نون بوست نون بوست

نون بوست

  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
دول الخليج والحرب الإيرانية: موازنة صعبة وثمن باهظ
ناقلة نفط في عرض البحر قبالة ساحل بانياس، سوريا، 14 مايو/أيار 2026 (رويترز)
من البصرة إلى بانياس.. كيف يعيد العراق رسم منافذ طاقته؟
نون بوست
ترسانة الشاه: كيف صنعت أمريكا أزمتها الإيرانية؟
نون بوست
ياسر عباس في “جلباب أبيه”: من إرث الشركات إلى إرث السلطة
نون بوست
“نازا”.. وثائقي يزلزل الانتخابات الإسرائيلية ويكشف حقيقة المجتمع العبري
نون بوست
صديقان رغمًا عنهما.. هل تصل علاقة ترامب ونتنياهو السامة إلى نهايتها؟
نون بوست
بعد تسوية سامر فوز.. إلى أين وصل مسار الأصول المستردة؟
نون بوست
مأزق العدالة في سوريا: السير في حقل ألغام بين الانتقام والاستقرار
نون بوست
القضية الكردية أكبر من “قسد”.. حوار مع عبد الباسط سيدا
نون بوست
محمد أحمد الراشد.. المفكر العراقي الذي مزج الأدب بفقه الدعوة
نون بوست
سوريا على المحك: كيف يعرّض “العلاج بالصدمة” استقرار ما بعد الأسد للخطر؟
دخان يتصاعد من ميناء جبل علي في دبي عقب ضربة إيرانية في مارس/آذار 2026
بعد الحرب.. لماذا تريد دول الخليج مظلة أمنية تضم إيران؟
نون بوست نون بوست
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
دول الخليج والحرب الإيرانية: موازنة صعبة وثمن باهظ
ناقلة نفط في عرض البحر قبالة ساحل بانياس، سوريا، 14 مايو/أيار 2026 (رويترز)
من البصرة إلى بانياس.. كيف يعيد العراق رسم منافذ طاقته؟
نون بوست
ترسانة الشاه: كيف صنعت أمريكا أزمتها الإيرانية؟
نون بوست
ياسر عباس في “جلباب أبيه”: من إرث الشركات إلى إرث السلطة
نون بوست
“نازا”.. وثائقي يزلزل الانتخابات الإسرائيلية ويكشف حقيقة المجتمع العبري
نون بوست
صديقان رغمًا عنهما.. هل تصل علاقة ترامب ونتنياهو السامة إلى نهايتها؟
نون بوست
بعد تسوية سامر فوز.. إلى أين وصل مسار الأصول المستردة؟
نون بوست
مأزق العدالة في سوريا: السير في حقل ألغام بين الانتقام والاستقرار
نون بوست
القضية الكردية أكبر من “قسد”.. حوار مع عبد الباسط سيدا
نون بوست
محمد أحمد الراشد.. المفكر العراقي الذي مزج الأدب بفقه الدعوة
نون بوست
سوريا على المحك: كيف يعرّض “العلاج بالصدمة” استقرار ما بعد الأسد للخطر؟
دخان يتصاعد من ميناء جبل علي في دبي عقب ضربة إيرانية في مارس/آذار 2026
بعد الحرب.. لماذا تريد دول الخليج مظلة أمنية تضم إيران؟
  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
تابعنا

خلف أستار القانون: كيف يحسم “جيش المستوطنين” ضم الضفة على الأرض؟

عاموس بريسون
عاموس بريسون نشر في ٢٨ سبتمبر ,٢٠٢٦
مشاركة
نون بوست

جنود إسرائيليون من كتيبة "نيتسح يهودا" وأفراد من عائلاتهم يحضرون حفل أداء القسم عند حائط البراق (الحائط الغربي) في القدس القديمة، في 10 يوليو/ تموز 2024

ترجمة وتحرير: نون بوست

يقود فصيلٌ يترأسه المستوطنون داخل الجيش عملية تهجير الفلسطينيين بالوكالة عن الدولة. غير أن “صفقة مع الشيطان” هذه كما يوضح عالم الاجتماع العسكري ياغيل ليفي تأتي محملة بأثمان باهظة.

شهد الجيش الإسرائيلي تحولاً بنيوياً وتغيراً عميقاً في هيكليته مع نهاية عام 2022، وهو ما وثقه الباحث والأكاديمي ياغيل ليفي المتخصص في العلاقات المدنية العسكرية بالجامعة المفتوحة في إسرائيل. وفي مقال نشرته مجلة “+972″، كتب ليفي: “عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، فإن الجيش الإسرائيلي ينقسم عملياً إلى جيشين فإلى جانب الجيش الرسمى، نشأت قوة ذات طابع شرطي في الضفة الغربية المحتلة تتشابك روابطها الاجتماعية والأيديولوجية وثيقاً مع حركة الاستيطان واليمين الصهيوني الديني المتطرف.”

وتابع ليفي: “والنتيجة هي انحيازٌ جليّ من الجيش لصالح المستوطنين إذ يغضّ الطرف عن إقامة البؤر الاستيطانية غير الترخيص، ويتجاهل العنف الممارس من قِبل الحراس الاقتصاديين والميليشيات ضد الفلسطينيين، بل ويشارك فيه أحياناً”.

