كان محمد نعيم النمنم يحمل ابنه عبد الرحمن البالغ 5 سنوات، حين وصلت العائلة إلى حاجز أقامه جيش الاحتلال الإسرائيلي على طريق صلاح الدين شرق قطاع غزة، حيث كانت الأسرة قد غادرت المناطق الشمالية هربًا من القصف، متجهة إلى الجنوب بعد أسابيع من النزوح بين مراكز الإيواء.
عند وصولهم إلى منطقة التفتيش في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2023، نادى أحد الجنود محمد باسمه، فوضع الحقائب وأنزل طفله وتقدم نحو الجنود رافعًا يديه، قبل أن يقتادوه إلى مكان قريب جلس فيه شبان مقيدون على الأرض، ويأمروا زوجته حنان بمواصلة السير مع أطفالها الثلاثة.
في الشارع خلف الحاجز، انتظرت حنان نصف ساعة وهي تتوقع أن يطلقوا سراح زوجها فيلحق بها، ثم حملت أطفالها وأكملت الطريق نحو مدرسة في رفح أقصى جنوب القطاع، وبدأت تحاول الوصول إلى معلومة عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
عندما نشر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان شهادتها في 24 فبراير/شباط 2024، كان أكثر من ثلاثة أشهر قد مر على اعتقال محمد وشقيقه علي في اليوم نفسه، وقالت حنان آنذاك إن الأسرة ما زالت تجهل “ما إذا كانوا أحياء أو أموات”.
احتاج اسم محمد إلى قرابة عام كي يظهر علنًا في قائمة تكشف مكان احتجازه، ففي 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، نشرت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني أسماء أسرى من غزة تمكنت الطواقم القانونية من الوصول إليهم في سجني النقب وعوفر خلال زيارات أجريت مطلع الشهر نفسه.
تجربة عائلة النمنم تكررت خلال العدوان الإسرائيلي مع آلاف العائلات بأشكال ونهايات مختلفة، فقد اعتُقل أشخاص أمام زوجاتهم وأطفالهم، واقتيد آخرون من المنازل والمدارس والمستشفيات أو عند الحواجز وممرات النزوح، ثم انقطعت أخبارهم لأسابيع أو أشهر.
ظهر بعضهم لاحقًا في سجون الاحتلال، وأُفرج عن آخرين وأعيدوا إلى غزة، فيما تلقت عائلات خبر استشهاد أقاربها بعد شهور من البحث، وما زالت أسر أخرى تجهل المصير.
ويوافق 30 أغسطس/آب اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، فيما تضع وزارة العدل الفلسطينية حجم ملف المفقودين في غزة عند أكثر من 11,200 فلسطيني منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم أكثر من 4700 امرأة وطفل.
وداخل هذا الملف الواسع، قدّر المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا في دراسة نشرها بالمناسبة عدد الأشخاص الذين يُشتبه في تعرضهم للاختفاء القسري بما يتراوح بين 2500 و3000 شخص، وهم من انقطعت أخبارهم في ظروف قد تتضمن الاعتقال أو النقل أو الإخفاء على يد قوات الاحتلال.
ويقدّر المركز بصورة منفصلة وجود ما بين 4000 و5000 مفقود يُعتقد أنهم ما زالوا تحت أنقاض المباني التي دمرها الاحتلال. وفي يوليو/تموز 2025، تحدث خبراء أمميون عن نحو أربعة آلاف فلسطيني مفقود في سياق أنماط واسعة من الاختفاء القسري.
كيف انقطعت أخبار آلاف الغزيين؟
بدأت الاعتقالات الجماعية مع الأسابيع الأولى للاجتياح البري الإسرائيلي، فقد اقتادت قوات الاحتلال منذ أوائل نوفمبر/تشرين الثاني 2023 آلاف الفلسطينيين من غزة إلى المعتقلات الميدانية والسجون، معظمهم رجال وفتيان وبينهم نساء وفتيات، وشملت الاعتقالات أعدادًا كبيرة خلال اقتحام المستشفيات والمدارس المستخدمة مراكز إيواء، وكان بينهم ما لا يقل عن 310 من العاملين في القطاع الطبي.
