لأكثر من عام ونصف، عاشت أسرة أحمد، الطالب بجامعة الزقازيق، في فراغ ثقيل لا تعرف فيه إن كان ابنها بخير، ولا أين يقبع، ولا حتى الجهة التي تحتجزه، بدأت الحكاية في إحدى ليالي صيف عام 2022، حين فوجئت الأسرة داخل منزلها بإحدى قرى محافظة الشرقية بقوة تضم خمسة أفراد ملثمين ومدججين بالسلاح، اقتادوا ابنهم الجامعي، الذي لم يكن قد أتم عامه العشرين بعد، ثم غادروا من دون أن يتركوا لأي أحد من الحاضرين تفسيرًا واضحًا لما جرى أو معلومة تقودها إليه.
في الساعات الأولى، ظن شقيق أحمد الأكبر أن ثمة خطأ ما في الأمر، فبحسب الأسرة، لم يكن الطالب منخرطًا في أي نشاط سياسي أو تنظيمي، ولم تكن لديه سوابق جنائية تفسر طريقة القبض عليه، وفي صباح اليوم التالي توجه شقيقه إلى قسم الشرطة المختص، لكنه عاد بإجابة فتحت بابًا أوسع للخوف، لا أحد يعرف شيئًا عن أحمد، وليس محتجزًا لديهم، والقوة التي اقتادته، بحسب ما قيل للأسرة، لا تتبع القسم.
منذ تلك اللحظة بدأت رحلة بحث شاقة امتدت بين أقسام الشرطة ومراكزها في محافظة الشرقية، وصولًا إلى مديرية الأمن العام في الزقازيق، ومنها إلى جهاز الأمن الوطني هناك، وسيل جارف من برقيات الإغاثة والمناشدة المرسلة لوزير الداخلية ورئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، وفي كل مرة تقريبًا كانت الأسرة تصطدم بالإجابة ذاتها، لا نعرف شيئًا عن ابنكم، وليس لدينا ما يفيد بوجوده لدينا،
أكثر من 20 ألف مصري وقعوا ضحايا للإخفاء القسري في مصر خلال السنوات الـ13 الماضية؛ مأساةٌ مستمرة لآلاف العائلات التي تنتظر الحقيقة والعدالة. pic.twitter.com/KPjd0Bq463
— نون بوست (@NoonPost) August 30, 2026
في هذا التقرير، نحاول تفكيك استراتيجية الإنكار باعتبارها أحد الملامح الرئيسية للخطاب الرسمي المصري إزاء الاختفاء القسري: كيف يُبنى هذا الإنكار؟ وما المرتكزات القانونية والسياسية والأمنية التي يستند إليها؟ ولماذا تتمسك الدولة بنفي وجود الظاهرة حتى في مواجهة تراكم الشهادات والتقارير الحقوقية التي توثق وقائعها؟
ومن تفكيك خطاب السلطة ننتقل إلى الوجه الأكثر قسوة وإنسانية في القضية: معاناة الأسر التي لا تبدأ مطالبها بالمطالبة بحرية أبنائها، بقدر ما تبدأ بسؤال أكثر بداهة وبساطة: أين هم؟ من احتجزهم؟ ولماذا جرى احتجازهم؟ وأين يوجدون الآن؟ وهل ما زالوا على قيد الحياة؟
عدم التسجيل الرسمي.. ضلع الإنكار الأول
يقوم الخطاب الرسمي المصري في تعاطيه مع وقائع الاختفاء القسري على مقاربة ثابتة ترتكز بصورة أساسية على النفي والتشكيك في وقوع حالات احتجاز خارج الأطر القانونية، فمنذ عام 2013، تبنت السلطات المصرية موقفًا يؤكد عدم وجود حالات اختفاء قسري بالمعنى الذي تطرحه المنظمات الحقوقية، وأن من يثبت احتجازه يكون موجودًا داخل منظومة قانونية معلنة وتحت إشراف الجهات القضائية المختصة.
استمر هذا الموقف رغم تراكم التقارير الحقوقية الدولية والمحلية التي تحدثت عن حالات اختفاء لم تكشف الجهات الرسمية، وفق هذه التقارير، عن مصير أصحابها أو أماكن وجودهم، ويستند الخطاب الحكومي في تفسيره لهذه الوقائع إلى ثلاثة مرتكزات رئيسية تشكل جوهر الرواية الرسمية.