وبعد أربع سنوات، تغيّر المشهد بنحوٍ أعمق إذ تجذر “الجيش الشرطي” الذي أشار إليه ليفي، ليصبح محركاً أساسياً لتقوية عنف المستوطنين وتسريع تهجير الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى مستويات غير مسبوقة. فمنذ مطلع عام 2026، وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أكثر من 1600 اعتداء للمستوطنين استهدفت 275 تجمعاً فلسطينياً، بمعدل قياسي بلغ 6.7 هجوم يومياً، وهو الأعلى منذ بدء تسجيل البيانات. كما أنه منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول، أقام المستوطنون أكثر من 150 بؤرة استيطانية جديدة، وانخرطوا بالتوازي مع قوات الجيش في إجبار ما لا يقل عن 76 تجمعاً فلسطينياً بالكامل على المغادرة.

أثار هذا التصعيد الميداني رقابة وتدقيقاً دوليين واسعي النطاق، تجليا في الإعلان الصادر عن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند بفرض عقوبات شاملة على منتجات المستوطنات الإسرائيلية، مستشهداً بممارسات “الإرهابيين” الإسرائيليين ومحاولات “التطهير العرقي” بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية.

في المقابل، أحدثت حالة السخط الدولي ردود فعل واستنكارات حادة وغير مألوفة من داخل المؤسستين السياسية والأمنية الإسرائيلية حيث ذهبت قيادات بارزة إلى حد توصيف الظاهرة بـ “الإرهاب اليهودي”. وفي هذا السياق، وجه اللواء أفي بلوث، قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي وأعلى ضابط مسؤول عن الضفة الغربية، تحذيرات صارمة متكررة ضد عنف المستوطنين واتخذ بعض الخطوات الميدانية للحد منه، مؤكداً أنه يهدد الاستقرار الأمني الإسرائيلي في الضفة ويقوض المشروع الاستيطاني نفسه.

Prof. Yagil Levy in his home in Herzliya. 'In Israel, the lockdown has turned the citizens into an enemy that needs to be aggressively policed.' (Oren Ziv)
البروفيسور ياغيل ليفي

تكشف هذه الإدانات عن توترات متراكمة منذ فترة طويلة داخل التيار اليميني الإسرائيلي، بلغت الآن ذروتها. فمن جهة، تقف قيادة الجيش العليا، التي يزداد فيها نفوذ المستوطنين، إلى جانب القيادة المؤسسية لحركة الاستيطان وكلاهما يرى في الهجمات العنيفة الاستعراضية التي تشنها الميليشيات على التجمعات الفلسطينية تهديداً للمسار التدريجي والأكثر استقراراً لسلب الأراضي والضم الفعلي. وفي المقابل، يقف المستوطنون الراديكاليون وتنظيم “شبيبة التلال”، بدعم من نواب أقصى اليمين الذين يرفضون فرض أي قيود على تحركات المستوطنين ونشاطهم الميداني في الضفة الغربية.

ولا يرى ليفي هذا الصراع الداخلي كقطيعة بين الجيش وحركة الاستيطان، بل بوصفه نتاجاً طبيعياً لاندماجهما المؤسسي والعقائدي عبر العقود. ويرى أنه منذ تنفيذ خطة “فك الارتباط” عن غزة عام 2005، اعتاد الجيش التسامح مع عنف المستوطنين وتوظيفه كأداة غير رسمية لدعم مسار الضم، مع سعي الهيكلية العسكرية في الوقت ذاته لكبح هذا العنف عندما يهدد هيمنة السلطة العسكرية في الضفة أو يُعرض إسرائيل لتدقيق ورقابة دولية غير مرغوب فيها.

وفي مقابلته مع مجلة “+972″، يوضح ليفي كيف يعمل هذا “الجيش الشرطي” كـ “ذراع رمادية “للدولة، تُمارس العنف الميداني لتحقيق غايات تعجز المؤسسات الرسمية الإسرائيلية عن التبني العلني لها، كما يُبين لماذا تستهدف جهود الجيش كبح العنف “المنحرف/غير الوظيفي” للمستوطنين إعادة إحكام السيطرة العسكرية على المشهد لا إنهاء الاستيلاء المنهجي على الأراضي وكيف أدى سعي إسرائيل عقب 7 أكتوبر/ تشرين الأول لتحقيق “الأمن الدائم” إلى محاذاة العقيدة العسكرية العلمانية مع المشروع التوسعي لليمين الصهيوني الديني.

خضعت هذه المقابلة للتحرير والتكثيف، بهدف تبسيط أفكارها الرئيسية وجعلها أكثر وضوحاً وسلاسة للقارئ.

هل لك أن توضح لنا دور هذا “الجيش الشرطي” وهيكله؟

يتكون هذا الجيش الشرطي من ثلاثة مكونات رئيسية: الميليشيات المسلحة للمستوطنين، التي تنشط تحت مظلة وإشراف الجيش في إطار وحدات الدفاع الإقليمي؛ ولواء “كفير”، المنتشر بشكل دائم في الضفة الغربية والمؤلف من أربع كتائب (بما فيها كتيبة “نيتسح يهودا”) ووحدة استطلاع، إلى جانب وحدات نظامية واحتياطية إضافية تنفذ عمليات انتشار في الضفة وسرايا شرطة الحدود التي تجمع بين أفراد الشرطة والمجندين، وتعمل تحت السيطرة العملياتية للجيش.

Israeli soldiers from the Netzah Yehuda Battalion attend a swearing-in ceremony, at the Western Wall in Jerusalem's Old City, June 11, 2025. (Chaim Goldberg/Flash90)
جنود إسرائيليون من كتيبة “نيتسح يهودا” يحضرون حفل أداء القسم، عند حائط البراق في القدس القديمة، 11 يونيو/ حزيران 2025

تتمثل المهمة الرسمية لهذا “الجيش الشرطي” في حماية مستوطنات الضفة الغربية، ومنع انتقال العمليات المسلحة عبر الخط الأخضر، وفرض النظام العام بين المستوطنين والفلسطينيين. وإلى جانب هذه التشكيلات، تتولى “الإدارة المدنية” إدارة الشؤون الإدارية والسكانية، بينما تختص الشرطة بالجرائم الجنائية، ويعمل جهاز “الشاباك” على إحباط الهجمات المسلحة.

