ترجمة وتحرير: نون بوست
في ليلة الثاني عشر من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1993، دخل شاب برازيلي نحيل يُدعى “رويس غرايسي” قفصًا مثمن الأضلاع في مدينة دنفر بولاية كولورادو، ليجد نفسه محدقًا في عيني عملاق. كان “جيرارد غوردو”، وهو مقاتل هولندي في رياضة الكيك بوكسينغ، يفوقه طولًا بخمس بوصات، ويزيد وزنه عليه بنحو 19 كيلوغرامًا، ويتمتع بخبرة قتالية تفوقه بعقد كامل. وكان الاثنان على وشك خوض نزال بالأيدي العارية: بلا حكام، وبلا فصل بين المتنافسين بحسب الحجم، ودون أي توقف أو استراحة حتى يسقط أحدهما فاقدًا للوعي تمامًا أو يتوسل الرحمة.
لم يستغرق النزال سوى 100 ثانية. وخلال تلك الفترة، أوقع غرايسي غوردو بهدوء أرضًا، ثم قفز على ظهره وأحكم قبضته حول عنقه، ما أجبر المقاتل الضخم على ضرب الأرض بيده معلنًا استسلامه.
شاهد نحو 80 ألف مشاهد عبر خدمة الدفع مقابل المشاهدة انتصار غرايسي الأسطوري، الذي كان ختام النسخة الأولى على الإطلاق من بطولة القتال النهائي (UFC)، مباشرةً على شاشات التلفزيون. وكان من بينهم طالب عادي يدرس إدارة الأعمال ويقيم في مدينة سان دييغو بولاية كاليفورنيا. وإذ أُسر بما رآه، توجَّه الطالب إلى أكاديمية محلية للفنون القتالية متخصصة في “الجيوجيتسو البرازيلي”، وهو الفن القتالي الذي استخدمه غرايسي لإخضاع غوردو داخل القفص، وطلب بدء التدريب. ووجد زملاؤه صعوبة بالغة في أخذ هذا الوافد الجديد على محمل الجد.
وقال “كيد بيليغرو”، الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز نجوم الجيوجيتسو في العالم: “كنت هناك في اليوم الذي ظهر فيه؛ كان يرتدي سروالًا قصيرًا، ونعالًا، وقميصًا بلا أكمام؛ جلس في الزاوية وبالكاد تحدث إلى أي شخص”.
عرّف الطالب نفسه باسم “بن”، وكان في منتصف العشرينات من عمره ومنحدرًا من الشرق الأوسط، دون أن يفصح عن الكثير من تفاصيل خلفيته. وقد ظنّ بيليغرو أنه يعمل خادمًا شخصيًا أو حارسًا شخصيًا لرجل إنجليزي ثري كان يرافقه أحيانًا إلى الدروس.
يروي بيليغرو قائلًا: “اتسم بن بالهدوء والتفاني؛ وغالبًا ما كان يبقى بعد انتهاء الحصة لكنس حصائر التدريب”. كما أظهر قدرة كبيرة على تحمل الألم الجسدي بثبات، حتى عندما شملت الإصابات كسورًا في العظام.
ويقول بوبي رازاك، منتج الأفلام والمتحمس للفنون القتالية: “ممارسة الجيوجيتسو في تسعينيات القرن الماضي كانت تعني حتمًا التعرض للإصابة؛ لم يكن الوضع كما هو عليه الآن، حيث يسود النظام والاحترافية العالية، بل كان الأمر في ذلك الوقت يتسم بالخشونة والبدائية”.
بعد أكثر من عام من التدريب، فاجأ “بن” الجميع بإعلان قرب عودته إلى أبوظبي، عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، مصطحبًا معه مؤسس الأكاديمية، “نيلسون مونتيرو”. وما هي إلا فترة قصيرة حتى تلت ذلك دعوات أخرى، بينما سرت شائعات تفيد بأنه يحاول تأسيس مركزه الخاص للفنون القتالية على شواطئ الخليج العربي. وفي أحد الأيام، تلقى بيليغرو وزوجته تذكرتي سفر على الدرجة الأولى إلى الإمارات، بقيمة 24 ألف دولار لكل تذكرة. وما إن نزلا من الطائرة حتى أُصيبا بالذهول عند رؤية صور رجل مألوف الملامح – تبيّن بوضوح أنه والد “بن” – في كل مكان وقعت عليه أنظارهما، بدءًا من لوحات الإعلانات وصولًا إلى الأوراق النقدية. وقال بيليغرو، مستعيدًا تلك الذكرى ولا يزال مندهشًا منها: “تبيّن أن مركز تدريب بن كان أحد قصور عائلته. لقد بدا الأمر برمته أشبه بقصة خيالية”.
أما بالنسبة إلى أولئك الذين يسعون لكشف الحقيقة وراء سمو الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، أو “بن”، ذلك الوسيط الملكي، ورئيس الاستخبارات المتواري عن الأنظار، والعملاق المالي، فإن القصص الخيالية تكاد تكون مرشدنا الوحيد.
فالشيخ طحنون، الذي التحق بالفعل بحصة نيلسون مونتيرو تحت اسم مستعار، قبل أن يحصل لاحقًا على الحزام الأسود في الجيوجيتسو بجهده الخاص، يتربع اليوم على ثروة اقتصادية تفوق في حجمها الناتج المحلي الإجمالي لعدة دول كبرى، كما تربطه علاقات وثيقة، على الصعيدين الشخصي والمالي، بالبيت الأبيض في عهد الرئيس ترامب.
وتمتد الأصول العالمية التي يشرف عليها طحنون من مزارع الرياح في اسكتلندا والمركبات الفضائية في تكساس إلى خط الملابس الداخلية لريهانا ومطاعم “آيفي” التابعة لريتشارد كارينغ. ومن المستشفيات والمجمعات السكنية إلى مزارع الطاقة الشمسية ومنتجعات التزلج، لا يكاد يوجد مكان على وجه الأرض بمنأى عن نفوذه المالي.
وعلى الرغم من تنامي نفوذه باستمرار على الساحة العالمية، يفضّل الشيخ طحنون البقاء في الظل؛ فلم يسبق له قط أن أجرى مقابلة صحفية معمّقة. وغالبًا ما يُلزم الأشخاص الذين عملوا معه عن كثب بتوقيع اتفاقيات عدم إفصاح، بل إن اسمه لا يكاد يكون معروفًا لدى سوى فئة قليلة جدًا من خارج دولة الإمارات.
ويقول مسؤول سابق في الأمن القومي الأمريكي: “إنه هادئ، وموجود دائمًا في كل مكان”.
ولم يستجب الشيخ طحنون لطلب إجراء مقابلة أُرسل إليه من أجل هذا المقال، كما لم تطرح وزارة الخارجية الإماراتية أي مسؤول حكومي رفيع آخر لإجراء مقابلة، رافضةً الإدلاء بأي تعليق.
ستمتد سلطة طحنون قريبًا لتطال حياة عدد من البشر يفوق أي وقت مضى. وبصفته أحد أهم ممولي الذكاء الاصطناعي على هذا الكوكب، فإنه يرسّخ نفوذه بسرعة داخل البنية التحتية التي ستشكّل أساس مستقبلنا الرقمي، بدءًا من قنوات تدفق المعلومات، ومصانع الرقائق الدقيقة، وصولًا إلى مراكز البيانات ومحطات الطاقة الهائلة اللازمة لتشغيلها وتبريدها.
