ترجمة وتحرير نون بوست
احتاج الأمر إلى 50 متطوعًا لجمع ودفن أكثر من 600 جثة.
كانت الجثث تنتشر على امتداد شوارع مدينة بارا، بولاية شمال كردفان في السودان، وتتوزع في القرى المحيطة بها، وعلى الطريق الذي يربط بارا بعاصمة الولاية، مدينة الأبيض ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة.
وبحسب شهود عيان، قُتل معظم هؤلاء في هجمات انتقامية نفذتها قوات الدعم السريع شبه العسكرية.
وقد حوّل تراكم الأعداد الهائلة من الجثث مدينة بارا إلى أرض قاحلة هجرها سكانها، وتلوثت تربتها، وانتشرت فيها الحشرات والعقارب.
وتتفشى أمراض مجهولة بسرعة نتيجة انتشار الجثث، فيما يبذل المتطوعون، الذين يرتدون بدلات واقية وكمامات، أقصى جهودهم للتخلص من الرفات بطريقة آمنة.
وتُظهر مقاطع فيديو وصور حصل عليها موقع “ميدل إيست آي” حصريًا ضحايا المجازر التي وقعت خلال فترة من المعارك العنيفة في يوليو/تموز، عندما استعادت القوات المسلحة السودانية السيطرة على المنطقة من قوات الدعم السريع.
وأفادت مصادر محلية متعددة، بينها ناشطون ومتطوعون شاركوا في عمليات انتشال الجثث ودفنها، بأن معظم الضحايا كانوا من المدنيين، فيما كان الباقون مقاتلين من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع على حد سواء.

وإضافة إلى الجثث التي جُمعت، والبالغ عددها أكثر من 600، تؤكد المصادر أن مئات الجثث الأخرى لا تزال متروكة لتتحلل في مدينة بارا والمناطق الريفية المحيطة بها.
واتهم الناشطون، ومن بينهم أعضاء في غرف الطوارئ للاستجابة المستقلة، إلى جانب متطوعين من المقاومة الشعبية التي تعمل تحت قيادة الجيش السوداني، قوات الدعم السريع شبه العسكرية، المدعومة من الإمارات العربية المتحدة، بارتكاب مجازر وعمليات قتل جماعي في منطقة بارا خلال أكتوبر/تشرين الأول 2025. وكانت الأمم المتحدة والولايات المتحدة قد خلصتا إلى أن هذه القوات ارتكبت إبادة جماعية.
مقابر جماعية وجثث مكشوفة
قال أحد المتطوعين لموقع “ميدل إيست آي” إنهم فتحوا 200 مقبرة جماعية في المنطقة، ثم أعادوا دفن جميع الجثث المتكدسة داخلها بطريقة لائقة. وأضاف المصدر أن 400 جثة أخرى دُفنت أيضًا.
وأوضح قائلًا: “موّلت هذه الجهود مجموعات محلية عديدة، من بينها نساء ورجال من مدينة بارا، وآخرون من أبناء المدينة المقيمين في الخارج، ولا سيما في دول الخليج، فضلًا عن مساهمين من مدينة الأبيض”.
وبحسب المصدر، زوّدت وزارة الصحة السودانية والهلال الأحمر السوداني ومبادرات محلية أخرى المتطوعين بصناديق وأكياس مخصصة لحفظ الجثث.
ولا تزال المجموعة تواصل عمليات التنظيف والتعقيم لمنع انتشار الأمراض.
وقال المتطوع: “ما زلنا بحاجة إلى قدر كبير من الدعم اللوجستي والإمدادات، بما في ذلك الوقود والقفازات والكمامات ومواد التعقيم والصناديق والأكياس، وغيرها من المستلزمات”.
وقال عبد الرحمن، أحد الأعضاء البارزين في لجنة مقاومة بارا، لموقع “ميدل إيست آي”: “عُثر على هذه الجثث في الشوارع والساحات، وكذلك داخل المنازل”.
وأضاف: “عُثر على جثث أخرى في القرى المحيطة ببارا، ولا تزال العملية مستمرة، لأننا نعتقد أن العدد الفعلي أكبر مما وثقته تقاريرنا الميدانية”.
وأوضح عبد الرحمن أن مئات الجثث لا تزال ملقاة في مناطق محيطة ببارا، من بينها قريقخ وجبرة الشيخ وأم سيالة.
وقالت وزارة الإعلام السودانية إن انتهاكات قوات الدعم السريع امتدت إلى أكثر من 100 قرية في محيط بارا، وإن جميع سكان المنطقة اضطروا إلى الفرار من منازلهم بسبب تلك الهجمات.
وعقب اجتماع عُقد مؤخرًا بين قيادات محلية من بارا ووزير الثقافة والإعلام والسياحة السوداني خالد الإعيسر، أعلنت الوزارة أن الحكومة ستدعم ضحايا انتهاكات قوات الدعم السريع، من خلال المساعدة في توفير الرعاية الطبية وإعادة الإعمار.
جثث تحولت إلى هياكل عظمية
تُظهر الصور ومقاطع الفيديو التي حصل عليها موقع “ميدل إيست آي” حصريًا، وينشرها هنا، جثثًا بقيت مكشوفة في العراء لأشهر.