يتمثل المرتكز الأول في الاستناد إلى السجلات الرسمية باعتبارها المرجع الأساسي لإثبات وجود أي حالة احتجاز، فوفق الرؤية الحكومية، فإن عدم ورود اسم الشخص في سجلات أقسام الشرطة أو السجون أو أماكن الاحتجاز المعترف بها قانونًا يعني عدم وجود واقعة احتجاز يمكن نسبتها إلى مؤسسات الدولة.
ظهر هذا الموقف في عدد من الردود الرسمية المقدمة إلى المؤسسات الدولية؛ ففي الوثيقة التي قدمتها مصر أمام لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عام 2022، أكدت الحكومة أنه “لا يتم احتجاز أي شخص” داخل مراكز الإصلاح والتأهيل دون أمر أو حكم قضائي، وأن دخول أي شخص إلى هذه المنشآت لا يتم إلا بناءً على قرار صادر من جهة مختصة. كما أوضحت أن أماكن الاحتجاز جميعها منشأة وفق قرارات قانونية ومعلنة للجهات الرقابية والجمهور.
وتكرر الموقف ذاته في رد الحكومة المصرية أمام لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة عام 2023، حيث أشارت إلى أن مراكز الاحتجاز الرسمية تحتفظ بسجلات للنزلاء والزيارات والملفات القضائية، وأن النيابة العامة تشرف على هذه السجلات وتقوم بالتفتيش عليها، مؤكدة عدم وجود أماكن احتجاز خارج الإطار القانوني.
غير أن هذه الحجة تنطوي على مفارقة جوهرية؛ فجوهر شكوى الاختفاء القسري يقوم أساسًا على الادعاء بأن الشخص محتجز خارج الإطار الرسمي، من دون تسجيل أو إفصاح عن مكان وجوده، فلو كان المحتجز مسجلًا بصورة طبيعية ومعلوم المكان، لفقدت شكوى الاختفاء معناها من الأساس، وبالتالي، فإن غياب الاسم من السجلات لا يحسم السؤال، بل هو تحديدًا أحد العناصر التي تسعى الأسرة إلى تفسيرها: أين يوجد الشخص إذا لم يكن مسجلًا؟ ومن يحتجزه؟ وكيف يمكن نقله من دائرة الغياب غير المعلن إلى وضع قانوني معلوم تستطيع أسرته ومحاموه متابعته؟
الطعن في مصادر الادعاءات.. نقل النقاش من الواقعة إلى أصحابها
أما المرتكز الثاني فيقوم على إعادة توجيه النقاش من مضمون الشكوى المتعلقة بمصير الشخص المختفي إلى طبيعة الجهات أو الأفراد الذين يطرحونها، إذ لا تقتصر الاستجابة الرسمية في كثير من الحالات على نفي واقعة الاحتجاز، بل تمتد إلى التشكيك في خلفيات مقدمي البلاغات أو الجهات الحقوقية التي تتبنى هذه الملفات.
وفي هذا السياق، تُقدَّم بعض شكاوى الاختفاء القسري في الخطاب الرسمي باعتبارها جزءًا من حملات تستهدف صورة الدولة في الخارج، أو باعتبارها مرتبطة بجهات سياسية معارضة، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين أو تيارات أخرى تصنفها السلطات باعتبارها خصومًا أو تهديدات أمنية، وبذلك ينتقل مركز النقاش من السؤال الأساسي من: أين يوجد الشخص؟ وما مصيره؟ إلى أسئلة أخرى تتعلق بهوية الأسرة، وخلفياتها السياسية، أو طبيعة الجهة التي أثارت القضية.
ويؤدي هذا التحول إلى إعادة تعريف بعض البلاغات باعتبارها ذات دوافع سياسية أو “كيدية”، وفق الرواية الرسمية، قبل الدخول في تفاصيل الوقائع محل الشكوى، وفي المقابل، ترى الجهات الحقوقية أن التركيز على هوية مقدمي الادعاءات أو انتماءاتهم السياسية قد يؤدي إلى إزاحة النقاش عن جوهر القضية، والمتمثل في ضرورة الكشف عن مصير الأشخاص الذين أُبلغ عن اختفائهم والتحقق من ملابسات اختفائهم.
تظهر هذه المقاربة بوضوح في عدد من الردود الرسمية المصرية، ففي تعليق وزارة الداخلية على تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان بشأن حالات الاختفاء القسري خلال عامي 2015 و2016، أوضحت الوزارة أنها لا تملك معلومات عن بعض الحالات التي أُبلغ عنها، مؤكدة أنها لم تقم بالقبض على أصحابها، وطرحت في بعض الحالات احتمالات أخرى، من بينها السفر إلى مناطق تشهد صراعات أو الارتباط بتنظيمات مسلحة، وفق روايتها.
