ترجمة وتحرير: نون بوست
قد يكون من الصعب العثور على شخص أسهم في تحسين صورة الصين بالسرعة التي فعلها دونالد ترامب في كل أنحاء بكين.
وقد أظهرت دراسة أجراها مركز “بيو” للأبحاث ونُشرت الشهر الماضي أن الصين باتت تحظى بنظرة أكثر إيجابية من الولايات المتحدة في 25 دولة من أصل 36 دولة شملها الاستطلاع، في تحول لافت مقارنة بعام 2023، حين كانت الولايات المتحدة تتقدم بفارق واضح في جميع الدول تقريبًا باستثناء عدد قليل منها. كما أصبح الرئيس الصيني شي جين بينغ يحظى بثقة أكبر من ترامب حتى في المملكة المتحدة وكندا وفرنسا وأستراليا، وجميعهم حلفاء للولايات المتحدة منذ فترة طويلة.
وعلى الرغم من أن هذا التحول يمثل محطة لافتة، فإنه لم يكن مفاجئًا إلى حد كبير، بل إن الأمر كان سيصبح أكثر إثارة للدهشة لو تمكنت الولايات المتحدة بطريقة ما من تفادي الضرر الذي لحق بسمعتها نتيجة الرسوم الجمركية العشوائية التي فرضها ترامب، وتهديداته بالاستيلاء على الأراضي، وتشديد القيود الجديدة على الهجرة، وإهاناته المتكررة المشوبة باستعراض شعار “أمريكا أولًا”. وقد حذّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في يناير/ كانون الثاني من أن على القوى المتوسطة أن تتكاتف لتجنب ابتلاعها من جانب القوى المهيمنة ذات النزعة العدوانية.
ومع ذلك، أظهر استطلاع “بيو” أيضًا مدى حدود التحول العالمي نحو الصين. ففي دول مثل فرنسا وألمانيا حيث انقلبت المشاعر العامة لصالح بكين، تراوحت معدلات النظرة الإيجابية إلى الصين بين 30 بالمئة و35 بالمئة، وهو ما يكفي بالكاد لتجاوز الولايات المتحدة في عهد ترامب. ومن بين الدول الست التي ما زالت تنظر إلى الولايات المتحدة بإيجابية أكبر، تقع أربع دول، هي اليابان وكوريا الجنوبية والهند والفلبين – على عتبة الصين. أما فيتنام وتايوان، وهما منطقتان تخوضان بدورهما خلافات مع بكين، فلم يشملهما الاستطلاع.
وتحتاج دول الجوار الصيني إلى الحماية من عمليات الاستيلاء على الأراضي، والضغوط الاقتصادية، وغيرها من تكتيكات المنطقة الرمادية التي تستخدمها بكين لفرض نفوذها. وبينما تزيد دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية استثماراتها في دفاعاتها الخاصة، تظل الولايات المتحدة القوة الوحيدة القادرة على تحقيق توازن فعال، ما لم يتم الدخول في سباق مزعزع للاستقرار نحو امتلاك رادع نووي.
تلعب العوامل الاقتصادية أيضًا دورها في هذا الصدد؛ فعلى الرغم من ارتفاع الرسوم الجمركية، لا تزال العديد من الدول الآسيوية تعتمد على الولايات المتحدة بوصفها سوقًا حيوية لصادراتها. وتمثل الصين الآن ما يقرب من ثلث السلع المصنعة في العالم، وهي درجة من تركّز القوة الصناعية لم يشهد العالم مثيلًا لها منذ الولايات المتحدة في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، كما تهيمن الصين على السيارات الكهربائية والروبوتات وغيرها من الصناعات المتقدمة، مما لا يجعل الوصول إلى سلاسل توريد غير صينية للمعادن الحيوية والتكنولوجيا المتقدمة مجرد تحوط استراتيجي، بل ضرورة اقتصادية أيضًا.