يرى البعض فيه نبيًا تكنولوجيًا ومنقذًا، بينما يقارنه آخرون بأحد أشرار أفلام جيمس بوند. فمن هو “بن” الحقيقي، وما الذي يخطط له لنا جميعًا؟
يتعين على أي شخص يحاول الوصول إلى الشيخ طحنون أن يجتاز أولًا دوائر متداخلة من “حراس البوابة”. وتشمل هذه الدوائر أقرب شركائه التجاريين، إلى جانب مجموعة من الشخصيات الأكثر إثارة للاهتمام، مثل رئيس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري، أو ميليسا مونكادا، الفائزة سابقًا بلقب ملكة جمال “ميس غلوب كولومبيا”، والتي أصبحت الآن رائدة أعمال في مجال اللياقة البدنية.
وحتى إذا تمكن المرء من الوصول إلى هذه المرحلة، فقد لا يكون ذلك كافيًا للحصول على فرصة للقاء الشيخ، ما يدفع الساعين إلى لقائه إلى بذل جهود استثنائية للتميز عن الآخرين ولفت الانتباه.
قبل نحو عقد من الزمن، كان توم باراك- وهو قطب أمريكي في مجال الاستثمار في الأسهم الخاصة ويشغل حاليًا منصب سفير دونالد ترامب لدى تركيا – يسعى للحصول على تمويل لشركته الاستثمارية “كولوني كابيتال”، فقرر التواصل مع الشيخ طحنون. وتضمنت مساعي باراك الحثيثة لكسب ودّ الشيخ إرسال نسخة نادرة من طبعة أولى لكتاب صدر في خمسينيات القرن الماضي عن تربية الخيول العربية، التي تعد إحدى اهتمامات طحنون وشغفه، فضلًا عن عرض ترتيب لقاء يجمعه بصديقه الممثل روب لو، نجم مسلسل “الجناح الغربي” (The West Wing) – وهو العرض الذي اعتذر الشيخ طحنون عن قبوله – إضافة إلى مشاركته في رحلة شاقة لركوب الدراجات عبر الصحراء المغربية نظمها طحنون بالتعاون مع نخبة من الدراجين المحترفين. وخلال الرحلة، قاد طحنون دراجته بسرعة تعادل ضعف سرعة باراك، تاركًا إياه خلفه وسط الغبار.
وفي نهاية المطاف، نال باراك فرصة لقاء الشيخ طحنون على متن اليخت الفاخر للأمير، الذي تبلغ قيمته 250 مليون دولار، ويضم ملهىً ليليًا، ومنتجعًا صحيًا، وسينما، وركنًا لتقديم السوشي، فضلًا عن 27 غرفة للضيوف يخدمها طاقم دائم مكوّن من 60 شخصًا.
وقال باراك، موضحًا سبب حماسه للقاء الشيخ طحنون أثناء محاكمته الفيدرالية عام 2022 على خلفية اتهامه بممارسة ضغط سياسي غير قانوني لصالح الإمارات: “إنه أحد أكبر رجال الأعمال في العالم. وأحد أغنى أبناء الشرق الأوسط، أيًا كانت الدولة التي ينتمون إليها. وهو أحد أكثر الأشخاص نفوذًا”. وقد بُرّئ باراك في نهاية المطاف من جميع التهم الموجهة إليه.
إن تحديد مدى نفوذ الشيخ طحنون يضاهي في صعوبته تتبع الرجل نفسه؛ ولكن إذا غادرت طريق الشيخ زايد السريع المكوّن من 12 مسارًا بانعطافة نحو اليسار – وهو الطريق الذي يربط أبوظبي، عاصمة الإمارات، بدبي – وشققت طريقك عبر الصحراء قبل أن تتجه شمالًا بمحاذاة ساحل الطويلة، فسيتسنى لك أن تلمح بعضًا من ركائز نفوذه الأساسية.
تظهر أولًا المداخن وناقلات النفط ومجمعات العمال منخفضة الارتفاع، لتشكل معًا القناة البرية لاحتياطيات النفط الهائلة في الإمارات، التي يقع معظمها في أعماق قاع البحر قبالة الساحل. وإذا واصلت مسيرك، فستمر بجوار الجدران العالية الخالية من النوافذ وأبراج الحراسة المسلحة المهيبة لسجن “الصدر”، وهو السجن ذائع الصيت بسوء السمعة في الإمارات.
وفي النهاية، ستصل إلى ميناء خليفة ومنطقته الصناعية الرمادية المسطحة. وفي مكان ما أمامك، ضمن موقع لم يُكشف عنه يقع في أعماق متاهة من أكوام الحاويات وبراميل المواد الكيميائية والأسوار الشبكية، ينهض اليوم من قلب الرمال أحد أكبر مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في العالم.

تشكل هذه المعالم المتناثرة المشهد الخلفي لدولة الإمارات الحديثة، وهي تروي مجتمعة قصة الإخوة الستة الذين باتوا يهيمنون على البلاد؛ قصة بدأت قبل أكثر من نصف قرن مع والدهم، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، أول زعيم لدولة الإمارات إثر استقلالها عن بريطانيا عام 1971. وخلال فترة حكمه التي امتدت 33 عامًا، تحولت شبكة مبعثرة من القبائل البدوية – التي كانت تقطن بين الحصون المصنوعة من الطوب الطيني ومنازل سعف النخيل – إلى قوة إقليمية عظمى غنية بالنفط، تحتضن بعضًا من أطول المباني على وجه الأرض.
تزوج زايد سبع مرات، ويُعتقد أنه أنجب ما لا يقل عن 30 ابنًا وابنة. غير أن أبناء زوجته الثالثة والمفضلة، فاطمة الكتبي، هم الذين برزوا – تحت رعايتها – في صدارة صُنّاع النفوذ في البلاد، وكان طحنون أحد هؤلاء الأبناء. واليوم، يتربع هو وإخوته، المعروفون بـ”بني فاطمة” أو “أبناء فاطمة”، على قمة ما يمكن وصفه بأنه أغنى سلالة في العالم.
نشأ طحنون وإخوته في بيئة مشبعة برؤية للعالم تضع عائلتهم في مركز الكون؛ إذ كان يُنظر إلى أي شكل من أشكال المعارضة على أنه تهديد وجودي، لا يقتصر خطره على سلطتهم فحسب، بل يمتد ليهدد تلك الدولة الصغيرة والهشة التي تقع على عاتقهم مسؤولية حمايتها. وقالت والدتهم فاطمة ذات مرة: “الأسرة هي المدرسة الأولى للقيم، والحارس الأصيل للهوية، والمصدر الأصدق للثقة والانتماء”، وهو تصريح يعكس بجلاء كلًا من الأخلاق الأبوية السائدة بين النخبة الإماراتية، والعداء الشديد الذي تكنّه أسرة آل نهيان للأيديولوجيات البديلة، كالاشتراكية أو الإسلام السياسي.
وبحلول الوقت الذي عاد فيه طحنون من الولايات المتحدة عام 1995، كانت حملة قمع ترعاها الدولة ضد جماعات المجتمع المدني الإسلامية قد بدأت بالفعل، بالتزامن مع إجراءات انتقامية طالت الإمارات الأصغر حجمًا التي قاومتها.
خلال هذه الفترة، أدركت قيادة دولة الإمارات بشكل متزايد أنّ المال وحده لا يكفي لشراء النفوذ الدولي؛ وعلى الرغم من اكتشافات النفط في الخليج ظلت الجمهوريات العربية الكبرى – مثل مصر وسوريا – مهيمنة على المشهد في الشرق الأوسط، على المستويين الدبلوماسي والثقافي. ومن ثمّ، باتت القوة العسكرية والنفوذ الاستراتيجي ضرورة حتمية للارتقاء بدولة الإمارات إلى مصاف القوى الكبرى. وفي السنوات الأخيرة من عهده، حرص الشيخ زايد على تهيئة الظروف المواتية أمام “بني فاطمة” ليتولوا قيادة هذا المشروع ومواصلة مسيرته.
