كشفت التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، على هامش الاجتماع الوزاري الأول لتحالف مكة الدفاعي (تركيا والسعودية وباكستان)، الذي عُقد في إسطنبول في الثلاثين من أغسطس/آب الماضي، عن توجه ملحوظ نحو توسيع نطاق هذا التحالف، بعدما أشار إلى إعداد خارطة طريق تمهد لانضمام دول أخرى إلى اتفاقية الدفاع المشترك.
وتعكس هذه التصريحات انتقال النقاش حول التحالف من مرحلة التأسيس الثلاثي إلى مرحلة أكثر طموحًا تتعلق بإمكانية تحوله إلى مظلة أمنية إقليمية أوسع، قادرة على استيعاب قوى جديدة وتوسيع دائرة التعاون الدفاعي بين دول تجمعها مصالح مشتركة في ظل التحولات الأمنية المتسارعة في المنطقة.
ويقوم التحالف الحالي على ثلاثة مرتكزات رئيسية تمنحه مزيجًا من الأبعاد السياسية والعسكرية والاستراتيجية؛ إذ تمثل السعودية الثقل العربي والخليجي والبعد السياسي والاقتصادي، بينما توفر تركيا قاعدة صناعية دفاعية متقدمة وقدرات عسكرية متنامية، في حين تضيف باكستان عمقًا عسكريًا وبشريًا وجغرافيًا، إلى جانب امتلاكها خبرات استراتيجية وقدرات نووية تمنحها وزنًا إضافيًا في الحسابات الأمنية الإقليمية.
وينقل حديث فيدان السجال حول تحالف مكة من تقييم طبيعة دوره الحالي، وما يحيط به من تساؤلات وتحفظات، إلى بحث أوسع بشأن مستقبله وإمكانية تحوله إلى تكتل أمني إقليمي أكثر اتساعًا، خصوصًا مع الحديث عن انضمام دول جديدة يمكن أن تضيف أوزانًا سياسية أو عسكرية أو جغرافية مختلفة، الأمر الذي يطرح مجموعة من التساؤلات حول الدول المرشحة الأكثر قدرة على الانضمام إلى التحالف، وطبيعة القيمة التي يمكن أن تقدمها كل دولة، ومدى توافق مصالحها الأمنية مع أطراف التحالف الثلاث، فضلًا عن التحديات التي قد تواجه عملية الانضمام.
فيدان يؤكد أن "تحالف مكة" لا يلغي التزامات تركيا تجاه الناتو ويضيف أن التحالف أُسس منذ البداية ليكون قابلًا للتوسع وفتح الباب أمام انضمام دول جديدة. pic.twitter.com/YlQ1MIlbOP
— نون بوست (@NoonPost) August 31, 2026
مصر.. العضو الأقرب والأبعد معًا
تبدو مصر الدولة الأكثر ترجيحًا للانضمام إلى تحالف مكة الدفاعي، إذ كانت خلال مراحل التأسيس جزءًا من المشاورات التي ضمت، إلى جانبها، أطراف التحالف الحالي (السعودية وتركيا وباكستان)، بل اعتُبرت في بعض التقديرات الطرف الرابع المحتمل في هذا الترتيب قبل اقتصار الصيغة النهائية على الدول الثلاث.
وتستند فرص القاهرة في الانضمام إلى مجموعة من المقومات التي تمنحها وزنًا استراتيجيًا داخل أي ترتيبات أمنية إقليمية؛ فهي تمتلك أكبر الجيوش العربية من حيث العدد، إلى جانب خبرة عسكرية وسياسية ممتدة، وموقع جغرافي يمنحها أهمية خاصة في حسابات الأمن الإقليمي، بالنظر إلى إشرافها على ممرات حيوية مثل قناة السويس، وارتباطها بمسرحي البحر الأحمر والبحر المتوسط.
كما تمتلك مصر شبكة علاقات واسعة ومتوازنة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية؛ فهي ترتبط بعلاقات استراتيجية مع القوى الغربية، وفي الوقت نفسه تحافظ على قنوات تواصل مع قوى شرقية، فضلًا عن علاقاتها الممتدة مع دول الخليج وتركيا وإيران وإسرائيل، وهو ما يمنحها قدرة على لعب أدوار تتجاوز البعد العسكري إلى البعد السياسي والدبلوماسي.