وكانت بعض الجثث قد تحللت، فيما تحول بعضها الآخر بالفعل إلى هياكل عظمية، وهي عملية قد تستغرق بضعة أسابيع فقط في مناخ حار مثل مناخ السودان.
وجمع عشرات المتطوعين، الذين ارتدوا قفازات وملابس واقية، الجثث التي لم يبقَ من بعضها سوى عظام متناثرة، وحمّلوها في سيارات قديمة أو شاحنات صغيرة مكشوفة، قبل دفنها بصورة جماعية.
وكانت الهياكل العظمية تعود إلى أشخاص من مختلف الأعمار، بينهم أطفال ومسنون، فيما تعود جثث أخرى، لم يمضِ وقت طويل على وفاة أصحابها، إلى عسكريين.
ووصف المتطوعون ظروفًا بالغة القسوة، حيث كانت الأرض قذرة وملوثة، وتعجّ بأسراب الفراشات وغيرها من الحشرات، وتنتشر فيها العقارب، وتتناثر فوقها جثث الحيوانات والطيور النافقة.
وقال أحد المتطوعين لموقع “ميدل إيست آي”: “لم تعد هناك أي حياة في بارا”.
وأوضح المتطوعون أن البيئة انهارت بالكامل، بعدما أدى العدد الهائل من الجثث إلى الانتشار السريع لأمراض مجهولة.
وقال المتطوع: “هذا العمل شاق، ونؤديه من دون أي مساعدة مباشرة من السلطات أو المنظمات الدولية غير الحكومية. وكل ما حصلنا عليه هو أكياس حفظ الجثث التي قدمها الهلال الأحمر السوداني”.
وقال إسماعيل كرم الدين، وهو متطوع وعضو في المقاومة الشعبية، لموقع “ميدل إيست آي” عبر الهاتف: “إن غالبية الجثث التي انتشلناها من بارا والقرى الأخرى تعود إلى مدنيين قُتلوا في هجمات انتقامية شهدتها المدينة بعد دخول قوات الدعم السريع إليها العام الماضي”.
وأضاف: “هذه الجهود ينفذها فقط متطوعون من أبناء بارا، بقيادة المقاومة الشعبية في المدينة. أما الهلال الأحمر ووزارة الصحة المحلية، فلم يقدما سوى الصناديق والأكياس المخصصة لحفظ الجثث ودفنها”.
استمرار الحرب في السودان والتدخلات الخارجية
اندلعت الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023، وأصبحت اليوم أكبر أزمة إنسانية في العالم، بعدما أُجبر أكثر من 11 مليون شخص على النزوح من منازلهم، فيما يُعتقد أن 150 ألف شخص على الأقل لقوا حتفهم.
ووُجهت اتهامات إلى كلٍّ من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع بارتكاب جرائم حرب، في حين ثبت أن قوات الدعم السريع ارتكبت إبادة جماعية في مناطق مختلفة من دارفور، غربي السودان.
وتحظى قوات الدعم السريع بدعم الإمارات العربية المتحدة، رغم استمرار أبوظبي في نفي تورطها، في مواجهة أدلة متزايدة، من بينها ما توصلت إليه بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن السودان.
ويوم الاثنين، تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام خريطة تُظهر السودان مقسمًا بين مناطق الغرب الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، والمصنّفة على أنها صديقة لإسرائيل والإمارات، وبقية أنحاء البلاد، المصنّفة على أنها صديقة لتركيا والسعودية ومصر وباكستان.
وتحظى القوات المسلحة السودانية بدعم عسكري من تركيا ومصر، وقد قتلت الأخيرة مؤخرًا ما لا يقل عن 114 شخصًا في غارة جوية استهدفت منجمًا للذهب على الحدود السودانية المصرية.
وشهدت ولاية شمال كردفان تقدمًا عسكريًا واسعًا للجيش السوداني خلال الأسابيع الأخيرة، إذ سيطر على سودري وأم بادر والمزروب ومناطق أخرى، ما أعاد معظم أنحاء الولاية إلى سيطرته.
وقال مصدر عسكري لموقع “ميدل إيست آي” إن القوات المسلحة السودانية ستتقدم باتجاه ولاية غرب كردفان المجاورة، ولا سيما مدينتي النهود والخوي، الواقعتين في مناطق غنية بالصمغ العربي.
وكانت هذه المناطق تنتج سابقًا أكثر من 80% من الصمغ العربي في العالم، وهو مكوّن أساسي لشركات متعددة الجنسيات مثل كوكاكولا وبيبسي، ويُستخدم كذلك في صناعة الأدوية ومستحضرات التجميل.
من جانبها، وسّعت قوات الدعم السريع نطاق هجماتها بالطائرات المسيّرة لتشمل أنحاء البلاد، بما فيها مدينة الأبيض، وكوستي في ولاية النيل الأبيض، وعطبرة في شمال البلاد، والعاصمة الخرطوم ومدينة أم درمان المجاورة لها.
ولا تزال الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب بلا نتائج فعّالة.
المصدر: ميدل إيست آي


