تفتقر الساحة الفقهية والقانونية المعاصرة بشكل كبير إلى شخصيات عابرة للتخصصات؛ تجمع بين دقة الضبط الفقهي التراثي وبين الصياغة القانونية الحديثة، لكن العالم والفقيه العراقي الدكتور عبد الكريم زيدان كان يمثل أحد أبرز القامات العلمية التي سدت هذه الثغرة في القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين.
لم يكن زيدان مجرد فقيه تقليدي يكتفي بجر نصوص الأقدمين إلى الحاضر، بل كان رجل قانون وأكاديميا ومنظّرا في السياسة الشرعية، ترك بصمة واضحة على خارطة الفكر الإسلامي والقانوني في المشرق العربي والعالم الإسلامي؛ عبر عقود من الزمن.
الجذور والبدايات
ولد عبد الكريم زيدان بهيج العاني في بغداد عام 1921، ونشأ بمحلة “سوق حمادة” بجانب الكرخ، في بيئة بغدادية محافظة، وتوفي والده وهو في الثالثة من عمره، فتولت والدته وجده رعايته وتوجيهه نحو العلم.
ثم تلقى تعليمه الأولي في الكتاتيب التقليدية، حيث تعلم قراءة القرآن الكريم والكتابة، ثم التحق بالمدارس النظامية ببغداد، وأتم فيها دراسته الابتدائية والثانوية.
اتسم مساره الدراسي اللاحق بالتنوع المعرفي؛ حيث زاوج بين دراسة القانون الحديث في جامعة بغداد، وبين التتلمذ المباشر على يد شيوخ وعلماء بغداد التقليديين، ثم انضم في بواكير شبابه إلى الحركة الإسلامية، وعمل في صفوفها، وتولى مناصب قيادية عليا فيها.
التحق بكلية الحقوق في جامعة بغداد وتخرج فيها عام 1950، ونظرا لتميزه وتفوقه، تطلع إلى تعميق معرفته بالجمع بين الشريعة والقانون، فسافر إلى مصر والتحق بمعهد الدراسات الإسلامية التابع لجامعة القاهرة، ثم نال شهادة الدكتوراه من كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1962 بمرتبة الشرف الأولى.
وبالتوازي مع الدراسة النظامية، لازم زيدان كبار علماء العراق في ذلك العصر، واستمد منهم السند المعرفي في العلوم الشرعية، ومن أبرز شيوخه العلامة أمجد الزهاوي، والشيخ عبد القادر الخطيب، والشيخ نجم الدين الواعظ، والشيخ محمد محمود الصواف وغيرهم، مما منحه ملكة فقهية نادرة، ولغة قانونية محكمة صلبة، وعمقا في استنباط الأحكام من مظانها التراثية، بحسب شهادات الكثير من معاصريه وتلامذته.

من القضاء إلى الأستاذية
بدأ عبد الكريم زيدان حياته المهنية في سلك التعليم الابتدائي، ثم انتقل بعد تخرجه في كلية الحقوق إلى العمل في السلك القضائي العراقي، حيث عُين قاضيا في محاكم بغداد ومدن أخرى مثل الفلوجة وسامراء، وأمضى في القضاء عدة سنوات؛ اكتسب خلالها خبرة عملية واسعة في كيفية تطبيق النصوص القانونية، وفهم ثغرات الواقع ومنازعات الناس.
ثم انتقل إلى الفضاء الأكاديمي الذي وجد فيه نفسه، وانضم إلى هيئة التدريس في جامعة بغداد، وتدرج في الرتب العلمية حتى نال مرتبة الأستاذية “بروفيسور”، وتولى مناصب إدارية وعلمية رفيعة، منها رئيس قسم الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بجامعة بغداد، ورئيس قسم الدين بكلية الآداب في جامعة بغداد، وعميد كلية الدارسات الإسلامية، وأستاذ الشريعة الإسلامية والقانون المقارن في كليتي الحقوق والشريعة.
وبعد التغيرات السياسية والتضييق الذي شهده العراق في العقود الأخيرة من القرن العشرين؛ غادر الدكتور عبد الكريم زيدان وطنه مطلع التسعينيات متوجها إلى اليمن، حيث استقر هناك وعمل أستاذا للدراسات العليا في جامعتي صنعاء والإيمان، وساهم في صياغة المناهج الأكاديمية الفقهية لجيل كامل من الباحثين اليمينين والعرب، وظل يمارس التدريس والتأليف حتى وفاته في صنعاء.
بين أروقة السياسة
وإلى جانب نشاطه الأكاديمي والقانوني؛ تعد التجربة الوزارية للدكتور عبد الكريم زيدان في ستينات القرن الماضي محطة مهمة في مسيرته رغم قصرها، إذ تجسدت فيها رؤيته في الموازنة بين موقعه الفكري والتنظيمي؛ وبين العمل العام من داخل أروقة الدولة.
