مع سقوط نظام بشار الأسد ودخول سوريا مرحلة جديدة بإدارة الرئيس أحمد الشرع، تقلدت شخصيات ذات خلفيات اقتصادية وسياسية، ورجال أعمال وأصحاب شركات، مناصب ومسؤوليات متعددة في الحكم الجديد، بالتوازي مع حضور روابط اجتماعية وعائلية في عدد من الحالات، ودوائر تشكلت عبر سنوات من العمل العسكري والمدني والإداري.
هذا التداخل لا يفترض بالضرورة وجود فساد أو صفقات غير مشروعة، لكنه يخلق حالة من “شبهة تضارب المصالح”، وهي وضعية إدارية وقانونية تسبق الفساد، وتتحقق فور تقاطع صلاحيات المسؤول في إدارة العقود والتراخيص والموارد العامة مع منافعه أو علاقاته الخاصة، على نحو يمسّ بحياد الوظيفة العامة ومبدأ تكافؤ الفرص في السوق.
وفي مرحلة انتقالية حساسة تعيشها البلاد عقب ستة عقود من منظومة الفساد والمحسوبيات، تُدار عبر إعلان دستوري مؤقت وتعتمد على تشريعات سابقة سارية المفعول بانتظار بيئة قانونية جديدة، تنشأ واحدة من أعقد المساحات الرمادية عند التقاء التكليف الرسمي بشبكات المصالح الاقتصادية والعائلية، ما يطرح التساؤل حول مدى وجود ضوابط قانونية ناظمة لهذه العلاقة بين المنصب الحكومي والنشاط التجاري.
تقاطع المنصب الحكومي مع المصلحة الخاصة
نستعرض الحالات التالية دون افتراض وقوع مخالفات قانونية أو توجيه اتهامات بالفساد، وفي ظل غياب ضوابط ملموسة تفصل الملكية الخاصة عن القرار الحكومي، وغياب آليات تُوجب الإفصاح المالي.
وفق تقرير سابق أعددناه، تمثل حالة “عائلة بدوي” من مدينة بنّش نموذجًا للتداخل بين التكليف الحكومي والنشاط التجاري، إذ يتولى قتيبة بدوي رئاسة الهيئة العامة للمنافذ والجمارك بمرتبة وزير، إلى جانب عضويته في المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية ورئاسته للجنة الوطنية للاستيراد والتصدير، في حين يتولى شقيقه حذيفة قيادة هيئة الإمداد والتموين في وزارة الدفاع برتبة عميد، ويشغل شقيقهم مصعب منصب معاون محافظ دمشق.
وبالتوازي مع هذه المواقع، يتولى الشقيق الرابع مَعد بدوي رئاسة الجمعية السورية للدواجن والإدارة التنفيذية لشركة “Rayan Food”، والتي تتداول تقارير إعلامية أنباءً عن توريدها منتجات للجيش، واتهامات بتوجيه قرارات استيراد وتصدير الدجاج الصادرة عن هيئة المنافذ ولجنة الاستيراد لخدمة مصالحها، دون إمكانية التأكد من صحتها. ورغم غياب الأدلة على وقوع مخالفات أو إساءة لاستخدام السلطة، فإن الجمع بين إدارة المنافذ والتموين العسكري والنشاط التجاري العائلي يخلق بيئة وشكوكًا حول “تضارب المصالح”.
وفي حالة أخرى، برز اسم عبد الرحمن سلامة (أبو إبراهيم)، الذي يتولى منصب محافظ الرقة منذ مطلع عام 2026، بعد تدرجه في عدة مواقع إدارية وقيادية عقب سقوط النظام، بدءًا من مرافقة الشرع، ثم نائبًا لمحافظ حلب، ورئيسًا فخريًا لنادي الاتحاد أهلي حلب.
ويشغل سلامة موقع المدير التنفيذي لشركة “الراقي للإنشاءات”، دون إدراج اسمه ضمن فريق عملها المعلن، وهي شركة مُتّهمة باحتكار مشاريع المقاولات والبنية التحتية في إدلب نتيجة قربها من “هيئة تحرير الشام” وإرساء العقود عليها دون مناقصات منشورة.
وعقب سقوط الأسد، توسعت أعمال شركة “الراقي” لتوقع أكثر من 24 عقدًا إنشائيًا وتجهيزيًا خلال عام 2025 في قطاعات صحية وسكنية وتعليمية امتدت إلى حلب ودمشق واللاذقية، إضافة إلى أعمال صيانة وترميم في ريف السويداء الغربي، عقب اشتباكات وتوترات أمنية شهدتها المدينة.