وهنالك أيضًا مسألة الشفافية البسيطة فقد لا يثق حلفاء الولايات المتحدة التقليديون وشركاؤها الأمنيون بها كما كانوا يفعلون من قبل، لكن بإمكان أي شخص على الأقل رؤية النقاشات الداخلية الأمريكية وهي تتكشف في الوقت الفعلي من خلال المنشورات المتتالية على منصة “تروث سوشال”. وعلى الرغم من أن الديمقراطية الأمريكية تتعرض لضغوط، فإنها لا تزال تحافظ على الحريات المدنية الأساسية والانتخابات المنتظمة، بينما يواصل الكونغرس والمحكمة العليا تقييد السلطة التنفيذية، ولو إلى حد ما. وعلى النقيض من ذلك، يظل الحزب الشيوعي الصيني صندوقًا أسود.
وحتى مع تقليص حلفاء الولايات المتحدة اعتمادهم الإجمالي على واشنطن، فإنهم لا يندفعون إلى أحضان بكين، لكنهم يتحوطون من خلال إبرام اتفاقيات تجارية ودفاعية مع شركاء يتشاركون معهم التوجهات نفسها، وهي استراتيجية تُعرف باسم “التنويع المتوافق”. أما فيما يتعلق بالقضايا المحورية للأمن القومي، بما في ذلك التكنولوجيا المتقدمة وضوابط التصدير والشراكات الدفاعية، تظل العديد من القوى المتوسطة راسخة في النظام الأوسع الذي تقوده الولايات المتحدة.
ورغم نجاح شي جين بينغ في استغلال تجاوزات الولايات المتحدة، وامتناعه عن ممارسة الدبلوماسية العدوانية المعروفة باسم “محاربة الذئب” التي انتُهجت خلال الولاية الأولى لترامب، فإن غموض النظامين السياسي والقانوني في الصين يحد من حجم المكاسب الجيوسياسية التي تستطيع بكين انتزاعها. قد يكون الرأي العام قد تحول نحو الصين، لكن تغيير الاصطفاف الاستراتيجي يثبت أنه أمر أصعب بكثير.
التحوط وليس التحول
وتقدم الهند، التي تلقت ضربة قوية من ترامب العام الماضي، مثالًا دالًا على حدود أي تحول أوسع نحو الصين.
لقد سعى الرؤساء الأمريكيون المتعاقبون منذ نهاية الحرب الباردة إلى استمالة الهند باعتبارها قوة موازنة للصين، متغاضين عن علاقاتها العسكرية الوثيقة مع روسيا من أجل تعميق التعاون الدفاعي معها. وكان التقدم في كثير من الأحيان بطيئًا بصورة مؤلمة، لكن واشنطن واصلت السير في هذا المسار.
وانهار هذا التوازن الهش بعد اشتباك الجيش الهندي مع باكستان في مايو/ أيار 2025، ونفى رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بشدة ادعاءات ترامب المتكررة بأنه توسط في التوصل إلى وقف لإطلاق النار، إذ كان سيواجه عاصفة سياسية في الداخل لو أقر بخضوعه لضغوط أجنبية. وبعد بضعة أشهر، فرض ترامب على الهند بعضًا من أعلى الرسوم الجمركية الأمريكية بسبب مشترياتها من النفط الروسي، وزاد من قيود حصول العمال المهرة على التأشيرات، وهو ما أثر في الهنود بصورة غير متناسبة.
ومع ذلك، أظهر استطلاع “بيو” أن الولايات المتحدة احتفظت بتفوق قدره 22 نقطة مئوية عن الصين بين المشاركين الهنود، وهو ثالث أكبر فارق بعد إسرائيل واليابان. ولعل الأكثر إثارة للدهشة هو مدى استمرار المسؤولين الهنود في النظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها شريكًا حاسمًا على المدى الطويل.

وخلال زيارة إلى نيودلهي الشهر الماضي، وبينما كانت أمطار الرياح الموسمية تفسح المجال لبضعة أيام نادرة من السماء الزرقاء الصافية، ناقش مسؤولون هنود مع نظرائهم من الولايات المتحدة الأمريكية بواقعية هادئة. فعلى مدى سنوات، ناقش المسؤولون الحكوميون ما إذا كان بإمكان الهند الوثوق بالولايات المتحدة. وقد قدم لهم ترامب الإجابة: لا.
لكن الرد لم يكن التخلي عن الولايات المتحدة لصالح شريك آخر، بل بتعزيز سعي الهند طويل الأمد إلى تحقيق الاستقلالية الاستراتيجية. وتوجه مودي إلى الصين وأجرى محادثات ودية مع شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وحرص على أن تلتقط عدسات المصورين الثلاثة وهم يمسكون بأيدي بعضهم ويضحكون. ومن المقرر أن يلتقي الزعيم الهندي شي وبوتين مجددًا الشهر المقبل في قمة مجموعة “بريكس” في نيودلهي.