وفي حال انضمام القاهرة إلى التحالف، فإنها ستمنحه إضافة نوعية، إذ قد ينقله من إطار تعاون خليجي–آسيوي إلى تكتل عربي–إسلامي أوسع، بما يعزز حضوره السياسي وشرعيته الإقليمية، إلى جانب ما يمكن أن تضيفه مصر من قدرات عسكرية كبيرة، خصوصًا في المجالين البحري والبري، بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي وخبرتها في إدارة ملفات الأمن الإقليمي.
لكن رغم هذه المقومات، فإن انضمام مصر لا يبدو مسارًا خاليًا من التحديات؛ فهناك اعتبارات سياسية وعسكرية قد تؤثر في موقف القاهرة أو في حسابات أطراف التحالف الأخرى، من بينها ما أُثير حول وجود تحفظات سعودية مرتبطة بدرجة انخراط مصر في ترتيبات دفاعية مشتركة، فضلًا عن طبيعة المقاربة المصرية التقليدية تجاه الأحلاف العسكرية.
فعلى مدار العقود الماضية، حرصت القاهرة على تجنب الارتباط بتحالفات دفاعية صلبة قد تحد من هامش حركتها الدبلوماسية أو تفرض عليها التزامات عسكرية خارج حساباتها الوطنية، مفضلة الحفاظ على سياسة تقوم على تنويع الشراكات والاحتفاظ بقدرة أكبر على المناورة بين مختلف القوى الإقليمية والدولية.
ومن ثم، فإن قرار الانضمام إلى تحالف مكة لن يرتبط فقط بما تمتلكه مصر من قدرات يمكن أن تضيفها إلى التكتل، وإنما أيضًا بمدى توافق طبيعة التحالف وأهدافه مع الرؤية المصرية للأمن الإقليمي، وحدود الالتزامات التي قد يفرضها على أعضائه في بيئة شرق أوسطية تتسم بتغير التحالفات وتشابك المصالح.
الكويت.. العمق الخليجي للتحالف
تأتي الكويت ضمن قائمة الدول الخليجية المرشحة للانضمام إلى تحالف مكة الدفاعي، مستندة إلى مجموعة من المقومات الجيوسياسية والأمنية التي تمنحها أهمية خاصة داخل أي ترتيبات إقليمية جديدة، فهي عضو فاعل في مجلس التعاون الخليجي، وترتبط بعلاقات أمنية وسياسية وثيقة مع الولايات المتحدة، إلى جانب علاقاتها الاستراتيجية مع السعودية التي تمثل عمقها الخليجي والأمني.
ودفعت التحولات الأمنية الأخيرة في المنطقة، ولا سيما التداعيات المرتبطة بالحرب الأميركية–الإيرانية وما كشفته من تحديات تتعلق بأمن الخليج والمنشآت الحيوية والممرات البحرية، عددًا من الدول الخليجية إلى إعادة تقييم ترتيباتها الدفاعية التقليدية، والبحث عن صيغ جديدة لتعزيز قدراتها الأمنية وسد الثغرات التي ظهرت خلال الأزمات الأخيرة.
وفي حال انضمام الكويت إلى التحالف، فإنها يمكن أن تضيف بعدًا لوجستيًا واستراتيجيًا مهمًا، بالنظر إلى موقعها الجغرافي في شمال الخليج، وقربها من بؤر التوتر الإقليمية، فضلًا عن خبرتها الطويلة في العمل ضمن أطر التحالفات الدولية، سواء من خلال شراكاتها الدفاعية أو مشاركتها في ترتيبات أمنية متعددة الأطراف، كما يمكن لها أن تمثل حلقة وصل بين المنظومة الخليجية والتحالفات الأمنية الأوسع، بالنظر إلى موقعها السياسي المتوازن وعلاقاتها مع مختلف الأطراف، إضافة إلى استضافتها وجودًا عسكريًا أميركيًا يمنحها أهمية إضافية في حسابات الأمن الإقليمي.
لكن، في المقابل، فإن انضمام الكويت إلى تحالف دفاعي صلب قد يواجه بعض الاعتبارات السياسية، إذ لطالما اتسمت السياسة الخارجية الكويتية بالحذر تجاه الانخراط في ترتيبات قد تفرض عليها التزامات أمنية تتجاوز حساباتها الوطنية أو تدفعها إلى اصطفافات أكثر حدة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، كما تحافظ تاريخيًا على سياسة تقوم على التوازن والانفتاح على مختلف الأطراف، بما في ذلك إيران رغم الخلافات السياسية والأمنية القائمة، وهو نهج يهدف إلى تقليل احتمالات التصعيد والحفاظ على مساحة للمناورة الدبلوماسية.