وبصفته الأخ الأصغر، أدرك الشيخ طحنون أنّ عرش أبوظبي – وما يتبعه حتمًا من رئاسة لدولة الإمارات – لم يكن مقدّرًا له. وبدلًا من ذلك، أُوكلت إليه مهمة إدارة الدائرة الخاصة لوالده، التي كانت تشرف على أصول الشيخ زايد الشخصية الواسعة، بما في ذلك القصور والمزارع والممتلكات العقارية الخارجية، مثل “ساحة بيركلي” في لندن.
وتطلّب هذا المنصب مزيجًا من اللباقة والإكراه، فضلًا عن توظيف الأموال الطائلة. وبحلول أواخر تسعينيات القرن الماضي، جعل طحنون من الجانب الأخير مجال تخصصه؛ إذ أسس شركة تُعرف بـ”رويال غروب”، التي أصبحت الذراع الاستثمارية الرئيسية لمجمل المصالح التجارية لعائلته. وتُقدّر قيمة أصول المجموعة حاليًا بنحو 300 مليار دولار.
بعد وفاة الشيخ زايد عام 2004، تعززت مكانة طحنون باعتباره أبرز شخصية مالية في دولة الإمارات. وإذ كان يتحرك في قاعات مجالس إدارة وول ستريت بالأريحية نفسها التي يتحرك بها في المجالس الإماراتية التقليدية، فقد نجح في المزج بين لغة القيم البدوية – المتمثلة في الواجب والولاء والتواضع – ومفردات الإدارة التكنوقراطية الحديثة.
واليوم، يتولى طحنون إدارة أكبر صندوق للثروة السيادية في البلاد، إلى جانب “بنك أبوظبي الأول”، أكبر مُقرض فيها، و”ألتيرا”، أكبر صندوق استثماري للمناخ في العالم. وفي المملكة المتحدة وحدها، يشرف طحنون على مقدمي خدمات الرعاية الصحية وشركات عقارية كبرى، فضلًا عن سيطرته على استثمارات في المرافق العامة مثل شركة “تيمز ووتر”.
وتُقدَّر قيمة الإمبراطورية الاقتصادية التي يشرف عليها بنحو 1.5 تريليون دولار؛ وهو ما يعادل إجمالي الناتج الاقتصادي لدولة مثل إندونيسيا أو تركيا.
لكن الخط الفاصل بين ثروة طحنون الشخصية، والثروة الأوسع نطاقًا للعائلة المالكة في أبوظبي، والأصول الجماعية التي يمتلكها – نظريًا على الأقل – مواطنو الإمارات، هو خط غير واضح المعالم. ووفقًا لـ”بني فاطمة”، فإن هذا التمييز لا معنى له، إذ لا يمكن فصل رفاهية آل نهيان عن رفاهية الأمة بأسرها.
لكن ليس الجميع متفقين مع ذلك. وقالت لي ميرة الحسين، عالمة الاجتماع الإماراتية في جامعة إدنبرة: “يشكو الكثير من التجار في الإمارات باستمرار – وبهدوء شديد، وبشكل خاص جدًا – من الطريقة التي يزيحهم بها طحنون من السوق”.
وفي قطاع الرعاية الصحية، على سبيل المثال، تهيمن صناديق الثروة السيادية والشركات الاستثمارية التابعة لطحنون على القطاع المحلي؛ وقال أحد كبار المسؤولين التنفيذيين مؤخرًا لصحيفة “فاينانشال تايمز” إن القطاع الخاص “لا يستطيع المنافسة”.
وقالت الحسين: “النظرة السائدة هي أن البلاد أشبه بسفينة؛ فإذا بدأت هذه السفينة في الغرق يومًا ما، فإن العائلة الحاكمة ستقفز منها، آخذة معها كل صناديق الثروة والاستثمارات والمحافظ المالية”.
يُعدّ الفوز هاجسًا مسيطرًا على الشيخ طحنون؛ ففي أواخر تسعينيات القرن الماضي، بلغ من إصراره على هزيمة إخوته في لعبة الفيديو التي صدرت حديثًا آنذاك “عصر الإمبراطوريات” (Age of Empires) – وهي لعبة يسعى فيها اللاعبون إلى تحويل مجتمعات ما قبل العصر الحديث إلى حضارات عظيمة عبر تكديس الموارد والتغلب على الخصوم – أن استعان بأحد مطوري برمجيات اللعبة لتدريبه.
ومع مطلع الألفية الجديدة، تحول اهتمامه إلى لعبة الشطرنج، إذ موّل بنفسه تطوير حاسوب فائق القدرة بحجم الثلاجة أُطلق عليه اسم “هيدرا”، وسرعان ما أصبح أقوى لاعب شطرنج في العالم، متغلبًا على العديد من كبار أساتذة اللعبة في طريقه. ولم يكن متاحًا استخدام حاسوب “هيدرا” إلا لشخص واحد في المرة الواحدة؛ ولساعات طويلة متواصلة، ليلًا ونهارًا، كان ذلك الشخص هو طحنون. وفي عام 2005، زعم كبير مهندسي “هيدرا” في أحد منتديات الشطرنج على الإنترنت أن الشيخ طحنون كان أكثر المهووسين بالشطرنج الحاسوبي شغفًا على قيد الحياة.
وقد نقل طحنون كل هذه المهارات – المتمثلة في روح المنافسة الشرسة، والمراكمة المدروسة للمزايا الموقعية، والشغف الراسخ بالجمع بين الإبداع البشري والذكاء الحاسوبي – إلى المجال المالي. كما أثبتت هذه المهارات أهميتها البالغة في دوره الرئيسي الآخر، بصفته المسؤول الأول عن الأمن القومي في دولة الإمارات ورئيس جهاز الاستخبارات في بلاده.
لا يستطيع العديد من الأفراد الذين استهدفهم جهاز الأمن التابع للشيخ طحنون الإدلاء بشهاداتهم؛ فلدى دولة الإمارات تاريخ طويل من حالات الاختفاء القسري، ومواقع الاحتجاز السرية، والانتقام الوحشي من أفراد عائلات المعارضين المنفيين – وهي ممارسات وثّقتها على نطاق واسع منظمات حقوق الإنسان الدولية. ومع ذلك، ينجو بعضهم ليروي قصته.
في أبريل/نيسان 2018، سافر ماثيو هيدجز، وهو أكاديمي بريطاني شاب، إلى الإمارات العربية المتحدة لإجراء أبحاث لنيل درجة الدكتوراه حول استراتيجية الأمن القومي للبلاد، وهو موضوع يمس مباشرة مجال اختصاص طحنون. وبحلول نهاية زيارته التي استمرت أسبوعين، بدأ هيدجز يشعر بالقلق. وقال لي مؤخرًا: “كنت أعلم أنني مُراقب”.
وعند دخوله مطار دبي في طريق عودته إلى المملكة المتحدة، لم يتجاوز هيدجز نقطة مراقبة الجوازات؛ إذ وجد هناك، بحسب قوله، مجموعة كبيرة من الرجال الملثمين بانتظاره، يرتدون جميعًا ملابس سوداء ويحملون أسلحة. ويزعم أنه عُصبت عيناه، وقُيدت يداه، وأُلقي به في مؤخرة سيارة دفع رباعي. وهناك وُجهت إليه تهمة العمل كجاسوس بريطاني، وخلال أشهر الحبس الانفرادي التي أعقبت ذلك، خضع – وفقًا لما يرويه – لاستجوابات استمرت ما يصل إلى 15 ساعة يوميًا، وأُجبر على تناول مزيج من الأدوية رغمًا عنه.
