ترجمة وتحرير: نون بوست
يتهم عدد متزايد من الجنرالات ومسؤولي الاستخبارات ورؤساء الوزراء الإسرائيليين السابقين المستوطنين في الضفة الغربية بارتكاب جرائم تطهير عرقي بدعم حكومي، حتى وصل الأمر بأحد هؤلاء القادة للقول إنه بمجرد أن يتصرف أي مجتمع بهذه الطريقة، فإنه مجتمع محكوم عليه بالهلاك.
أفنى اللواء إيال بن رؤوفين حياته في القتال من أجل إسرائيل فقد نجا من الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973، حين أُبيدت فصيلته العسكرية بالكامل تقريباً، ليتدرج بعدها في المناصب حتى قاد فرقة عسكرية في الضفة الغربية، وصولاً إلى تولي قيادة القوات البرية الإسرائيلية في حرب عام 2006 ضد حزب الله اللبناني.
غير أنه في الأشهر الأخيرة، عاد بن رؤوفين أدراجه إلى الضفة الغربية المحتلة، ليقوم بجولات ميدانية برفقة جنرالات متقاعدين ومسؤولين إسرائيليين سابقين أمثاله. وهناك، سار متأملاً وسط أطلال وبقايا مدرسة فلسطينية تعرضت للنهب والتخريب على يد المستوطنين الإسرائيليين، واستمع بإنصات للرعاة والمزارعين الفلسطينيين وهم يروون تفاصيل تعرضهم للتعذيب على أيدي هؤلاء المستوطنين الذين يستولون عنوة على ماشيتهم ويسلبون أراضيهم.
واليوم، يؤكد الجنرال بن رؤوفين أن لديه فهماً مختلفاً جذرياً للمخاطر الحقيقية التي تحدق بإسرائيل في الوقت الراهن. وقد صرح والدموع تترقرق في عينيه قائلاً إن ما يفعله المستوطنون هنا يمثل التهديد الحقيقي لإسرائيل، مشدداً على أن هذا الوضع يثير قلقه ومخاوفه أكثر بكثير من التهديدات القادمة من إيران أو غزة أو لبنان.
ولم يكن بن رؤوفين وحيداً في هذا الموقف فقد شاركه كبار المسؤولين الإسرائيليين السابقين، الذين رافقوه في جولته بالضفة الغربية، مشاعر السخط والاستنكار ذاتها.
وفي هذا السياق، وصف إفرايم سنيه، وهو عميد متقاعد ووزير صحة سابق، اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين على الفلسطينيين في الضفة الغربية بأنها، وبكل بساطة، عملية تطهير عرقي. وذهب عساف أغمون، وهو جنرال متقاعد في القوات الجوية، إلى أبعد من ذلك بكثير، حيث شبه تلك الممارسات بما كابده أسلاف بعض الإسرائيليين إبان المحرقة النازية (الهولوكوست).
وأوضح أغمون أن وجه الشبه هنا لا يكمن في حجم العنف الممارس، بل في المساعي الحثيثة والممنهجة لمحو الوجود الفلسطيني من أجزاء واسعة من الضفة الغربية، محذراً من أنه بمجرد أن يتصرف أي مجتمع بهذه الطريقة، فإن مصيره المحتوم هو الهلاك.


منذ الهجمات التي قادتها حركة حماس في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي أسفرت عن مقتل نحو 1200 إسرائيلي، ابتلعت نيران الحرب إسرائيل بأكملها. بدأت المواجهة أولاً مع حركة حماس، مخلفة قطاع غزة في حالة من الدمار الشامل وعشرات الآلاف من القتلى، لتمتد لاحقاً لتشمل جولتين من القتال الشرس مع حزب الله في لبنان، فضلاً عن حملتين عسكريتين استهدفتا إيران.
ولكن، وفي ظلال تلك الصراعات المدوية، برزت جبهة أخرى أكثر هدوءاً في الضفة الغربية. فقد استغل المستوطنون الإسرائيليون المسلحون حالة الانفلات، مستمدين جرأتهم من وجود الحكومة الأكثر يمينية وتطرفاً في تاريخ البلاد، ليشنوا غارات ويضرموا النيران في منازل الفلسطينيين ومساجدهم وقراهم. وتجري هذه الاعتداءات في ظل إفلات واضح من العقاب، في محاولة صريحة ومكشوفة لطرد الفلسطينيين من أراضيهم وإجبارهم على النزوح.