ومع ذلك، لا توفر أي من هاتين العلاقتين للهند بديلًا سهلًا عن واشنطن فالتعاون مع الصين على وجه الخصوص له حدود واضحة إذ لا تزال الحدود المتنازع عليها في جبال الهيمالايا بؤرة توتر، كما تستمر التوترات الاقتصادية بن البلدين. وعلى الرغم من حاجة الهند إلى بعض التكنولوجيا الصينية المتقدمة لتعزيز قطاعها الصناعي، والبناء على مساعي شركة “أبل” لزيادة تصنيع أجهزة “آيفون” في جنوب آسيا، فإن القادة في نيودلهي لا يزالون يتعاملون بحذر مع تزايد اعتمادية الهند اقتصاديًا على الصين. ومن جانبها، لا تبدي بكين اهتمامًا كبيرًا بمساعدة الهند على أن تصبح بديلًا صناعيًا قادرًا على المنافسة.

وتعود علاقات الهند الوثيقة مع روسيا إلى فترة الحرب الباردة، ولا يزال بوتين موردًا موثوقًا للنفط والأسلحة الرخيصين. ورغم سعي حكومة مودي إلى تقليص اعتمادها على موسكو، يقول مسؤولون في نيودلهي إن الهند لن تقلص العلاقة إلى الحد الذي تريده الولايات المتحدة.
وفي الوقت نفسه، يدرك القادة الهنود أن اقتصاد روسيا ليس محركًا للنمو، وأن مستقبل الهند الاقتصادي يعتمد بدرجة أكبر على العلاقات القوية مع الغرب، كما أن حكومة مودي تنظر إلى الاحتكاك الحالي مع إدارة ترامب باعتباره انحرافًا عن مسار استمر عقدًا من الزمن نحو توثيق العلاقات بين بلدين تجمعهما مصالح واتجاهات طبيعية متوافقة.
ووصف أحد المسؤولين هذه الاستراتيجية على النحو التالي: العمل بهدوء على إصلاح العلاقات مع الولايات المتحدة، مع تعزيز العلاقات مع شركائها، وهي علاقات كانت الهند قد أهملتها سابقًا عندما كان بإمكانها التحدث مباشرة مع “العم سام نفسه”. وقد سارعت الهند على مدى العام الماضي إلى توقيع اتفاقيات تجارية طال انتظارها، وتحسين التعاون الدفاعي مع مجموعة من الدول الواقعة ضمن الدائرة الأمنية الأوسع للولايات المتحدة.
ومنذ أن صدم ترامب العالم للمرة الأولى برسومه الجمركية التي أطلق عليها “يوم التحرير” في أبريل/ نيسان 2025، أنهت الهند مفاوضات تجارية مع الاتحاد الأوروبي، وأبرمت اتفاقيات مع المملكة المتحدة ونيوزيلندا. كما عززت علاقاتها الدفاعية مع الاتحاد الأوروبي ومع ثلاثة من أقوى حلفاء أمريكا في آسيا: اليابان وأستراليا والفلبين.
وقال المسؤول الهندي عن ترامب: “إنه شخصية مثيرة للاضطراب بشكل كبير، وربما يكون قد أسدى لنا معروفًا كبيرًا، كانت هناك بعض الأمور التي تحتاج إلى تغيير جذري، وهو أمر يصعب تحقيقه ما لم تكن هناك فوضى من هذا النوع”.
فن الاستقلالية الاستراتيجية
لطالما قدمت أوروبا أمثلة على سياسة التحوط وتنويع التحالفات، ولعل أشهرها هو سعي الزعيم الفرنسي الراحل، شارل ديغول، إلى تحقيق الاستقلالية الاستراتيجية، والذي بلغ ذروته في قراره عام 1966 إخراج فرنسا من القيادة العسكرية المتكاملة لحلف شمال الأطلسي وإجبار القوات الحليفة على مغادرة البلاد.