كما يُزعم أن خاطفيه هددوه بنقله قسرًا إلى قاعدة عسكرية خارجية، وحذروه من إمكانية إلحاق الأذى بأقاربه. وبعد سبعة أشهر من سوء المعاملة، حاول هيدجز إنهاء حياته بالانتحار. وقال لي في هذا السياق: “كنت أعلم تمامًا أن تهديداتهم جدية، لأنني كنت أعرف البلد”.

ويقول هيدجز إنّه شاهد في غرفة التحقيق التي استجوبه فيها المسؤولون بقع دم على السجادة وآثار أقدام ملطخة بالدماء على الجدران. وقال لي: “كانت الآثار أعلى من مستوى رأسي ومتجهة إلى الأسفل. وبما أنّ طولي يتجاوز ستة أقدام، فهذا يعني أن شخصًا ما قد رُفع إلى ذلك الارتفاع”.
وعندما سألت هيدجز عمن يتحمل المسؤولية النهائية عن محنته، أخذ يتتبع بحذر التسلسل القيادي داخل الأجهزة الأمنية الإماراتية، مستعرضًا أسماءً ومسميات وظيفية، قبل أن يجلس صامتًا للحظات ويلتقط أنفاسه. ثم أجاب أخيرًا: “بعد ذلك، تصعد فوق السحاب. وهناك يأتي طحنون”. (وفي بيان حكومي صدر عام 2023، أصرت دولة الإمارات على أن هيدجز “تلقى رعاية مناسبة تمامًا… ولم يتعرض قط، أو يُهدد، بالتعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة من أي نوع”).
اعترف هيدجز في نهاية المطاف بارتكاب سلسلة من الجرائم، لكنه يصرّ على أنه فعل ذلك تحت الإكراه. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2018، عقب جلسة استمرت خمس دقائق فقط ولم يحضرها أي محامٍ للدفاع، حكمت عليه محكمة إماراتية بالسجن مدى الحياة. وبعد أزمة دبلوماسية مع الحكومة البريطانية، حصل لاحقًا على عفو ملكي.
وبعد الإفراج عنه، شنّت حكومة الإمارات العربية المتحدة حملة تشويه ضده، تضمنت نشر ملف من 19 صفحة يحتوي على معلومات شخصية، بما في ذلك تقرير نفسي. وبالمقارنة مع كثيرين ممن يمرون عبر زنازين الاستجواب في البلاد، فقد خرج بأقل الأضرار.
وقالت جوي شيا، الباحثة البارزة في شؤون الخليج لدى منظمة “هيومن رايتس ووتش”: “تجربة هيدجز شائعة للأسف في الإمارات العربية المتحدة، والانتهاكات بحق المجتمع المدني الإماراتي أكثر قمعًا”.
يستاء مؤيدو النظام الإماراتي من هذا النمط من الانتقادات، مُصرّين على أنها تنبع من استياء غربي إزاء صعود دولة الإمارات، وتتغاضى عن التهديدات الأمنية الفريدة التي تواجهها البلاد من جيران معادين ومتمردين أيديولوجيين.
وفي هذا السياق، قال عبد الخالق عبد الله، أستاذ العلوم السياسية الإماراتي الوثيق الصلة بمسؤولين في دوائر الحكم بالدولة: “لقد تحولت الإمارات إلى قصة نجاح، وهو ما دفعكم للتفكير بالقول: انتظروا، هؤلاء كانوا مجرد “صغار البط” الذين كنا نرعاهم، وانظروا الآن إلى ما يفعلونه”.
وأضاف: “أرفض تمامًا الزعم القائل بأن على الإمارات “الارتقاء” إلى مستوى المعايير الدولية [في مجال حقوق الإنسان]؛ فأنتم لديكم معاييركم، ولنا معاييرنا”.
ولأسرة آل نهيان مبرراتها الوجيهة للشعور بانعدام الأمان؛ فدولة الإمارات تقع على حافة رقعة جغرافية تعصف بها الصراعات شمالًا وجنوبًا، وتواجه عبر مياه الخليج جارًا ومنافسًا يفوقها حجمًا بكثير – هو إيران – بينما تجعلها ثرواتها النفطية الهائلة هدفًا واضحًا.
كما يدرك طحنون وإخوته تمامًا أن نمط الحكم الملكي الاستبدادي الذي ينتهجونه مكروه لدى الإسلاميين السياسيين والثوار العرب المطالبين بالديمقراطية على حد سواء. وقبل نحو عقدين من الزمن، تحدث كريستوفر ديفيدسون، الخبير في شؤون سياسات الخليج بجامعة دورهام، مع أحد أفراد “بني فاطمة” حول المكانة المتنامية للإمارات. ويستذكر ديفيدسون قائلًا: “قال لي: عليك أن تفهم عقلية هذه المنطقة. سيحاول آخرون انتزاع ذلك منّا أو تدميرنا. وسواء كانت إيران أو اليمن أو جماعة الإخوان المسلمين أو تنظيم القاعدة… فإنهم جميعًا سيأتون، واحدًا تلو الآخر”.
بالنسبة إلى قادة دولة الإمارات، مثّلت هجمات 11 سبتمبر – التي نفذتها مجموعة من المتطرفين ضمت مواطنين إماراتيين اثنين – تجسيدًا لأشد مخاوفهم بشأن أعداء عنيفين يتربصون في الداخل، وأسهمت في تأجيج هوس بالإسلام السياسي لا يزال مستمرًا حتى يومنا هذا. (وفي سياق متصل، ارتبط اسم الإمارات بتقديم تمويل سري ودعم سياسي لأحزاب يمينية متطرفة في أوروبا تُرى على أنها تشاطر أبوظبي وجهة النظر ذاتها بشأن هذه القضية). وفي الوقت نفسه، شكّلت الحرب الأمريكية على الإرهاب فرصة أتاحت لآل نهيان تقديم أنفسهم أمام واشنطن بوصفهم “واحة استقرار” وسط منطقة محفوفة بالمخاطر.
على امتداد العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كثّف النظام الإماراتي أنشطته الاستخباراتية، موجّهًا تركيزه بصورة متزايدة نحو تقنيات التجسس؛ وكان الهدف معالجة أبرز نقاط ضعف البلاد، ألا وهي قلة عدد مواطنيها، الذين لا يتجاوزون 1.4 مليون نسمة – أي ما نسبته 11% فقط من إجمالي المقيمين في الدولة – وهو ما يجعل من الصعب على البلاد تشكيل جيش كبير أو أداء وظائفها في غياب الأجانب.
وبحلول نهاية العقد، أبرمت أبوظبي اتفاقية أمنية بارزة مع ريتشارد كلارك، المسؤول الأمريكي الأسبق عن مكافحة الإرهاب، الذي لعب دورًا محوريًا في الضغط داخل الكونغرس من أجل برامج مراقبة أكثر تدخّلًا، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها. وقد انتقل كلارك للعيش في أبوظبي ليؤسس هناك وحدة تجسس إماراتية شديدة السرية، عُرفت بالاسم الرمزي “مشروع رافن“.
في البداية، رُوِّج لـ”مشروع رافن” بوصفه عنصرًا أساسيًا في “الحرب على الإرهاب”، غير أنه تحوّل إلى عملية تنصت رقمية واسعة النطاق وشديدة الانتشار، لا تستهدف فحسب الإماراتيين المتهمين بالإرهاب، بل تطال أيضًا كثيرين ممن يُشتبه في أنهم غير موالين للنظام الدكتاتوري في الإمارات.
