“لم أر نظيرًا له في الجاذبية والتألق وإمتاع الطلاب، وهو يمحضهم روح العلم ولبابه. دكتور محاضر يتقاطر ذكاء وخفةَ دم ويفيض مرحًا وبهجة ويتوج ذلك حركة نشيطة مدروسة في القاعة وإطلالة حلوة، وحضور بهي مزدان بوسامة آسرة وأناقة راقية. كان بالنسبة إليّ عصارة الشخصية الدمشقية التي تكتنز حضارة المدينة وعلمها ورقيها وشبابها وعنفوانها وحلاوتها وطلاوتها”.
بهذه الكلمات نعى الأستاذ محمد أمير ناشر النعم أحد طلاب الدكتور مازن المبارك أستاذه، مستعيدًا صورته في قاعة الدرس في شهادةٍ تصف المكانة التي احتلها الرجل في نفوس تلامذته، والهيبة التي اكتسبها بعلمه وشخصيته على السواء.
كما كتب الدكتور محمد أنس الدوامنة، أحد تلاميذه القدامى أنه تلقى نبأ وفاة أستاذه وهو في المسجد الحرام ينتظر إقامة صلاة العشاء، واصفًا إياه بأنه “إمام العربية في زماننا”، مستحضراً سنواتٍ من ملازمته له في مجلس علمٍ أسبوعيٍّ تخصصي، نهل خلاله من منهجيته الرصينة ورؤيته العميقة وأخلاقه النبيلة، مشيرًا إلى أن حضور أستاذه إلى بيوت طلابه كان يمثل “فرحة الأسرة وبركة المكان” قبل أن يختم شهادته بالتأكيد أن بركة العلماء من أعظم ما يظفر به الإنسان في حياته.
ولم تكن شهادات تلامذته وحدها من عبّرت عن مكانته، فقد شاركت المؤسسات العلمية والثقافية في سوريا في رثائه، حيث نعت وزارة الثقافة السورية الدكتور مازن المبارك ووصفت رحيله بأنه خسارة أعقبت “مسيرة علمية وأدبية حافلة امتدت لعقود” مشيدة بإسهاماته في خدمة اللغة العربية وإثراء الفكر والثقافة، كما نعت بدورها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الأديب الفقيد، فيما توالت بيانات النعي من مؤسسات أكاديمية وشخصيات علمية ودينية مختلفة.
وجاء رحيل الدكتور مازن المبارك في دمشق يوم السبت 25 تموز/يوليو 2026، عن عمر ناهز 96 عامًا، ليختتم مسيرة علمية امتدت أكثر من سبعة عقود في خدمة اللغة العربية، أثمرت عشرات المؤلفات والتحقيقات، وأسهمت في تخريج أجيال من الباحثين وطلاب العربية.
ولعل العودة إلى سيرة الدكتور مازن المبارك تفسر سر تلك المكانة التي احتلها في قلوب طلابه، فقد جمع في مسيرته بين العالم المتخصص والأستاذ الملهم والمربي الذي ظل أثره حاضرًا في نفوس تلامذته قبل كتبه.
مولده ونشأته
وُلد الدكتور مازن عبد القادر المبارك في حي العمارة أحد أقدم أحياء دمشق، عام 1930 في أسرة اشتهرت بالعلم والفضل والدين، وكان انتماؤه إلى هذا البيت العلمي أولى المحطات التي أسهمت في تشكيل شخصيته، فقد نشأ في كنف والده العلّامة اللغوي الشيخ عبد القادر المبارك الذي غرس فيه حب العربية منذ سنواته الأولى، ثم تولى رعايته بعد وفاته شقيقه الأكبر الدكتور محمد المبارك أحد أبرز علماء الشريعة واللغة في سوريا، وعضو مجمع اللغة العربية بدمشق. وقد تشكل وعيه المبكر في هذا الوسط العلمي والثقافي وتكونت صلته الوثيقة باللغة العربية التي ستغدو لاحقًا مشروع حياته.
تلقى المبارك تعليمه الابتدائي والثانوي والجامعي في دمشق، وتتلمذ على نخبة من كبار علماء عصره، من بينهم سعيد الأفغاني، ومصطفى الزرقا، ومحمد بهجة البيطار، وأمجد الطرابلسي، وشفيق جبري، فضلًا عن شقيقه محمد المبارك. وقد ترك هؤلاء الأساتذة أثرًا جليًا في تكوينه العلمي ومنهجه البحثي الذي جمع بين رسوخ المعرفة التراثية والانفتاح على الدراسات الحديثة.
حرص المبارك منذ شبابه على ارتياد مجالس العلماء والأدباء، وجعل منها رافدًا أساسيًا في بناء شخصيته الفكرية واللغوية. ففي تلك المجالس نهل من علم أعلام عصره، وتعرّف إلى نخبة من كبار علماء الشام وأدبائها، أمثال بدر الدين الحسني، وأحمد الحارون، وأبي الخير الميداني، وإبراهيم الغلاييني، ومحمد كرد علي، وخليل مردم بك، وعبد القادر المغربي، وعلي الطنطاوي وغيرهم.
وقد شكّلت هذه المجالس مدرسة موازية لجامعته، صقلت ذوقه الأدبي، ووسّعت آفاقه العلمية، وربطته بسلسلة العلماء الذين حملوا لواء العربية والفكر في بلاد الشام، فكان أثرها حاضرًا في مشروعه العلمي وفي رؤيته العميقة للغة العربية بوصفها هويةً وحضارةً ورسالة.