كما تشرف “الراقي” على تنفيذ مشروع إعادة تأهيل صالة الحمدانية بحلب بتكلفة تبلغ 5 ملايين دولار، وهو مشروع لم تتوفر أي تفاصيل حول كيفية الحصول على عقده أو طرحه لمناقصة علنية، سواء على المنصات الرسمية لمديرية الرياضة والشباب في حلب أو وزارة الرياضة أو الموقع الخاص بالشركة.
وفي تقرير سابق أعددناه عن توظيف الأقارب في سوريا الجديدة، شهدت التعيينات إسناد مناصب مفصلية لشخصيات ذات خلفيات اقتصادية وتجارية وتُدير شركات خاصة، ما يعزز المخاطر المتعلقة بتضارب المصالح، كما في حالة شقيق الرئيس، حازم الشرع، الحاصل على دكتوراه في العلوم الاقتصادية والقانونية.
أُسند إلى حازم منصب نائب رئيس المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، إلى جانب إشرافه المباشر، وفق تقارير صحفية، على إعادة هيكلة القطاع الاقتصادي، والسيطرة على شركات كبرى، وتتبع أصول مالية تتجاوز 1.6 مليار دولار.

كما يظهر النمط ذاته في القطاع المصرفي عبر تعيين عبد الله العلبي رئيسًا لمجلس إدارة المصرف الصناعي السوري ومستشارًا لوزير الاتصالات، وهو شقيق مندوب سوريا في الأمم المتحدة، حيث يجمع بين إدارة المؤسسة المالية الحكومية المعنية بتمويل الصناعة وبين خلفيته كرجل أعمال ومؤسس لشركات خاصة، كشركة “توليب”.
أما شركة “طيبة” للمحروقات، فتوسعت في المحافظات السورية بعد التحرير، بعد أن استحوذت على الحصة الأكبر من مناقصات المحروقات في إدلب، إذ كانت أحد المشاريع التابعة للمؤسسة العامة لإدارة النقد المرتبطة بـ”تحرير الشام”، بينما شغل باسل سويدان، وزير الزراعة الحالي، منصب المدير العام لمؤسسة النقد.
وحصلت “طيبة” على موافقات لاستثمار محطات وقود الإدارة العامة للنفط، وامتياز استثمار عشرات المحطات العسكرية لنظام الأسد المخلوع، دون طرح مناقصات مفتوحة أو مزايدات علنية، وفق تقارير إعلامية.
وتعكس حالة “طيبة” كيف يُمكن لغياب قواعد حظر تضارب المصالح وضوابط المناقصات الشفافة أن يخلق بيئة من الشكوك الإدارية، ويؤثر على حياد الفرص وتكافؤها في السوق الناشئة.
خطوات لمكافحة الفساد
في المقابل، شهدت المرحلة الانتقالية اتخاذ إجراءات وتوجيهات حكومية لملاحقة شبكات النفوذ والكسب غير المشروع، طالت مستويات متقدمة، إذ توقف النشاط التجاري لجمال الشرع، شقيق الرئيس السوري، عقب إغلاق مكتبه التجاري بدمشق في أغسطس/آب 2025 بقرار من الرئيس، مع توجيه الجهات الحكومية بعدم التعامل معه، على خلفية اتهامات باستغلال الصلة العائلية لترتيب اجتماعات مع مسؤولين وتجار لتمرير مصالح خاصة في قطاعات الاستيراد والتصدير والسياحة.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، طلب الرئيس الشرع من المسؤولين الحكوميين عدم الدخول في استثمارات جديدة داخل السوق وعدم مزاحمة المستثمرين، ودعاهم للإفصاح عن الاستثمارات والأموال، وحصر استثمارات المسؤولين عبر شركات مساهمة خاضعة للإشراف، كما منع عقد اللقاءات الرسمية مع المستثمرين في أماكن خاصة، حاصرًا إياها بالمكاتب الرسمية.
وجرى تفعيل أدوات حكومية لمكافحة الكسب غير المشروع، حيث عملت “اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع” على تتبع واسترداد أموال وأصول رجالات الاقتصاد في النظام السابق، في حين أعلنت “الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش” وقرارات وزارية أخرى عن كشف قضايا فساد، وإعفاء وكف يد موظفين بتهم تتعلق بالنزاهة.