ومن ثم، فإن قرار الكويت بالانضمام إلى تحالف مكة لن يرتبط فقط بما يمكن أن تقدمه من قيمة استراتيجية للتحالف، وإنما أيضًا بمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين تعزيز أمنها الوطني والانخراط في ترتيبات دفاعية جديدة، وبين الحفاظ على سياستها التقليدية القائمة على التوازن والتهدئة الإقليمية.
البحرين.. قيمة استراتيجية تتجاوز الحجم العسكري
تدخل البحرين كذلك ضمن قائمة الدول المحتملة للانضمام إلى التحالف، مستندة إلى مجموعة من المقومات السياسية والأمنية التي تمنحها أهمية خاصة داخل منظومة الأمن الخليجي، فهي ترتبط بعلاقات أمنية وثيقة مع كل من السعودية والولايات المتحدة، كما تستضيف مقر الأسطول الخامس الأميركي، وهو ما يجعلها جزءًا أساسيًا من الترتيبات الأمنية المرتبطة بأمن الخليج والممرات البحرية، كما تُعد من أكثر دول الخليج ارتباطًا بالهواجس الأمنية المرتبطة بإيران ونفوذها الإقليمي، وهو ما انعكس على طبيعة علاقاتها الدفاعية وشراكاتها الأمنية خلال السنوات الماضية، وجعلها أكثر انخراطًا في ترتيبات الردع الإقليمية القائمة.
وفي حال انضمامها إلى التحالف، يمكن للبحرين أن تقدم قيمة استراتيجية تتجاوز حجمها الجغرافي والعسكري، إذ يمنحها موقعها البحري الحساس في الخليج أهمية لوجستية، فضلًا عن خبرتها الطويلة في التعاون الأمني والعسكري، خصوصًا مع الولايات المتحدة، وقدرتها على العمل ضمن أطر أمنية متعددة الأطراف.
كما أن التقارب السياسي الكبير بين المنامة والرياض قد يمثل عاملًا مساعدًا في تعزيز الانسجام داخل التحالف، سواء على مستوى التنسيق السياسي أو آليات اتخاذ القرار، بما يجعل وجودها إضافة داعمة للبعد الخليجي داخل هذا التكتل.
لكن، في المقابل، فإن وزن البحرين داخل التحالف قد يكون سياسيًا ورمزيًا بدرجة أكبر من كونه إضافة عسكرية كبيرة، بالنظر إلى محدودية قدراتها العسكرية وحجمها الجغرافي مقارنة ببقية الأطراف المحتملة، وهو ما قد يثير تساؤلات حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه داخل التحالف، وما إذا كانت قيمتها الأساسية ستتمثل في تعزيز الشرعية الخليجية والسياسية للتكتل أكثر من تعزيز قدراته القتالية المباشرة.
العراق.. العضو الأكثر تعقيدًا
من خارج المنظومة الخليجية، يبرز العراق كأحد الأسماء المطروحة ضمن قائمة الدول المحتملة للانضمام إلى تحالف مكة الدفاعي، وذلك بالنظر إلى ما يمتلكه من أهمية جيوسياسية لا يمكن تجاهلها، إذ يحتل موقعًا محوريًا عند نقطة التقاء الخليج ببلاد الشام وتركيا، كما يشترك بحدود مباشرة مع إيران، ما يجعله لاعبًا رئيسيًا في أي ترتيبات أمنية تتعلق بتوازنات المنطقة.
ويمتلك العراق مقومات قد تمنحه قيمة مضافة لأي تحالف أمني إقليمي، فهو صاحب كثافة سكانية كبيرة، ويمتلك جيشًا يعد من أكبر الجيوش العربية من حيث العدد، رغم ما يواجهه من تحديات مرتبطة ببنية المؤسسة العسكرية والتجاذبات السياسية الداخلية، كما يحتل موقعًا مهمًا في منظومة أمن الطاقة، سواء باعتباره أحد كبار منتجي النفط أو بحكم امتلاكه ممرات برية تربط الخليج بالمشرق وتركيا.
