ترجمة وتحرير: نون بوست
اعتاد الكولومبيون مشاهد الموت، لكن ليس بهذه الضخامة. فمعظم هؤلاء المرتزقة مخضرمون صقلتهم حروب العصابات وغابات أمريكا الجنوبية، وبعضهم خدم كبنادق مأجورة لصالح كارتيلات المخدرات، بينما أمضى آخرون سنوات كمتعاقدين أمنيين في الشرق الأوسط. ورغم ذلك، كان ما جابهوه في مدينة الفاشر كابوساً مختلفاً كلياً.
بحلول الوقت الذي وصلوا فيه إلى السودان عام 2024، كانت الحرب الأهلية قد تسببت بالفعل في أسوأ أزمة إنسانية في العالم. ثم جاء حصار مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، الذي استمر 18 شهراً وانتهى بسقوطها. وبعد ذلك، صرحت الأمم المتحدة بأن أعمال إبادة جماعية قد ارتُكبت، وأخبرت إحدى جماعات حقوق الإنسان أعضاء البرلمان البريطاني أن عشرات الآلاف قد قُتلوا. وظهرت مقاطع فيديو لقائد قوات شبه عسكرية وهو ينفذ عمليات إعدام لمجموعات من الأسرى العزل بنشوة. وعندما توقف القتل، ظل دخان محارق الجثث يغطي الأحياء المهجورة لأسابيع، وكان بالإمكان رؤيته من الفضاء.
عندما وصل لويس إلى المدينة، كانت الشوارع خاوية وموحشة بشكل مخيف، ولم يكن هناك سوى رائحة الموت النفاذة. وقال: “كان الهواء محملاً بالذباب الذي جذبته الجثث وأكوام القمامة على حد سواء، وكانت هناك جثث قد تحولت إلى اللون البنفسجي نتيجة تعرضها لأشعة الشمس لفترة طويلة… وكان أمراً مروعاً أن يحلق حولك نفس الذباب، الذي طاف حول الجثث، وأنت تتناول طعامك.”
لم يكن بمقدور لويس ورفاقه الكولومبيين التحرك دون مرافقة. وأخبره المسلحون الذين يعملون معهم والذين سيطروا على المدينة بأنهم يحرقون الجثث خشية تفشي الكوليرا. لكن بعض المشاهد أثارت قلقه، مثل أكوام الجثث التي بدت وكأنها سُحقت بواسطة المركبات، وجثث النساء والأطفال.
وكانت تظهر بين الحين والآخر كلاب ضالة. كان لويس يحب الكلاب، وغالباً ما كانت تظهر في صوره من الحرب، تتخلل لقطات للمركبات المزودة بمدافع رشاشة، أو المباني المدمرة، أو الرجال الملثمين وهم يحملون الأسلحة على أكتافهم. وقبل الهجوم الأخير، أمضى رفاقه أشهراً في تشديد حصار التجويع حول المدينة وقصفها بالمسيرات والمدفعية. ولم يفكر طويلاً فيما كانت تأكله كلاب مدينة الفاشر.
وعندما اندلعت الحرب الأهلية في عام 2023، دارت المعارك الأولى بين الجيش، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بـ “حميدتي”. لكن الطرفين كانا في يوم من الأيام حلفاء.
فقد تعاونا قبل سنوات على سحق تمرد في دارفور؛ حيث قدم الجيش الدعم الجوي، بينما شن سلف قوات الدعم السريع، أي “الجنجويد”، غارات “الأرض المحروقة” على القرى. وفي عام 2019، تعاونت القوتان للإطاحة بالديكتاتور السوداني الذي حكم لفترة طويلة، عمر البشير، في أعقاب احتجاجات حاشدة ضد حكمه. وبعد ذلك بعامين، قاما بحل الحكومة الناشئة، التي تشكلت في الأيام الأولى التي أعقبت رحيل البشير، عندما تجرأ النشطاء الشباب على الحلم بالديمقراطية.
لكن الشكوك والمنافسة بين القوتين تزايدت بشكل ملحوظ ففي صباح أحد أيام السبت من شهر أبريل/نيسان 2023، شنت قوات الدعم السريع هجمات في جميع أنحاء البلاد، مما أدى إلى تدمير الطائرات العسكرية، ونهب الأموال والذهب، وتقطعت السبل بالمواطنين المذعورين والباحثين عن أي مكان يمكنهم اللجوء إليه. ومع اتساع رقعة الصراع واستيعاب كلا الطرفيين للميليشيات، اتخذ النزاع طابعاً عرقياً. وقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات على قوات الدعم السريع بسبب ارتكابها فظائع واسعة النطاق، شملت جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وإبادة جماعية ضد الجماعات غير العربية، وعلى الجيش بسبب غاراته الجوية على البنية التحتية التي يحميها القانون الدولي مثل المستشفيات، ومنع وصول المساعدات الإنسانية، واستخدام الأسلحة الكيميائية.