حيث تسنم زيدان منصب وزير الأوقاف في حكومة رئيس الوزراء عبد الرزاق النايف عام 1968؛ في عهد الرئيس عبد الرحمن عارف؛ ولمدة 13 يوما فقط، انتهت بانقلاب البعثيين على عارف والإطاحة بحكمه.
وجاء اختياره لهذا المنصب بناء على عدة اعتبارات، على رأسها رصانته العلمية والقانونية، فقد كان قاضيا سابقا وأستاذا جامعيا مرموقا في كلية الحقوق، ويحظى باحترام واسع في الأوساط العلمية والدينية ببغداد، مما جعله خيارا تكنوقراطيا بامتياز؛ لإدارة وزارة تعنى بالشؤون الدينية والممتلكات الوقفية.
ورغم صلاته القيادية وتأثيره داخل الحركة الإسلامية في العراق، والتي كانت تعمل تحت اسم “جمعية الأخوة الإسلامية في العراق“؛ إلا أن دخوله الوزارة لم يكن تمثيلا لكتلة سياسية معارضة، بل كشخصية وطنية إسلامية، قادرة على تجسير الهوة بين توجهات الدولة والتيار الإسلامي الصاعد.
اتسمت الفترة الوجيزة التي قضاها زيدان في الوزارة بالتركيز على الجوانب المؤسسية والإصلاح الإداري، بعيدا عن الاستقطاب السياسي الذي كان يعصف بالعراق حينها.
وبعد الإطاحة بالرئيس عارف؛ اعتزل الدكتور عبد الكريم زيدان العمل السياسي، وتفرغ للعمل الأكاديمي والفقهي والدعوي.

الإنتاج العلمي بين الفقه المقارن والتقنين
يوصف النتاج المكتوب لعبد الكريم زيدان بأنه المؤشر الأبرز على رصانته العلمية؛ إذ تميزت مؤلفاته التي تجاوزت العشرات بالابتعاد عن الحشو اللفظي، والتركيز على الصياغة المستندة إلى الأدلة الشرعية والقانونية المقارنة.
ويعد كتاب “المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم في الشريعة الإسلامية” من أبرز وأضخم أعماله على الإطلاق، ويقع في أحد عشر مجلدا، ونال هذا الكتاب جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية عام 1997.
وتكمن أهمية هذا العمل في أنه درس كل ما يتعلق بالمرأة والأسرة دراسة فقهية مقارنة بين المذاهب الإسلامية المختلفة، مع ربط هذه الأحكام بالنظريات القانونية والاجتماعية المعاصرة، وتميز الكتاب بمنهجية موضوعية صارمة ناقشت قضايا الولاية والإرث والعمل والحقوق السياسية والأحوال الشخصية، بعيدا عن الجمود أو التحلل من الضوابط الشرعية.
كما يُعتبر “أصول الدعوة” من أكثر كتبه انتشارا على الصعيد العالمي، وترجم إلى عدة لغات وما زال يدرس في العديد من الجامعات والمعاهد، حيث يضع الكتاب إطارا منهجيا وعلميا لمفهوم الدعوة الإسلامية ومقوماتها ومناهجها، والصفات النفسية والعلمية التي يجب أن تتوفر في الداعية، محولا هذا الحقل من مجرد وعظ خطابي إلى مادة علمية منضبطة.
أما في الجانب الدستوري؛ فتبرز أطروحته المبكرة “أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام”، حيث أسس فيها رؤية شرعية متقدمة حول مفهوم المواطنة، وحقوق الأقليات، وطبيعة العقد السياسي بين الحاكم والمحكوم، وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول في السلم والحرب، مستندا إلى قواعد الفقه الإسلامي ومقارنتها بالقانون الدولي العام.
أما “الوجيز في أصول الفقه”؛ فقد كان صياغة حديثة ومبسطة لعلم أصول الفقه، جردت المادة من الجدالات الكلامية والفلسفية التي لا ينبني عليها عمل فقهي.
كما وضع كتاب “نظام القضاء في الشريعة الإسلامية” مستفيدا من خبرته كقاض؛ لشرح أركان العملية القضائية، وشروط القاضي وطرق الإثبات؛ كالشهادة والإقرار والقرائن؛ مقارنة بالنظم القضائية الحديثة.
منهجه الفكري بين الأصالة والمعاصرة
كان زيدان ينظر إلى المذاهب الفقهية الإسلامية كلوحة معرفية متكاملة في بحوثه، ويعرض آراء المذاهب الأربعة بجانب المذاهب الأخرى، ثم يناقش أدلة كل فريق وفق قواعد علم الحديث وأصول الفقه، ليرجح في النهاية الرأي الذي يراه أقوى دليلا وأقرب إلى تحقيق مصالح الناس، دون تعصب لمذهب معين، بالرغم من تأثره الأولي بالمدرسة الحنفية السائدة في العراق.
