وقعت وزارة الأوقاف المصرية في أكتوبر/تشرين الأول 2026، بروتوكول تعاون مع مؤسسة طابة التي تتخذ من أبوظبي مقرًا لها، مدشّنة بذلك مرحلة جديدة من مسارٍ امتد لحوالي عقدين تشابكت فيه مسارات الداعية اليمني الحبيب علي الجفري مع كبار قامات المشهد الديني في مصر.
تعود جذور العلاقة بين الجفري ومصر إلى تسعينيات القرن الماضي حين تعرف عليه مصريون خلال موسم الحج ودعوه لزيارة البلاد. ومنذ مطلع الألفية، بدأ حضوره يزداد تدريجًا بمصر قبل أن تتعثر إقامته بالبلاد إثر ترحيله منها عام 2001، وقد تكرر لاحقًا منعه من دخول مصر في ظروف أحاطت بها روايات وتكهنات لم تتضح حقيقتها إلى اليوم.
لكن رغم تلك المحطة، استطاع الجفري تجاوزها لاحقًا، وتكثف حضوره في مصر لا سيما في أعقاب أحداث عام 2011. وبمرور الوقت، انتقل الجفري من مجرد الحضور الديني الإعلامي في مصر إلى نسج علاقات وشراكات بحثية ومؤسسية مع العديد من الجهات الرسمية والدينية والأكاديمية المصرية.
في تقريرنا هذا، نسلط الضوء على طبيعة المشروعات التي تنفذها مؤسسة طابة بمصر، ونستعرض مسار أنشطتها والكيفية التي رسخت بها حضورها في مصر من بناء شبكة علاقات مع العلماء والباحثين والمؤسسات الأكاديمية والدينية، إلى المشاركة في الأنشطة الفكرية وبرامج التدريب، وصولًا إلى إبرام شراكات رسمية مع وزارة الأوقاف.
من الترحيل إلى الترحيب الرئاسي.. محطات في علاقة الجفري بمصر
بدأت علاقة الجفري بالمؤسسة الدينية المصرية في تسعينيات القرن الماضي عبر زياراته المتكررة لمصر وطلبه العلم على أيدي عدد من علمائها وفق ما رواه الجفري عن مسيرته، ويروي أنه تلقى العلم عن الشيخين محمد متولي الشعراوي وإسماعيل بن صادق العدوي، ونال إجازة علمية من الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم.
وفي عام 2001 تعثرت إقامة الجفري بمصر إثر ترحيله منها، ثم بعد خروجه من البلاد، تحدث في مقابلة مع مجلة المصور المصرية نُشرت في يوليو 2002، عن علاقته بعلماء مصر، مؤكدًا تقارب المنهج الذي تلقاه في اليمن مع المنهج الأزهري. كما ذكر الجفري أنه قبل ترحيله من مصر التقى بأحمد الطيب الذي كان يشغل آنذاك منصب مفتي الجمهورية، كما التقى أيضًا بشيخ الأزهر حينها محمد سيد طنطاوي.
وبعد غياب استمر نحو سبع سنوات، عاد الجفري إلى مصر في عام 2009، والتقى طنطاوي والطيب وعلي جمعة، ويروي أنه في هذه المرة قدم إلى الطيب أبحاثًا أعدتها مؤسسة طابة التي أدارها منذ عام 2005.
لكن حضور الجفري في المجال العام المصري اتسع بعد ثورة يناير، فلم يعد مقتصرًا على الدروس الدينية والأنشطة الصوفية كما كان الحال قبل 2011، إذ حضر بقوة في البرامج التلفزيونية والنقاشات المتعلقة بالفكر والسياسة والهوية. كما استمر ظهوره مع شيخ الأزهر في المؤتمرات التي عقدها الأخير.