وقد دق القائد العسكري الأبرز للجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية ناقوس الخطر، محذراً من أن هذا العنف المنفلت يهدد بإشعال النار في المنطقة بأسرها. ووفقاً للبيانات الصادرة عن الأمم المتحدة، فقد شن المستوطنون آلاف الهجمات في الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مما أدى إلى إصابة آلاف الفلسطينيين بجروح. كما أسفرت هذه الاعتداءات عن تهجير أكثر من 3200 فلسطيني خلال هذا العام وحده، وهو رقم يمثل ضعف معدل التهجير المسجل في العام الماضي. ومع تصاعد وتيرة العنف، تؤكد الأمم المتحدة أن عدد الفلسطينيين الذين يتعرضون للإصابة جراء هجمات المستوطنين قد ارتفع بشكل مقلق من متوسط إصابة واحدة كل ثلاثة أيام في عام 2020، إلى أكثر من ثلاث إصابات يومياً في عام 2026.
ويمثل الجنرالات المتقاعدون المنددون بهذا العنف جزءاً من شريحة صغيرة ولكنها تتسع بوتيرة متسارعة من الشخصيات الإسرائيلية المؤثرة. وتضم هذه الشريحة العديد من القيادات المنتمية للدوائر العليا في المؤسستين العسكرية والاستخباراتية، والذين باتوا يعلنون على الملأ أن حالة الانفلات الأمني وغياب القانون في الضفة الغربية تشكل تهديداً وجودياً لإسرائيل كدولة ديمقراطية. وتجسد هذا الحراك في شهر يونيو/حزيران الماضي، حين وقع أكثر من 200 شخصية إسرائيلية بارزة على رسالة تطالب الحكومة بوقف الهجمات الموجهة ضد المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية. وقد شملت قائمة الموقعين رئيسي وزراء سابقين، وأكثر من ستة وثلاثين جنرالاً متقاعداً من قوات الجيش والقوات الجوية، والرؤساء السابقين لأجهزة الاستخبارات الخارجية والداخلية في البلاد، فضلاً عن حاخامات، وحائز على جائزة نوبل، وواحد من أكثر الروائيين الإسرائيليين تبجيلاً. والمثير للاهتمام أن هؤلاء المسؤولين المتقاعدين ينتمون إلى مختلف ألوان الطيف السياسي، بما في ذلك حزب الليكود الذي يتزعمه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نفسه، كما أن العديد منهم كانوا يُصنفون في السابق كصقور متشددين في القضايا الأمنية.
وفي نص رسالتهم، طالب الموقعون بوضع حد فوري لما أسموه بـالإرهاب اليهودي والتطهير العرقي الجاري على قدم وساق في الضفة الغربية. ولم يكتفوا باتهام حكومة نتنياهو بالتقاعس أو الإهمال في وقف هذه الممارسات، بل اتهموها صراحة بانتهاج سياسة حكومية متعمدة تتواطأ فيها المؤسسة الأمنية بأكملها، بما في ذلك الجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك والشرطة، عن علم ودراية. ولدعم موقفهم، أشار الموقعون إلى عشرات الملايين من الدولارات التي تنفقها الحكومة لتمويل البؤر الاستيطانية والمزارع الإسرائيلية غير القانونية، مطالبين بتقديم كشف حساب دقيق وشامل لجميع الأموال العامة التي تُصرف على شق الطرق، وتوفير المياه والكهرباء، وتأمين المركبات والأسلحة لدعم تلك البؤر. وعلاوة على ذلك، وجهوا اتهامات مباشرة للجيش الإسرائيلي بالتواطؤ في أعمال العنف، مؤكدين أن الجنود يقفون موقف المتفرج بينما يتعرض الفلسطينيون للاعتداءات، بل وينضمون في بعض الأحيان إلى المستوطنين لمهاجمة القرى الفلسطينية جنباً إلى جنب.