وفي حال انضمام العراق إلى التحالف، فإنه يمكن أن يضيف بعدًا استراتيجيًا مهمًا يتمثل في توفير عمق جغرافي واسع، وتعزيز الروابط اللوجستية بين دول الخليج وشرق المتوسط، فضلًا عن امتلاكه وزنًا بشريًا وعسكريًا يمكن أن يدعم قدرات التكتل، ويمنحه حضورًا أكبر في منطقة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، كما يمكن لبغداد أن تؤدي دور حلقة وصل بين أطراف متعددة، بحكم موقعها وعلاقاتها المتشابكة مع دول الخليج وتركيا وإيران، وهو ما قد يمنح التحالف قدرة أكبر على التعامل مع الملفات الأمنية الممتدة من الخليج إلى المشرق.
لكن هذه المزايا تواجه تحديات معقدة قد تحد من فرص انضمام العراق إلى هذا النوع من الترتيبات الدفاعية؛ يأتي في مقدمتها طبيعة العلاقة مع إيران، وحجم النفوذ الإيراني داخل المشهدين السياسي والأمني العراقي، فضلًا عن صعوبة تحقيق توازن بين علاقات بغداد مع واشنطن وطهران وأنقرة، وهي أطراف ترتبط بحسابات متباينة داخل النظام الإقليمي.
كما أن دخول العراق في تحالف يُنظر إليه باعتباره إطارًا أمنيًا جديدًا قد يثير حساسيات داخلية، في ظل الانقسامات السياسية وتعدد مراكز النفوذ داخل البلاد، إضافة إلى حرص الحكومات العراقية المتعاقبة على تجنب الانخراط في محاور إقليمية حادة قد تؤثر على قدرتها على المناورة بين القوى المتنافسة.
العمق الآسيوي الإسلامي
لا تقتصر قائمة الدول المحتملة للانضمام إلى تحالف مكة على الدائرة العربية والخليجية، إذ تبرز مجموعة من القوى الآسيوية ذات الأغلبية المسلمة التي يمكن أن تمنح التحالف بعدًا أوسع، سواء من حيث العمق الجغرافي أو الثقل السكاني أو العلاقات السياسية والدفاعية، وفي مقدمتها بنغلاديش وأذربيجان وماليزيا وإندونيسيا.
وتأتي بنغلاديش ضمن الأسماء المطروحة بالنظر إلى ما تمتلكه من مقومات يمكن أن تعزز البعد الآسيوي الإسلامي للتحالف؛ فهي تمتلك جيشًا كبيرًا نسبيًا، وخبرة في المشاركة ضمن عمليات حفظ السلام الدولية، إلى جانب علاقاتها الدفاعية مع السعودية، وموقعها الجيوسياسي في جنوب آسيا، فضلًا عن قوتها البشرية الكبيرة التي قد تمثل إضافة مهمة لأي تكتل يسعى إلى توسيع نطاقه الإقليمي.
لكن، في المقابل، تواجه دكا تحديات قد تحد من فرص انخراطها في تحالف دفاعي صلب، من بينها محدودية قدراتها العسكرية مقارنة بالدول المؤسسة للتحالف، إضافة إلى طبيعة سياستها الخارجية التي تميل إلى الحذر وتفضيل هامش واسع من المناورة بعيدًا عن الاصطفافات العسكرية المباشرة أو الالتزامات الدفاعية طويلة الأمد.
وزارة الخارجية السعودية تعلن تأسيس أمانة عامة لـ "تحالف مكة الدفاعي" برئاسة باكستانية لمدة 3 سنوات، بهدف تعزيز الجاهزية العسكرية وتطوير التصنيع والتكنولوجيا الدفاعية المشتركة. pic.twitter.com/fSeNZuOUnK
— نون بوست (@NoonPost) August 31, 2026
وتبرز كذلك أذربيجان كأحد الخيارات المحتملة، مستفيدة من علاقاتها الوثيقة مع تركيا، وخبرتها العسكرية التي تعززت خلال السنوات الأخيرة، فضلًا عن موقعها الجغرافي الاستراتيجي عند نقطة التقاء آسيا بالشرق الأوسط والقوقاز. كما يمكن لانضمامها أن يمنح التحالف امتدادًا جغرافيًا إضافيًا ويعزز علاقاته مع منطقة القوقاز، غير أن هذا الخيار يواجه تحديات مرتبطة بطبيعة الأولويات الأذربيجانية، إذ ترتبط حساباتها الأمنية بدرجة كبيرة بالبيئة القوقازية وملفاتها الخاصة، وهو ما قد يجعل أجندتها الاستراتيجية مختلفة نسبيًا عن أولويات تحالف يركز بصورة أكبر على أمن الخليج والشرق الأوسط.