وفي الوقت نفسه، واصلت طابة تنظيم فعاليات تناولت قضايا دينية وفكرية ذات صلة بالمجتمع المصري، ففي يناير/كانون الثاني 2011، نظمت طابة ندوات حول العلاقات الإسلامية القبطية بالتعاون مع جامعة زايد والهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف في أبوظبي، وفي العام نفسه، شارك الجفري في مؤتمر دولي حول التصوف عُقد برئاسة شيخ الأزهر.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2012، نظمت طابة بمصر محاضرة حول الحد من التحيزات المؤثرة في إصدار الفتاوى بحضور مفتي مصر آنذاك علي جمعة. وفي مايو/أيار 2013، نظمت ندوة حول عقلانية التراث الإسلامي في سياق الفكر المعاصر، بمشاركة علي جمعة وأكاديميين مصريين آخرين.
وتجدر الإشارة إلى أن الجفري عارض ثورات الربيع العربي، كما أبدى اصطفافًا جليًا مع الجيش المصري وقائده في الأحداث التي تلت 2013، وكان أيضًا حريصًا على إعلان تأييده للأزهر، كما كان يتعامل مع علي جمعة وأحمد الطيب، سواء في حضورهم أو غيابهم بمنتهى الاحترام والتبجيل.
تأسيس حضور طابة بمصر.. (2016-2023)
خلال عام 2016، شاركت طابة مع شيخ الأزهر أحمد الطيب ومع علماء من دول مختلفة في مؤتمر أهل السنة والجماعة بالعاصمة الشيشانية غروزني. وفي ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، استقبلت طابة السفير المصري لدى الإمارات وائل جاد لمعرفة دورها في تطوير الخطاب الإسلامي، إضافة إلى استقبال طابة وفودًا دبلوماسية من الاتحاد الأوروبي وفنلندا وكندا للإطلاع على دورها في تطوير الخطاب الديني المعاصر.
لكن في عام 2018، شهدت طابة محطة فارقة بتدشين مقرها الجديد بمنطقة المقطم في القاهرة، وافتتحت أول ندوة لها حول تجديد الخطاب الديني بحضور أسامة الأزهري. وتعاونت في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 مع مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في مناقشة نتائج استطلاع عن مواقف جيل الألفية من الدين وعلمائه في 18 دولة، بمشاركة شخصيات من بينها ضياء رشوان وأسامة الأزهري وخيري رمضان.
كما ترأس الجفري في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه ورشة عمل بالتعاون مع دار الإفتاء المصرية، وشارك في ندوة نظمتها صحيفة اليوم السابع. إلى جانب استمرار جولاته بالجامعات المصرية كجامعات حلوان وبورسعيد وجامعات أخرى خلال عامي 2018 و2019.
وخلال أعوام 2019 و2020، واصلت طابة فعالياتها عبر صالونها الثقافي بالقاهرة ومنتدياتها الشبابية بالتعاون مع باحثين وأكاديميين ومسؤولين من مؤسسات مصرية، كمركز الأهرام للدراسات ودار الإفتاء ومرصد الأزهر لمناقشة قضايا فكرية وفلسفية واجتماعية متعددة، مثل أزمة الهوية في المجتمعات العربية، والإلحاد، والعنف المجتمعي، والتشريح الثقافي لعقلية المتطرف، ومفهوم ما بعد الإنسان وعلاقته بالتقدم التقني والدين، وأيضًا خصصت طابة مساحات كبيرة لنقد أفكار سيد قطب بشأن الاستعلاء بالإيمان، والجاهلية، ومفهوم الحكم بغير ما أنزل الله، والتعامل مع المخالف في الإسلام.
إلى جانب تناول قضايا الشباب المعاصرة، وبناء الإنسان ومنظومة القيم، والتناول الإعلامي للخطاب الديني، والعنف المجتمعي، وكذلك أوضاع المرأة المصرية وما يرتبط بها من قضايا التحرش وختان الإناث والزواج المبكر. فضلًا عن مشاركة الجفري في المؤتمر العالمي الخامس للإفتاء عام 2019، وإلقائه محاضرات جامعية شملت جامعات السويس وجنوب الوادي وسوهاج والمنوفية.