ويُعد هذا التنديد العلني حدثاً صادماً ومذهلاً، لا سيما بالنظر إلى الثقل الذي يتمتع به الأشخاص الصادر عنهم. ففي حين دأب النشطاء الحقوقيون مراراً وتكراراً على تأكيد ارتكاب إسرائيل لفظائع في الضفة الغربية، إلا أن صدور اتهامات صريحة بممارسة التطهير العرقي من مجموعة بهذا الحجم تضم رؤساء وزراء سابقين وجنرالات وكبار المسؤولين الإسرائيليين، وهم الأشخاص ذاتهم الذين قادوا قوات الأمن في بلادهم ذات يوم، يُعتبر أمراً غير مسبوق على الإطلاق. ومن المفارقات أن العديد من هؤلاء المنتقدين الإسرائيليين قد شاركوا بأنفسهم في ممارسة أعمال عنف مفرطة خلال مسيرتهم العسكرية حيث أصدروا أوامر بتنفيذ عمليات اغتيال مستهدفة، وشن غارات جوية مميتة، ومداهمات، وهجمات أخرى ضد الفلسطينيين، بما في ذلك في الضفة الغربية.
لكن هؤلاء القادة يبررون ماضيهم بالقول إنهم كانوا يتصرفون آنذاك انطلاقاً من المصلحة العليا للأمن الإسرائيلي، وتحت مظلة تسلسل قيادي واضح وإشراف قانوني صارم. أما الفارق الجوهري اليوم، من وجهة نظرهم، فيكمن في أن العنف الحالي منفلت من عقاله، وعشوائي تماماً، ويستهدف مدنيين أبرياء عن قصد، ويهدف بوضوح إلى إخلاء مساحات شاسعة من الضفة الغربية ليتسنى للإسرائيليين الاستيلاء عليها، والقضاء التام على أي أمل في إقامة دولة فلسطينية في المستقبل. ويشدد هؤلاء القادة السابقون على أن الظلم الممارس اليوم قد تجاوز الخطوط الحمراء الأخلاقية كافة؛ حيث باتت الدولة تسمح، بل وتساعد في بعض الأحيان، المدنيين الإسرائيليين على ضرب الآخرين وطعنهم وإطلاق النار عليهم، وكل ذلك دون أي عواقب تُذكر تقريباً.


وفي هذا السياق، أكد عزرائيل نيفو، الذي شغل منصب السكرتير العسكري لأربعة رؤساء وزراء، أن رؤساء الوزراء الآخرين الذين عمل تحت إمرتهم لم يكونوا ليسمحوا بحدوث هذا الأمر على الإطلاق، واصفاً ما شاهده خلال الجولة الميدانية بأنه أمر مروع وصادم.
ويؤكد بعض هؤلاء المسؤولين المتقاعدين أن الحملة الموجهة ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية تعيد إلى الأذهان ممارسات النازية، وهو ادعاء يثير جدلاً استثنائياً وصادماً، لا سيما في إسرائيل التي وجد فيها العديد من اليهود ملاذاً آمناً بعد إبادة عائلاتهم في أوروبا.
وفي خطوة تصعيدية لافتة، شبه موشيه يعلون، رئيس الأركان السابق ووزير الدفاع في حكومة نتنياهو حتى عام 2016، الأيديولوجية التي يتبناها المستوطنون الإسرائيليون المتطرفون في الضفة الغربية بأيديولوجية ألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية.
وقد تساءل يعلون، الذي طالما اعتُبر من صقور المؤسسة الأمنية، في تصريح حديث لموقع واي نت الإخباري الإسرائيلي عن ماهية التفوق اليهودي، مجيباً بأنه يمثل نسخة عكسية من كتاب كفاحي بعد ثمانين عاماً من المحرقة، حيث يعتبر هؤلاء المتطرفون أنفسهم العرق السيد.
من جانبه، رفض مكتب رئيس الوزراء الرد على الأسئلة المتعلقة بالاتهامات المتزايدة الصادرة عن الجنرالات السابقين وغيرهم من المسؤولين، كما امتنعت الحكومة عن تلبية طلبات متكررة للحصول على بيانات دقيقة حول هجمات المستوطنين في الضفة الغربية. وتجدر الإشارة إلى أن نتنياهو قلل في الماضي من أهمية عنف المستوطنين، واصفاً إياه بأنه مجرد أعمال غير قانونية يرتكبها حفنة من الصبية، في حين ذهب بعض الوزراء في حكومته إلى حد نفي وجود أي شيء يُدعى الإرهاب اليهودي من الأساس.