وأدى القتال والمجاعة الناجمة عنه إلى فرار 15 مليون شخص من منازلهم. وبعد السنة الأولى من الحرب، قدرت الولايات المتحدة عدد القتلى بـ 150 ألف شخص، والآن وقد دخلت الحرب عامها الرابع، لم يعد أحد يحصي الضحايا بعد الآن. وخلال تلك الفترة، تفاقم النزاع وتمدد، مستقطباً قوى إقليمية فقد زودت إيران وتركيا الجيش بالأسلحة، كما عُثر على أسلحة إماراتية في مخزونات قوات الدعم السريع. وفي ظل فرار اللاجئين عبر الحدود، تدفق مرتزقة من ليبيا وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا ودول أخرى، بل إن بعضهم جاء من أماكن أبعد من ذلك.
وكان لويس واحداً من بين نحو ألفي مرتزق كولومبي وصلوا إلى السودان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع. وأوضح أن الأشخاص الذين أحضروه إلى هناك يعملون لصالح شركة أمنية خاصة تُدعى “جلوبال سيكيورتي سيرفيس جروب”، ومقرها في الإمارات. ويُزعُم أن الشركة، التي يديرها مديرون من جنوب أفريقيا، لها صلات بالسلطات الإماراتية. ولم ترد شركة “جلوبال سيكيورتي سيرفيس جروب” على طلبات التعليق الخاصة بهذا التقرير.
وتقدم المقابلات التي أجريت مع لويس وستة من زملائه المقاتلين صورة مفصلة لكيفية نجاح شركة أمنية إماراتية بارزة في توجيه المرتزقة والأسلحة إلى ساحة المعركة في السودان، رغم تعهد القادة الإماراتيين علناً بالمساعدة في إحلال السلام. وقد نفت الإمارات مراراً وتكراراً تقديم أي دعم لقوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب، أو تورطها في تجنيد المرتزقة. ومع ذلك، ترتبط الإمارات بعلاقات راسخة مع قوات الدعم السريع، وتخشى توغل جماعات إسلامية داخل القوات المسلحة السودانية تعتبرها تهديداً للأمن على امتداد ساحل البحر الأحمر. وفي السياق ذاته، تؤكد جماعات حقوق الإنسان أن نشر المرتزقة دعماً لقوات الدعم السريع ما كان ليحدث لولا الحصول على موافقة فعلية من الحكومة الإماراتية.
وكان من بين الكولومبيين الذين تحدثوا إلى صحيفة “فايننشال تايمز” متخصصون وضباط ومقاتلون على خط المواجهة. وقد طلب جميعهم استخدام أسماء مستعارة لأسباب أمنية، وقدموا تفاصيل دقيقة حول كل شيء، بدءاً من تنظيم الوحدات وأسماء قادتهم، وصولاً إلى كيفية تلقيهم الأجور وطبيعة الواجبات الموكلة إليهم.
وقالوا إنه تم نشرهم باستخدام شبكة من الطائرات والمطارات السرية في دول تُعد حلفاء رئيسيين للإمارات، بدءاً من “الكفرة” الواقعة في شرق ليبيا، وصولاً إلى منطقة “بونتلاند” في شمال الصومال والجناح العسكري لمطار تشاد. وتدعم رواياتهم قوائم رحلات الطيران وسجلات الهجرة والسفر لعدد كبير من الكولومبيين، فضلاً عن مقاطع الفيديو والصور التي التقطها شهود عيان، وتحليل بيانات تتبع الأجهزة، وشهادات شهود عيان سودانيين.
وأوضح مانويل، وهو مرتزق سابق رفيع المستوى ذكر أنه تلقى تدريبه في الكفرة، وأنه عمل مع مقاتلين من جنوب أفريقيا وأوكرانيا في دارفور عام 2024. وأضاف أنه غادر بعد أن تفاقم الخطر والمعاناة لدرجة لا تُطاق، قائلاً: “لم أكن أر قط في حياتي مثل هذا القدر من الفقر والبؤس، إنه أمر مفجع… فالعائلات النازحة… تواجه خيارين لا ثالث لهما: إما الموت جوعاً أو قيادة سيارة، وحمل بندقية، مقابل الحصول على الطعام.”
وتابع مانويل قائلاً: “هناك أطفال لا تزيد أعمارهم عن 12 عاماً يحملون بنادق لا يستطيعون حتى رفعها، ويتحملون مسؤولية حرب لا يعرفون حتى ما يُفترض بهم فعله فيها. إن الإمارات هي التي تضخ أكبر قدر من الأموال والموارد في هذا الصراع، وهي التي توفر الأسلحة لقوات الدعم السريع”.
وللدولة الخليجية مصالح عديدة في السودان؛ فعندما اندلعت الحرب، خسرت الإمارات مليارات الدولارات من مصالحها التجارية هناك، بما في ذلك قطاعات تعدين الذهب، والزراعة، وصفقة ميناء كانت جزءاً من مساعيها الأوسع لفرض نفوذها في منطقة البحر الأحمر والسيطرة على الممرات البحرية التي تغذي ثروتها.
وقد صرح مسؤولون إماراتيون بأنهم يخشون عودة الإسلاميين، والذي يشغل بعضهم مناصب نافذة في الجيش. وتقول الإمارات إن الجيش السوداني متحالف مع جماعة الإخوان المسلمين، وهي حركة إسلامية تنتقد أنظمة الخليج الملكية وتصفها بالفاسدة. كما ترتبط الإمارات بعلاقة طويلة الأمد مع قائد قوات الدعم السريع، الذي أرسل آلاف المرتزقة السودانيين للقتال في اليمن نيابة عن الإمارات.