ورغم أن المشروع كان، من الناحية الفنية، مبادرة إماراتية، فإن عددًا كبيرًا من أفراد الفريق الذي تولّى إدارة “مشروع رافن” كانوا عملاء سابقين لوكالة الأمن القومي الأمريكية، ومتعاقدين مع الحكومة الأمريكية، فضلًا عن مسؤولين بارزين سابقين في البيت الأبيض. وأصرّ كلارك لاحقًا قائلًا: “كان الدافع هو المساعدة في مكافحة الإرهاب. والإمارات شريك جيد جدًا في مكافحة الإرهاب”.
بحلول عام 2011، حين اندلعت الانتفاضات المناهضة للحكومات في أنحاء العالم العربي، أصبح واضحًا ما تركزت عليه جهود “مشروع رافن”. فبعد أن وقّع عدد من أبرز القضاة والمحامين والصحفيين الإماراتيين على عريضة تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية محدودة، جاء رد الدولة حازمًا بلا هوادة؛ وخلال العامين التاليين، اعتُقل معظمهم، ولا يزال عشرات الموقعين على العريضة في السجن حتى اليوم.
ومع ازدياد الارتياب أكثر من أي وقت مضى، وتصاعد المخاوف من احتمال رفض الجنود الإماراتيين توجيه أسلحتهم إلى إخوانهم المسلمين في حال اندلاع احتجاجات واسعة في الشوارع، حشد “بني فاطمة” قوة شبه عسكرية قوامها 800 عنصر من المرتزقة من كولومبيا وجنوب أفريقيا لتعزيز قبضتهم على السلطة، كما جرى توجيه موارد أكبر من أي وقت مضى إلى عمليات القرصنة الرقمية. وبالنسبة إلى آل نهيان، شكلت السياسة الجماهيرية تهديدًا؛ إذ كانوا يرون أن الرعايا الممتنين لا يمكنهم سوى التماس التنازلات من قادتهم، دون أن يكون لهم الحق في تقديم مطالب إليهم بصفتهم مواطنين. وقالت ميرة الحسين: “أصبحت بنية الأمن الداخلي في الإمارات تولي الأولوية بصورة متزايدة لحماية النظام فوق أي اعتبار آخر”.
وفي خضم هذه المعطيات، بدأ طحنون – إلى جانب دوره باعتباره أبرز شخصية مالية في دولة الإمارات – في الصعود داخل المؤسسة الأمنية الإماراتية. ففي عام 2014، عُيّن نائبًا لمستشار الأمن الوطني في البلاد، وبعد عامين تولى أعلى منصب في هذا المجال. وبصفته رئيسًا للأمن، شملت مسؤولياته الجديدة بعضًا من أكثر المهام الدبلوماسية حساسية بالنسبة إلى الإمارات، من بينها كسر “محظور” استمر لعقود في العالم العربي، من خلال تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
وباعتبارها قوة رائدة أخرى في الشرق الأوسط في مجال التجسس السيبراني، كان لدى الاستخبارات الإسرائيلية الكثير لتقدمه للإماراتيين، وفي مقدمة ذلك إتاحة الوصول إلى برنامج “بيغاسوس“، الذي يُعد أكثر برامج التجسس تطورًا على الإطلاق. وبواسطة “بيغاسوس”، أصبح بإمكان العملاء اختراق أي جهاز يعمل بنظام “آبل” أو “أندرويد” تقريبًا دون علم المستخدم، وتحويله إلى أداة تجسس دائمة بحجم الجيب.

تحت إشراف طحنون، وسّع “مشروع رافن” – الذي انتقلت السيطرة عليه إلى شركة إماراتية خاصة مرتبطة بالدولة تُدعى “دارك ماتر” – نطاق عملياته في مجالي القرصنة والمراقبة. ولم يقتصر الاستهداف على المعارضين المحليين، والأجانب المشتبه بهم داخل الأراضي الإماراتية، بل طال أيضًا نشطاء حقوق الإنسان والصحفيين والسياسيين في جميع أنحاء العالم.
وكانت فيونا شاكلتون، المحامية البريطانية البارزة المتخصصة في قضايا الطلاق، والتي مثلت زوجة حاكم دبي المنفصلة عنه- وكان من بين عملائها الآخرين الأمير تشارلز وبول مكارتني – إحدى ضحايا هذه الممارسات. ويُعتقد أن رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، بوريس جونسون، كان هدفًا آخر.
وبدا أن الأمر لا يتعلق بهوية الشخص؛ فإذا اعتُبر أنه يشكل تهديدًا لمصالح عائلة آل نهيان وأصدقائها، ولو بشكل غير مباشر، فإنه يصبح هدفًا محتملًا.
وفي مطلع عام 2019، كشف تحقيق أجرته وكالة “رويترز” – استنادًا إلى عمل مجموعة الأبحاث الكندية “ذا سيتيزن لاب” – عن جانب كبير من عمليات “مشروع رافن”، وأُطلقت دعاوى وإجراءات قضائية متعددة في الولايات المتحدة ضد المتعاقدين الأمريكيين التابعين للمبادرة. وخلال العام التالي، أغلق طحنون رسميًا شركة “دارك ماتر” وفكك كياناتها المختلفة. وبحلول ذلك الوقت، يبدو أنه كان يعمل على خطط أكثر طموحًا.
بدأ يلوح في الأفق مجال جديد وقوي في عالم قدرات الحوسبة في عالم قدرات الحوسبة – ألا وهي الذكاء الاصطناعي. ولكي تُحدث هذه التكنولوجيا تحولًا حقيقيًا وجذريًا، احتاجت إلى كميات طائلة، تكاد توصف بالخرافية، من الأموال والبيانات. ومن خلال دمج عناصر من إمبراطوريته التجارية والأمنية، وجد طحنون نفسه في موقع فريد يتيح له توفير كليهما. وهكذا، أوشكت شركة لا مثيل لها على أن ترى النور.
في رواية دوغلاس آدامز الشهيرة “دليل المسافر إلى المجرة”، يُطلب من برنامج حاسوبي فائق الذكاء يُدعى “ديب ثوت” الإجابة عن “السؤال العظيم حول الحياة والكون وكل شيء”.
وبعد مضي 7.5 ملايين سنة، يقدم الحاسوب أخيرًا إجابته الشهيرة: 42. ويمضي “ديب ثوت” ليوضح أنه، لكي يفسر إجابته، يحتاج إلى تصميم برنامج حاسوبي عملاق آخر؛ وسيُطلق على هذا البرنامج اسم “الأرض”، وسيكون البشر أحد مكوناته التشغيلية الأساسية.
وفي هذا التصور، لا يرمز الرقم 42 إلى معنى الحياة فحسب، بل يشير إلى عالم يمكن فيه، في نهاية المطاف، اختزال كل جانب من جوانب الواقع إلى أسطر من التعليمات البرمجية، حيث يقضي الناس العاديون أيامهم، دون أن يدركوا ذلك، في خدمة أجهزة الكمبيوتر بدلًا من أن تكون تلك الأجهزة في خدمتهم. وفي أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، حين أعاد الشيخ طحنون تشكيل ما تبقى من شركة “دارك ماتر” لتصبح شركة جديدة تركز على الذكاء الاصطناعي، قرر تكريم آدامز بإطلاق اسم “مجموعة 42” أو “اختصارًا G42” عليها.
