ترجمة وتحرير: نون بوست
في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، استمع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عبر مكبر الصوت إلى صوت غير مألوف. كان لدى هذا المحاور الجديد، الذي يتحدث بلهجة أمريكية رفيعة وحادة، خطة أعدّها خصيصاً لزيلينسكي: سلسلة من البنود المحددة، التي وافق عليها الرئيس الأمريكي بأكملها، لتوضيح الشروط التي يجب على زيلينسكي الالتزام بها لإنهاء الحرب بين أوكرانيا وروسيا.
كانت قائمة المطالب بلا حصر، وشملت قيوداً جديدة اضطرت أوكرانيا لفرضها على جيشها، بما يحرمها للأبد من مجاراة تفوق روسيا في ساحة المعركة. وبرزت هناك حقيقة مفادها أن أوكرانيا سيتعين عليها التخلي نهائياً عن أي حلم بالانضمام إلى حلف الناتو. وتكشفت أمور أخرى تفيد بأنه في الوقت الذي تتراجع فيه قدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها، ستشهد روسيا رفع العقوبات المفروضة عليها قريباً، ليعود الترحيب بموسكو في الحضن الجيوسياسي الدولي وكأن شيئاً لم يكن أو كأن الحرب لم تحدث قط.
لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فبحسب توجيهات هذا الصوت الجديد لزيلينسكي، كان لزاماً على أوكرانيا أن تتخلى رسمياً ونهائياً ليس فقط عن شبه جزيرة القرم، بل عن منطقة دونباس بأكملها، بما في ذلك مناطق لم تحتلها روسيا من الأساس. فبعد سنوات من القتال وسقوط ملايين الضحايا، كان على أوكرانيا أن تتنازل عن أراضٍ، وأن تتخلي عن مواطنين أوكرانيين، لم تنجح روسيا يوماً في السيطرة عليها عسكرياً.
كانت هذه المقترحات تتجاوز أي شيء سمعه زيلينسكي أو إدارته من قبل. لقد تجاوزت حتى أقصى ما طرحه أي طرف خارج موسكو. فقد مثلت المطالب عملية تقويض كاملة لأوكرانيا، ما يضمن بقاء كييف خاضعة لروسيا وضعيفة أمامها إلى الأبد. في الواقع، بدت الوثيقة أشبه بقائمة أمنيات روسية خالصة صادرة مباشرة عن الكرملين، بعيداً عن كونها بنوداً تفاوضية حقيقية.
وهذا بالتحديد ما كانت عليه بالفعل. لم يكن زيلينسكي يعلم حينها أن قائمة المطالب لم تصدر عن أي عاصمة غربية، بل نشأت في موسكو. وكان الرجل الذي يستعرض هذه المطالب الجديدة، وهو جاريد كوشنر الذي يخرج الآن من الظل ليتصدر المشهد في الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، موجوداً ليبلغ زيلينسكي بأن هذه الخطة باتت تمثل الموقف الرسمي لواشنطن، وأنه أتى خصيصاً لضمان تنفيذها.
أثارت قصة “خطة السلام” المزعومة التي قادها كوشنر في أواخر عام 2025 عاصفة من العناوين الرئيسية وردود الفعل العنيفة والسريعة. ومع تركيز الكثيرين على طبيعة الخطة العشوائية والمتخبطة، وعلى ضآلة ما علمه أي شخص خارج دائرة كوشنر وشريكه ستيف ويتكوف من تفاصيل مسبقة، تراجع الانتباه نسبياً نحو التداعيات الحقيقية لهذا المقترح وما يعنيه من سيطرة الأوليغارشية على مفاصل السياسة الخارجية الأمريكية.
ففي الوقت الذي كان فيه كوشنر جالساً هناك يطالب أوكرانيا بالتنازل عن أراضٍ لم تحتلها روسيا في ساحة المعركة، كان صعوده المدوي إلى مركز الحدث في أعظم حرب شهدتها أوروبا منذ قرن تقريباً يعكس ما هو أبعد بكثير من مجرد مستقبله الشخصي حيث كان مؤشراً على مستقبل حكم الأوليغارشية في الولايات المتحدة، وما سيحمله هذا الصعود من تداعيات على الاستقرار العالمي بأسره.

لنتحدث أولا عن كوشنر. فبعد أشهر من العمل في الخفاء إلى حد كبير، حيث كان يدير عمليات التعيين ويوجه السياسات من وراء الكواليس، شهد النصف الثاني من عام 2025 عودة كوشنر صراحةً إلى دائرة الضوء. كانت هناك الصفقات المالية التي تزايدت حجماً وأهمية، مثل شراكاته مع ممولين سعوديين لإطلاق أكبر عملية استحواذ مدعومة بالديون في تاريخ العالم، والتي تم من خلالها الاستحواذ على شركة ألعاب الفيديو “إلكترونيك آرتس”. ومن جهتها فقد سرّعت الحكومة الألبانية وتيرة أحدث مشروع عقاري فاخر لكوشنر، ومنحته أراضٍ حيوية يعتز بها الألبان، الأمر الذي أدى إلى احتجاجات عارمة في ألبانيا ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا. والأبرز من ذلك كله هو مشاركة كوشنر في صياغة ما يُسمى باتفاق وقف إطلاق النار في غزة، والذي منح إسرائيل حق احتلال غالبية القطاع، وعجل بتحقيق هدف إسرائيل الأبدي المتمثل في منع قيام دولة فلسطينية إلى الأبد.