غير أنه مع تزايد وتيرة الإدانات المنددة بعنف المستوطنين، بما في ذلك التنديد الصادر عن الولايات المتحدة، تتصاعد الضغوط على نتنياهو لتقديم رد أكثر حزماً وصرامة. فقد أقدم مستوطنون مؤخراً على محاصرة منازل عدة تعود لفلسطينيين، وكان من بينها منزل يملكه مواطن أمريكي. وفي بيان نادر صدر خلال عطلة نهاية الأسبوع، اعتبر نتنياهو أن مثل هذه الأفعال الإجرامية تلحق ضرراً جسيماً بالمستوطنين الملتزمين بالقانون، وتسيء بشكل بالغ لمكانة إسرائيل في العالم.
وعلى الصعيد العسكري، يرفض الجيش الإسرائيلي رفضاً قاطعاً أي تلميح يشير إلى دعمه لما يصفه بتصرفات الجماعات العنيفة في الضفة الغربية. ويدعي الجيش أن مهمته الأساسية تكمن في حماية جميع السكان، مشدداً على أن أي جندي يشارك في هجمات المستوطنين، أو يكتفي بالوقوف متفرجاً أثناء وقوعها، يتصرف بتجاهل تام ومطلق للأوامر العسكرية الموجهة إليه.
وفي المقابل، أشاد الزعماء الدينيون الداعمون للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية بجهود الجيش الإسرائيلي والحكومة لدعمهما بناء عدد قياسي وغير مسبوق من البؤر الاستيطانية والمزارع الجديدة، وهي الخطوات التي يؤكد الجنرالات المتقاعدون أنها تُشكل الوقود الذي يغذي عنف المستوطنين في الأراضي المحتلة.
ورغم هذا التأييد، وجه الحاخام إياكيم ليفانون، الذي يشرف على أحد المجالس الدينية في الضفة الغربية، تحذيراً حديثاً لأنصاره يطالبهم فيه بتجنب اللجوء إلى العنف، مبرراً ذلك بأن المنتقدين يستغلون هذه الممارسات كذريعة لتشويه سمعة الحركة الاستيطانية والإضرار بها داخل إسرائيل، وفي الولايات المتحدة، وعلى مستوى العالم بأسره.
تتكشف فصول هجمات المستوطنين بالتزامن مع تصعيد الجيش الإسرائيلي لعملياته وتصرفه بعدوانية مفرطة في جميع أنحاء الضفة الغربية. فمنذ هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول التي وقعت قبل قرابة ثلاث سنوات، قُتل أكثر من ألف ومئة فلسطيني في تلك الأراضي، كان بعضهم من المقاتلين، غير أن الأغلبية الساحقة منهم لقوا حتفهم على أيدي القوات الإسرائيلية.
ووفقاً لبيانات الأمم المتحدة، يعادل هذا الرقم المخيف تقريباً إجمالي عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا في الضفة الغربية خلال الفترة الممتدة من عام 2005 وحتى عام 2022. وفي المقابل، قُتل سبعة وستون إسرائيلياً على يد فلسطينيين في الضفة الغربية منذ عام 2023.
ومع تصاعد وتيرة العنف، واستمرار جرائم القتل والحرق والنهب دون أي رادع أو عقاب، بدأ حتى بعض أولئك الذين دافعوا يوماً ما عن الاحتلال يدقون ناقوس الخطر. وفي هذا الإطار، صرح غال ليفرتوف، الرئيس السابق للقسم الدولي في وزارة العدل والذي مثل إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، قائلاً إنه لو اضطر لذلك، لكان بإمكانه تقديم دفاع قانوني يبرر ما فعله الجيش الإسرائيلي في غزة. واستدرك ليفرتوف متسائلاً بمرارة عن حقيقة ما يحدث اليوم في الضفة الغربية، ليجيب بعبارة قاطعة تؤكد أن ما يجري هناك هو أمر لا يمكن الدفاع عنه بأي حال من الأحوال.