ورغم خضوع الوحدات المشكلة للجيش الشرطي رسمياً لقائد المنطقة الوسطى ضمن السلسلة الهرمية العسكرية، إلا أن التداخل الميداني أذاب الفواصل بين الجيش والمجتمعات الاستيطانية، بفعل الكثافة العددیة للمستوطنين داخل وحدات معينة، فضلاً عن الروابط الاجتماعية والأيديولوجية الوثيقة بين الطرفين.

ونتيجة لذلك، تحولت القيادة والسيطرة على هذا الجيش من النمط الهرمي العمودي إلى النمط الشبكي المتشابك إذ يتلقى الجنود تعليمات من منسقي الأمن في المستوطنات، أي من المستوطنين أنفسهم، بالتوازي مع السلسلة القيادية الرسمية، كما يخضعون لتأثير فتوى الحاخامات التي تحظر على الجنود المتدينين المشاركة في إخلاء البؤر الاستيطانية.

وفي ظل هذا الواقع، يعمل القادة الميدانيون تحت ضغط الخشية من صدام مع المستوطنين، مفضلين إنهاء فترات خدمتهم دون أزمات، في حين تؤدي العلاقات الاجتماعية والتكتلية للمستوطنين والجنود المتدينين داخل الوحدات إلى إبطاء وتأخير الاستجابة لانتهاكات خرق القانون المرتكبة من قِبل المستوطنين.

والنتيجة هي تمتع هذا ‘الجيش الشرطي’ باستقلالية جزئية عن هيئة الأركان العامة [القيادة العليا للجيش الإسرائيلي]، وهو ما مكنه من تطوير انحياز جليّ لصالح المستوطنين، يتجلى أساساً في التغاضي عن انتهاكاتهم للقانون، سواء عبر البناء غير القانوني أو الاعتداء على الفلسطينيين، وفق ما وثقته التقارير بانتظام.

إن “الجيش الشرطي” ليس إخفاقاً عسكرياً أو سياسياً، بل هندسة وظيفية تعمل كـ “ذراع رمادية” صُممت لخدمة أهداف الدولة في ترسيخ السيطرة الميدانية على الضفة الغربية وتقويض مقومات إنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة.

Israeli settlers, accompanied by Israeli soldiers, gather after attacking Palestinian farmers working on their land in the West Bank village of Al-Mughayyir, August 11, 2026. (Oren Ziv/Activestills)
مستوطنون إسرائيليون، برفقة جنود إسرائيليين، يتجمعون بعد مهاجمة مزارعين فلسطينيين يعملون في أراضيهم في قرية المغير بالضفة الغربية، 11 أغسطس/ آب 2026

رسمياً، تخضع إسرائيل لأحكام القانونين المحلي والدولي، ما يحول دون قدرتها على تحقيق أهدافها بفاعلية عبر مؤسساتها الرسمية، وفي مقدمتها الجيش. ومن هنا نبعت حاجتها إلى أطر هجينة وغير رسمية، يُجسدها “الجيش الشرطي”.

يعمل هذا الجيش بصفة طبيعية وفق منظومة مزدوجة تدمج القانون الرسمي بالقواعد غير المعلنة، والأوامر المعلنة بالسلوك الميداني الواقعي. وبالتالي، فإن ظواهر مثل التغاضي عن اعتداءات المستوطنين على التجمعات الفلسطينية، بما تشمله من مماطلة ووقوف في موقع المتفرج وتلكؤ في الملاحقة القضائية، لا تُعد إخفاقات عسكرية مجردة بل تُشكل جزءاً أصيلاً من المنطق التشغيلي لـ “الجيش الشرطي”. وبمجرد اعتماد هذا الإطار المفاهيمي، يسقط الطرح الذي ظل سائداً لسنوات لدى منظمات حقوق الإنسان حول “عجز” الجيش أمام المستوطنين.

ما طبيعة العلاقة بين هذا “الجيش الشرطي” وحكومة نتنياهو؟

لم تؤسس الحكومة اليمينية الحالية شأنًا جديداً كلياً، بل اكتفت بتطوير وتعديل البنية القائمة بالفعل. وبهذا المعنى، يُحمل يسار الوسط هذه الحكومة مسؤولية مفرطة، متحملاً بذلك زلل التهرب من مسؤوليته التاريخية ذاتها.

لقد جرى صقل هذا الهيكل العملياتي بنحو مكثف عقب أحداث 7 أكتوبر، غير أن نواة تشكله تعود إلى نحو عقدين من الزمن، وتتمثل ميزته المحورية في تكامل الأجهزة العسكرية والميدانية المختلفة العاملة في الضفة الغربية وهو ما وثقه، على سبيل المثال، “تقرير ساسون” الصادر عام 2005، والذي كشف عن ضخ أموال وموارد حكومية بنشاط لتشييد بؤر استيطانية غير قانونية.

وقد تلقت هذه الجهود دفعة قوية مع عودة نتنياهو إلى السلطة عام 2009 إذ جرى حينها التخلي عن الخيار الدبلوماسي، وبات هذا التنسيق التكامل جوهرياً. ومنذ تلك اللحظة، أُسندت إلى الجيش مهمة الحفاظ على الوضع القائم، وقبل كل شيء، تآكله وتعديله في اتجاه واحد نحو فرض الضم الجزئي على الأقل.