كما تناولت الحكومة المصرية هذا الجانب في الوثيقة المقدمة إلى لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عام 2022، حيث أشارت إلى أن جماعة الإخوان، وفق الرواية الرسمية، تقوم بإرسال بعض العناصر إلى جماعات مسلحة خارج البلاد ثم استخدام بلاغات الاختفاء القسري كأداة للضغط السياسي على الدولة، وأضافت أن التحقيقات، بحسب ما ورد في ردها، كشفت في بعض الحالات عن وجود أشخاص أُبلغ عن اختفائهم ضمن صفوف تنظيم داعش.
وتبنت الهيئة العامة للاستعلامات الموقف ذاته في ردودها على تقارير صادرة عن مؤسسات إعلامية وحقوقية دولية؛ إذ شككت في منهجية بعض التقارير ومصادر معلوماتها، كالتقرير الصادر عن هيئة “بي بي سي” واعترضت على الاعتماد على شهادات لم تكشف هويات أصحابها، كما ربطت بعض الجهات الحقوقية التي وثقت حالات اختفاء بصلات سياسية مع جماعة الإخوان المسلمين، وفي ردها على تقرير لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”، اتهمت الهيئة التقرير بالانحياز السياسي، وانتقدت ما اعتبرته اعتمادًا على مصادر ذات توجهات معارضة.
مطالبة الأسر بتقديم الأدلة.. معضلة التعجيز
أما المرتكز الثالث، وهو الأكثر تعقيدًا في بنية الخطاب الرسمي، فيرتبط بمسألة عبء الإثبات؛ إذ تجد أسر الأشخاص الذين تقول إنهم تعرضوا للاختفاء القسري نفسها أمام مطالبة بتقديم أدلة تفصيلية على واقعة يفترض أن جوهرها الأساسي هو غياب المعلومات الرسمية عنها.
فبدل أن ينصبّ التركيز فقط على الكشف عن مصير الشخص الذي تقول أسرته إنه اقتيد بواسطة جهة أمنية، يصبح على الأسرة في كثير من الحالات إثبات عناصر متعددة، من بينها هوية الجهة التي قامت بالقبض، وطبيعة القوة التابعة لها، والمسار الذي اتخذه الشخص عقب توقيفه، ومكان احتجازه المحتمل، فضلًا عن تقديم ما يثبت دخوله إلى أحد مقار الاحتجاز أو تحديد مواقع يمكن من خلالها مراجعة سجلات الدخول والخروج أو تسجيلات كاميرات المراقبة.
وتكمن الإشكالية هنا في طبيعة هذه الأدلة نفسها؛ إذ إن جزءًا كبيرًا منها يتعلق بمعلومات وسجلات تقع بطبيعتها ضمن نطاق عمل مؤسسات الدولة، مثل سجلات الاحتجاز، وحركة القوات، وبيانات المنشآت الأمنية، وكاميرات المراقبة، ودفاتر الدخول والخروج، وهو ما يخلق فجوة عملية بين قدرة الأسرة على تقديم البلاغ وبين قدرتها على إثبات جميع عناصره، خاصة في الحالات التي تفترض فيها الشكوى أن الاحتجاز تم خارج الإجراءات والسجلات الرسمية.
ومن ثم، يصبح عبء الإثبات في بعض هذه القضايا داخل دائرة معقدة؛ فالجهات الرسمية تستند إلى غياب التسجيل باعتباره دليلًا على عدم وقوع الاحتجاز، بينما ترى الأسر والجهات الحقوقية أن عدم وجود التسجيل هو تحديدًا أحد عناصر الشكوى التي تستوجب التحقيق والكشف، وفي هذه الحالة، يتحول طلب الدليل من وسيلة للتحقق من الواقعة إلى عقبة إجرائية، إذ يصبح المطلوب تقديم مستندات رسمية لإثبات واقعة يُفترض أنها حدثت خارج الإطار الرسمي.
ويظهر هذا الجانب في الردود الرسمية المصرية؛ ففي رد النيابة العامة على أسئلة آلية المراجعة الدورية الشاملة عام 2019، أكدت النيابة، وفق روايتها، أن التحقيقات أثبتت عدم صحة غالبية ادعاءات الاختفاء القسري، وأن بعض حالات التغيب ارتبطت بالسفر غير الشرعي أو الالتحاق بجماعات مسلحة أو أسباب اجتماعية، كما نفت وجود أماكن احتجاز سرية.