لكن كل ذلك لم يكن سوى تمهيد لدخول كوشنر المفاجئ على خط قيادة جهود الولايات المتحدة لإنهاء القتال في أوكرانيا. ففي أواخر أكتوبر/ تشرين الأول 2025، عقد كوشنر وويتكوف اجتماعات مغلقة لعدة أيام في ميامي مع كيريل ديميترييف، وهو شخصية مقرّبة من الكرملين ومفروضة عليها عقوبات، كُلّف باستقطاب كوشنر إلى صف موسكو. ومن خلال سلسلة من “النقاشات المكثفة”، جمع كوشنر وويتكوف مجموعة من النقاط التي يُفترض أنها أصلية لحل النزاع القائم بين روسيا وأوكرانيا.
ولكن كما كشف الصحفيان كريستو غروزيف ومايكل ويس لاحقاً، فإن خطة سلام كوشنر المزعومة لم تكن أصلية بأي حال من الأحوال. بل على العكس من ذلك، “فإن العديد من شروطها الأكثر إثارة للجدل كانت محتواة في وثيقة” تم تداولها خارج الكرملين قبل أشهر من ذلك. وكتب الصحفيان أن خطة كوشنر، التي سردت شتى سبل استسلام أوكرانيا لموسكو، تضمنت “عبارات محددة ظهرت بالحرف الواحد تقريباً في نص سابق -صاغه ديميترييف بمفرده”.
لم تكن الوثيقتان المعنيتان متطابقتين تماماً؛ فقد تم تعديل بعض البنود، بينما تم توسيع أو إلغاء بنود أخرى. ولكن على العموم، كما تابع غروزيف وويس، فإن العديد من “المفاهيم الرئيسية” لخطة كوشنر لم تنبع من كوشنر نفسه، بل من الكرملين. والجدير بالذكر أن ديميترييف اعترف بذلك بنفسه؛ ففي مكالمة مسربة مع مسؤول روسي آخر، أفادت التقارير أنه قال إنه “سيمرر وثيقة موسكو بشكل غير رسمي مباشرة، مع التوضيح بأن كل هذا غير رسمي. وبإمكانهما” -أي كوشنر وويتكوف- “أن يقدماها كأنها من إعدادهما الخاص”. وهو بالضبط ما حدث.

لو اقتصر الأمر على تورط كوشنر في الترويج للخطاب الروسي، لكان ذلك أمراً هيناً، لكن الأمر يستدعي التوقف عند تداعياته، ليس فقط على أوكرانيا أو روسيا، بل على العالم أجمع. لم يقتصر الأمر على كون كوشنر التجسيد الأبرز لصعود الأوليغارشية في واشنطن، بل بات يدفع بخطة تهدد بزعزعة استقرار العالم على نطاق أوسع، وإشعال فتيل عصر نووي جديد، وإطلاق سباق نحو التسلح النووي لم يشهده العالم منذ عقود.
ولم يكن الأمر يقتصر على أن كوشنر، بدعم من والد زوجته من خلف الكواليس، كان يروّج سياسة استرضاء يمنح فيها قوة إمبريالية الفرصة لخنق جار أصغر حجماً، بل تمثل في ظهور مبدأ جيوسياسي جديد يواجهنا جميعاً وجهاً لوجه وبشكل مفاجئ. فمن خلال خطة كوشنر، كانت الولايات المتحدة تتعهد بالاعتراف بحق قوة نووية في اقتطاع أجزاء من جار لا يمتلك أسلحة نووية وتمزيقه. صحيح أن روسيا لن تحصل على كامل أوكرانيا، ليس الآن على الأقل، لكن موسكو ستظفر ببعض الغنائم، بعض الأراضي الأوكرانية وبعض السكان الأوكرانيين، وستظل مستعدة وجاهزة لمواصلة غزوها في وقت لاحق.
وبعبارة أخرى، لقد نجح التلويح النووي الروسي. وكان هذا درساً لن يغيب عن أذهان سائر القوى غير النووية -مثل اليابان وكوريا الجنوبية، وكندا وبولندا، وكازاخستان وأستراليا وألمانيا وغيرها الكثير، التي تواجه قوى إمبريالية مسلحة نووياً بالقرب من حدودها. لقد كان درساً جاء مباشرة عن أحد أقطاب الأوليغارشية الأمريكية: ملياردير غير منتخب، لا يخضع لأي رقابة أو متطلبات الإفصاح، ولم يصل إلى موقعه ذاك إلا بفضل علاقته بوالد زوجته، ليفرض سيطرته الآن على صنع السياسات الأمريكية، وما هو أبعد من ذلك بكثير.
وهناك عشرات العوامل الأخرى التي مهدت الطريق أمام هذا العصر المرتقب للانتشار النووي بدءاً من النزعة الإمبريالية لروسيا، مروراً بالنزعات التوسعية للصين، وصولاً إلى قصر النظر الاستراتيجي للولايات المتحدة وعجزها عن إدارة تحالفاتها بنجاح. لكنه عندما تُروى قصة هذه الموجة الجديدة من القوى النووية، ستتصدر المشهد صعود طبقة أوليغارشية أمريكية لا تسعى إلا لتحقيق مصالحها الخاصة فحسب، دون اكتراث ببقية شعوب العالم ولا بما يعنيه نفوذها المستشري للعالم بأسره… أو لما تبقى منه.
المصدر: فورين بوليسي