الجولة
قدم الجنرالات الإسرائيليون المتقاعدون إلى الضفة الغربية في رحلة نظمها يعقوب أور، وهو جنرال متقاعد أمضى جزءاً كبيراً من مسيرته المهنية في الخدمة بالضفة الغربية. وقد شعر أور بغضب عارم إزاء تصاعد عنف المستوطنين وما يعتبره تورطاً واضحاً من قبل الدولة في هذه الجرائم، مما دفعه ليأخذ على عاتقه مهمة جلب أكبر عدد ممكن من الشخصيات الإسرائيلية البارزة إلى الضفة الغربية ليعاينوا الحقائق بأنفسهم.
وغالباً ما يستهل أور جولاته بتوجيه تحذير صريح للمشاركين؛ حيث أخبر مجموعة زارت المنطقة في شهر يونيو/حزيران الماضي بأنه عندما يأخذهم لرؤية ما يجري على أرض الواقع في الضفة الغربية، سيجدون أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما: فإما أن يختاروا البقاء صامتين ويصبحوا شركاء متواطئين في الجريمة، أو أن يرفعوا أصواتهم عالياً ويخبروا كل من يعرفونهم بحقيقة ما يحدث. وعقب هذا التحذير، يوجه أور دعوة مفتوحة لكل من يفضل ألا يوضع في هذا الموقف الحرج للانسحاب والمغادرة.


بدأ يعقوب أور (79 عاماً) مسيرته العسكرية مقاتلاً في صفوف إسرائيل إبان الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967، وهي الحرب التي انتهت باحتلال إسرائيل للضفة الغربية. وتدرج في المناصب العسكرية حتى أشرف على الشؤون المدنية والأمنية في تلك الأراضي، قبل أن يتقاعد من عمله في مكتب مراقب الدولة، حيث كان مسؤولاً عن التحقيق في تجاوزات المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية.
ومنذ أن بدأ أور في تنظيم هذه الجولات الميدانية قبل ما يزيد قليلاً عن عام، انضم إليه أكثر من 250 مشاركاً، من بينهم قيادات عسكرية سابقة، ومسؤولو استخبارات رفيعو المستوى، ومحامون بارزون، واقتصاديون، ودبلوماسيون.
وفي شهر يونيو/حزيران الماضي، رافقت صحيفة نيويورك تايمز يعقوب أور في إحدى جولاته، حيث قاد مجموعة من المسؤولين السابقين، ضمت جنرالات، ووزيراً في الحكومة، ومساعداً عسكرياً لأربعة رؤساء وزراء، ومسؤولاً استخباراتياً، ومدعياً عاماً، وسفيراً، في مسار مرّ عبر قرى فلسطينية عدة في قلب الضفة الغربية. وعلى طول الطريق، كانت الأعلام الإسرائيلية ترفرف على جانبي الطرق السريعة، مزروعة بمسافات متساوية وتمتد لكيلومتر تلو الآخر.
وخلال الجولة، لفت أور انتباه الزائرين إلى أميال من الأسوار الجديدة التي شيدها المستوطنون لتطويق القرويين الفلسطينيين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم. كما حثهم على ملاحظة الانتشار الكثيف للبؤر الاستيطانية، وهي عبارة عن مخيمات حدودية مؤقتة نُصبت على قمم التلال في جميع أنحاء المنطقة. وأوضح أور أن هذا المشهد يكشف بوضوح عن المفهوم الاستراتيجي الشامل المتمثل في كيفية توسيع مناطق السيطرة، وتضييق الخناق في المقابل على الأماكن التي يمكن للمجتمعات الفلسطينية العيش فيها.
يريدون الاستيلاء على منزلي
في قرية بورين، اصطحب المزارع الفلسطيني بشار عيد زواره الإسرائيليين إلى سطح منزله، متكئاً على عكازه وهو يعرج خلفهم؛ نتيجة لهجوم شنه مستوطنون تركه يعاني من إعاقة دائمة، على حد قوله. وهناك، سرد لهم تفاصيل الهجمات المستمرة التي تنطلق من البؤر الاستيطانية المرئية بوضوح من سطح منزله، والمتمركزة على طول سفوح التلال المحيطة بالقرية. وأكد أن المستوطنين يقتحمون القرية يومياً، حتى في أيام السبت (يوم الراحة اليهودي).