أما الكولومبيون فقد جاءوا لأسباب أبسط بكثير. وقال مانويل بحسرة: “الأموال الإماراتية تشتري الكثير من الضمائر”. ويحظى المقاتلون الكولومبيون بتقدير الشركات الأمنية وحتى الجيش الأمريكي لتدريبهم وخبرتهم الواسعة في حرب العصابات؛ فالعديد منهم من قدامى المحاربين في صراع بلدهم الداخلي الذي استمر 60 عاماً، وهم خبراء في مكافحة التمرد وحرب المدن، تماماً كما يقاتل كولومبيون آخرون لصالح روسيا وأوكرانيا.
وقد بدأت حرب السودان تجتذب المرتزقة منذ اللحظات الأولى لاندلاع القتال: بدءاً من عناصر مجموعة “فاغنر” الروسية التي كانت لها مصالح في قطاع الذهب هناك، مروراً بمشغلي الطائرات المسيرة الأوكرانيين المتنافسين الذين عملوا لصالح الطرفين، وصولاً إلى العناصر المستقلة من مختلف أنحاء منطقة الساحل الأفريقي. لكن العملية الكولومبية كانت التدخل الأكبر والأفضل تنظيماً والأكثر فعالية. وأفاد المقاتلون بأن عمليات التجنيد للعمل في السودان انطلقت في كولومبيا منتصف عام 2024 عبر عروض عمل كانت تتوافد عبر تطبيق “واتساب” من أصدقاء ورفاق سابقين، وفقاً لاثنين من المرتزقة السابقين. ويذكر أن الشركة الإماراتية التي يقولون إنها تتعاقد معهم، وهي “جلوبال سيكيورتي سيرفيس جروب”، وصفت نفسها على موقعها الإلكتروني بأنها “المزود الوحيد لخدمات الأمن الخاص المسلح لحكومة الإمارات العربية المتحدة”.
قال مانويل إنه أُرسل إلى السودان في أكتوبر/تشرين الأول 2024 رفقة الكتيبة الأولى من المقاتلين الكولومبيين لتأسيس رأس جسر للإمدادات. ووصف قوافل المركبات المدرعات التي يلفها الغبار وهي تشق طريقها متعرجة نحو الجنوب في اتجاه دارفور عبر الصحراء الليبية المتلألئة. وأوضح لويس أنه كان ضمن الكتيبة الثانية التي أُرسلت عبر قاعدة ممولة من الإمارات في مدينة بوصاصو شمال الصومال، داخل باطن طائرة روسية طاعنة في السن. وسيطرت وحدته على المطار المتهالك في مدينة نيالا بجنوب دارفور في مواجهة الجيش، ثم انتشرت في معسكرات صحراوية سرية. بينما تواجدت الكتيبة الثالثة في خطوط المواجهة الأمامية خلال معركة الاستيلاء على الفاشر.
ووصف أحد المقاتلين، ويُدعى كارلوس، كيف خضع نحو 300 متخصص لتدريبات سرية على الطائرات المسيرة والأسلحة المضادة للطائرات في دولة الإمارات في الفترة من يناير/كانون الثاني إلى أكتوبر/تشرين الأول 2025، قبل وصولهم إلى السودان. وأشار إلى أن الكثيرين قضوا نحو ثلاثة أشهر هناك.
وقد تعززت روايته بشهادات رجلين أقرَّا أيضاً بمشاركتهما في التدريبات داخل الإمارات، فضلاً عن تحليل لبيانات تتبع الهواتف أجرته شركة “كونفليكت إسايتس جروب” الأمريكية، وهي منظمة بحثية تُعنى بتحليل معلومات المصادر المفتوحة لصالح المصلحة العامة، إضافة إلى تقرير صادر عن منظمة “هيومن رايتس ووتش” حدد موقعي قاعدتين إماراتيتين من خلال منشورات المرتزقة على وسائل التواصل الاجتماعي.
صرح جاستن لينش، رئيس مجموعة “كونفليكت إسايتس جروب” قائلا: “لقد قامت الإمارات بتمويل وتدريب المرتزقة الذين دعموا سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر. وكان المرتزقة حاضرون عندما استولت قوات الدعم السريع على المدينة وارتكبت بعضاً من أبشع عمليات القتل التي شهدها هذا القرن حتى الآن”. وتجدر الإشارة إلى أن بعض هؤلاء المرتزقة قد تدرّبوا في قاعدة إماراتية، وهو أمر “يستحيل حدوثه دون موافقة الحكومة”، على حد تعبير لينش، الذي أضاف: “إن الأدلة الرقمية تربط بوضوح بين معسكر التدريب في أبوظبي والمقابر الجماعية في الفاشر”.