وارتدى الجنرال السابق بدلة مزدوجة الأزرار أمام أكثر من ألف صحفي احتشدوا في قصر الإليزيه بباريس، وقال إن قدرة فرنسا على التحكم في مصيرها “تتعارض مع منظمة دفاع تجد نفسها خاضعة لها”. وحذر من أن الولايات المتحدة قد تجر دول حلف شمال الأطلسي إلى الحرب، قائلًا إن أوروبا “ستجد نفسها تلقائيًا منخرطة في الصراع حتى لو لم تكن ترغب في ذلك”.

لكن ديغول لم يصل إلى حد الانسحاب من التحالف الغربي، واكتفى بالخروج من القيادة المتكاملة التي تتشارك الدول من خلالها الموارد وتعمل ككيان واحد. وقال: “هذا ليس انفصالًا على الإطلاق، بل تكيّف ضروري”. وبعد عام، نقل حلف شمال الأطلسي مقره من باريس إلى بروكسل.
وظلت فرنسا خارج القيادة المتكاملة حتى عاد الرئيس نيكولا ساركوزي إليها عام 2009. وفي خطاب ألقاه في مدرج بباريس يحمل اسم المارشال فرديناند فوش، الذي قاد قوات الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، قال ساركوزي إن “ابتعادنا المعلن، لكن غير المتحقق، عن حلف شمال الأطلسي يحد من استقلالنا الوطني وهامش مناورتنا”. وأضاف أنه من الممكن أن تكون فرنسا حليفة للولايات المتحدة، مع بقائها “صديقة تتخذ قراراتها بنفسها، وحليفة مستقلة وشريكة حرة”.
وكان أحد أسباب هذا التحول إدراك أن طبيعة الأمن القومي نفسها قد تغيرت. وقال ساركوزي: “إن الدفاع عن فرنسا يُقرر الآن على بُعد آلاف الكيلومترات بقدر ما يُقرر على أراضينا، في الفضاء أو على شبكات تكنولوجيا المعلومات”.
أما الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون فقد اصطف بدرجة أكبر مع معسكر ديغول، مؤكدًا استقلالية فرنسا الاستراتيجية، وداعيًا إلى اعتماد أوروبا على نفسها في مجال الدفاع. وفي المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا في يناير/ كانون الثاني، انتقد ماكرون الولايات المتحدة والصين على حد سواء، بينما قدم فرنسا باعتبارها حصنًا في مواجهة “نهج استعماري جديد” يسود فيه “قانون الأقوى” و”التبعية”.

ولكن على الرغم من كل انتقادات ماكرون لترامب، بدءًا من الرسوم الجمركية ووصولًا إلى غرينلاند، فإنه لا يفكر في الانسحاب من حلف شمال الأطلسي. ففي يونيو/ حزيران، انضم إلى أربعة زعماء أوروبيين آخرين للإعلان بأنهم “ملتزمون بدور أوروبي أقوى داخل حلف شمال الأطلسي، مع تحمل أوروبا مسؤولية أكبر عن أمننا المشترك عبر الأطلسي، والتنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة”.
من الواضح أيضًا أن الاستقلال الأكبر عن واشنطن لم يعن بالضرورة مزيدًا من التقارب مع بكين. فرغم تأكيد ماكرون على أنه ليس “معاديًا للصين”، إلا أنه سعى إلى حشد الاتحاد الأوروبي لاتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه الصين في القضايا الاقتصادية. وفي مؤتمر صحفي مشترك مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس الشهر الماضي، حذر ماكرون من أن أوروبا تواجه حربًا تجارية “عدوانية”، مشيرًا إلى أن فرنسا وألمانيا “لم تكونا قط بهذا القدر من التقارب” في موقفهما بشأن الصين.
التحالفات القديمة لا تزال مهمة
وعلى الرغم من كل هذا الحديث عن سعي القوى المتوسطة إلى رسم مسار جديد، إلا أن المؤسسات الغربية التقليدية، مثل حلف شمال الأطلسي ومجموعة السبع و”العيون الخمس”، وهي مجموعة لتبادل المعلومات الاستخباراتية تضم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، أثبتت قدرتها على الصمود رغم هجمات ترامب، كما لا تزال تكتلات أحدث تتشكل على امتداد خطوط جيوسياسية مماثلة.