وروى عيد أنه في إحدى الصباحات الأخيرة، لمح صبياً صغيراً من المستوطنين يتجول في أرضه. وعندما سأله عما يفعله هناك، أمره الصبي بأن يخرس وإلا كسروا ساقه الأخرى. وعلق عيد على ذلك المشهد وهو يهز رأسه أسفاً قائلاً إن طفلاً صغيراً هو من تفوه بتلك العبارات.


وأضاف عيد أنه لم يعد قادراً على زراعة أرضه أو العناية بها، لأن المستوطنين يهاجمونه في كل مرة يحاول فيها ذلك. واختُزلت أيامه في الجلوس على سطح منزله لمراقبة توغلات المستوطنين المتكررة. وقال بأسى ويأس: لا أعرف ماذا أفعل.. إنهم يريدون الاستيلاء على منزلي.
وبينما كانت حرارة الشمس تلفح الوجوه ورائحة كريم واقي الشمس تعبق في الأجواء، أخذ المشاركون يدونون ملاحظاتهم. حينها، رفع رئيس نيابة عامة سابق يده متسائلاً باستنكار عن سبب تقاعس القوات الإسرائيلية عن أداء واجبها في حماية هؤلاء المدنيين، واصفاً الأمر بالعبثي. ثم أضاف متسائلاً بشيء من الإحراج: لماذا لا يدافع الفلسطينيون عن أنفسهم؟. فأجاب عيد بصوت متهدج: أخشى إن دافعت عن نفسي، أن يصبح الوضع أسوأ بكثير بالنسبة لنا.
وقد أيده يعقوب أور في ذلك، موضحاً أن أي رد فعل عنيف من قبل الفلسطينيين سيستجلب رداً انتقامياً أشد قسوة ووحشية، ومن المرجح أن يتدخل الجيش الإسرائيلي فيه. وأضاف أور أن أي محاولة للرد على المستوطنين ستُصنف كعمل إرهابي، مما سيؤدي إلى حملات قمع أوسع وأكثر دموية.
في تلك الأثناء، كان رافائيل شوتز، السفير الإسرائيلي السابق لدى إسبانيا والنرويج والكرسي الرسولي (الفاتيكان)، يمسح العرق عن جبينه وهو يحاول استيعاب وهضم ما سمعه للتو. وقال إنه تذكر والدته التي فرت من ألمانيا النازية وهي في التاسعة من عمرها برفقة والديها وإخوتها. وأضاف شوتز، البالغ من العمر 68 عاماً، أن والدته تشعر بالعار والأسى اليوم عندما تشاهد مقاطع فيديو لمستوطنين يضرمون النار في السيارات ويطلقون الرصاص على مزارعين أبرياء، مؤكداً أنه بالنسبة لها، من غير المعقول أو المتخيل أن يتصرف اليهود بهذه الطريقة الوحشية. وختم حديثه قائلاً: أنا سعيد لأنني تركت السلك الدبلوماسي.. سيكون من المستحيل عليّ تبرير هذا الأمر للعالم.
مجتمع أُمحي من الوجود
يمتد غور الأردن من الشمال إلى الجنوب على طول ضفاف نهر الأردن، مشكلاً سهلاً خصباً يرسم الحدود الشرقية للضفة الغربية المحتلة. وفي السنوات القليلة الماضية، أدى عنف المستوطنين الممنهج إلى تهجير عدة مجتمعات فلسطينية من المنطقة، معظمها من التجمعات البدوية مثل تجمع حمامات المالح.
وقبل بضعة أشهر فقط، وخلال زيارة منفصلة قامت بها صحيفة تايمز للتجمع، كانت بعض العائلات لا تزال متمسكة بالبقاء. ورغم أن المداهمات الليلية العنيفة كانت قد أجبرت الغالبية العظمى على الفرار، إلا أنه خلال زيارتنا في شهر فبراير/شباط الماضي، التقينا بعائلتين فلسطينيتين تحتميان داخل مبنى حجري يعود للعهد العثماني، وتتكدسان معاً على فرش ممددة على الأرضية العارية.