وقال مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان إن الاحتلال أبقى المحتجزين لفترات طويلة بمعزل عن العالم، وحجب عن عائلاتهم معلومات المصير والمكان لأسابيع أو أشهر، ووصف هذه الظروف بأنها “تثير مخاوف جدية من الاختفاء القسري”.
وامتدت حملة الاحتجاز في الأيام الأولى إلى الغزيين الذين كانوا موجودين داخل الأراضي المحتلة للعمل أو العلاج، إذ قدر مكتب حقوق الإنسان أن أكثر من عشرة آلاف عامل ومريض من غزة اقتيدوا إلى الحجز بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، وأن نحو 3200 أعيدوا إلى القطاع في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، فيما نُقل 6441 إلى الضفة الغربية وبقي مصير نحو ألف منهم غير معروف.
ومع استمرار العدوان البري، اتسعت نقاط الاعتقال من داخل المدن والمخيمات إلى المستشفيات ومراكز الإيواء والحواجز التي فُرض على النازحين المرور عبرها.
عند أحد هذه المواقع اعتقل جيش الاحتلال نادية نايف الحلو، وهي أم لثلاثة أطفال من حي الشيخ رضوان، وظلت في الأسر 43 يومًا.
فقد كانت هذه السيدة، كما روى المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، مع أطفالها داخل مدرسة في مخيم البريج حين حاصرها جيش الاحتلال نهاية 2023 ثم أمر النساء بالخروج باتجاه الجنوب.
عندما ناداها أحد الجنود ابتعدت عن أبنائها وهي تعتقد أن الأمر لن يستغرق سوى لحظات، وقالت لهم “لا تقلقوا، سيعطونني الماء ثم آتي إليكم”. وبعد دقائق كانت مقيدة داخل شاحنة، بينما رأت ابنتها من بعيد تلوح لها بيدها.
نقلت قوات الاحتلال نادية بعدها بين سجني عناتوت والدامون وبقي أطفالها وحدهم في البريج إلى أن أخذهم أقاربهم. وفي 8 فبراير/شباط 2024 أعادها الجنود إلى غزة عبر منطقة زيكيم، وهناك وصلت إلى خيمة للصليب الأحمر واتصلت بأبنائها للمرة الأولى منذ اعتقالها، فعرفت أنهم في رفح.

ومع مرور الوقت اتسعت البيئات التي خرج منها المفقودون، فقد وجدت دراسة المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا داخل عينتها البالغة 317 حالة أن 76 شخصًا اختفوا أثناء اقتحام المنازل أو حصار الأحياء، و60 بعد العودة إلى المنازل لتفقدها أو جلب احتياجات، و42 أثناء النزوح أو المرور بالحواجز، و39 خلال البحث عن الغذاء أو انتظار المساعدات، و22 في ظروف مرتبطة بالمستشفيات أو نقل المرضى، و10 خلال العمل الصحفي أو الميداني. وضمت العينة 41 طفلًا و15 امرأة و17 شخصًا في الستين من العمر أو أكثر.
ووثقت المراكز الحقوقية حالات لأشخاص اختفوا بعد توجههم إلى أماكن مثل دوار النابلسي طلبًا للمساعدات، كما وثق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان لاحقًا بلاغات عن مفقودين أثناء محاولتهم الوصول إلى مواقع توزيع الغذاء.
ويظهر حجم الاعتقالات أيضًا من أرقام الإفراج، ففي المرحلة الأولى من اتفاق يناير/كانون الثاني 2025، أطلقت سلطات الاحتلال 1167 من سكان غزة الذين كانوا لدى الجيش أو مصلحة السجون، بعد “ثبوت” عدم مشاركتهم في أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وكان بينهم نساء وقاصرون دون التاسعة عشرة.
لماذا بقوا خارج السجلات؟
تبدأ الفجوة التي أخفت معتقلين عن عائلاتهم من المسار الذي فرضه الاحتلال بعد الاعتقال، إذ ينفذ الجيش الاعتقالات داخل غزة، ثم ينقل بعض المعتقلين إلى مواقع عسكرية مؤقتة أو مراكز للفحص والاستجواب، ويبقيهم في عهدته قبل إصدار أوامر الاحتجاز بموجب قانون “حبس المقاتلين غير الشرعيين”، ثم ينقل قسمًا منهم لاحقًا إلى منشآت مصلحة السجون الإسرائيلية.