أما خلال عامي 2021 و2022، فقد ناقشت طابة بجرأة قضايا الهوية الجنسية، والجندر والتحول الجنسي والتعامل مع النص الديني، والتكامل المعرفي الفقهي، ومصطلح الولاء والبراء، والسينما، وإشكاليات مواقع التواصل الاجتماعي، والفن عند جيل زد.
كما تناولت قضايا التطرف الديني وخطر إدمان المخدرات، وبناء السلام الاجتماعي في المجتمعات العربية، والمشاركة المجتمعية، وثقافة التطوع، والتعصب، والوعي، والتعليم والتنوع، والحوار والدين في المجال العام، إلى جانب موضوعات الفلسفة والعالم المادي والهوية والقيم والحداثة.
ثم في عام 2023، تنوعت أنشطة طابة بين قضايا الفكر الديني والتطرف والتحولات الفكرية لدى الشباب بعد عام 2011، وقضايا الصحة النفسية والأسرة والنوع الاجتماعي. كما ناقشت مفاهيم الرجولة والأنوثة، وحركات “LGBTQ” وكيفية تناولها من منظور إسلامي، إلى جانب اهتمامات الشباب الحالية وتحدياتهم النفسية.
وتناولت أنشطة أخرى لطابا المدرسة المصرية في تلاوة القرآن، وتزكية النفس ومقاصد الحج، ومفهوم العصبة المؤمنة في الخطاب التكفيري، وسبل الحد من التشدد الفقهي. وامتد نشاطها إلى بحث أسباب ما أسمته صعود التيارات المتطرفة باسم الإسلام في الدول العربية.
اتساع حضور طابة بمصر وتنامي شراكاتها (2024-2026)
في عام 2024، توسعت أنشطة طابة بمصر بشكل كبير شمل مجالات العلاقات الدولية إلى جانب برامج التدريب. كما أطلقت المؤسسة برنامجًا تدريبيًا لطلاب كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة حول المداخل الشرعية لدراسة العلوم الاجتماعية.
وتواصل هذا التوجه عبر صالون ثقافي ناقش المنظور الأخلاقي للعلاقات الدولية، ومنتدى للشباب تناول التنوع الثقافي، وجلسة لمناقشة فلسفة الجهاد وأحكامه في ضوء الأحداث في غزة، وفعاليات عن الوجدان المصري في شهر رمضان. كذلك أقامت منتدى فكريًا بعنوان هل الدين علم؟ إلى جانب لقاءات تناولت السعادة، والوحدة، وإصلاح منظومة الفقه ومفهوم الزواج.
وخلال النصف الثاني من عام 2024، كثفت طابة دوراتها الفكرية والتربوية، حيث نظمت دورة تدريبية لأئمة وزارة الأوقاف المصرية حول أفكار الإلحاد الجديد وكيفية مواجهته بمشاركة الجفري وأحمد ممدوح أمين الفتوى بدار الإفتاء وباحثين من مركز الأهرام. كما عقدت صالونًا ناقش تفكيك المجتمعات والأمن الاجتماعي، وقدمت نقاشًا لفيلم ممر الألم، فيما ناقش منتدى الشباب قضايا الشغف والصحة النفسية.
وفي أكتوبر/تشرين الأول، وقعت طابة بروتوكول تعاون مع مؤسسة رباط العلم التي يديرها الشيخ الأزهري محمد يحيى الكتاني لتنسيق الأنشطة المعرفية والتربوية وتأهيل الكوادر وتطوير الخطاب الديني، وأيضًا شهد العام لقاء بين الجفري وشيخ الأزهر أحمد الطيب، وندوة بعنوان “التراث والحداثة” بمشاركة أسامة الأزهري.
وبأواخر عام 2024، استمرت المحاضرات الدينية والتربوية، وتناولت موضوعات مثل السكينة في الحياة المعاصرة، والتدين الزائف، وعلم السيرة، والشمائل المحمدية، وأخلاقيات مهنة الطب، وجلسة شبابية عن رؤى الحياة والإنسانية بحضور الجفري وعدد من المسؤولين المصريين.