Israeli soldier Elor Azaria, who shot dead an incapacitated Palestinian attacker in Hebron in 2016, is seen with supporters and family as he arrives to serve his sentence at the Zrifin military jail in central Israel, August 9, 2017. (Flash90)
يظهر الجندي الإسرائيلي أيلور أزاريا، الذي قتل بالرصاص مهاجماً فلسطينياً مصاباً وعاجزاً عن الحركة في الخليل عام 2016، مع مؤيديه وعائلته لدى وصوله لقضاء عقوبته في سجن “تسريفين” العسكري في وسط إسرائيل، 9 أغسطس/ آب 2017

بصفته رئيساً للأركان خلال قضية “أيلور أزاريا” عام 2016، كان يُفترض أن غادي أيزنكوت يُدرك أبعاد هذه الصيرورة، إلا أنه لم يسعَ لإعادة الفصل بين المستوطنين والجيش. أما خلفه أفيف كوخافي، فلم يكلف نفسه حتى عناء المحاولة، وهو ما تشهد عليه التعيينات الكثيفة للمستوطنين وخريجي مؤسسات التعليم الصهيوني الديني في المناصب المفصلية داخل “الجيش الشرطي” إبان ولايته.

وقد سرّعت أحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول هذا المسار عبر عوامل عدة، في مقدمتها فرض أجندة استيطانية واضحة يروج لها بتسلئيل سموتريتش [الذي يجمع بين منصبي وزير المالية ووزير ثانٍ في وزارة الدفاع] عبر تسليط نفوذه على الإدارة المدنية، والتسليح الواسع للمستوطنين ودمجهم المباشر في “وحدات الدفاع الإقليمي”، وهو ما أتاح تنفيذ عمليات مشتركة بات معها تمييز الجنود عن المستوطنين أمراً عسيرًا. إضافة إلى تشكل ثقافة جديدة يرفض فيها المستوطنون أي مساومة أمنية ويتصرفون باستقلالية ميدانية مع تصعيد مطالبهم قبالة الجيش، إلى جانب إقامة البؤر الاستيطانية الرعوية والزراعية المدارة بتوجيه أعلى من [قائد المنطقة الوسطى] أفي بلوث، وأخيراً مأسسة وترسيخ نمط تهجير التجمعات السكانية الفلسطينية.

تُعد شخصية أفي بلوث محوراً لافتاً في هذه الحركة؛ ففي أوائل أغسطس/ آب، أعلن وزير الدفاع إسرائيل كاتس عبر القناة 14 اليمينية أنه بصدد إقالة بلوث من منصبه. وجاء هذا القرار عقب تمسك بلوث بتجديد أمر الاعتقال الإداري بحق المستوطن طال ينون دارديك، المتهم بالمشاركة في اعتداءات جسدية ونفسية وحشية ضد الفلسطينيين في شمال غور الأردن.

كيف تفسر هذه المواجهة المباشرة في ضوء التحليل الذي طرحته؟

إن بلوث، الذي عُين قائداً لفرقة الضفة الغربية (يهودا والسامرة) عام 2021 ثم قائداً للمنطقة الوسطى عام 2024، يمثل النموذج الأبرز لموجة تعيين خريجي التيار الصهيوني الديني في قيادة الجيش. وبحكم منصبه وخلفيته، سادت توقعات لدى جمهور المستوطنين وقيادتهم بأنه لن ينتهج “أجندة انهزامية” أو سياسة معتدلة تراعي الحقوق الفلسطينية.

ولأول مرة، قدم تصنيفاً متطوراً لأنماط الانتهاكات غير القانونية التي يرتكبها المستوطنون، محذراً من الخطر المخيم جراء عنفهم. ولم يتحدث بعبارات المكررة عن “انتفاضة ثالثة”، بل أشار بدلاً من ذلك إلى نشوء “لجان حراسة”، وبكلمات أخرى، المخاوف من شروع الفلسطينيين في الدفاع عن تجمعاتهم بأنفسهم، مما يولد مواجهات مع كل من الجيش والمستوطنين. وتكمن الخطورة الاستراتيجية في أن هذا السلوك يُشكل رمزيّاً إعلاناً وممارسة للسيادة [من جانب الفلسطينيين] بدرجة تفوق حتى مهاجمة الجيش أو تنفيذ العمليات [ضد المدنيين الإسرائيليين].

Israeli army Central Command chief Maj. Gen. Avi Bluth attends the funeral of the victim of a shooting attack, in the settlement of Alei Zahav, in the occupied West Bank, September 21, 2026. (Hilel Ben Or/Flash90)
قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، اللواء أفي بلوث، يحضر جنازة ضحية حادث إطلاق نار، في مستوطنة عالي زاهاب بالضفة الغربية المحتلة، 21 سبتمبر/أيلول 2026

اقترن خطاب بلوث بخطوات ميدانية ملموسة؛ شملت توسيع نطاق انتشار شرطة الحدود ضد المستوطنين في المنطقتين (أ) و(ب)، وتقليص صلاحيات وحدات “الدفاع الإقليمي”، وإنشاء قيادة شرطية مخصصة لمكافحة “الإرهاب اليهودي”، فضلاً عن المواجهة العلنّية مع وزير الدفاع بشأن الاعتقال الإداري للمستوطن طال ينون دارديك. وكما تؤكد تصريحات قيادات المستوطنين أنفسهم، فقد تصاعدت عمليات إخلاء البؤر الاستيطانية غير القانونية على أيدي شرطة الحدود.

غير أن بلوث لا يملك القدرة على تفكيك التغلغل العميق للمستوطنين داخل بنية الجيش بين عشية وضحاها إذ يتضاعف عجز القيادة الميدانية عن تحمل المخاطر الشديدة في غياب الغطاء والدعم السياسيين.

