في حدث وُصف بالتاريخي في سوريا الجديدة، أعلن مظلوم عبدي حلّ قوات سوريا الديمقراطية “قسد” والإدارة الذاتية وجميع التشكيلات والمؤسسات المرتبطة بهما، خلال مؤتمر صحفي عُقد يوم الثلاثاء 25 آب/أغسطس في العاصمة دمشق. وجاء الإعلان عقب لقاء جمعه بالرئيس السوري أحمد الشرع.
وبذلك تُطوى صفحة المنظومة العسكرية التي أسستها الولايات المتحدة عام 2015 لقتال تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وشكّلت وحدات حماية الشعب الكردية “YPG”، الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني “PKK”، ركيزتها الأساسية. وقد بسطت “قسد” سيطرتها على مساحات واسعة من شمال شرقي سوريا، وتولى مظلوم عبدي قيادتها طوال تلك الفترة.
كيف وصلنا إلى هذه اللحظة؟
في مطلع عام 2026، انفجر المشهد عسكريًا، بدءًا من حي الشيخ مقصود في مدينة حلب خلال يناير/كانون الثاني، قبل أن تمتد شرارة المواجهات سريعًا إلى دير حافر ومسكنة شرقي المحافظة، ما دفع “قسد” إلى الانسحاب نحو الرقة.
وتزامن التصعيد بينها وبين الحكومة السورية مع انتفاضة عشائرية واسعة في الرقة ودير الزور أربكت قواتها. واستفاد الجيش السوري من هذا التحول، فعبر نهر الفرات وسيطر على مساحات شاسعة من الجزيرة السورية، لتنحصر سيطرة “قسد” الميدانية في مناطق محدودة من محافظة الحسكة ومدينة عين العرب “كوباني”.
وفور انحسار المعارك في نهاية يناير/كانون الثاني 2026، أثمرت الجهود الدبلوماسية توقيع اتفاق بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي في 29 من الشهر نفسه، رسم خريطة طريق واضحة للاندماج برعاية أمريكية وتركية.
View this post on Instagram
تفاهمات ترسم موقع القيادات الكردية داخل الدولة
نصّ اتفاق 29 كانون الثاني/يناير على دمج جميع المؤسسات العسكرية والخدمية في مناطق سيطرة “قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية. ورغم العقبات والتوترات التي شابت العملية، شهد مسار التنفيذ تطورات كبيرة، بدأت باستيعاب قوات “قسد” في صفوف الجيش السوري، ثم إعادة هيكلة عناصرها ودمجهم ضمن ملاكات الجيش ووزارة الداخلية.
وشملت الخطوات تعيين سيامند خليل نائبًا لقائد الأمن الداخلي في الحسكة، وسيبان حمو “سمير أوسو” نائبًا لوزير الدفاع السوري لشؤون المنطقة الشرقية، بالتوازي مع منح الجنسية السورية لمكتومي القيد من المكوّن الكردي، والاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية التي أقرها المرسوم رقم 13 الصادر عن الرئيس أحمد الشرع.
وتُوّج هذا المسار باكتمال عملية الاندماج المؤسسي في أغسطس/آب 2026، قبل أن تُطوى الصفحة رسميًا بإعلان حل قوات سوريا الديمقراطية وتفكيك هياكلها في 25 أغسطس/آب، وإنهاء ما كان يُعرف بالإدارة الذاتية.
وقبيل إعلان حل “قسد”، توصّل مظلوم عبدي والرئيس أحمد الشرع إلى تفاهمات محورية ترسم ملامح الوضع الجديد. وبحسب مصادر “نون بوست”، شملت التفاهمات تعيين عبدي مستشارًا في الرئاسة. وبالفعل، أصدر الرئيس الشرع يوم الخميس 27 أغسطس/آب مرسومًا بتعيين مصطفى خليل عبدي “مظلوم عبدي” مستشارًا لدى رئاسة الجمهورية.
ونصّت التفاهمات كذلك على تسمية إلهام أحمد عضوًا في مجلس الشعب ضمن القائمة الرئاسية، بدلًا من عضو مستبعد، وسط أنباء عن تكليفها لاحقًا بمهمة مرتبطة باللجان الدستورية. ولم يصدر حتى الآن إعلان رسمي بشأن منصبها.