تُعد شركة “G42” خلاصة هوية طحنون المزدوجة كخبير مالي ورئيس لجهاز استخبارات، كما أن حجم طموحاتها مذهل. وعلى غرار العديد من عمالقة التكنولوجيا الآخرين، تهدف الشركة إلى إعادة صياغة مفهوم الذكاء الاصطناعي بوصفه ركيزة أساسية للبنية التحتية، مثل المياه أو الكهرباء – وهو مفهوم يُعرف باسم “شبكة الذكاء”. غير أن ما يميز “G42” عن نظيراتها في وادي السيليكون هو أن “شبكة الذكاء” الخاصة بها نشأت من جهاز استخبارات تابع لدولة ذات سيادة. وتركز الشركة في تسويقها بدرجة كبيرة على قدراتها الأمنية، إذ تعد الحكومات والشركات بتوفير “حماية فورية ضد التهديدات”، فضلًا عن أدوات تنبؤية تشمل “إعداد ملفات تعريف للمشتبه بهم”، و”رسم خرائط للعلاقات”، و”التحليل السلوكي”.
لا تفتقر صناعة التكنولوجيا إلى التهويل والمبالغات؛ لكن، مقارنةً بالعديد من نظرائه في “وادي السيليكون”، يتمتع طحنون – وهو مؤمن حقيقي بالذكاء الاصطناعي ويزعم أنه صمم أحد منازله بالكامل باستخدام “شات جي بي تي”- بموقع فريد يتيح له تحقيق ما يعد به.
وبُنيت شركة “G42” على الكفاءات الاستخباراتية التي وقفت وراء “مشروع رافن” و”دارك ماتر”؛ إذ يشغل بينغ شياو، الذي كان يرأس وحدة رئيسية في “دارك ماتر”، حاليًا منصب الرئيس التنفيذي لشركة “G42″، بينما يدير كريم صباغ ، الرئيس السابق لـ”دارك ماتر”، إحدى الشركات التابعة الرئيسية لـ”G42”.
وكان أحد أوائل المنتجات العامة التي طرحتها “G42” تطبيق مراسلة شهيرًا يُدعى “توتوك” كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” لاحقًا أنه برنامج تجسس صُمم “لتتبع كل محادثة وحركة وعلاقة وموعد وصوت وصورة” لدى الأشخاص الذين يثبتونه على هواتفهم.
وفي تصريح لصحيفة “الغارديان”، نفت شركة “G42” أن تعود أصولها إلى عمليات تجسس سيبراني، أو أنها تجري أو تتيح عمليات مراقبة غير قانونية. وقالت الشركة: “تأسست G42 كشركة متخصصة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تركز على البنية التحتية للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي”. وأضافت: “تُمارس أعمالنا في ظل الالتزام بالقوانين السارية، وتدابير حماية البيانات التعاقدية، وأطر صارمة للأمن والامتثال”.
إذا كانت عمالقة التكنولوجيا الأمريكية تشعر بالقلق إزاء صلات “G42” بالقرصنة الإلكترونية، فإنها تجيد إخفاء ذلك. فقد استثمرت شركة “مايكروسوفت” 1.5 مليار دولار في الشركة، ويشغل نائب رئيس مجلس إدارتها، براد سميث، مقعدًا في مجلس إدارة “G42”. كما أن “G42” وصندوقها الاستثماري المتخصص في الذكاء الاصطناعي – الذي يرأسه طحنون أيضًا – إما مستثمران مباشران في “أنثروبيك” و”إكس إيه آي” و”أوبن إيه آي”، أو شريكان رئيسيان لها. ويصف سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ”أوبن إيه آي”، طحنون بأنه “صديق شخصي عزيز”.
وقد طُلب من “مايكروسوفت” و”أوبن إيه آي” التعليق على هذا المقال، لكن أيًا من الشركتين لم يقدم ردًا. وفي بيانها لصحيفة “الغارديان”، أشارت “G42” إلى أن شراكتها مع “مايكروسوفت” تخضع لاتفاقية ملزمة وُضعت بالتشاور مع حكومتي الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة، وتغطي الأمن السيبراني، وحماية البيانات، والذكاء الاصطناعي المسؤول، وضوابط التصدير، ونزاهة الأعمال.
إنّ جاذبية طحنون بالنسبة إلى وادي السيليكون واضحة؛ ففي نهاية المطاف، إذا كنت ستدخل في شراكة تجارية مع حاكم خليجي مستبد مكتنز بالأموال، فإن اختيار شخص يرأس إمبراطورية أمنية تابعة للدولة شديدة الرقمنة – ويتمتع بسجل مثبت في جمع كميات هائلة من البيانات الشخصية، وهي المادة الخام التي تعتمد عليها تقنيتك – يبدو خيارًا منطقيًا. ورغم أن مارك زوكربيرغ وسام ألتمان وإيلون ماسك جميعًا من القادة المؤثرين للغاية في مجال الذكاء الاصطناعي، فإن أيًا منهم لا يدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) في الوقت نفسه.
ومن بين الشخصيات النافذة الأخرى التي احتضنت طحنون وشركة “G42” بقوة دونالد ترامب، الذي استضاف الشيخ في مآدب دولة فاخرة في البيت الأبيض، والتقط معه صورًا في المكتب البيضاوي. ولطالما ساورت الأجهزة الأمنية الأمريكية مخاوف بشأن النفوذ الإماراتي في السياسة الأمريكية؛ ففي عام 2022، أعدّ مجلس الاستخبارات الوطني تقريرًا سريًا لصانعي السياسات في واشنطن، حذّر فيه من “محاولات أبوظبي القانونية وغير القانونية لتوجيه السياسة الخارجية الأمريكية”.
وفرضت إدارة جو بايدن قيودًا على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي إلى الإمارات، بسبب مخاوف بشأن علاقات البلاد الوثيقة مع الصين. لكن ترامب تراجع عن ذلك القرار العام الماضي، وأذن بنقل مئات الآلاف من أكثر رقائق وادي السيليكون تطورًا إلى نظام آل نهيان. وسيذهب كثير منها مباشرة إلى “G42”.

وقد أُعلن عن صفقة الرقائق بعد أسبوعين فقط من استحواذ أحد الكيانات الاستثمارية التابعة لطحنون على عملات مشفرة بقيمة ملياري دولار أصدرتها شركة “وورلد ليبرتي” المملوكة لعائلة ترامب، التي تجني فوائد على كامل احتياطياتها. كما يُعد طحنون مستثمرًا مباشرًا في “وورلد ليبرتي”، إذ اشترى حصة تبلغ 49% من الشركة قبل أقل من شهر من تنصيب ترامب لولايته الثانية. وقد نفى كل من البيت الأبيض وشركة “وورلد ليبرتي” وجود أي صلة بين استثمارات طحنون وعملية نقل الرقائق. وقال متحدث باسم شركة “G42” لصحيفة “نيويورك تايمز” إن الشركة “تقوم على النزاهة”.
“إنه الفساد، بكل بساطة“، هكذا وصفت إليزابيث وارن، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية ماساتشوستس، التشابك الغامض بين أموال طحنون والبيت الأبيض الأمريكي. غير أن الصعود السريع لطحنون وشركة “G42″ في قطاع الذكاء الاصطناعي يعكس قناعة راسخة لدى كل من إدارة ترامب و”بني فاطمة” بأن الذكاء الاصطناعي سيحل محل النفط باعتباره السلعة العالمية الجوهرية والمُحدِّد الأسمى للقوة العالمية، وأن الوقت قد حان لإتقانه.
وكانت النتيجة أن شركة “G42″، الخاضعة لسيطرة طحنون، نجحت في ترسيخ مكانتها في قلب البنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي لعقود قادمة. ومن المتوقع أن تبلغ قدرة الطاقة في “مجمع الذكاء الاصطناعي” الذي يجري تشييده حاليًا على ساحل الإمارات 5 غيغاواط، أي ما يصل إلى 250 ضعف قدرة أكبر مراكز البيانات فائقة النطاق اليوم. وتساهم “G42” في تمويل خطة بقيمة 500 مليار دولار لإنشاء مراكز بيانات جديدة في الولايات المتحدة، كما استحوذت الآن على عدد من شركات الإنشاءات المشاركة في عملية بنائها.