وقد تجلى هذا العجز بوضوح في الحادثة الأخيرة التي أقدم فيها عضو الكنيست تسفي سوكوت على هدم نصب تذكاري للشهداء الفلسطينيين في قرية مادما المحاذية لنابلس. وتكشف هذه الواقعة كيف تجاوز السياسيون أطر التواصل المؤسسي مع القيادة العسكرية كلجنة الشؤون الخارجية والأمن في الكنيست المنوط بها هذا الدور إذ صادر سوكوت صلاحيات الجيش هادماً النصب بداعي تحريضه على الإرهاب، وذلك عقب امتناع المؤسسة العسكرية عن القيام بذلك.

وحتى خلال تلك الواقعة، اكتفى الجنود المكتنفون لسوكوت، فيما صُنّف رسمياً بـ”الجولة”، بموقف المتفرج وهو سلوك عسكري بات مألوفاً في مثل هذه المواقف ويرسم صورة لـشبه الشلل الذي يعتريه الجيش أمام المستوطنين، غير أن الإدانة العارمة وغير المعتادة الصادرة عن الجيش حينها لم تكن تقديراً ضمنياً لما جرى، بقدر ما كانت إعراباً عن التوجس من تقويض المظلة الأمنية في الضفة الغربية.

في المقابل، يحظى “بلوث” بشعبية واسعة في أوساط القيادات الاستيطانية، ولا سيما لدى رؤساء المجالس المحلية في الضفة، باعتباره أول قائد للمنطقة الوسطى يتبنى أجندة صريحة لتعزيز الضم. وكان أسلافه قد اكتفوا بمحاولة إبقاء الوضع القائم، أو التغاضي، في أحسن الأحوال، عن استقلالية تحركات الجيش الشرطي وهو يقود قاطرة الاستيلاء على الضفة.

تتجسد ركيزة “حقبة بلوث” في مأسسة إقامة المزارع الاستيطانية “البؤر الرعوية”، ما يحول مشروع الاستيلاء على أراضي الضفة الغربية إلى مشروع دولة ينسجم فيه الجيش علناً مع “الإدارة المدنية” الخاضعة لنفوذ سموتريتش. فضلاً عن ذلك، أضفى بلوث الطابع المؤسسي على أنماط جديدة من العنف ضد الفلسطينيين إذ تجسد ذلك في قراره الصادر في أغسطس/آب الماضي القاضي باقتلاع 3000 شجرة في قرية المغير، التي فر إليها فلسطيني حاول تنفيذ هجوم ضد مستوطنين، في تبنٍّ صريح لمنطق “تدفيع الثمن” الانتقامي.

Palestinians survey the devastation after settlers and soldiers uprooted thousands of olive trees in Al-Mughayyir, occupied West Bank, Aug. 24, 2025. (Oren Ziv)
فلسطينيون يستعرضون الدمار بعد أن اقتلع المستوطنون والجنود آلاف أشجار الزيتون في قرية المغير بالضفة الغربية المحتلة، 24 أغسطس/آب 2025

ويظهر المنطق ذاته مع [العدد المتزايد من] الفلسطينيين الذين دفعتهم ضائقتهم الاقتصادية إلى محاولة العبور إلى داخل إسرائيل دون تصاريح، فتُعمد إلى إصابتهم بأعيرة نارية في الركبة. وتُعد هذه “النُّصُب العرجاء”، وفق وصف بلوث، بمثابة أدوات ورسائل للردع.

وقبل كل شيء، يتجلى الطابع المؤسسي للعنف جلياً في الأسلوب العملياتي الذي تفاخر به بلوث نفسه، والمتمثل في: خلق حالة حرب دائمة في الضفة الغربية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على إبقاء شرارتها تحت السيطرة ومُحاصرة اتساع نطاقها [كي لا تخرج عن نطاق هيمنة الجيش].

وقد تباهى بلوث بكون إسرائيل تقتل اليوم “بشكل لم نعهده منذ عام 1967″، حيث يُعد تصعيده للعمليات العسكرية في الضفة الغربية، على غرار التدمير الممنهج والتهجير في مخيم جنين، عنصراً محفوراً لاستيراد وتطبيق أساليب قطاع غزة داخل الضفة الغربية. وبهذه الطريقة، لا يُضفى الطابع المؤسسي على العنف فحسب، بل يتم تكثيفه ومضاعفته.

ويتحقق هذا أيضاً من خلال إيجاد حالة من الاحتكاك المباشر المستمر أو ما يعبر عنه بـ”لمس” الفلسطينيين و”تحويل القرى إلى ساحات مواجهة”. وتُشكل المزارع الاستيطانية (البؤر) آلية جوهرية بهذا المعنى إذ إن مجرد تقريب المستوطنين من التجمعات السكنية الفلسطينية يؤدي تلقائياً إلى تسعير وتكثيف هذا الاحتكاك.

لكن في الحالات التي يتطور فيها عنف المستوطنين بمعزل عن الجيش—باعتباره عنفاً “غير وظيفي” أو عشوائياً—فإن بلوث يسعى إلى كبحه والحد منه.

وفي مسألة تهجير التجمعات السكنية الفلسطينية تحديداً، يتبين الخيط الفاصل بين العنف المستوطن “الوظيفي” و”غير الوظيفي”. فالعنف الوظيفي يتحقق عندما يعمل المستوطنون كذراع رمادية للحراب الحكومية: حيث يُهجّرون تجمعاً [صغيراً]، ثم يتدخل الجيش ليرفض السماح للأهالي بالعودة أو حمايتهم حتى لو صدر قرار عن المحكمة العليا. فالجيش نفسه لا ينفذ التهجير بشكل مباشر، لأنه [من الناحية الرسمية] لا يملك صلاحية ذلك.