وفي الوقت نفسه، أوضحت النيابة العامة استعدادها لفحص أي بلاغ يتعلق بالاختفاء القسري “إذا قُدمت دلائل كافية على وقوعها”، غير أن هذا الشرط يثير تساؤلًا جوهريًا لدى أسر المختفين والجهات الحقوقية: كيف يمكن تقديم أدلة تفصيلية على واقعة يكون الوصول إلى عناصرها الأساسية ــ مثل مكان الاحتجاز أو الجهة المسؤولة عنه ــ خارج نطاق قدرة أصحاب البلاغ أنفسهم، وتقع في جانب كبير منها ضمن نطاق المعلومات التي تملكها مؤسسات الدولة؟
وهنا تبرز إحدى أكثر نقاط الخلاف تعقيدًا في هذا الملف؛ فبينما ترى السلطات أن التحقيق لا يمكن أن يبدأ دون مؤشرات وأدلة تثبت وقوع الجريمة، ترى الجهات الحقوقية أن طبيعة الاختفاء القسري تجعل الكشف عن الحقيقة مسؤولية لا يمكن أن تقع على عاتق الأسرة وحدها، لأن جزءًا أساسيًا من الأدلة المرتبطة بالواقعة لا يكون متاحًا إلا للجهات التي تملك سلطة الاحتجاز أو الرقابة على أماكنه.
كلفة الاعتراف
رغم ما تكشفه شهادات الضحايا والوثائق والتسجيلات المصورة من وقائع متكررة، فإن التراجع عن الخطاب الرسمي القائم على الإنكار لن يكون خطوة بسيطة، بل تحولًا جذريًا يهدم رواية ظلت الدولة تتمسك بها طوال السنوات الماضية، وتؤكد من خلالها أن مثل هذه الجرائم لا تقع من الأساس.
فالاعتراف هنا لا يتعلق بمجرد إصدار بيان أو الإقرار بخطأ إداري يمكن احتواؤه، وإنما قد يفتح الباب أمام سلسلة واسعة من التساؤلات القانونية والسياسية: من أصدر الأوامر؟ ومن نفذها؟ وأين جرى احتجاز المختفين خلال فترات غيابهم عن الرقابة القانونية؟ وما طبيعة أماكن الاحتجاز غير المعلنة؟ فضلًا عما قد يترتب على ذلك من إعادة النظر في محاضر الضبط والإجراءات القانونية المرتبطة بتلك القضايا، وصولًا إلى احتمالات مساءلة مسؤولين وقيادات أمنية وربما سياسية.
كما أن أي اعتراف رسمي من هذا النوع سيمثل ضربة مباشرة للخطاب الأمني والسياسي الذي استقر منذ عام 2013 على نفي وجود الاختفاء القسري، والتأكيد أن جميع إجراءات القبض والاحتجاز تتم وفق القانون واللوائح، ومن ثم، فإن التراجع عن هذا الخطاب قد يضع الرواية الرسمية نفسها تحت ضغط شديد، ويهز جانبًا من المصداقية التي بنت عليها السلطة دفاعها عن سياساتها الأمنية طوال السنوات الماضية.
بين أمل العودة ومرارة الغياب، وفي اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري، تترقب آلاف العائلات خبرًا يُنهي سنوات من الانتظار القاسي. pic.twitter.com/JStHlV4HWV
— نون بوست (@NoonPost) August 30, 2026
ولا تقف التداعيات عند الداخل فقط؛ إذ إن الاعتراف بوقوع جرائم اختفاء قسري قد تكون له انعكاسات واسعة على صورة مصر أمام المنظمات الحقوقية الدولية والمؤسسات الأممية، وقد يفتح الباب أمام ضغوط قانونية وسياسية أكبر، ويعيد طرح ملفات حقوق الإنسان بصورة أكثر حدة في المحافل الدولية، بما قد يحمّل السلطة القائمة كلفة دبلوماسية وقانونية ممتدة، وربما اقتصادية وسياسية لاحقًا.
لهذا كله، استقرت الجهات الرسمية على أن كلفة الاعتراف أعلى بكثير من كلفة الاستمرار في الإنكار، مهما تصاعدت الشهادات أو التقارير أو الضغوط الحقوقية، ومن هذه الزاوية، لم يعد النفي مجرد رد فعل دفاعي، بل تحول إلى استراتيجية سياسية وأمنية متكاملة هدفها حماية الرواية الرسمية وتجنب ما قد يترتب على الاعتراف من مسؤوليات قانونية وسياسية يصعب احتواؤها.