وشملت التفاهمات أيضًا مصير مقاتلات وحدات حماية المرأة “YPJ”، إذ تقرر إلحاق نحو 1500 مقاتلة بقوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية، للعمل ضمن وحدات مكافحة الإرهاب في محافظة الحسكة ومدينة عين العرب “كوباني”. وتجري حاليًا اجتماعات بين قيادة الوحدات ووزير الداخلية أنس خطاب لاستكمال الترتيبات.
وتزامن ذلك مع استكمال دمج عناصر “قسد” في الجيش ضمن أربعة ألوية عسكرية، يضم كل منها 1300 مقاتل، فيما تتواصل إجراءات تحديد مصير 1500 مقاتل آخرين، غالبيتهم من أبناء عفرين.
وفيما يتعلق بالحقوق الثقافية والتعليمية، صدر قرار رسمي يعتمد اللغة الكردية لغة وطنية معترفًا بها في البلاد، ويتيح تدريس غالبية المناهج النظرية بها ضمن المنظومة التعليمية. كما يجري دمج الجامعات التي كانت خاضعة لإشراف الإدارة الذاتية في وزارة التعليم العالي السورية، مع الاعتراف بالشهادات الصادرة عنها.
وشملت التفاهمات بين الطرفين التوسط لدى تركيا لترتيب زيارة لمظلوم عبدي وإلهام أحمد للقاء عبد الله أوجلان. وينتظر عبدي مراجعة أنقرة خيار رفع اسمه من قوائم الإرهاب، أسوة بالإجراء الذي اتُّخذ سابقًا بحق سمير أوسو “سيبان حمو”.
وتعهد عبدي كذلك بتسليم السيطرة الكاملة على بقية المنشآت والحقول النفطية في الحسكة إلى الحكومة السورية، وإعادة إدارتها إليها قبل نهاية العام الحالي، على أن تبدأ العملية على الأرجح خلال الشهر المقبل.
View this post on Instagram
من يدير الحسكة وعين العرب اليوم؟
في أول تصريح له بعد إعلان حل “قسد”، قال نائب محافظ الحسكة أحمد الهلالي إن الإعلان لا يعني إغلاق ملف الدمج، إذ لا تزال هناك قضايا سيستمر العمل عليها بأدوات وأساليب مختلفة. ويكشف هذا التصريح حقيقة الوضع على الأرض، حيث ما زالت ملفات عدة عالقة، فيما يسير بعضها ببطء. وتتواصل عمليات التنسيق بين الفريق الرئاسي المشرف على الاندماج وقيادات “قسد” المعنية لتنفيذ ما تبقى منها.
ويأتي في مقدمة هذه الملفات تأمين عودة المهجّرين إلى ديارهم، سواء الأكراد الذين ينتظرون العودة إلى مناطقهم في رأس العين وتل أبيض، أم المهجّرين العرب من أبناء الحسكة. ويضاف إلى ذلك افتتاح القصر العدلي في الحسكة، وإخراج عناصر حزب العمال الكردستاني “PKK”، إذ لا يزال العشرات منهم موجودين في المحافظة.
وتكمن المعضلة الأكبر في مصير المعتقلين والمغيّبين لدى “قسد”، إذ ما زالت تدير عددًا من السجون، منها سجن علايا، والسجن الأسود في المالكية “ديريك”، وسجن جركين، وسجنا المشيرفة والصناعة. وخلال الأسبوع الماضي، زار وفد من الحكومة السورية سجن الصناعة، وسط مؤشرات إلى وجود ترتيبات لتسلّمه وإدارته. ولم يُحدّد موعد إتمام العملية، لكنها قد تتم قبل نهاية العام الجاري.
ولعل السؤال الأبرز المطروح اليوم هو من يدير الحسكة وعين العرب “كوباني” بعد إعلان حل “قسد”؟
فعليًا، لا تزال المناطق التي بقيت تحت سيطرة “قسد” عقب اتفاق 29 كانون الثاني/يناير تُدار أمنيًا عبر عناصر “الأسايش”، الذين اندمجوا في وزارة الداخلية السورية ضمن قوى الأمن الداخلي. وقد أُعيد نشر العناصر المقبولين في دمشق ليشكّلوا نواة الجهاز الأمني في المناطق ذات الغالبية الكردية، كما زودتهم الوزارة مؤخرًا بمركبات جديدة، بالتزامن مع إزالة معظم الحواجز الكبيرة التي كانت تقطع أوصال المنطقة.