أما ماليزيا وإندونيسيا، فتمثلان بدورهما قيمة محتملة للتحالف، بالنظر إلى ثقلهما الإسلامي الآسيوي، واقتصاديهما الكبيرين، ووزنهما السكاني، إلى جانب علاقاتهما الإيجابية مع معظم دول الخليج وتركيا، كما أن انضمامهما سيمنح التحالف بعدًا سياسيًا أوسع داخل العالم الإسلامي، يتجاوز البعد الأمني والعسكري المباشر، لكن الدولتين تتبنيان تقليديًا سياسة خارجية تقوم على التوازن والاستقلالية، وتحرصان على تجنب الانخراط في تحالفات عسكرية صلبة قد تحد من هامش حركتهما أو تدخلهما في استقطابات إقليمية لا تتوافق مع نهجهما الدبلوماسي.
ومن ثم، فإن توسيع تحالف مكة نحو آسيا لن يرتبط فقط بقدرة هذه الدول على إضافة أوزان بشرية أو سياسية أو جغرافية، وإنما بمدى استعدادها للانتقال من شراكات استراتيجية مرنة إلى ترتيبات دفاعية أكثر التزامًا، وهو التحدي الأبرز أمام أي محاولة لتحويل التحالف من إطار ثلاثي إلى منظومة إقليمية متعددة الأطراف.
ماذا عن إيران؟
رغم أن طرح انضمام إيران إلى تحالف مكة يبدو بعيدًا عن الواقع السياسي الراهن، فإن بعض النقاشات الإيرانية تناولت خلال الفترة الأخيرة إمكانية توسيع أي ترتيبات أمنية إقليمية مستقبلية لتشمل طهران، انطلاقًا من رؤية ترى أن أي نظام أمني مستدام في الخليج والشرق الأوسط لا يمكن أن ينجح في ظل استبعاد أحد أبرز اللاعبين الإقليميين.
من الناحية النظرية، لا يوجد ما يمنع مناقشة هذا السيناريو، خاصة أن الاتفاق الدفاعي الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان لا يعلن رسميًا استهداف دولة بعينها، كما أكد مسؤولون أتراك أن التحالف ذو طبيعة دفاعية ولا يستهدف إيران أو أي طرف محدد، لكن الانتقال من المستوى النظري إلى التطبيق العملي يظل شديد التعقيد، في ظل التوترات المتراكمة بين طهران وعدد من دول الخليج، والخلافات المرتبطة بأمن الملاحة البحرية، ودور إيران الإقليمي، وملفات الصراع الممتدة في المنطقة.
ورغم هذه التعقيدات، فإن إيران تمتلك مقومات تجعلها -من زاوية القدرات فقط- إضافة ذات وزن لأي منظومة أمنية إقليمية؛ فهي تتمتع بموقع جغرافي محوري يطل على الخليج وبحر عُمان، وترتبط بشكل مباشر بمضيق هرمز الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية العالمية، إلى جانب امتلاكها قدرات عسكرية وصاروخية متقدمة، وثقلًا بشريًا واقتصاديًا، وخبرة طويلة في إدارة ملفات الأمن الإقليمي.
لكن هذه المقومات تصطدم بعقبات جوهرية تتعلق بهوية التحالف ذاته؛ إذ تأسس تحالف مكة بين الدول الثلاث باعتباره إطارًا لتعزيز التنسيق والردع المشترك، وبالتالي فإن دخول إيران قد لا يمثل مجرد إضافة عضو جديد، وإنما قد يؤدي إلى إعادة تعريف طبيعة التحالف وأهدافه، فالدولة التي ينظر إليها بعض أعضاء التحالف باعتبارها أحد مصادر التحديات الأمنية ستصبح جزءًا من منظومة اتخاذ القرار نفسها، وهو تحول يتطلب مستوى مرتفعًا من الثقة السياسية والأمنية يصعب تحقيقه في المدى القريب.