ثم في عام 2025، تنوعت أنشطة طابة بين البحث الفكري والتدريب الديني ومناقشة قضايا التعافي من الصدمات النفسية، وأحداث سوريا بعد التحرير. وفي فبراير 2025، شارك الجفري في فعالية لدار الإفتاء بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، كما شهد الشهر نفسه إطلاق مجلة طابة بحضور شخصيات دينية وأكاديمية مصرية.
وخلال عام 2025، نظمت طابة برامج تدريبية بمشاركة طلبة من السفارة اليمنية بالقاهرة، ورباط العلم بالإسكندرية، وطلبة من الجامعات المصرية، بجانب ندوات تناولت الدور التنموي للمسجد، ومناقشات في قضايا الهوية والمجتمع والدولة، والذكاء الأصطناعي، والإدمان الرقمي بين الشباب، والتطرف، وفعاليات دينية للأطفال.
كما عززت تعاونها المؤسسي، إذ وقعت في مايو/أيار 2025 بروتوكول تعاون مع السفارة اليمنية بالقاهرة، وفي نوفمبر/تشرين الثاني، شاركت في ملتقى مراكز الفكر العربية بجامعة الدول العربية حول توظيف الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، أطلقت طابة مشروعًا لرصد ما اسمته مقولات التنظيمات المتطرفة. ثم في يناير/كانون الثاني 2026، نظمت طابة برنامجًا تدريبيًا بعنوان “مقولات التنظيمات المتطرفة ومنطلقاتهم السبعة” بمشاركة باحثين من مراكز مختلفة، من بينها مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، ومركز الدراسات الاستراتيجية وتنمية القيم، والمركز الأفريقي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، إلى جانب طلاب من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
عقدت مؤسسة طابة حفل إطلاق مشروع مقولات التنظيمات المتطرفة، وهو مشروع يرصد نحو ٣٠٠٠ مقولة من ٤٠١ كتابٍ لأكثر من ٦٢ كاتبًا. ضمن منصة رقمية غير مفتوحة للجمهور ومخصصة للباحثين. بحضور معالي وزير الأوقاف الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري ورئيس مجلس أمناء مؤسسة طابة الحبيب علي الجفري https://t.co/Qjg79u598J
— Tabah Foundation (@tabahfoundation) January 1, 2026
كما واصلت طابة خلال عام 2026 عقد منتدياتها الشبابية وبرامجها الفكرية في مقرها بالقاهرة، بما في ذلك فعاليات تتناول قضايا الدين والشباب والتطرف والأسئلة العقدية والفقهية ونادي لمناقشة الأفلام المصرية.
وجاءت المحطة الأبرز في أكتوبر/تشرين الأول 2026 بتوقيع بروتوكول تعاون رسمي بين وزارة الأوقاف المصرية وطابة بحضور وزير الأوقاف أسامة الأزهري الذي كان ولا يزال دائم الظهور مع الجفري، وشمل البروتوكول تبادل الخبرات والمعارف، وتنظيم المحاضرات والبرامج التدريبية، وعقد المؤتمرات والندوات العلمية بشأن القضايا الشرعية والمجتمعية، وتعزيز التعاون العلمي والفكري، وتأهيل العاملين في المجال الديني.
أبعاد الحضور: شراكات متنامية وأسئلة معلقة
تتقاطع أنشطة طابة مع توجهات الدولة في عهد السيسي، خاصة في ملفات تجديد الخطاب الديني، وتفكيك خطاب الإسلام السياسي والجماعات الجهادية، وزعزعة العديد من المسلمات التي كانت راسخة في أذهان أجيال الإسلاميين، واستقطاب الشباب ببدائل فكرية تبعدهم عن حركات الإسلام الحركي.