خلقت منظومة الاعتقال وتعدد جهات الاحتجاز والتسجيل فترة يبقى فيها المعتقل لدى الجيش بينما تعجز عائلته ومحاموه عن العثور عليه في قواعد البيانات.
وسّع الكنيست الإسرائيلي المدد التي يستطيع جيش الاحتلال خلالها إبقاء الغزيين في الحجز قبل إصدار أمر الاعتقال أو عرضهم على قاض، ففي 18 ديسمبر/كانون الأول 2023 أقر تعديلًا على قانون “حبس المقاتلين غير الشرعيين” رفع المهلة السابقة لإصدار أمر الاحتجاز من 96 ساعة إلى 45 يومًا، ومدد الفترة قبل عرض المعتقل على قاض من 14 يومًا إلى 75 يومًا.
وارتفعت مدة منع لقاء المحامي من 21 إلى 180 يومًا في إحدى مراحل التشريع، قبل أن تُخفض لاحقًا، وهي تعديلات منحت الجيش مساحة زمنية واسعة يحتجز خلالها أشخاصًا جرى اعتقالهم داخل غزة قبل وصولهم إلى المرحلة القانونية والإدارية التي تسهل معرفة مكانهم.
وفي 17 ديسمبر/كانون الأول 2024 قدمت حكومة الاحتلال أمام المحكمة أرقامًا عن هذه المرحلة، وقالت إن نحو 3400 معتقل من غزة كانوا في عهدتها في ذلك التاريخ، بينهم 533 تحت “أوامر احتجاز مؤقتة”، قبل استكمال تصنيفهم بموجب قانون “المقاتلين غير الشرعيين”، فيما كان نحو 500 محرومين من لقاء محام.
وامتد حجب المعلومات إلى الجهة العسكرية المفترض أن تكشف مكان المعتقل، إذ قالت منظمة “غيشا” الحقوقية الإسرائيلية التي تركز على حرية الحركة، في 24 أبريل/نيسان 2025، إن مركز مراقبة الحبس العسكري رفض خلال الأشهر الستة الأولى للحرب تزويدها بأماكن معتقلي غزة.

وفي أواخر فبراير/شباط 2024، أجاب المركز على استفسار يتعلق بشاب في الثامنة عشرة اعتُقل أثناء نزوح عائلته إلى رفح بأن كونه من سكان غزة يجعل المركز غير مخول بتقديم معلومات عنه.
بعد شهرين، وخلال التماس قدمه مركز “هموكيد” الحقوقي الإسرائيلي، أبلغت حكومة الاحتلال المحكمة أن بريد مركز مراقبة الحبس العسكري نفسه يمكن استخدامه لتنسيق لقاءات المحامين، وأن مكان المحتجز سيكشف خلال إجراءات التنسيق. وبذلك ارتبط الوصول إلى معلومة المكان في بعض الحالات بطلب مقابلة محام، في وقت كان القانون يسمح بمنع هذه المقابلة لفترات طويلة.
وقالت “غيشا” إنها تلقت منذ أواخر ديسمبر/كانون الأول 2023 وحتى أبريل/نيسان 2025 طلبات من عائلات 127 غزيًا انقطعت أخبارهم بعد اعتقالهم، وحصلت في 60 ملفًا على رد يفيد بعدم وجود دلالة على الاعتقال، رغم أن ستة من هذه الملفات تضمنت إفادات لأقارب شاهدوا الاعتقال أو لمعتقلين مفرج عنهم قالوا إنهم رأوا الشخص داخل منشأة احتجاز.
واتسعت الصورة في تقرير أصدرته “هموكيد” في مايو/أيار 2026 عن حالات الاختفاء المرتبطة بالاعتقال، إذ تعامل المركز منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 مع طلبات لتحديد مكان نحو 5400 من سكان غزة، وتلقت 1848 من هذه الطلبات، في مرحلة من مراحل التتبع، إجابة تفيد بأنه “لا توجد دلالة على الاعتقال”.