Palestinian residents of Huwara walk among their burned homes, cars, and businesses the morning after Israeli settlers rampaged through their town in the West Bank, February 27, 2023. (Activestills)
سكان فلسطينيون من بلدة حوارة يتفقدون الدمار بين منازلهم وسياراتهم ومحالهم التجارية المحترقة في الصباح التالي للهجوم الواسع الذي شنه مستوطنون إسرائيليون على بلدتهم في الضفة الغربية، 27 فبراير/شباط 2023

ويتحول العنف إلى سلوك “غير وظيفي” عندما يهدد النظام العام عبر شن هجوم واسع النطاق على تجمع سكاني كبير، كما حدث في الهجوم على بلدة حوارة بعيد تشكيل الحكومة [الحالية] مباشرة، وهو ما يقابل بالاستنكار والإدانة من قِبل المنظومة الأمنية.

فهذا العنف ليس مجرد عمل غير ضروري [في نظر الجيش] فحسب، بل هو ضار ومؤذٍ إذ إنه يهدد الاستقرار والأمر الواقع في الضفة الغربية، كما يمس شرعية “الضم الزاحف” الذي لا يمكن أن يتم إلا بعيداً عن الرادار والأضواء. إن تصاعد العنف يسلط الضوء على هذه العملية ويجعلها مكشوفة تحت الأضواء، وليس مصادفةً أن يتدخل السفير الأمريكي مايك هاكابي، وهو المؤيد بنفسه لعملية الضم إذ يمكن فهم أحداث قرية قصرة في هذا السياق أيضاً.

بناءً على ذلك، لا يمكن للمرء أن يتجاهل المناورة الأوسع التي يقودها بلوث فهو يقدم للمستوطنين صفقة واضحة: يلتزم الجيش بتوفير أمن مضاعف والدفع قدماً بمشروع الاستيلاء على المنطقة (ج)، مقابل ضبط المستوطنين لسلوكهم عندما تؤدي أفعالهم إلى العرقلة والتشويش على تنفيذ تلك الأجندة.

وتستوعب قيادة المستوطنين هذا الطرح جيداً وتتجاوب معه تماماً كما تُظهر دعمها لبلوث فهي لا تستطيع المخاطرة بفقدان مثل هذا المكسب الثمين لمجرد نزوة عابرة من وزير الدفاع كاتس، وإن كان الشارع الأكثر راديكالية بين المستوطنين يعارض ذلك.

في مقال رأي نشرته مؤخراً في صحيفة “هآرتس”، أشرتَ إلى دراسة نُشرت في مجلة معهد أبحاث عسكري إسرائيلي مرموق تدعو إسرائيل إلى التصرف بـ “كقوة إقليمية تشكل بيئتها بفاعلية واستمرارية، دون أن تكبلها الحدود السيادية”.

ويُقدم هذا الطرح باعتباره استجابة استراتيجية للواقع الجيوسياسي الذي تشكل بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، ويعبَّر عنه بلغة علمانية وعقلانية وأكاديمية. لكن من الصعب التغاضي عن مدى تضافر هذه العقيدة مع الرؤية الخلاصية (المسيحانية) لليمين الصهيوني الديني المتطرف، الذي يسعى للسيطرة والتوسع الإقليمي استناداً إلى مفهوم قومي-ديني لـ “إسرائيل الكبرى”.

كيف تفهم هذا التوافق والتناغم بين هاتين الرؤيتين؟

أنا أكرس جهداً كبيراً للتصدي للحجة الشائعة داخل يسار الوسط الصهيوني والتي تدعي أن الجيش أصبح “خلاصياً” (مسيحانيًا)، وأن السياسة الإسرائيلية في الساحات الرئيسية للصراع تُقاد بأجندة عقائدية. فالحديث عن إعادة الاستيطان في “غوش قطيف” [مجمع استيطاني سابق في غزة] أو تنظيم جولات أثرية في لبنان كافٍ لإشعال المخاوف العلمانية من التيار الخلاصي. لكن هذا في واقع الأمر ليس سوى آلية سيكولوجية تسعى من خلالها الأغلبية الإسرائيلية إلى إعفاء نفسها من مسؤولية أفعال الحكومة.

Israeli Jews who support the reestablishment of settlements in the Gaza Strip march near the Israeli border with Gaza, in southern Israel, July 19, 2026. (Jamal Awad/Flash90)
يهود إسرائيليون يؤيدون إعادة إنشاء المستوطنات في قطاع غزة يتظاهرون بالقرب من الحدود الإسرائيلية مع غزة، في جنوب إسرائيل، 19 يوليو/تموز 2026

منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، طوّرت السلطات الإسرائيلية مقاربة تسعى إلى تحقيق ما يمكن تسميته، استناداً إلى أطروحات المؤرخ ديرك موزس، بـ “الأمن المباشر/الدائم“. وهي مقاربة تبتغي حصانة تامة من التهديدات المستقبلية إذ ترفض المخاطرة أو التسوية أو حتى الضبط العسكري للنفس، وتسعى بدلاً من ذلك إلى حسم حاسم يقضي على التهديد ببعديه الراهن والمستقبلي.

وعليه، فهي تتعامل مع العدو ككيان يجب إبادته والقضاء عليه، حتى لو يتطلب ذلك إلحاق الضرر بالسكان المدنيين التابعين له. وهكذا تغدو أدوات السيطرة والتهجير بل وحتى الإبادة خيارات متقبلة وممكنة.