كما تمثل العلاقات الإيرانية مع أطراف التحالف تحديًا إضافيًا، وعلى رأسها العلاقة مع السعودية، فعلى الرغم من استعادة العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران خلال السنوات الأخيرة، فإن الخلافات الأساسية، لم تختفِ، خصوصًا فيما يتعلق بأمن الخليج، والنفوذ الإقليمي، والملف اليمني، وطبيعة الترتيبات الأمنية في المنطقة، أما العلاقة الإيرانية–التركية فتتسم بدورها بدرجة عالية من التعقيد؛ إذ تجمع بين التعاون في ملفات مثل التجارة والطاقة، وبين التنافس في ملفات أخرى مرتبطة بسوريا والعراق والنفوذ الإقليمي وأمن الممرات الحيوية.
ومن هنا، فإن انضمام إيران إلى تحالف مكة، وإن كان ممكنًا من الناحية النظرية ضمن تصور واسع للأمن الجماعي الإقليمي، فإنه عمليًا يواجه تحديات سياسية وأمنية عميقة قد تغير طبيعة التحالف نفسه، فإضافة طهران قد تمنحه وزنًا جغرافيًا وعسكريًا أكبر، لكنها في الوقت ذاته قد تفرض عليه إعادة صياغة أهدافه وآليات عمله، وربما تفتح الباب أمام تدخلات وحسابات دولية جديدة، خاصة في ظل الدور الأميركي المستمر في معادلات أمن الخليج.
وبذلك، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بقدرة إيران على الانضمام إلى تحالف مكة، وإنما بما إذا كان التحالف مستعدًا للتحول من إطار يقوم على بناء الردع بين مجموعة متقاربة المصالح إلى منظومة أمن إقليمي شاملة تضم أطرافًا متنافسة تاريخيًا؛ وهو تحول يتطلب تفاهمات سياسية أوسع بكثير من مجرد اتفاق دفاعي.
تساؤلات يجب حسمها أولا
في المحصلة، فإن توسيع جغرافيا تحالف مكة وانضمام قوى جديدة إلى صفوفه لا يبدو مسارًا سهلًا، بل يتطلب ترتيبات سياسية وأمنية معقدة، فضلًا عن ضرورة توافق الدول المؤسسة على طبيعة الدور الذي يسعى التحالف إلى أدائه قبل الانتقال إلى مرحلة التوسع.
فالمسألة الأولى التي يتعين على قيادات التحالف حسمها تتعلق بهويته المستقبلية: هل يتجه إلى بناء إطار مرن للتنسيق الأمني وتبادل القدرات بين مجموعة من الدول، أم يطمح إلى التحول إلى منظومة دفاع جماعي أكثر صلابة تشبه نموذج “الناتو الإسلامي”؟ إذ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد طبيعة العضوية، ومستوى الالتزامات المطلوبة من الأعضاء، وآليات اتخاذ القرار داخله.
كما يبرز تساؤل آخر حول ما إذا كان توسيع قاعدة أعضاء التحالف سيعزز قوته وتماسكه، أم أنه قد يخلق شبكة من التناقضات بسبب اختلاف حسابات الدول المنضمة، وتباين أولوياتها الأمنية، وعلاقاتها المتشابكة مع القوى الإقليمية والدولية، فكل عضو جديد لا يضيف فقط قدرات وإمكانات، وإنما يحمل معه أيضًا رؤيته الخاصة للتهديدات وحدود التزامات المشاركة.
ويبقى السؤال الأكثر حساسية متعلقًا بالهدف الاستراتيجي للتحالف نفسه؛ هل هو إطار لمواجهة تهديدات محددة، وعلى رأسها إيران، أم أنه محاولة لبناء نظام أمني إقليمي مستقل يعيد صياغة معادلات القوة في المنطقة بعيدًا عن الاعتماد الكامل على المظلات الخارجية؟ فاختلاف الإجابة بين أعضاء التحالف قد يؤثر بصورة مباشرة على قدرته على التحرك ككتلة واحدة.
وفي النهاية، ستظل العلاقة مع الولايات المتحدة أحد المحددات الأساسية لمسار التحالف، خاصة في ظل الدور الأميركي التاريخي في أمن الخليج والمنطقة، فالسؤال المطروح هو: هل ستنظر واشنطن إلى هذا التكتل باعتباره شريكًا مكملًا لترتيباتها الأمنية ومساهمًا في تقاسم أعباء المنطقة، أم باعتباره مشروعًا قد ينافس نفوذها أو يعيد تشكيل موازين القوة بعيدًا عن مظلتها التقليدية؟