الفكرة بأقل قدر من الكلمات، وشارك أيضًا في كتاب “جانبا السلام” عن فن الملصق السياسي الإسرائيلي والفلسطيني.
واتسعت معارضه خارج فلسطين منذ الثمانينيات، فشارك في المعرض الافتتاحي لمعهد العالم العربي في باريس عام 1987، ومعرض “جذور” في مقر الأمم المتحدة بنيويورك عام 1992، ثم قدم “أنا إسماعيل” في القاهرة عام 1998 وحصل في العام نفسه على جائزة فلسطين للفنون البصرية.
وأقيمت له استعادية “تضاريس الانتماء” في القدس عام 2011، قبل أن تظهر أعماله عام 2021 في معرض “التجريد والخط.. نحو لغة عالمية” باللوفر أبوظبي بالتعاون مع مركز بومبيدو. وكانت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة قد منحته عام 2019 جائزة اليونسكو–الشارقة للثقافة العربية.
ووصلت أعماله إلى مجموعات المتحف البريطاني في لندن و”متحف” في الدوحة ومؤسسة بارجيل للفنون ومؤسسة دالول والمتحف الفلسطيني. وفي سوق المزادات، بيعت النسخة الثالثة من “جمل المحامل” بنحو 257 ألف دولار في دبي عام 2015، وخصص جزء من ريعها لمبادرات تدعم الفنانين في المنطقة، قبل أن تنتقل إلى مجموعة مؤسسة دالول.
لكن واحدة من أوضح علاقاته بالأرض ظهرت بعيدًا عن المتاحف، إذ تنقل مراجعات مفصلة لـ”على درب الغول” أنه ورث قطعة أرض في منطقة “السقي” ببيرزيت، ثم استخدم عائدات بيع لوحاته لشراء قطع إضافية من أفراد الأسرة والمغتربين حتى تبقى الأرض محفوظة.
وتروي المذكرات أيضًا أن شقيقه عرض عليه شراء سيارة أجرة ليضمن دخلًا ثابتًا، في حكاية تضع الفنان المعروف دوليًا داخل حسابات عائلة فلسطينية تفكر في الأرض والعمل والاستقرار.

وفي سنواته المتأخرة، كان بيته في القدس ومرسمه في رام الله، وبينهما الحاجز، وقد شرح في مقابلة مع “قنطرة” عام 2018 أن بقاءه في المدينة المقدسة يرتبط بالحفاظ على وضع إقامته المقدسية، مع تعلق شخصي أكبر برام الله وبيرزيت. وأصيب بجلطة دماغية عام 2021، لكنه واصل الذهاب إلى المرسم قدر استطاعته، وكان ابنه فارس يقوده أحيانًا عبر حاجز حزما.
صورة منصور المسن وهو يقطع الطريق إلى رام الله ليواصل العمل تعيد صدى الرجل الذي رسمه شابًا حاملًا القدس فوق ظهره، المدينة التي صنعت أشهر لوحاته بقيت حتى شيخوخته جزءًا من يومه العادي.
ثم جاء العدوان الإسرائيلي على غزة ليدفعه إلى تغيير طريقته مرة أخرى، ففي مقابلة في 24 ديسمبر/كانون الأول 2023، شرح أن عمله كان يبدأ عادة بفكرة ثم رسم تحضيري، لكن صور الحرب دفعته إلى الرسم مباشرة على القماش تاركًا الألوان تنساب بحرية.
ووجد نفسه يعود إلى التعبيرية التجريدية التي كرهها في شبابه، وقال عن الصور العالقة في ذهنه “لا أستطيع إخراجها إلا بالرسم”. وفي فبراير/شباط 2024 قال إن “معركتنا هي أن نستعيد إنسانيتنا”، ثم تحدث في مايو/أيار من العام نفسه عن دور الفن والثقافة في مواجهة نزع الإنسانية عن الفلسطينيين.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، عاد الطين في واحد من أكبر مشروعاته حين كشف المتحف الفلسطيني عن جدارية “على جناح ملاك”، بطول 12 مترًا وارتفاع 6 أمتار، منفذة من الطين والقش والحناء وتتمحور حول القدس، أنجزها منصور بمشاركة الفنان العزيز عاطف ومتطوعين من كلية الفنون والموسيقى والتصميم في جامعة بيرزيت.
فيما عاد رفاق “نحو التجريب والإبداع” الأربعة، منصور ونبيل عناني وفيرا تماري وتيسير بركات، إلى أعمال جدارية دائمة بعد نحو 35 عامًا من تجربتهم المشتركة.
وفي عامه الأخير صدر “على درب الغول” عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في 263 صفحة، بعد مقابلات مطولة أجرتها رنا عناني مع منصور بين 2020 و2023.
يستعيد الكتاب طفولته ودراسته والحركة الفنية والانتفاضة والمؤسسات والصداقات والصدامات، ويكشف ضيقه من تنافسات الوسط الفني ومن أشخاص رأى أنهم يستنزفون الفنان باسم الشهرة أو خدمة فلسطين. واستعار عنوانه من الحكاية الشعبية عن الطريق الخطر المليء بالعقبات، ليصف به مشقة المسيرة الفنية.
وفي 12 أغسطس/آب 2026، قبل وفاته بـ 12 يومًا، نشرت النشرة الثقافية “ذا كالتشر ليست” مقابلة معه قال فيها إن حالته الطبية والألم أصبحا أكبر ما يشتته عن العمل. وبعد رحيله، قال رفيقه نبيل عناني إنه عاش معه “سنوات طويلة من الصداقة والعمل والفن”، وإنهما تقاسما كثيرًا من المحطات والذكريات، واصفًا إياه بأنه “فنان استثنائي وإنسان ورفيق لا ينسى”.
ظل منصور حتى سنواته الأخيرة يغيّر أدواته كلما تغيرت فلسطين من حوله، فيما بقي الإنسان والأرض في قلب ما يصنعه. وحين رحل، ترك وراءه صورًا دخلت الذاكرة الفلسطينية، ومساحات ومؤسسات ساعدت أجيالًا أخرى على صناعة صورها الخاصة.