وفي ذلك الحين، قال محمد خليل (37 عاماً)، الذي وُلد في هذا التجمع كما وُلد والده من قبله، إنهم لا ينامون ولو لساعة واحدة متواصلة، مبرراً ذلك بأنه إذا باغتهم المستوطنون وهم نيام فلن يُكتب لهم النجاة. وفي ذلك الوقت، كانت هناك مدرسة بُنيت بأموال المتبرعين والمانحين تقف خاوية على عروشها، بعد أن فر آخر طلابها قبل بضعة أيام فقط. وبحلول شهر مارس/آذار الماضي، وبعد سلسلة من الغارات الليلية وحوادث السرقة والاعتداءات التي نفذها المستوطنون، استسلم خليل ومن تبقى من الصامدين للأمر الواقع وغادروا التجمع هم أيضاً.


كتب ولوازم مدرسية ومواد أخرى تتناثر على أرضية المبنى القديم، الذي فر منه الطلاب الفلسطينيون هرباً من الهجمات المتصاعدة التي يشنها المستوطنون الإسرائيليون.
ولم يمضِ وقت طويل بعد رحيلهم، بحسب ما أكده السكان والنشطاء، حتى اقتحم المستوطنون الموقع بجرافة وسووا المدرسة بالأرض تماماً. وقد تداول المستوطنون فيما بينهم مقطع فيديو يوثق احتفالهم بعيد الفصح اليهودي وسط أطلال المدرسة المدمرة. وبحلول الوقت الذي وصل فيه الجنرالات الإسرائيليون المتقاعدون والشخصيات البارزة الأخرى أواخر شهر يونيو/حزيران الماضي، كان السكان الفلسطينيون قد غادروا منذ زمن. وكان يعقوب أور يسعى من خلال هذه الزيارة إلى إطلاعهم على صورة حية لما يبدو عليه المجتمع عندما يُبلى ويُمحى من الوجود.
مرت المجموعة بجوار هيكل المدرسة المدمر، حيث كانت خيوط حديد التسليح تبرز من بين الأنقاض كشعر أشعث غير مهندم. وتمددت لفة من العشب الصناعي في ثنايا قذرة، بينما كشف حائط خرساني محطم عن بقايا جدارية فنية ممزقة. وداخل المبنى العثماني القديم، كان هناك مكتب مقلوب رأساً على عقب، ومكاتب دراسية مبعثرة في فوضى عارمة، وباب اقتُلع من مفصلاته وملقى على الأرض.
وفي شهادته على الأحداث، قال إيلي أفيدور، وهو ناشط يساهم في تنظيم مجموعات من المتطوعين الإسرائيليين لحماية الفلسطينيين من هجمات المستوطنين، إنه تواجد في القرية بعد فترة وجيزة من تدمير المدرسة، وقام بتصوير مقطع فيديو نشره لاحقاً يُظهر نساءً وأطفالاً من المستوطنين وهم ينهبون الدفاتر والأقلام من المكتب الإداري. ولم يتبقَ في المكان سوى أكوام من المخلفات الأكاديمية، وخزائن محطمة، وشظايا زجاج متناثرة، وأوراق مبعثرة في كل زاوية.
وفي تعليق غاضب على هذا المشهد التخريبي، قال نحيميا داغان (86 عاماً)، وهو جنرال متقاعد في القوات الجوية ساهم في بناء قدرات أسطول المروحيات الإسرائيلية وشغل أيضاً منصب كبير مسؤولي التعليم في الجيش الإسرائيلي، إنه عندما يتم حرق الكتب، وتدمير مصادر المعرفة، والاعتداء على الأطفال، فإن الفاعلين بذلك يتشبهون بالألمان (في إشارة للنازيين). وأضاف وهو يرتجف من شدة الغضب: لقد فقدنا بوصلتنا، وخسرنا هذه المعركة. ثم استطرد داعياً إلى ضرورة الانفصال (في إشارة إلى حل الدولتين الذي من شأنه إقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل)، مؤكداً أن هذا الانفصال ليس من أجل الفلسطينيين، بل من أجلنا نحن.