وعُرف الدكتور عبد الكريم زيدان بتأييده لفكرة تقنين الشريعة الإسلامية، أي تحويل الأحكام الفقهية التنازعية الموجودة في بطون المراجع القديمة؛ إلى مواد قانونية مصاغة ببنود مرقمة واضحة يسهل على القضاة والمحامين والناس التعامل معها، مؤكدا باستمرار أن هذا العمل لا ينافي الشريعة، بل يخدمها ويمنع اضطراب الأحكام القضائية.
وفي النظام السياسي؛ شدد زيدان على أن الإسلام لم يضع قالبا جامدا لشكل الحكومة، بل وضع مبادئ عامة مثل الشورى والعدالة والمساواة، وترك الوسائل والآليات كالبرلمانات، وفصل السلطات، والتداول السلمي لتقدم الفكر الإنساني وتجارب الأمم؛ بما لا يصطدم مع نص قطعي، وكتب في ذلك عددا من الكتب والبحوث.
بين الدعوة والعمل التنظيمي
إلى جانب نشاطه العلمي؛ كان للدكتور عبد الكريم زيدان دور في العمل الإسلامي العام؛ فقد كان أحد القادة البارزين للإخوان المسلمين في العراق، وتولى منصب المراقب العام للجماعة لسنوات طويلة.
واتسمت فترة قيادته للجماعة بالهدوء والابتعاد عن الصدام، والتركيز على التربية العلمية والفكرية، وكان يرى أن التغيير الاجتماعي والسياسي يبدأ من إيجاد القاعدة العلمية الرصينة وتوعية المجتمع، ولذلك صبغ نشاطه السياسي بصبغة أكاديمية وقانونية، مما جنبه وتلاميذه الكثير من المنزلقات في ظروف العراق السياسية المعقدة.
كما كان عضوا في مجامع فقهية دولية متعددة؛ مثل المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، ومجمع الفقه الإسلامي الدولي في جدة، ومن خلال هذه العضويات ساهم في إصدار عشرات القرارات والفتاوى المتعلقة بالنوازل المعاصرة، خصوصا في المعاملات المالية والطبية والقضايا الفكرية.

خاتمة المطاف والعودة إلى الوطن
شهدت السنوات الأخيرة من حياة الدكتور عبد الكريم زيدان فصلا جديدا من الغربة والإنتاج العلمي المكثف، بعيداً عن وطنه العراق الذي عاش فيه عقوده السبعة الأولى.
وتميزت سنواته الأخيرة في اليمن بالانكفاء التام عن العمل التنظيمي أو الصراعات السياسية الحزبية، وصب جل اهتمامه على التدريس في الجامعات، وعضويته النشطة في المجامع الفقهية الدولية عبر المراسلة والكتابة.
في صباح يوم الاثنين الموافق 27 كانون الثاني/يناير من العام 2014؛ غيب الموت الدكتور عبد الكريم زيدان في العاصمة اليمنية صنعاء، إثر نوبة قلبية مفاجئة، قضى معظمها في القضاء والتدريس والتأليف.
وأحدث نبأ وفاته صدى واسعا في الأوساط الأكاديمية والدعوية الإسلامية، ونعته العديد من المؤسسات العلمية والفقهية في العالم الإسلامي؛ وفي مقدمتها المجمع الفقهي العراقي، والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورابطة العالم الإسلامي.
ورغم قضائه نحو عقدين من الزمن في اليمن؛ إلا أن ارتباطه بمسقط رأسه ظل وثيقا؛ إذ أوصى قبل وفاته أن يُدفن في مقبرة الشيخ معروف الكرخي ببغداد، وهي المحلة القريبة من مسقط رأسه.
وتنفيذا لوصيته؛ جرى نقل جثمانه بالطائرة من صنعاء إلى العاصمة العراقية، وشهدت بغداد مراسم تشييع حاشدة ونوعية؛ حيث استُقبل الجثمان وصُلي عليه في جامع الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان بمدينة الأعظمية، وحضر التشييع جمع غفير من العلماء والأكاديميين والقضاة ورجال السياسة وتلامذته القدامى، قبل أن يُنقل إلى المقبرة، ليوارى الثرى في أرض بغداد، تاركا خلفه إرثا فقهيا موسوعيا واستثنائيا، وحياة حافلة بالعلم والمعرفة والعطاء؛ كواحد من أهم الفقهاء الذين عرفهم العالم العربي والإسلامي خلال المائة عام الأخيرة.