هذه الخطوات، رغم أهميتها، تظل معالجة لاحقة للأعراض لا للمرض، إذ يفتقر الهيكل الإداري إلى آليات وقائية تمنع تقاطع المصالح الخاصة مع المنصب العام قبل حدوث التجاوز، كما تتأكد الحاجة لهذه الضوابط الاستباقية مع استمرار احتلال سوريا مراكز متأخرة في مؤشرات النزاهة، إذ حلّت في المرتبة 172 من أصل 182 دولة، وفق مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية في فبراير/شباط 2026.

سبع قواعد وقائية
يشير المتخصص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، المعتصم الكيلاني، إلى وجود قواعد قانونية حالية يمكن البناء عليها، موضحًا الفرق الجوهري بين مكافحة الكسب غير المشروع وبين وجود نظام متكامل لمنع تضارب المصالح، إذ تملك سوريا اليوم أدوات من النوع الأول، لكن الإطار المتعلق بالنوع الثاني ما يزال بحاجة إلى تنظيم أكثر وضوحًا وتفصيلًا.
ويوضح الكيلاني لـ”نون بوست” أن الإعلان الدستوري وضع مبادئ عامة مهمة، إذ ألزمت المادة “42” السلطة التنفيذية بإدارة الموارد العامة بصورة “فعالة وشفافة” وتعزيز الحكم الرشيد، فيما أبقت المادة “51” القوانين النافذة سارية ما لم تُعدّل أو تُلغَ.
ومن أهم هذه التشريعات قانون الكسب غير المشروع رقم “64” لعام 1958، الذي يشمل الموظف العام وأعضاء المجالس التشريعية، ويلزمهم بتقديم إقرار بالذمة المالية للزوج والأولاد القصر، ويعتبر كسبًا غير مشروع المال الناتج عن استغلال الوظيفة أو النفوذ أو المركز، ويطال من يتواطأ مع المسؤول لتحقيق ذلك.
ويشير الخبير القانوني إلى تطور مؤسسي حديث متمثل في “اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع” (أحدثت بالقرار الرئاسي 13 لعام 2025)، والتي يمتد عملها إلى أصحاب المناصب العامة والموظفين والعاملين في الدولة، وتستخدم التحقيق المالي وتقصي الحسابات لمقارنة الملكيات بالمداخيل المشروعة، ويمتد عملها لمراجعة عقود واستثمارات أملاك الدولة في المحافظات لحماية المال العام، وفق تصريحاتها.
لكن الثغرة الأساسية، وفق الكيلاني، تكمن في أن الكسب غير المشروع وتضارب المصالح ليسا الشيء نفسه، فقد يكون المسؤول رجل أعمال يملك شركات ولم يحقق أي “كسب غير مشروع”، ومع ذلك يجد نفسه في موقع يتخذ فيه قرارًا حكوميًا يؤثر مباشرة على قيمة شركته أو القطاع الذي تعمل فيه عائلته، وهنا ينشأ تضارب المصالح قبل وقوع الفساد، لذلك يفترض أن يتدخل القانون قبل وقوع الفساد، لا بعده، وهي مسألة تصبح أكثر أهمية في سوريا الحالية تحديدًا لأن المرحلة الانتقالية تشهد إعادة تنظيم واسعة لأملاك الدولة والعقود والاستثمارات، مع وجود مسؤولين قادمين من خلفيات تجارية واقتصادية.
ويقول الخبير القانوني إن سوريا تحتاج في هذه المرحلة إلى قواعد أكثر تحديدًا ووضوحًا وهي:
- إلزام شاغلي المناصب العليا بالإفصاح عن مصالحهم التجارية والمالية.
- تحديد ما يجوز لهم الاحتفاظ به أثناء تولي المنصب.
- منع مشاركتهم في أي قرار يمس مصالحهم الخاصة.
- إلزامهم بالتنحي عن القرار عند وجود تضارب.
- تنظيم تعاقد الشركات المرتبطة بهم أو بأسرهم مع الدولة.
- إمكانية التفكير في نشر إقرارات المصالح لكبار المسؤولين بالقدر الذي يحقق الشفافية من دون انتهاك غير مبرر للخصوصية.
- إنشاء آلية مستقلة تراقب الالتزام بهذه القواعد.
ويرى الكيلاني أن حظر تضارب المصالح يحمي المسؤول النزيه أولًا، ويصون المنافسة العادلة وثقة السوريين بمنتج دولتهم الجديدة، فقد آن الأوان ألا يقتصر السؤال على “من أين لك هذا؟”، إنما أن نسأل أيضًا قبل اتخاذ القرار “هل لك مصلحة خاصة في هذا؟”.