وقد واجهت عملية نشر هذه القوات صعوبات في البداية، إذ أوضح كارلوس أن العديد من المرتزقة استقالوا بينما كان آخرون على وشك التمرد، إثر قيام أحد البنوك الكولومبية بتجميد مستحقاتهم المالية لمدة شهرين، إلى أن أعلن القادة عن وصول دفعة نقدية تم إرسالها جواً من الإمارات. وعلى الرغم من أن الكولومبيين شكلوا النسبة الأكبر من قوة المرتزقة، أشار كارلوس إلى أنه عمل أيضاً جنباً إلى جنب مع عناصر من أوكرانيا وروسيا وإسبانيا وبنما.
ووصف مرتزقان آخران كيف سيطرت الكتيبة الثالثة على الفاشر جنباً إلى جنب مع جنود قوات الدعم السريع، وقدموا لصحيفة “فايننشال تايمز” مقاطع فيديو تظهر مرتزقة كولومبيين وهم يطلقون النيران بالقرب من أحد المساجد ويحملون رفيقاً لهم مصاباً، حيث هتف أحد الرجال في الفيديو قائلاً: “فويغو! فويغو!” (أي: “أطلقوا النار! أطلقوا النار!”) وسط دوي الطلقات النارية.
وقال أحد المقاتلين إن ثلاثة كولومبيين قُتلوا في المنطقة التي تم تصوير الفيديو فيها، بينما أُصيب اثنان آخران. وعلى الرغم من أن الكتيبة خضعت لتدريب قتالي استمر شهرين، إلا أنها تكبدت أكبر عدد من الخسائر البشرية. ووفقاً لاثنين من المرتزقة، حصلت الكتيبة الثالثة على مكافآت مالية ضخمة من شركة “جلوبال سيكيورتي سيرفيس جروب” فور سقوط المدينة.
وجاء أول تلميح علني لوجود مرتزقة كولومبيين في السودان في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، عندما نشر الجيش السوداني صور جوازي سفر عُثر عليهما في كمين صحراوي بدارفور. وفي حين أعلن الجيش مقتل الرجلين، أكد رفاقهما أن كليهما قد نجوا بالفعل، رغم إصابة أحدهما الذي ظهر اسمه لاحقاً في سجلات السفر.

تأسست الشركة التي زعم الكولومبيون أنهم يعملون لصالحها، وهي مجموعة “جلوبال سيكيورتي سيرفيس جروب”، في عام 2016 على يد أحمد محمد الحميري، الأمين العام لديوان الرئاسة في دولة الإمارات. ويدرج موقع الشركة الإلكتروني -الذي يصفها بأنها “شركة أمنية خاصة مستقلة”- عملاءً من بينهم ديوان الرئاسة ووزارتا الخارجية والداخلية. وأشار منشور على موقع “لينكد إن” لأحد موظفي شركة “جلوبال سيكيورتي سيرفيس جروب” في نيويورك إلى أنه قدم خدمات أمنية لأفراد من العائلات المالكة في الشرق الأوسط أثناء سفرهم.
وقد دَعمت دولة الإمارات، الحليف القديم للولايات المتحدة بقيادة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وهو أحد أكثر القادة نفوذاً في العالم العربي، الرئيس دونالد ترامب دبلوماسياً وشخصياً؛ إذ كانت أول دولة تنضم إلى “مجلس السلام” التابع لترامب وتُعد مستثمراً رئيسياً في الولايات المتحدة. كما تعمل “مجموعة شركات ترامب”، التي يترأسها أبناء الرئيس، في المجال العقاري وأبرمت صفقات عملات مشفرة مع كيانات إماراتية. وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، فرضت الإدارة الأمريكية عقوبات على ما وصفته بأنه “شبكة عابرة للحدود” تتألف أساساً من أفراد وكيانات كولومبية، وقال المسؤولون إنها “تدرب جنوداً، من بينهم أطفال، للقتال لصالح قوات الدعم السريع، وهي مجموعة شبه عسكرية سودانية”. واتهمت وزارة الخزانة الأمريكية الشبكة بدعم قوات الدعم السريع في الفاشر، حيث “تورط” المقاتلون في “عمليات قتل جماعي للمدنيين، وتعذيب مستهدف عرقياً، وعنف جنسي”. غير أن الإدارة الأمريكية لم تذكر دولة الإمارات أو شركة “جلوبال سيكيورتي سيرفيس جروب”. ولم يستجب الحميري لطلبات التعليق التي أُرسلت إلى مكتبه.
وقال أحد المرتزقة إنه على الرغم من أن شركة “جلوبال سيكيورتي سيرفيس جروب” تُعد شركة خاصة، إلا أن طاقم التدريب في الإمارات بدا وكأنه ينتمي إلى الجيش الإماراتي. وقد قُسّم الكولومبيون هناك إلى وحدات خاصة، مثل مشغلي الطائرات المسيرة، ومشغلي المدافع المضادة للطائرات، ومشغلي الرادارات. وأوضح أن التدريب على الطائرات المسيرة قُدم من قِبل شركة “جلوبال سيكيورتي سيرفيس جروب” وإماراتيين يرتدون زياً عسكرياً، مشيراً إلى أنه لم يتمكن من تحديد الوحدات أو الأفراد على وجه الدقة. وأضاف: “لن تتعرف أبداً على الوحدات الإماراتية، فأنت لا تطرح أسئلة هناك”.