الوضع أشبه بالسجن
في المحطة الأخيرة من الجولة، وفي وادٍ قاحل شمال غور الأردن، وقف مزارع فلسطيني شاب أمام صفوف الزوار الإسرائيليين وأشار بيده. فخلفه، نُحتت بؤرة استيطانية في سفح تل مجاور، ورفرف العلم الإسرائيلي فوقها. وأمامه، وعلى بُعد مئات الأقدام فقط، امتد صف طويل من الأعلام الإسرائيلية المغروزة واحدة تلو الأخرى، وكأنها ترسم مساراً لموكب استعراضي. وبالقرب من المكان، كان المستوطنون قد أقاموا سياجاً حول مزرعته ليحولوها إلى ما يشبه الحظيرة المغلقة. وقال المزارع بحسرة: قبل ستة أشهر فقط، كانت هذه أرضنا.. أما الآن، فالوضع أشبه بالسجن.


وأضاف المزارع الشاب أنه حتى شهر يناير/كانون الثاني الماضي، كانت الحياة في قريته تسير بشكل طبيعي نسبياً حيث كانوا يزرعون أرضهم، ويرعون أغنامهم، ويغدون ويروحون بحرية تامة. لكن كل ذلك انتهى فجأة وبشكل دراماتيكي مع وصول طلائع المستوطنين الأوائل الذين تمركزوا على سفح التل. واليوم، لم يعد المزارع وعائلته قادرين على استغلال أرضهم الزراعية أو جني محاصيلهم.
وأخبر الزوار المحتشدين أنه مُنع تماماً من الوصول إلى أرضه، وفي كل مرة يحاول فيها ذلك، يسارع المستوطنون للاتصال بالشرطة الإسرائيلية. وأشار إلى أنه تعرض للاعتقال أربع مرات بالفعل، رغم أنه كان يُطلق سراحه في كل مرة لعدم وجود تهمة حقيقية.
والمفارقة أنه كلما اتصل هو بالشرطة للإبلاغ عن تعرضه لمضايقات أو أعمال تخريب طالت خزانات المياه الخاصة به، لا يجد أي مجيب. وفي المقابل، صرحت الشرطة الوطنية الإسرائيلية بأنها تحقق في كل شكوى أو حادث ينطوي على نشاط إجرامي مشتبه به بحيادية تامة.
أما المزارع الفلسطيني، فقد أوضح أنه اتخذ قراراً مؤلماً ببيع أغنامه بدلاً من فقدانها لصالح المستوطنين أو تركها تموت جوعاً، نظراً لعدم قدرته على الخروج بها للرعي. ووجه حديثه للجنرالات الإسرائيليين قائلاً: ينبغي عليهم أن يروا هذا الواقع المرير، وألا يقبلوه أبداً.
تجدر الإشارة إلى أن العديد من الرجال المحتشدين في هذه الجولة قد أدوا بأنفسهم أدواراً في أعمال عنف طالت الفلسطينيين إبان فترات خدمتهم؛ حيث أصدروا أوامر بشن هجمات واستهداف مواقع، وهم يدركون تماماً أن أطفالاً قد يُقتلون في بعض تلك الحالات، مبررين ذلك باعتقادهم الراسخ بأن أفعالهم كانت ضرورية لضمان أمن إسرائيل.


غير أن العديد من هؤلاء الجنرالات المتقاعدين أكدوا بصوت واحد أن هجمات المستوطنين في الضفة الغربية لا تجعل إسرائيل أكثر أمناً بأي حال من الأحوال. بل جادلوا بأن هذا العنف والترهيب الممنهج يأتي بنتائج عكسية تماماً. وفي هذا السياق، أوضح أغمون، الجنرال المتقاعد في القوات الجوية، أنه عندما يتم تدمير وتشويه صورة إسرائيل ومكانتها الدبلوماسية، ونسف القيم الأساسية التي تربط الجيش ببعضه البعض، فإن النتيجة هي الخسارة المطلقة ولا شيء غيرها.
واختتم أغمون (78 عاماً)، الذي قُتل حفيده الجندي الإسرائيلي في لبنان العام الماضي، حديثه بنبرة يملؤها الأسى والغضب قائلاً: لقد اكتسبت الحق في التحدث.. فقد دفعت أنا وعائلتي الثمن الأغلى والأبهظ من أجل هذا البلد.. وأنا اليوم أشعر بالعار والخزي الشديدين إزاء ما يفعله أبناء شعبنا هنا.
المصدر: نيويورك تايمز