معاناة مستمرة
أكثر من خمسمائة يوم عاشتها أسرة طالب جامعة الزقازيق وهي تبحث عن أثر له، قبل أن يظهر بعد نحو عام ونصف أمام نيابة أمن الدولة، يقول شقيقه إن تلك الفترة استنزفت الأسرة نفسيًا وماديًا إلى حد يفوق قدرتها على الاحتمال، حتى إن شقيقته الكبرى دخلت في أزمة نفسية حادة بفعل الانتظار الطويل والقلق الذي لم ينقطع.
ويحكي شقيق أحمد لـ”نون بوست” أن الأسرة كانت، كل أسبوع أو أسبوعين، تبدأ جولة جديدة بين أقسام الشرطة ومقار الاحتجاز في المحافظة، بصحبة محامٍ يتقاضى أجره عن كل مشوار يصاحبهم فيه، وفي أحيان كثيرة كانت تصلهم اتصالات تزعم أن أحمد موجود في مكان ما، فيقطعون عشرات الكيلومترات ويستأجرون سيارة للوصول، ثم يصطدمون بالنفي، وأحيانًا كان يطلب منهم بعض أفراد الأمن مقابل للإدلاء بأي معلومات إذا ما توفرت، لتتحول رحلة البحث إلى استنزاف دائم بلا معلومة مؤكدة ولا نتيجة.
ومع الوقت، لم تعد المعاناة تقتصر على القلق وحده؛ فقد استنزفت الرحلات وأتعاب المحامين والمبالغ المدفوعة هنا وهناك مدخرات الأسرة، ويواصل شقيق الطالب الجامعي حديثه بأن بعض رجال الشرطة كانوا يطلبون منهم ببساطة أن “ينسوا الموضوع” وينتظروا في المنزل حتى يصلهم اتصال عند عرضه على النيابة، وكأن الغياب الطويل بات أمرًا اعتياديًا لا يملك أحد تفسيره أو معرفة مكان صاحبه.
وخلال زياراتهم المتكررة لمديرية أمن الشرقية، اكتشفت الأسرة أنها ليست وحدها، فقد التقوا أسرًا أخرى تحمل الصور نفسها والأسئلة نفسها، وتبحث هي الأخرى عن أبنائها أو ذويها، وكان الأكثر قسوة، بحسب شقيق أحمد، سماع قصص عن أشخاص غابوا لثماني أو عشر سنوات من دون أن تعرف أسرهم حتى اليوم أين هم أو ما الذي جرى لهم.
وأمام هذه الدائرة المغلقة، حيث لا معلومة مؤكدة ولا إجابة ولا أمل واضح، وصل اليأس بالعائلة إلى أقسى مراحله، وهنا يصدم الشقيق الأكبر الجميع بقوله إنهم في بعض اللحظات تمنوا لو عرفوا أنه مات، فقط لكي تنتهي حالة الانتظار التي كانت تلتهمهم يومًا بعد يوم؛ عالقين بين أمل أن يصلهم خبر يؤكد أنه ما زال حيًا، وخوف دائم من أن يكون الاتصال التالي هو لاستلام جثمانه.
في المحصلة، يبقى السؤال الإنساني والسياسي حاضرًا بإلحاح: متى تنتهي معاناة لا تعرف نهاية، وتمتد آثارها في حياة الضحايا وذويهم عامًا بعد عام؟ وما الذي يمكن أن يُرضي السلطة حتى تتخلى عن منهجية الملاحقة والإخفاء بحق من تعتبرهم معارضين، حتى وإن لم يكن لبعضهم نشاط سياسي يُذكر؟ وأي منطق يمكن أن يبرر استمرار سياسة بهذه القسوة، بعيدًا حتى عن رسالتها الواضحة في الترهيب وبث الخوف في المجتمع كله؟.
ثم ما القيمة التي يمكن أن تجنيها أي سلطة من تآكل أعمار الضحايا وأسرهم، وهم يلهثون لسنوات خلف معلومة غائبة، أو رقم لا وجود له، أو سجل طُمست معالمه عمدًا؟ وأي استقرار يمكن أن يُبنى فوق هذا القدر من القلق والانتظار، حين يصبح مجرد معرفة مصير إنسان مطلبًا مؤجلًا، وتتحول الحقيقة نفسها إلى حق محروم منه؟