وفي العام الماضي، أطلقت “مايكروسوفت” و”G42″ رسميًا معًا “مؤسسة مستقبل الذكاء الاصطناعي المسؤول”، التي تهدف إلى بلورة “التطوير والنشر الأخلاقيين لأنظمة الذكاء الاصطناعي”. ويقع مقرها الرئيسي، بطبيعة الحال، في أبوظبي.
“هل يهم حقًا أن تقع أجزاء كبيرة من بنيتنا التحتية للذكاء الاصطناعي في يد رجل تحت تصرفه كامل ترسانة دولة بوليسية؟” قد يكون أحمد منصور – وهو مهندس كهرباء إماراتي هادئ الطبع وشاعر طموح – أحد الأشخاص القادرين على الإجابة عن هذا السؤال.
ففي مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، كان منصور ضمن مجموعة من المثقفين والشخصيات العامة الذين وقعوا عريضة تطالب بإنشاء برلمان منتخب في دولة الإمارات؛ كما كان يدير موقعًا إلكترونيًا نُشرت عليه أحيانًا مواد تنتقد نظام آل نهيان. وفي أبريل/نيسان 2011، أُلقي القبض عليه بتهم متعددة، من بينها التشهير بـ”بني فاطمة”، لكنه أُطلق سراحه في بادئ الأمر بفضل عفو رئاسي.
ومع ذلك، ففي السنوات التالية، استهدفته الأجهزة الأمنية الإماراتية بلا هوادة، وأنفقت ملايين الدولارات في محاولة للوصول إلى أجهزته الإلكترونية وأجهزة زوجته. وفي نهاية المطاف، وقع منصور ضحية لمرفق خبيث في رسالة بريد إلكتروني، أرسل جميع بياناته الخاصة إلى خادم حاسوبي مسجل على صندوق البريد رقم 5151 في أبوظبي، وهو العنوان البريدي للمكتب الشخصي للشيخ طحنون.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ اكتشف لاحقًا أن جهاز مراقبة الرضيع في منزله تعرض للاختراق أيضًا، فتحول إلى كاميرا وميكروفون يلتقطان كل لحظة من حياة عائلته. وفي عام 2017، أُلقي القبض عليه مجددًا، وخضع لمحاكمة سرية، وأُدين بتهمة إهانة “مكانة وهيبة دولة الإمارات ورموزها، بما في ذلك قادتها”. وحُكم عليه بالسجن 10 سنوات، ولا يزال منذ ذلك الحين محتجزًا في الحبس الانفرادي داخل سجن “الصدر” شديد الحراسة، الذي يقع على بعد نحو 10 أميال جنوب غرب مجمع “G42” الضخم للذكاء الاصطناعي.
لا نعلم ما إذا كان طحنون سيستغل موقعه المهيمن في قلب صناعة الذكاء الاصطناعي لاختراق المنتقدين ومراقبتهم وترهيبهم بشكل مباشر، كما فعلت أجهزته الأمنية مع منصور. لكن طبيعة الأشخاص الذين يتحكمون في هذه التكنولوجيا الجديدة أمر مهم. ففي يومنا هذا، لم نعد نستخدم المنصات التقنية الكبرى لمجرد تخزين الملفات وإرسال الرسائل؛ بل أصبح عدد متزايد من الناس يستخدمون الذكاء الاصطناعي ليكون معالجًا أو صديقًا أو حتى حبيبًا. ويؤكد المسؤولون التنفيذيون في شركات التكنولوجيا أن بياناتنا في مأمن من أعين المتطفلين، لكن المواطنين العاديين لا يملكون سوى وسائل محدودة للغاية للتحقق من ذلك.
وفي أوج ازدهارها، كانت شركة “بلاك بيري” تصر على أن “الخصوصية والأمن يشكلان جوهر كل ما نقوم به”. لكنها أغفلت ذكر أنها كانت تعمل سرًا في ذلك الوقت مع وحدة للأمن السيبراني تابعة لحكومة أجنبية، وتساعدها في تنفيذ عمليات مراقبة رقمية لمستخدمي الهواتف المحمولة. وتلك الوحدة الأمنية لم تكن سوى مجموعة “دارك ماتر” الإماراتية، التي كانت سلفًا لشركة “G42”.
وقد تكون المخاطر المحتملة لسيطرة جهات غير موثوقة على الذكاء الاصطناعي أكثر خفاءً من الاختراق والمراقبة المباشرين. فقد كشفت مجموعة من الباحثين مؤخرًا أن أدوات الذكاء الاصطناعي – بما في ذلك منتجات من “ميتا” و”غوغل” و”سبايس إكس” – تغيّر بانتظام معاني النصوص المتعلقة بموضوعات سياسية حساسة، بطرق يمكن أن تعيد تشكيل الرأي العام.
وتقول الحسين: “أشعر بقلق بالغ إزاء نظرة طحنون للعالم. إنه أمير ألعاب الفيديو الذي يريد الضغط على زر للقضاء على جميع التهديدات”

ولإلقاء نظرة على الشكل الذي قد يبدو عليه عالم أُعيد تشكيله وفق رؤية طحنون، يكفي النظر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة. فهنا، تغيب الأحزاب السياسية تمامًا، وتُحظر النقابات العمالية والإضرابات، وتُقابل الاحتجاجات وأي مساس بمقام السلطة بعقوبات سريعة. أما العمال المهاجرون، الذين يشكلون الغالبية العظمى من سكان البلاد، فيعيشون في حالة من انعدام الأمان المقنّن، ويشهدون آلاف الوفيات سنويًا دون تفسير رسمي، وهي حالات تعزوها منظمات حقوق الإنسان إلى الإجهاد الحراري وحوادث البناء وغيرها من ظروف العمل السيئة. وفي المقابل، تتمتع الشركات بحرية اختيار اللوائح التنظيمية التي تحكمها من بين شبكة تضم أكثر من 40 “منطقة حرة”، تتنافس جميعها على استقطاب المستثمرين من خلال أنظمة ضريبية وأطر قانونية مصممة خصيصًا لهم.
وخارج حدود الإمارات، تمتد هيمنة أبوظبي عبر شبكة واسعة من الموانئ والشركاء الأمنيين والأنظمة الحليفة والتدفقات المالية، تغطي البحر الأحمر ومساحات شاسعة من شمال وشرق ووسط أفريقيا. وغالبًا ما تُقدَّم الإمارات بوصفها مركزًا تجاريًا محايدًا، ممزقًا بين تكتلات القوى العالمية المتنافسة في الشرق والغرب، لكن الواقع هو أن الإمارات لطالما أدت دور “إمارة رأس المال”، إذ تحمي ثروات النخب الدولية، وتفتح الأسواق غير المواتية، وتمهد الطريق أمام المستثمرين الغربيين، ووفقًا لما يقوله كولين باورز، الخبير في الاقتصاد السياسي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، “تعمل بنشاط على توسيع دوائر تراكم الثروة العالمية”.
في عهد “بني فاطمة”، شمل هذا الدور القمع الوحشي لأي تجربة ديمقراطية ضمن نطاق النفوذ الإماراتي قد تهدد المصالح المادية لآل نهيان أو حلفائهم. ففي مصر، ساعدت الإمارات في ترسيخ الحكم العسكري الديكتاتوري لعبد الفتاح السيسي، الذي وجّه أسلحته ضد آلاف المتظاهرين. وفي اليمن وليبيا وإثيوبيا، سلّحت ميليشيات شبه عسكرية وأججت مستويات مروعة من عنف الدولة ضد المدنيين. أما في السودان، فتواجه أبوظبي اتهامات بالتواطؤ في ارتكاب إبادة جماعية.