وقد كثفت الولايات المتحدة جهودها لكسر هيمنة الصين على المعادن الحيوية، فاستضافت 55 دولة في وقت سابق من هذا العام، من بينها الهند وفرنسا، في مسعى إلى “إعادة تشكيل السوق العالمية” لهذه العناصر. كما استخدمت فرنسا رئاستها لمجموعة السبع للدفع باتجاه إنشاء “تحالف مرونة وإنتاج المعادن الحيوية”، بالتعاون مع كندا وألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.
ويعكس هيكل الحوكمة الناشئ للذكاء الاصطناعي انقسامات مماثلة، حيث يضم تحالف “باكس سيليكا” المدعوم من الولايات المتحدة و الاتحاد الأوروبي إلى جانب نحو عشرين عضوًا آخرين، بينما تضم “منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي” التي بادرت الصين إلى إنشائها روسيا وميانمار من بين نحو 40 دولة موقعة. ولم تنضم سوى كازاخستان إلى التكتلين، ما دفع الولايات المتحدة، بحسب التقارير، إلى التفكير في مطالبة أعضاء “باكس سيليكا” باختيار أحد الجانبين في سباق الذكاء الاصطناعي مع الصين.
ولا يزال السؤال مفتوحًا بشأن ما إذا كان العالم سينقسم في نهاية المطاف إلى سلسلتي توريد منفصلتين للذكاء الاصطناعي. وحتى الآن، تمثل الأجهزة الخط الفاصل الأكثر وضوحًا، إذ تضغط الولايات المتحدة على حلفائها وشركائها لمنع الصين من الحصول على الرقائق الأكثر تطورًا. وردت بكين على القيود الأمريكية على القدرة الحاسوبية بطرح نماذج مفتوحة المصدر وأرخص وأسهل في الوصول إليها، ما ساعد نماذج “كوين” التابعة لمجموعة “علي بابا”، و”كيمي كي3” التابعة لشركة “مونشوت إيه آي” على كسب مستخدمين حول العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا والهند.
ولم تحظر الولايات المتحدة النماذج الصينية بشكل مباشر حتى الآن، وهي خطوة سيكون من الصعب تنفيذها تقنيًا وقد تأتي بنتائج عكسية. وقد تبنّت شركة “ميسترال إيه آي”، المنافس الأوروبي لشركات عالمية مثل “أنثروبيك” و”أوبن إيه آي”، النماذج الصينية مفتوحة المصدر على منصاتها، وقللت من أهمية المخاطر الأمنية المحتملة.
لكن في الوقت الذي تناقش فيه الدول الغربية التهديد الذي تشكله النماذج مفتوحة المصدر، تتزايد المخاوف بشأن الأجهزة الصينية. وفي ظل مخاوف من إمكانية قيام الصين بسرقة البيانات، شددت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية مؤخرًا القيود على مجموعة من المنتجات، بما في ذلك الروبوتات وأجهزة توجيه شبكات الواي فاي ومكونات مراكز البيانات والطائرات المسيّرة، وكشفت المملكة المتحدة هذا الشهر أن بعض مكونات طائراتها المسيّرة البحرية كانت ترسل إشارات سرًا إلى الصين.
ويعني هذا العجز الهائل والمستمر في الثقة أن الشركاء المتحالفين مع الولايات المتحدة لا يزالون حذرين من الوقوع في تبعية الصين، حتى في الوقت الذي يسعون فيه إلى الاستفادة من منتجاتها منخفضة التكلفة وعالية التقنية. وربما يأتي يوم تقدم فيه الابتكارات الصينية ميزة حاسمة إلى درجة تجعل إبقاء بكين على مسافة آمنة أمرًا بالغ التكلفة.
وحتى ذلك الحين، من المرجح أن يظل العديد من شركاء الولايات المتحدة متمسكين بالنظام الذي يقوده الغرب، حتى وهم ينجح حذرهم وينوّعون علاقاتهم بعيدًا عن واشنطن. وشبّه مسؤول هندي هذا الأمر بمجموعة من المستثمرين الذين وضعوا جزءًا كبيرًا من أموالهم في سهم واحد، ثم أدى سوء الإدارة إلى انخفاض قيمة السهم؛ حيث لا يرغب أحد منهم في بيع حصته بالكامل بخسارة، وما زالوا يأملون في أن يتعافى السهم.
المصدر: بلومبيرغ