وهذا ما يفسر استخدام المسؤولين الإسرائيليين لمصطلح “القضاء على قدرات حماس” كجزء من أهداف الحرب في غزة، وهي مصطلحات لم تكن إسرائيل تستخدمها من قبل؛ فقد دأبت في الماضي على وضع أهداف ترمي إلى إضعاف العدو وردعه، لا القضاء التام عليه. كما يعلل هذا أيضاً غياب أي رؤية لما يُسمى بـ “اليوم التالي” قبل القضاء على حماس. وقد استلزم هذا المفهوم إدارة حرب تحولت فيها “المطاردة والاصطياد” إلى محور أساسي، مما أدى إلى تصفية كوادر حماس بأي ثمن.

وتترافق النسخة الإسرائيلية من “الأمن الدائم” أيضاً مع حساسية مفرطة تجاه الخسائر في صفوف الجنود. ويتجلى العنصر المكمل لها في تبني سياسة غير مستعدة لتحميل الجنود أي مخاطر جبلية، مما أدى إلى إقرار قواعد اشتباك تساهلية للغاية. وما أحداث مثل قتل الرهائن الإسرائيليين الثلاثة أو استهداف عمال “المطبخ المركزي العالمي” إلا نتاج لهذا المزيج: مطاردة واصطياد للعدو دون تقبل أي مخاطرة تحيط بالجنود.

ولم تتعرض أهداف الحرب لأي تشكيك جاد في السجال العام الإسرائيلي، حتى عندما اتضح أن تحقيقها يتطلب حرباً ممتدة وثمناً أخلاقياً باهظاً. كما لم يتصدَّ يسار الوسط لمساءلتها، سواءٌ للانجراف النفسي في مناخ الحرب، أو لتفضيله مراراً وتكراراً مطابقة سلوك الحكومة مع المصالح الشخصية لقادتها؛ فركز بالتالي على الأشخاص بدلاً من السياسات، دون أن يستوعب أبعاد التحول المفهومي العميق الذي ألمَّ بالمنظومة.

وقد لعب الجيش، الذي ما زال يتولى قيادته كادر علماني وعقلاني ومتعلم، دوراً في تطوير عقيدة “الأمن الدائم” هذه. وحتى قبل الحرب، وتحديداً في عهدي آيزنكوت وكوخافي، كان بمقدور المرء بالفعل أن يلمس التخلي التدريجي عن المفهوم القائل بأن العمل العسكري يخدم غايات دبلوماسية، إلى جانب الابتعاد عن لغة ردع العدو نحو إلحاق الهزيمة الموضوعية به. ولم يكن في كل ذلك أي أثر لطرحٍ أو تفكيرٍ خلاصي.

Then-Israeli army Chief of Staff Gadi Eisenkot and his eventual successor, then-deputy Chief of Staff Aviv Kochavi, attend a ceremony at the Kirya military headquarters in Tel Aviv, November 3, 2016. (Flash90)
رئيس أركان الجيش الإسرائيلي آنذاك غادي آيزنكوت وخلفه المستقبلي، نائب رئيس الأركان آنذاك أفيف كوخافي، يحضران مراسم في مقر القيادة العسكرية (الكرياه) في تل أبيب، 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2016

علاوة على ذلك، فإن الخطاب الذي روّجت له هيئة الأركان العامة في عهد كوخافي أعفى الطبقة السياسية فعلياً من الحاجة إلى صياغة أفق سياسي، ووعدها بإمكانية تحييد العدو، شريطة حصول الجيش على القدرات والإمكانيات المناسبة. وتُعد هذه العقيدة أحد الأسباب الجوهرية لفشل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول

كما تتجلى عقيدة “الأمن الدائم” في الطريقة التي يسعى بها الجيش إلى “تشكيل بيئته”، على حد تعبير المقال الذي أشرتَ إليه، عبر توسيع الحدود، كما هو الحال في سوريا؛ وإقامة “مناطق عازلة” مفرغة من السكان الأعداء، كما في غزة وللبنان؛ وتجريد الأراضي التي تظل رسمياً تحت سيطرة الخصم من السلاح، كما هو الحال في غزة وسوريا.

وعندما يضغط الجيش لشن ضربات في سوريا بداعي القلق من احتمال نشر تركيا لقوات هناك، فإن ذلك ينبع أيضاً من هذه العقيدة؛ إذ إنها ترفض المخاطرة قصيرة المدى من أي نوع، وقبل كل شيء، تتعامل مع حرية حركة الجيش وعمله في جميع أنحاء المنطقة باعتبارها مكسباً لا يجوز التنازل عنه بحال.

وهذه عقيدة تفتقر إلى البُعد الخلاصي “المسيحاني”، وإسرائيل لا تسعى إلى تحييد القوة السورية لأن سوريا تشكل جزءاً من “مملكة [يهودية توراتية] مقدسة”، بل بسبب المخاطر الأمنية التي يُرى أن سوريا تشكلها.

إن الصهاينة الخلاصيين يدعمون هذا النهج من منظور رؤيتهم الدينية للعالم. لكنهم صاغوا أيضاً عقيدة أمنية قائمة بذاتها وليست معتمدة حصراً على أسس دينية.

فعندما يدعو عوفر فينتر [وهو عميد متقاعد في الجيش الإسرائيلي ومؤسس وقائد حزب “أمخا يسرائيل” اليميني الجديد] إلى “تهجير سكان غزة”، فإنه يفعل ذلك بناءً على قناعة مفادها أنه طالما يوجد سكان مدنيون في غزة، فإن المقاومة ضد إسرائيل ستستمر في الظهور. وهو لا يدعو بالضرورة إلى استيطان يهودي واسع النطاق في غزة [من منظور ديني].