وأكد مقاتل كولومبي آخر إنهم تلقوا تدريبات في قاعدة غياثي في أبوظبي، وهي قاعدة وصفتها لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة عام 2021 بأنها “مركز تدريب عسكري” سبق أن درّب مرتزقة سودانيين جرى التعاقد معهم من قبل شركة إماراتية تُدعى “بلاك شيلد”، تحت إشراف ضباط في الجيش الإماراتي. ووصف أحد المقاتلين المدربين الإماراتيين، بينما قال آخر إنه تلقى التدريب “على أيدي عرب”، لكنه رفض تقديم مزيد من التفاصيل. وأكد مانويل أن بعض زملائه تلقوا تدريبات على تشغيل الطائرات المسيّرة في غياثي. وحددت منظمة “هيومن رايتس ووتش” القاعدة ومنشأة تبدو عسكرية في الوثبة بأبوظبي، استنادًا إلى مقاطع مصورة نشرها كولومبيون عبر حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.
وتشارك الإمارات، إلى جانب الولايات المتحدة والسعودية ومصر، في “الرباعية”؛ وهي مجموعة من الدول كُلّفت بالعمل على إحلال السلام في السودان. وقال مسؤول إماراتي: “ترفض دولة الإمارات بشكل قاطع هذه الادعاءات، وقد أجرت السلطات الإماراتية تحقيقات شاملة في الادعاءات المتعلقة بشركة جلوبال سيكيورتي سيرفيس جروب، وأكدت تلك التحقيقات أن الشركة ليست منخرطة في أي نشاط للمرتزقة في السودان، ولا تربطها صلات بأفراد يُزعم أنهم مرتزقة في السودان. وخلصت التحقيقات إلى أن الشركة تعمل بما يتوافق بشكل كامل مع القوانين واللوائح الإماراتية والقانون الدولي”.
وأضاف: “لم تقدم الإمارات أسلحة أو معدات أو أي نوع من الدعم العسكري لأي طرف من أطراف النزاع في السودان منذ اندلاع الصراع، وتنفي بشكل قاطع تسهيل نقل المرتزقة أو المقاتلين الأجانب إلى السودان، بما في ذلك دارفور وتلتزم الإمارات، بصفتها عضوًا في الأمم المتحدة، بتنفيذ قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بما في ذلك القرارات المتعلقة بأنظمة العقوبات التي تفرضها الأمم المتحدة”.
ولم يرد البيت الأبيض على طلب للتعليق. ورفض متحدث باسم وزارة الخزانة الأمريكية التعليق على التحقيقات. كما لم يرد متحدث باسم وزارة الخارجية على الأسئلة المتعلقة بدور الإمارات في الصراع السوداني، لكنه قال إن “كلاً من قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية استخدما أسلحة حصلتا عليها من جهات أجنبية ضد السكان المدنيين والبنية التحتية، وارتكبا انتهاكات وتجاوزات لحقوق الإنسان”.
وقال مانويل إن الكتيبة الأولى تولت قيادة الطريق إلى دارفور، وعاش أفرادها في الصحراء خلال الرحلة من ليبيا إلى السودان، وكانوا يخفون مركباتهم تحت الأشجار. وتعرضوا لهجمات متكررة من طائرات شحن كانت تلقي براميل متفجرة، وأصيبت الخيام والمركبات أحيانًا بشظايا؛ وقال لويس إن الطائرات كانت تحلق على ارتفاع منخفض للغاية، إلى درجة أن المقاتلين تمكنوا في نهاية المطاف من إسقاطها بالرشاشات.
وبحسب لويس، قُسمت كل كتيبة إلى سرايا يقود كل منها رائد، وكانت الكتيبة الثانية تضم وحدات “العقارب” و”البيسون” و”الكاراكال”، وتتألف كل منها من ثلاث فصائل، تضم كل فصيلة 31 فردًا، إضافة إلى ثلاثة مشرفين على الفرق وضابط قائد. وكان الأفراد يتقاضون 2600 دولار أمريكي شهريًا، والمشرفون 2800 دولار، والضباط 3500 دولار. وأضاف أن الكتيبة الثانية كانت تضم نحو 400 رجل، مع أعداد مماثلة في الكتائب الأخرى.
وقال لويس وثلاثة مرتزقة آخرون إن أفراد الكتيبة سافروا إلى دارفور عبر مدينة بوصاصو الصومالية، الواقعة في ولاية بونتلاند شبه المستقلة. وتدير الإمارات قاعدة عسكرية هناك، تضم حظيرة طائرات مغطاة، داخل أراضي مطار بوصاصو الدولي. كما تتمركز في المطار قوة شرطة بونتلاند البحرية، وهي قوة شبه عسكرية أُنشئت عام 2010، وتلقت تدريبًا في إطار برنامج دعمه مؤسس شركة “بلاك ووتر” إريك برنس، بدعم إماراتي. وقال مسؤول أمني صومالي رفيع المستوى إن الإمارات تدفع رواتب لأكثر من 3 آلاف فرد من أفراد هذه القوة البحرية.