وردًا على ذلك، وظفت أبوظبي أدوات الذكاء الاصطناعي كجزء من حملة متطورة للتضليل تهدف إلى النيل من مصداقية الأمم المتحدة. كما تعرض العديد من المعارضين، المطلوبين من قبل أنظمة ديكتاتورية أخرى – من إيران إلى السعودية ورواندا – للاختطاف أثناء مرورهم عبر مطار دبي، قبل أن تقوم السلطات الإماراتية بـ”تسليمهم” إلى الأجهزة الأمنية في بلدانهم الأصلية.
ولم تكن كل المغامرات الخارجية لأبوظبي ناجحة؛ فقد أدى الكثير منها إلى مآزق عسكرية وإلحاق الضرر بسمعة الدولة على الساحة الدولية. غير أن العواقب كانت وخيمة بالنسبة إلى أولئك الذين طالهم التدخل الإماراتي.
لا يبدو أن الطموحات الإمبراطورية لطحنون وإخوته ترتكز على الاحتلال المباشر للأراضي، بل على السيطرة على “نقاط ارتكاز” محورية خارج حدودهم؛ وهي المواقع التي تتقاطع فيها حركة الأموال والأسلحة والتجارة والتكنولوجيا والأفكار. ويُعدّ الذكاء الاصطناعي – الذي تتوزع وظائفه عبر أراضٍ حول العالم – الأصل المثالي لإمبراطورية قائمة على “نقاط الارتكاز”.
وعلى الصعيد الداخلي، يُقدَّم هدف طحنون المتمثل في جعل الإمارات قوة عظمى في مجال الذكاء الاصطناعي بوصفه جزءًا من المهمة التاريخية لعائلته لتحسين أحوال الشعب الإماراتي. لكن تراكم القوة الذي حققته الإمارات خلال العقود الأخيرة جرى وفق شروط “بني فاطمة” الخاصة.
وتتمحور رؤية عائلة آل نهيان للعالم حول فكرة مفادها أنه، في ظل عالم تمزقه فوضى الديمقراطية وما تسببه من إذلال، تمثل دولتهم دليلًا على أن الأمور يمكن، بل ينبغي، أن تسير بطريقة مختلفة. ووفقًا لشقيق طحنون، الرئيس محمد بن زايد آل نهيان، فإن “دولة الإمارات نموذج ملموس للعالم”.
بما يملكه من مجموعة واسعة تضم أدوات التجسس، واليخوت الفاخرة، والحواسيب العملاقة، فضلًا عن ولعه الدائم بالتواري عن الأنظار، ومداومته على ارتداء نظارات شمسية داكنة حتى في الأماكن المغلقة، واقتران ذلك – بطبيعة الحال – بهوسه بطول العمر ورغبته في بلوغ سن المائة والخمسين؛ يبدو من السهل للغاية تصوير الشيخ طحنون على أنه “شخصية شريرة من أفلام الرسوم المتحركة”. غير أن الحقيقة أن هذه القصة لا تدور حول أمير خبيث يدبّر أعمالًا دنيئة من قصره في الخليج العربي، بل هي حكاية أكثر بساطة بكثير عن كيفية عمل السلطة والمال في عالم اليوم.
ففي العاصمة الأمريكية واشنطن، تمامًا كما في أبوظبي، باتت السياسة تُدار بصورة متزايدة وفق منطق العلاقات الشخصية والمكاسب القائمة على الصفقات، بدلًا من الاستجابة للمطالب الشعبية. وفي بريطانيا، تمامًا كما في الإمارات، نرى شركات مثل “بالانتير” – التي تقدم تقنيات للمراقبة وتحليل البيانات مدعومة بالذكاء الاصطناعي – تُدمج في الوظائف الأساسية للدولة. وعلى امتداد العالم، بات الحكام الأقوياء المؤيدون لقطاع الأعمال هم السمة السائدة للمشهد السياسي. وفي هذا السياق، يقول رونالد ديبرت، مؤسس ومدير “ذا سيتيزن لاب”: “على مدى السنوات العشرين الماضية، كانت الديمقراطية في حالة تراجع. ويتزامن ذلك مع توسع هائل في قدرات المراقبة الرقمية، لأغراض تجارية ولأغراض الأمن القومي على حد سواء. والإمارات هي مركز الكثير من ذلك. وإلى أين تقود كل الطرق في الإمارات؟ إنها تقود إلى الشيخ طحنون”.
وفي 27 فبراير/شباط، ترأس الشيخ طحنون اجتماعًا لمجلس إدارة صندوق الاستثمار في الذكاء الاصطناعي التابع لشركة “G42”. وفي تلك الليلة، أضاءت سماء الواجهة البحرية في أبوظبي ومضاتُ صواريخ أمريكية وإسرائيلية انهمرت في أنحاء الخليج العربي، معلنةً بدء الحرب مع إيران. وكان من أولى خطوات الرد الإيراني قصفُ مركزي بيانات للذكاء الاصطناعي في الإمارات بشكل مباشر. وسرعان ما نشرت الحكومة الإيرانية قائمة رسمية بما اعتبرته أهدافًا عسكرية “مشروعة”، شملت مكاتب شركات التكنولوجيا الأمريكية في الإمارات، مثل “أمازون” و”غوغل” و”مايكروسوفت”. وتكهّن صحفيون غربيون بأن هذا الأمر قد يضع حدًا لأحلام طحنون في مجال الذكاء الاصطناعي؛ إذ جاء في عنوان بصحيفة “فاينانشال تايمز”: “لماذا اعتبرنا أصلًا أن إنشاء مراكز بيانات في منطقة الخليج فكرة سديدة؟”
وعلى مدار الأشهر اللاحقة، تنقّل الشيخ طحنون في أرجاء الشرق الأوسط، منخرطًا في دبلوماسية سرية. ووفقًا لما كشفته وكالة “رويترز”، استضاف طحنون في دار الضيافة الخاصة به في أبوظبي مسؤولين كبارًا من الحرس الثوري الإيراني. وبحلول منتصف يونيو/حزيران، أفادت التقارير بأنه أبرم اتفاقًا وفّر للحكومة الإيرانية مليارات الدولارات، وأوقف الضربات الإيرانية على دولة الإمارات. وبعد بضعة أسابيع، وفي اليوم نفسه الذي أعلن فيه الرئيس ترامب أن وقف إطلاق النار الأمريكي مع إيران قد “انتهى”، أكدت وزارة التجارة الأمريكية بهدوء أنها رفعت آخر قيود التصدير المتبقية التي كانت تحول دون بيع رقائق الذكاء الاصطناعي المتطورة إلى أبوظبي.
ومع عودة الحياة في أبوظبي تدريجيًا إلى ما يشبه طبيعتها المعتادة، بدأ أفراد عائلة طحنون يظهرون في الأماكن العامة مجددًا. فقد وقعت شركة أسستها ابنته، الشيخة فاطمة بنت طحنون، مذكرة تفاهم مع “G42” الشهر الماضي، في إشارة إلى أنها تُهيَّأ للسير على خطى والدها وتولي دور قيادي بارز في نهاية المطاف داخل إمبراطورية التكنولوجيا والأمن الإماراتية. كما حلّ ابنه، الشيخ زايد بن طحنون، ضيف شرف في العديد من فعاليات الجيوجيتسو الكبرى خلال الصيف. أما طحنون نفسه، فظل بعيدًا عن الأنظار. معرفة متى يتراجع، وإدراك متى يوجه ضربته: لقد نجح “بن” مرة أخرى في التفوق على المشككين فيه.
المصدر: الغارديان