بالتأكيد، يحظى التيار الخلاصي بتأييد جارف داخل الجيش الإسرائيلي. وقد استغل هذا التيار وجوده القوي في المشاة ليربط حرب “الأمن الدائم” برغبة عارمة في الانتقام والتدمير، مشبهاً العدو بـ  “عماليق“. وبالنسبة للجنود، يوفر الانتقام أيضاً إطاراً ملموساً لشيء تعجز اللغة الاستراتيجية العقلانية عن إيصاله بسهولة.

كما تنظر العقيدة الصهيونية الدينية المتشددة إلى التضحية بالأرواح باعتبارها شرطاً أساسياً لتحقيق النصر. ومن هذا المنطلق، رفضت هذه العقيدة إعطاء الأولوية للإفراج عن الرهائن كهدف للحرب، طالما كان ذلك يعني التخلي عن هدف إلحاق الهزيمة بحماس، ما وفر غطاء ودعماً لاستمرار العمل العسكري سعياً للوصول إلى “الأمن الدائم”.

ومن منظور تاريخي أوسع، يُرجح أن الجيش يكيف نفسه مع التيارات اليمينية المهيمنة التي ترفض العودة إلى “المفهوم/العقيدة” التي كانت سائدة قبل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، وتنادي برفع شعار النصر وإضفائه في قلب الأهداف. وبناءً على ذلك، بات الجيش مردوعاً ومتردداً في العودة إلى الأيام التي كان يعرض فيها على القيادة السياسية حدود وإمكانيات القوة العسكرية.

وليس الجيش بأصمَّ عن اتهامات اليمين القائلة بأن سياسة الاحتواء التي انتهجها كانت هي السبب، وفق الرواية السائدة، في وقوع فشل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول. وهذا ما يحفز بالتأكيد ظهور عقائد عسكرية علمانية بالكامل تتماشى مع الخط السياسي السائد، في حين ستواجه الآراء المخالفة، التي قد تتحدى الانفلات في استخدام القوة، صعوبة بالغة في التبلور دون أن تصطدم بالرفض والمواجهة.

ختاما، وعوداً على بدء، أرى أن هذه الرؤية تتلخص في حقيقة جوهرية: إن مواجهة الواقع تتطلب الاعتراف بأن الجيش لم يكن مجرد أداة بيد القوى الخلاصية وحدها، بل كان حظي بدعم ورعاية من يسار الوسط الصهيوني. وبدون الشجاعة في تحمل هذه المسؤولية، لن نصل إلى أي مراجعة للمفاهيم السائدة، ولن يتأسس أي مسار حقيقي للمحاسبة الأخلاقية.

المصدر:  +972

الوسوم: اسرائيل دولة الاحتلال ، الانتهاكات الإسرائيلية ، السياسات الإسرائيلية ، جرائم المستوطنين
الوسوم: الاحتلال الإسرائيلي ، الاستيطان ، ترجمات
تحميل هذا المقال بصيغة PDF
شارك هذا المقال
فيسبوك تويتر واتساب واتساب التليجرام البريد الإلكتروني نسخ الرابط
عاموس بريسون
بواسطة عاموس بريسون
المقال السابق نون بوست دول الخليج والحرب الإيرانية: موازنة صعبة وثمن باهظ

نشر هذا التقرير ضمن ملف:

ترجمات

ترجمات

تقارير يترجمها "نون بوست" من الصحافة الدولية.

أحدث ما نشر في هذا الملف:

  • دول الخليج والحرب الإيرانية: موازنة صعبة وثمن باهظ
  • “نازا”.. وثائقي يزلزل الانتخابات الإسرائيلية ويكشف حقيقة المجتمع العبري
  • مأزق العدالة في سوريا: السير في حقل ألغام بين الانتقام والاستقرار
part of the design
نشرة نون بوست الأسبوعية

قد يعجبك ايضا

دول الخليج والحرب الإيرانية: موازنة صعبة وثمن باهظ

دول الخليج والحرب الإيرانية: موازنة صعبة وثمن باهظ

شون هوارد شون هوارد ٢٨ سبتمبر ,٢٠٢٦
“نازا”.. وثائقي يزلزل الانتخابات الإسرائيلية ويكشف حقيقة المجتمع العبري

“نازا”.. وثائقي يزلزل الانتخابات الإسرائيلية ويكشف حقيقة المجتمع العبري

أنتوني لوينشتاين أنتوني لوينشتاين ٢٦ سبتمبر ,٢٠٢٦
مأزق العدالة في سوريا: السير في حقل ألغام بين الانتقام والاستقرار

مأزق العدالة في سوريا: السير في حقل ألغام بين الانتقام والاستقرار

ملايكة كانانه تابر ملايكة كانانه تابر ٢٥ سبتمبر ,٢٠٢٦
نون بوست

منصة إعلامية مستقلة، تأسست عام 2013، تنتمي لمدرسة الصحافة المتأنية، تنتج تقارير وتحليلات معمقة ومحتوى متعدد الوسائط لتقديم رؤية أعمق للأخبار، ويقوم عليها فريق شبابي متنوّع المشارب والخلفيات من دول عربية عدة.

  • سياسة
  • مجتمع
  • حقوق وحريات
  • آراء
  • تاريخ
  • رياضة
  • تعليم
  • تكنولوجيا
  • اقتصاد
  • صحافة
  • أدب وفن
  • ريادة أعمال
  • سياحة وسفر
  • سينما ودراما
  • طعام
  • صحة
  • ثقافة
  • أحدث التقارير
  • ملفات
  • مطولات
  • حوارات
  • بودكاست
  • تفاعلي
  • الموسوعة
  • بالصور
  • من نحن
  • كتّابنا
  • اكتب معنا
  • السياسة التحريرية
  • بحث متقدم
بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تمت الإزالة من المفضلة

تراجع
Go to mobile version