ويضاف إلى ذلك ملف “الشبيبة الثورية” المعروفة باسم “جوانين شورشكر”، التي تملك سجلًا حافلًا بالانتهاكات بحق الأكراد والعرب على حد سواء. ولا تزال التساؤلات قائمة بشأن آلية تفكيكها وإنهاء وجودها، لا سيما أن غالبية التوترات في الحسكة تصدر عن عناصرها. وتشير المعطيات إلى ترتيبات مرتقبة لتحييدها عن المشهد، بالتوازي مع اعتزام وزارة الداخلية السورية تعيين مديرين جدد للأمن في عدد من مناطق الحسكة.
ورغم أن السكان ينظرون إلى هذه التفاصيل بريبة، صدرت تطمينات عن الفريق الرئاسي المعني بالاندماج، أكد فيها أن العملية ما زالت متواصلة ولم تنتهِ بعد. ويبدو أن الوضع الحالي مؤقت إلى حين استكمالها. وتنسجم هذه التطمينات مع تصريحات قيادات سورية بارزة كانت ضمن “قسد”، من بينها محمود الرش وسيبان حمو، اللذان أكدا مؤخرًا أنهما سيعملان من أجل سوريا موحدة، وأن استكمال مسار الاندماج ضرورة لا غنى عنها.
ملفات عالقة
يدرك المتابع لعملية الاندماج أنها تسير بصعوبة في أجواء مشحونة بفعل تراكمات الصراع الذي شهدته المنطقة خلال السنوات الماضية، إلا أن ثمة مؤشرات تدفع نحو نجاحها. وبحسب مصادر خاصة لـ”نون بوست”، شهد الأسبوع الماضي نقل عشرات العناصر الذين انضموا إلى “قسد” بعد مارس/آذار 2025 إلى مناطق سيطرة الحكومة السورية. وينتمي معظمهم إلى فلول النظام المخلوع من أبناء الطائفة العلوية.
وحول الموضوع، قال الكاتب والصحفي فراس علاوي في تصريح خاص لـ”نون بوست”، “عملية الدمج ستتواصل، وتعوّل الحكومة السورية اليوم على قيادات “قسد” السورية للمضي قدمًا في العملية.
وسيواجه استكمال الدمج صعوبات بالتأكيد، وقد تكون هناك جهات رافضة داخل “قسد” تعمل على تعطيله، لأنها لم تستوعب ما حصل ولم ترضَ عنه، وغالبًا ما تتمثل هذه الجهات في الكوادر المتشددة في حزب العمال الكردستاني “PKK”.
وهنا سيبرز دور القيادات السورية في “قسد”، التي ستأخذ دورها فعليًا خلال المرحلة المقبلة. وفي النهاية، لن يصح إلا الصحيح، فالمسألة مسألة وقت فقط”.
ويمكن القول إن قرار مظلوم عبدي حلّ “قسد” والإدارة الذاتية نابع بالدرجة الأولى من إدراكه أنه فقد جميع الأوراق التي راهن عليها سابقًا، وأن سقف مطالبه ومكاسبه بات محدودًا، فضلًا عن الضغوط الأمريكية والتركية التي مورست عليه. وفي المقابل، تمثل الترتيبات التي قدمتها الحكومة السورية مكاسب كبيرة لقيادة “قسد” الحالية.
واقعيًا، لم يعد أمام الجنرال الذي خلع بدلته العسكرية سوى التكيف مع الواقع الجديد والقبول به، لتجنيب المنطقة المنهكة شبح حرب جديدة، وفتح فصل جديد يمحو آثار الحرب عن أرض الجزيرة التي عانت طويلًا. وستحظى المناطق ذات الغالبية الكردية بنموذج حوكمة يقوم على إدارة محلية موسعة، أقرب إلى اللامركزية المقننة والمتفق عليها مع دمشق، بما يتيح للكرد إدارة مناطقهم تحت سيادة الدولة السورية وإشرافها، وقد يُطبق نموذج مماثل مستقبلًا في السويداء، في حال التوصل إلى اتفاق بشأنها.