انتقلت عشرات الملفات إلى المحكمة العليا، وبلغ عدد التماسات الكشف عن مكان المحتجز 114 التماسًا، ومع بداية أغسطس/آب 2026، أظهرت بيانات مصلحة السجون التي جمعتها “هموكيد” وجود 9323 فلسطينيًا تصنفهم سلطات الاحتلال “سجناء أمنيين”، بينهم 1358 تحت فئة “المقاتلين غير الشرعيين”.
تشمل هذه الفئة من تحتجزهم مصلحة السجون وفق ذلك القانون، بينما يبقى معتقلون آخرون في منشآت يديرها الجيش ولا تدخل أعدادهم تلقائيًا في بيانات المصلحة، وهو ما أبقى العدد الدقيق للغزيين الموجودين في الحجز موزعًا بين أكثر من جهة وسجل.
وفاقم منع الاحتلال اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الوصول إلى المعتقلين عزلهم عن العالم، فقد أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أنها لم تتمكن منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 من زيارة أي معتقل فلسطيني في أماكن الاحتجاز الإسرائيلية، وطالبت بإبلاغها بمصير المحتجزين وأماكنهم والسماح لها باستئناف الزيارات.
كانت جمعية حقوق المواطن في “إسرائيل” قد قدمت مع ثلاث منظمات أخرى التماسًا في فبراير/شباط 2024، وطلبت حكومة الاحتلال 27 تمديدًا خلال نظر القضية. وفي 3 يونيو/حزيران 2026 قضت المحكمة بالإجماع بإلغاء سياسة منع الصليب الأحمر وقررت استئناف الزيارات.
واصلت سلطات الاحتلال تعطيل تنفيذ الحكم بعد صدوره، ففي 30 يونيو/حزيران قال محمد عبد الله، المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الضفة الغربية، إن اللجنة جاهزة لبدء الزيارات وإنها لم تتلق موعدًا لبدئها بعد.
وفي أغسطس/آب قالت جمعية حقوق المواطن إن السلطات ما زالت تمنع استئنافها واضطرت إلى اللجوء مجددًا إلى القضاء بإجراء يتعلق بعدم تنفيذ الحكم. وبذلك بقيت إحدى أهم وسائل التحقق المستقل من وجود المعتقل ومكانه وظروف احتجازه مغلقة لأكثر من عامين ونصف.
وفي ملاحظاتها الختامية بشأن “إسرائيل” أواخر 2025، قالت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب إن احتجاز فلسطينيين بمعزل عن العالم ورفض السلطات الاعتراف بحرمانهم من الحرية أو تقديم معلومات عن مصيرهم ومكانهم يضعهم خارج حماية القانون ويشكل ممارسة ترقى إلى الاختفاء القسري، ودعت إلى كشف مصير جميع المحتجزين والتحقيق في هذه الوقائع ومحاسبة المسؤولين عنها.
كيف انكشف مصير بعض المختفين؟
كشفت الملفات التي انقلب فيها الجواب الإسرائيلي حجم ما تتيحه منظومة الاحتجاز من إخفاء المعتقلين عن عائلاتهم، فقد أنكرت سلطات الاحتلال احتجاز ثلاثة رجال تابعتهم “هموكيد”، ثم اضطرت بعد إعادة الفحص إلى الإقرار بوجود سجلات تؤكد احتجازهم.
وفي قضية أخرى تابعتها “غيشا”، استمر الرد بعدم وجود دلالة على اعتقال رجل فلسطيني رغم نشر لقطات تظهر استجوابه على يد جهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك”، وبعد وصول القضية إلى المحكمة العليا وصفت حكومة الاحتلال إنكارها السابق بأنه “خطأ”، ثم كشفت أنه محتجز لديها، وفي حالات أخرى، جاء الكشف بعد استشهاد المعتقل.
وتستخدم “غيشا” اسم “أيمن” لحماية هوية صحفي من غزة اعتقل أمام عائلته خلال مداهمة منزله في مدينة غزة في 12 ديسمبر/كانون الأول 2023. شاهدت الأسرة الجنود يقيدونه ويقتادونه في مركبة عسكرية، ثم أمضت شهورًا تبحث عنه، فيما نقل مفرج عنهم معلومات تفيد بأنهم سمعوا اسمه أو شاهدوه أثناء الاحتجاز، وفي سبتمبر/أيلول 2024 جاءها الرد بأنه لا توجد دلالة على احتجازه.