أكد خمسة مرتزقة إن بوصاصو كانت قاعدة رئيسية للإمدادات والخدمات الطبية. وقال أحدهم، ويدعى رودريغو، إنه تلقى تدريبات في بوصاصو، ووصفها بأنها “مركز للمرتزقة الذين يُرسلون إلى السودان وإلى مناطق إفريقيا الأخرى التي تشهد صراعات مستمرة”. وأوضح أن التدريب شمل التعامل مع الأسلحة، وتمارين القوة، والجري، والسباحة، وتقنيات التعامل مع القوارب. وقال: “عندما وصلت، كان هناك أفارقة، وجنوب أفريقيون، وأمريكيون لاتينيون، وكولومبيون، وبيروفيون، ومكسيكي وغواتيمالي. كان هناك نحو 200 شخص يخضعون للتدريب”. ويؤكد لويس أيضا، وعدد من المرتزقة الآخرين، أن هنالك “الكثير من الأطفال الذين جرى تدريبهم كمقاتلين” تتراوح أعمارهم بين 13 و14 و15 عامًا. وأخبره بعضهم أن الجيش السوداني قتل أفراد عائلاتهم.
وقال رودريغو إن التدريب، مع ذلك، لم يُعدّ المجندين الكولومبيين بشكل كافٍ للحرب. وأضاف: “كان المجندون تائهون تمامًا عند وصولهم إلى السودان”. كانت هجمات الطائرات المسيّرة شائعة، وكان من الصعب التمييز بين القوات المختلفة. وأضاف: “لم تكن لديهم في الحقيقة أي فكرة عما كانوا يقاتلون ضده. كان يُقال لهم ببساطة: “كونوا حذرين. هذه منطقتكم تقريبًا، من هذه النقطة إلى تلك النقطة”. ثم كانوا يقعون في كمائن ويُقتلون على أيدي أشخاص من الجهة الأخرى. ولم أعرف أبدًا ما إذا كان هؤلاء المهاجمين من الميليشيات المسلحة، أو الجيش السوداني، أو جماعات مسلحة غير نظامية. لم أكن أعرف ضد من كانوا يقاتلون، وكذلك الرجال أنفسهم”.
وقال رودريغو إنه جُنّد على يد عقيد سابق في الجيش الكولومبي يُدعى ألفارو أندريس كييانو بيسيرا، ووصفه بأنه “يحظى بثقة عميقة من الإماراتيين، الذين يوفرون له الموارد والخدمات اللوجستية والمعدات ووسائل النقل وكل شيء”. وفي ديسمبر/ كانون الأول الماضي، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على كييانو، الذي حددته باعتباره أحد المرتبطين بعصابة المخدرات الكولومبية السابقة “نورتي ديل بايي” المقيم في الإمارات، بسبب “دوره المحوري في تجنيد أفراد سابقين في الجيش الكولومبي وإرسالهم إلى السودان بما فيهم مشغلو الطائرات المسيّرة والقناصة والمترجمين”.
وقال لويس إن القائمين على التجنيد استهدفوا أعضاء العصابات لأنهم “جاؤوا مباشرة من منطقة حرب نشطة”، وبالتالي حافظوا على تدريباتهم على استخدام الأسلحة بصورة أفضل من بعض المحاربين القدامى. وتؤكد سجلات الرحلات الجوية وجود كييانو في بوصاصو في أبريل/ نيسان الماضي. ولم تتمكن “فايننشال تايمز” من الوصول إليه للتعليق.
وقال لويس إن قاعدة بوصاصو كانت تُستخدم أيضًا لتخزين جثامين المرتزقة الذين لقوا حتفهم. وأضاف: “بعض الرفاق الذين قُتلوا ظلت جثثهم مجمدة في بوصاصو لأكثر من ستة أشهر”. وتشير سجلات الوفاة الرسمية لثلاثة كولومبيين، المؤرخة في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، إلى أنهم قتلوا جراء “انفجار غاز” في بونتلاند، لكن مرتزقين آخرين قالا إنهم كانوا من مشغلي الطائرات المسيّرة الذين قتلوا أثناء القتال. وقال لويس: “يُنقل المصابون إلى بوصاصو وبعد التعافي يعودون إلى القتال”.
وقال لويس إنه كان في مدينة نيالا عندما تعرضت وحدة تابعة له للقصف بصورة متكررة من جانب الجيش في قاعدة المطار بالمدينة حيث كان الكولومبيون يلقون القبض في كثير من الأحيان على الأشخاص الذين يقتربون من المطار، الذي يسيطر عليه مقاتلو قوات الدعم السريع والمغلق أمام الرحلات المدنية، للاشتباه في قيامهم بالتقاط صور أو تسجيل مقاطع فيديو. وأضاف: “كانت هناك خيمة للقادة المحليين داخل القاعدة. وكنا نأخذ السكان المحليين الذين نلقي القبض عليهم إلى خيمة القادة. كانوا يعذبونهم وفي إحدى المرات، كانوا يعذبون رجلًا، فتوجهنا إليهم وطلبنا منهم التوقف، وقلنا إننا سنقتله بأنفسنا لأن صراخه وأنينه أصبحا لا يُحتملان”.