وفي عام 1952 تخرج في قسم اللغة العربية بجامعة دمشق، وحصل كذلك على دبلوم التربية وأهلية التعليم الثانوي من المعهد العالي للمعلمين، متصدرًا خريجي كليتي الآداب والتربية، وهو تفوق مبكر بشّر بمسيرة علمية غنية.

مسيرته المهنية
بدأ الدكتور مازن المبارك مسيرته المهنية مدرسًا للغة العربية في ثانويات دمشق ودار المعلمين، قبل أن يُوفد عام 1954 إلى جامعة القاهرة لاستكمال دراساته العليا، وهناك نال درجة الماجستير عام 1957 عن تحقيق كتاب “الإيضاح في علل النحو” للزجاجي، ثم الدكتوراه عام 1960 برسالته “الرماني النحوي” في ضوء شرحه لكتاب سيبويه، ليضع بذلك الأساس لمشروعه العلمي في دراسة التراث اللغوي وتحقيقه.
وبعد عودته إلى دمشق، التحق بقسم اللغة العربية في جامعة دمشق، حيث تدرج في الرتب الأكاديمية حتى أصبح أستاذًا لعلوم اللغة العربية عام 1971، وامتدت تجربته الأكاديمية إلى عدد من الجامعات العربية، منها جامعات الرياض، وقطر، والجامعة اللبنانية.
مجمع اللغة العربية
شكّل انضمام الدكتور مازن المبارك إلى مجمع اللغة العربية بدمشق محطة بارزة في مسيرته العلمية فتم انتخابه عضوًا مراسلًا عام 2002، ثم عضوًا عاملًا عام 2006، ليتولى لاحقًا رئاسة عدد من لجانه العلمية من بينها لجنة المعجمات اللغوية، ولجنة اللغة العربية وعلومها، إلى جانب عضويته في لجان المعجم التاريخي، ومجلة المجمع.
وخلال سنوات عضويته شارك في المؤتمرات والندوات التي نظمها المجمع، وألقى عددًا من المحاضرات المتخصصة في قضايا العربية، كما أسهم في إعداد عدد من إصداراته وقراراته اللغوية، ونشر في مجلة المجمع عشرات البحوث والدراسات التي تناولت النحو، والتعريب وقضايا اللغة، ليغدو أحد أكثر أعضاء المجمع حضورًا وإسهامًا في نشاطه العلمي.
إرثه العلمي
يمكن تلخيص الإرث العلمي للدكتور مازن المبارك في أنه كان واحدًا من أبرز علماء العربية في العصر الحديث، وقد كرّس أكثر من سبعين عامًا من حياته لخدمة اللغة العربية بحثًا وتعليمًا وتأليفًا وتحقيقًا. كما أسهم بعشرات البحوث العلمية والمقالات والمحاضرات التي عالجت موضوعات التجديد اللغوي والتعريب والتصحيح اللغوي وتعليم النحو والهوية اللغوية.
خلّف الدكتور مازن المبارك إرثًا علميًا زاخرًا جمع بين التأليف والتحقيق والبحث اللغوي، وألف عشرات الكتب في النحو والبلاغة واللغة العربية من أبرزها “النحو العربي” و”الموجز في تاريخ البلاغة” و”نحو وعي لغوي” و”اللغة العربية في التعليم العالي والبحث العلمي”.
كما ألّف دراسات متخصصة في التراث النحوي، منها “الزجاجي: حياته وآثاره ومذهبه النحوي”، و”الرماني النحوي “في ضوء شرحه لكتاب سيبويه، وحقق عددًا من أمهات كتب التراث، في مقدمتها “الإيضاح في علل النحو” للزجاجي، و”مغني اللبيب” لابن هشام، إلى جانب مؤلفات لابن جني وطاهر الجزائري وغيرهما، مُسهِمًا في إحياء التراث اللغوي وتقديمه للباحثين بمنهج علمي متين.

العربية عند مازن المبارك.. هويةٌ تسكن اللغة
ربما تختصر كلمات الدكتور مازن المبارك رؤيته للعربية أكثر من أي حديث عنه حين قال: “اللغة صفة الأمة في الفرد، وآية الانتساب إلى القوم، فمن أضاع لغته فقد نسبه، وأضاع تاريخه”. حيث كانت خلاصة مشروع فكري وعلمي حمله طوال عقود من حياته.
نظر مازن المبارك إلى اللغة العربية بوصفها أكثر من وسيلة للتخاطب؛ فهي وعاء العقيدة، وحافظة التراث، وأحد أبرز تجليات الهوية الحضارية للأمة لذا لم ينصرف في مؤلفاته إلى عرض القواعد اللغوية بوصفها مسائل تعليمية مجردة، بل انشغل ببناء الوعي باللغة ومكانتها في حياة الفرد والمجتمع.
عبرت مؤلفات الدكتور المبارك بوضوح عن مشروعه الفكري ومنها “نحو وعي لغوي”، و”اللغة العربية في التعليم العالي والبحث العلمي”، و”نظرات وآراء في اللغة وعلومها”، و”لغويات قرآنية”. وكان يؤمن بأن إصلاح واقع العربية لا يبدأ بتغيير المناهج أو تطوير الكتب الدراسية فحسب، وإنما بإصلاح نظرة الناس إلى لغتهم واستعادة شعورهم بقيمتها ورسالتها.
كما تكشف بحوثه ومحاضراته في مجمع اللغة العربية عن اتساع اهتماماته العلمية؛ فقد تناول قضايا التجديد اللغوي، والتعريب، وتعليم النحو، والتصحيح اللغوي، والهوية اللغوية، في إطار مشروع متكامل هدفه إعادة العربية إلى موقعها الطبيعي بوصفها لغة علم وثقافة وحضارة، وجعلها حاضرة في وجدان الأمة وحياتها اليومية.