وصل الملف إلى المحكمة العليا في مايو/أيار 2025، وبعد ذلك أبلغت حكومة الاحتلال الأسرة بأن “أيمن مات” أثناء وجوده في الحجز وأنها تحتفظ بجثمانه، وخلال الإجراءات أقرت بأن المعلومات عن اعتقاله كانت موجودة لديها ولم تظهر في الرد الذي تلقته الأسرة.
وتكرر المسار بصورة أكثر قسوة مع مسعف من خان يونس استخدمت “غيشا” له اسم “خالد” الذي كان في الأربعينيات من عمره، أبًا لستة أطفال ويعمل في مستشفى ناصر، واعتقل في 2 ديسمبر/كانون الأول 2023 عند حاجز نتساريم بينما كان يقود سيارة إسعاف تنقل جرحى من شمال القطاع إلى جنوبه.
انقطعت أخباره منذ ذلك اليوم، وبعد نحو عشرة أشهر، حين تقدمت “غيشا” بطلب لتحديد مكانه في سبتمبر/أيلول 2024، أبلغتها السلطات بأنه توفي يوم اعتقاله نفسه داخل معسكر سديه تيمان، وبقي الجثمان في حوزة الاحتلال، ولم يجر تشريحه حتى مايو/أيار 2025، بعد نحو سنة ونصف على استشهاده.

وسمحت سلطات الاحتلال لطبيب يمثل الأسرة بحضور التشريح بعد إلزامه بالسرية، فيما ظلت العائلة حتى يوليو/تموز 2026 من دون نتائج التشريح أو تفاصيل كاملة عن ظروف الوفاة، ومن دون جثمان تدفنه، فيما قالت زوجته “أريد فقط أن أعرف ماذا حدث لزوجي”.
أما ملف “رامي”، وهو اسم مستعار لعامل من غزة يبلغ 49 عامًا، فوصل إلى مرحلة لم تعد الأسرة تبحث فيها عن الرجل، وإنما عن جثمانه. كان يعمل داخل الأراضي المحتلة بتصريح قبل العدوان، واعتقلته قوات الاحتلال ضمن حملة احتجاز العمال الغزيين، كما أفاد معتقلون أفرج عنهم بأنه نُقل إلى عوفر ثم إلى عناتوت حيث توفي بعد أيام.
رفعت “غيشا” قضيته إلى المحكمة العليا في فبراير/شباط 2026. وبعد شهرين قالت سلطات الاحتلال إن الجثمان الذي كانت تنسبه إلى “رامي” يعود إلى شخص آخر، ثم أقرت في مايو/أيار بأنه اعتُقل ووضع في الحجز العسكري و”توفي أثناء وجوده في الحجز”. وحتى يونيو/حزيران لم تنجح عينات الحمض النووي المأخوذة من أشقائه في تحديد مكان الجثمان، فطلبت السلطات لاحقًا عينات من أطفاله.
وتقع هذه الحالات داخل حصيلة متزايدة للوفيات في الأسر، فقد وثقت منظمة أطباء لحقوق الإنسان–إسرائيل بحلول نوفمبر/تشرين الثاني 2025 استشهاد 98 فلسطينيًا على الأقل في السجون ومراكز الاحتجاز منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم 52 في الحجز العسكري وكانوا جميعًا من غزة.
وبحلول يوليو/تموز 2026، أوردت “غيشا” حصيلة بلغت 104 فلسطينيين على الأقل استشهدوا أثناء الاعتقال أو في عهدة سلطات الاحتلال، بينهم 68 من غزة.
وفي اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، ما تزال عائلات في غزة تنتظر خبرًا يحسم مصير أبنائها، وبعضها ينتظر منذ أعوام. فبالنسبة إليها، لم يعد السؤال من أخذهم، بل أين أخفاهم الاحتلال، ومن بقي منهم حيًا، وكيف استشهد من مات في الأسر؟