وقال لويس إن الجيش السوداني قصف في عام 2025 طائرة كانت عالقة على مدرج المطار بعد تعرضها لعطل، مما أدى إلى مقتل نحو 50 شخصًا ساعد هو في دفن جثامينهم، وقال إنه ظل يعاني من ذكريات صرخات الرجال الذين احترقوا أحياءً.
وقال بأن العديد من الكولومبيين كانوا يعرفون زملاء لهم سبق أن كانوا في الفاشر، لكنهم نفوا وجودهم أثناء أي عمليات قتل للمدنيين. وقال لويس إنه وصل بعد انتهاء القتال، وأصر على أن الكولومبيين لم يشاركوا في الجرائم التي أبلغت عنها منظمات حقوق الإنسان، ومنها مذبحة المرضى على أسرّة المستشفيات، والاغتصاب الجماعي، وعمليات الاختطاف التي انتهت بإعدامات أمام الكاميرات، وسحق المدنيين الفارين بالمركبات المدرعة.
لكن ذلك لا يعني أنهم لم يتدخلوا فقد أجرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” مقابلة مع أحد الناجين من الفاشر، قال فيها إن رجالًا بيض البشرة كانوا حاضرين عندما أُعدم مدنيون، بينهم نساء وأشخاص من ذوي الإعاقة، أثناء محاولتهم عبور سور ترابي ضخم أقامته قوات الدعم السريع حول المدينة لمنع السكان من الفرار.
وللتحقق من بعض التفاصيل التي قُدمت إليّ من أجل إعداد هذا التقرير، تتبعتْ مجموعة “كونفليكت إنسايتس” أجهزة الاتصالات باستخدام تكنولوجيا متاحة تجاريًا، بما في ذلك ملفات تعريف الارتباط مجهولة الهوية على الهواتف المحمولة.
وكشف التحليل عن تدفق مستمر لحركة السفر بين الإمارات، ومراكز تدعمها الإمارات، من بينها بوصاصو والكفرة، ومدن سودانية، بينها نيالا والفاشر. وتدعم هذه الأنماط الادعاءات بأن الإمارات تمرر الدعم عبر الصومال وليبيا ودول أخرى، رغم الحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة على الأسلحة في دارفور. وتتيح تقنية التتبع التي تستخدمها مجموعة “كونفليكت إنسايتس” للباحثين تحديد نطاق جغرافي لمنطقة ما، والبحث عن الأجهزة الموجودة داخلها خلال فترة زمنية محددة، ثم فحصها بحسب إعدادات اللغة وتتبع تحركاتها.
وقد ظهر ما لا يقل عن 40 جهازًا يستخدم إعدادات اللغة الإسبانية في قاعدة قوة شرطة بونتلاند البحرية، الممولة من الإمارات، بين أبريل نيسان وديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي، وظهر ما لا يقل عن 10 من تلك الأجهزة أيضًا في السودان، داخل مطار نيالا. وبين 6 فبراير/ شباط و25 يونيو/ حزيران، كان أحد تلك الأجهزة موجودًا في جنوب دارفور، ومتصلًا بشبكتين تحملان اسمي “درونز” و”لوبوس ديل ديسييرتو” – أي “ذئاب الصحراء”، وأفادت وزارة الخزانة الأمريكية بأن “لوبوس ديل ديسييرتو” هو لواء المرتزقة الكولومبي الذي يقوده كييانو.
وقدمت مجموعة “كونفليكت إنسايتس” إلى صحيفة “فايننشال تايمز” بيانات عن ثلاثة مواقع في أنحاء دارفور انتشر فيها مرتزقة كولومبيون تلقوا تدريبات في غياثي. وظهر أحد الأجهزة بشكل متكرر في منطقة أحراش صغيرة بالقرب من قرية خارج نيالا، على بعد نحو ثلاثة أميال من مدرج يبدو وفق صور الأقمار الصناعية أنه مخصص للطائرات، وقال سكان إن المنطقة تعرضت للقصف، بينما أكد مزارع محلي إنه شاهد مرتزقة أجانب ورحلات منتظمة لطائرات مسيّرة هنلك، وعرض تسجيلًا مصورًا على هاتفه لطائرة مسيّرة وهي تحلق، فيما كان صوته مسموعًا في الخلفية، كدليل على ذلك. وقال المزارع: “لديهم معسكر كبير هناك يدرب فيه الكولومبيون العديد من الجنود”. وأضاف أن هؤلاء كانوا رجالًا بيض يتحدثون لغة أجنبية كان المجندون السودانيون يسمونها “الكولومبية”.
ورصدت مجموعة “كونفليكت إنسايتس” ما لا يقل عن أربعة أجهزة أخرى تستخدم اللغة الإسبانية في غياثي بين أبريل/ نيسان وسبتمبر/ أيلول، وانتقل اثنان منها لاحقًا إلى جنوب دارفور. توجه أحدهما إلى مطار نيالا، وسجل الدخول إلى شبكتي واي فاي تحملان اسمي “أنتي أيريو” ــ أي “مضاد للطائرات” ــ و”إيرديفينس”. بينما توجه الآخر إلى مجمع صغير يبعد نحو 19 ميلًا عن نيالا.
وظهر جهاز آخر يستخدم اللغة الإسبانية في الفاشر خلال الفترة من 24 إلى 29 أكتوبر/ تشرين الأول، وهي الفترة التي قال فيها المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي إن جرائم حرب ارتُكبت خلالها. وكان ذلك الجهاز قد ظهر في كولومبيا في أبريل/ نيسان، ومكث أسبوعين في قاعدة القوة البحرية في بوصاصو في يونيو/ حزيران، ثم ظهر في مطار نيالا حيث اتصل بشبكة واي فاي تحمل اسم “أتاكر”. وظل في الفاشر خمسة أيام على الأقل في أواخر أكتوبر/ تشرين الأول خلال سقوط المدينة. وفي بداية نوفمبر/ تشرين الثاني، بعد سقوط الفاشر، عاد الجهاز إلى نيالا وظل هناك حتى ديسمبر/ كانون الأول.
وتشير مقارنة تحركات الأجهزة التي جرى تتبعها مع بيانات تتبع الرحلات التجارية المتاحة إلى أنها سافرت في معظمها عبر “رحلات شبحية”، وهي رحلات يُوقف فيها الطيارون أجهزة الإرسال والاستقبال وغيرها من الإشارات التي تحدد هوية الطائرة، وسجلت بعض قوائم الرحلات التجارية وصول كولومبيين إلى بوصاصو في الأيام التي ظهرت فيها الأجهزة هناك، لكن الطائرات التي كانت تغادر بوصاصو كانت غالبًا ما توقف أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها.
وقد أدى سقوط الفاشر إلى تقسيم السودان؛ إذ تسيطر قوات الدعم السريع الآن على الغرب وأجزاء من الجنوب، بينما يسيطر الجيش السوداني على الشمال والشرق. لكن المعارك على خطوط الجبهة لا تزال مستمرة، فيما أصبحت مدينة الأبيض الآن محاصرة ومطوقة.
وفي ديسمبر/ كانون الأول الماضي، أفادت “المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية” بأن الصراع الواسع كان يمتد إلى ما وراء حدود السودان، مهددًا المنطقة ومستقطبًا مقاتلين وأسلحة من مناطق أبعد، ومعززًا انتشار الأسلحة وتطور شبكات المرتزقة. وقال مؤلف التقرير، عماد الدين بادي، إن إدخال عناصر ذات مهارات قتالية مثل الكولومبيين مثّل تصعيدًا خطيرًا للحرب، وأسهم في إشعال سباق تسلح إقليمي.
وحصلت كل من قوات الدعم السريع والجيش على أنظمة متطورة وفتاكة من الطائرات المسيّرة، وأصبحت ساحة المعركة الآن تعج بأنظمة متطورة مضادة للطائرات وصواريخ محمولة تهدد الطائرات المدنية. وكشفت صحيفة “نيويورك تايمز” عن قاعدة للجيش السوداني في مصر ومركز لوجستي لقوات الدعم السريع في تشاد. كما كشفت وكالة “رويترز” عن قاعدة لقوات الدعم السريع في إثيوبيا، ومركز لوجستي لها في ليبيا، وشركة طيران مملوكة لمحارب قديم في القوات الخاصة الأمريكية، تدير رحلات لصالح قوات الدعم السريع.
وقال لويس إن الشبكة نفسها التي أرسلت الكولومبيين إلى السودان جندت مئات السلفادوريين للذهاب إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية الغنية بالمعادن لدعم الجيش هناك. لكنه أضاف أن المسؤولين كانوا يرسلون السلفادوريين الآن إلى بلادهم. وتابع لويس: “بدأ المشروع بالسلفادوريين، لكنهم كانوا يفتقرون إلى الانضباط. بعد ذلك، اتجهوا إلى الكولومبيين. نحن منضبطون جدًا ومعتادون على تنفيذ الأوامر”.
وأشار لويس إلى أنه يفكر في الخيارات المتاحة أمامه؛ إذ لا تتوفر فرص كثيرة للجنود المتقاعدين في كولومبيا، التي تستقر حاليًا في سلام هش بعد معاناتها لسنوات من الصراع الداخلي. لكن هناك وظائف مع عصابات المخدرات المكسيكية، والحرب بين أوكرانيا وروسيا، والآن مشاريع جديدة في إفريقيا، بينها الحرب في السودان ومشروعات في الكونغو.
وقال لويس: “لطالما كانت الحرب جزءًا من حياتنا؛ فقد كانت سنوات هي القوة الدافعة التي تزيل خوفنا وتكسر حدودنا. وبصفتنا عسكريين متقاعدين أو متلقين لمعاشات تقاعدية، لا تتوفر لنا فرص كثيرة في بلدنا؛ ولهذا نبحث عن فرص جديدة استنادًا إلى المهارات التي نمتلكها؛ فالجندي يظل جنديًا إلى الأبد. لقد فقدت العديد من الأصدقاء الذين تعرفت إليهم خلال مسيرتي العسكرية وفي هذه المهام… نغادر منازلنا وبلدنا… لنجد أنفسنا في نهاية المطاف تائهين في حرب ليست حربنا. وقد لا تعرف عائلاتنا أبدًا ما حل بنا، أو تسمع الحقيقة”.
المصدر: فاينانشال تايمز