ويلاحظ أن شبكة علاقات طابة لا تقتصر على المؤسسات الدينية والدبلوماسية في المنطقة العربية، بل تمتد إلى الأوساط البحثية والأكاديمية الغربية، إذ تعاونت مع جامعة كوليدج لندن، والجامعة الأمريكية بالقاهرة، ونظمت مؤتمرًا بالتعاون مع مركز الدراسات الأفلاطونية بجامعة كامبردج. وفي 2022، وقعت طابة اتفاقية تعاون مع مؤسسة مليبار الهندية للبحث والتطوير لتعزيز البحث العلمي والترجمة.
ولطابة اليوم قدرة على تقديم برامج بحثية وتدريبية جاهزة تقاطع مع أولويات النظام المصري، وقد ظهر الجفري مرارًا في فعاليات رسمية بحضور السيسي الذي أشاد به، كما أن الجفري ضيف دائم على القنوات الفضائية المصرية.
ورغم أن مقر طابة الرئيسي يقع في أبوظبي، فإن أنشطتها المعلنة تكشف عن اتساع حضورها في مصر التي تبدو ساحتها الرئيسية. كما تتضح ملامح نشاط طابة في مصر من خلال تنوع المبادرات التي تعمل تحت مظلتها، ومنها مبادرة سؤال، ومبادرة تزكية وعمارة، ومبادرة سند، ولهذه المبادرات الثلاث مئات الآلاف من المتابعين على وسائل التواصل.
وبينما تهتم مبادرة “سؤال” بمناقشة القضايا الفكرية والدينية، تركز “تزكية وعمارة” على الجوانب الروحية والتربوية، وتعمل “سند” على نقد الخطاب الحركي الإسلامي والجهادي، وهذا التنوع يمنح طابة قنوات متعددة للوصول لشرائح عمرية واجتماعية مختلفة.
كما أن نشاط طابة لا يقتصر على استهداف شريحة الشباب الجامعي، بل يمتد إلى الأطفال والمراهقين من خلال محتوى وبرامج وفعاليات دينية مخصصة لهم. بجانب أن طابة أطلقت مجلتها لتكون منصة لنشر المواد الفكرية بمشاركة علماء وشخصيات أكاديمية ورسمية مصرية.
أيضًا يعتمد حضور طابة في مصر بدرجة كبيرة على مشاركة كوادر وشخصيات مصرية في إدارة فعالياتها وتنظيم برامجها وأنشطتها البحثية، كما أن المؤسسة صارت مساحة ملتقى لاتجاهات وشخصيات متعددة من المشهد الديني والفكري المصري، واللافت أيضًا الحضور المتكرر لأخوة الحبيب الجفري في طابة بمصر، كالشيخ محمد الجفري، والشيخ عبدالله الجفري.
وتجدر الإشارة إلى أن غالبية نشاط طابة بمصر يقوم به شخصيات من الأزهر والأوقاف ودار الإفتاء، وقد شارك باحثون من مرصد الأزهر لمكافحة التطرف في العديد من البرامج البحثية التي أعلنتها طابة. بجانب أن هناك بعض التقاطعات بين طابة والأزهر في النظر إلى الحالة السلفية، والواقع أن طابة سبق وأن شاركت في تدريب أئمة من وزارة الأوقاف في أغسطس 2024، أي إن التعاون مع الوزارة سبق البروتوكول الأخير.
لكن هناك دراسات ترى أن طابة تعمل ضمن سياسة دينية إماراتية أوسع، وقد أثار الاتفاق المبرم بين وزارة الأوقاف ومؤسسة طابة تباينًا في الآراء، بين متسائلين عن مبررات اللجوء لجهة خارجية في ظل أن الأزهر يمتلك إرثًا علميًا ومؤسسيًا ويضم هيئات ومؤسسات من بينها هيئة كبار العلماء ومجمع البحوث الإسلامية وجامعة الأزهر، وآخرين ممن عدوه شكلاً طبيعيًا من أشكال التعاون لا يستهدف تجاوز الأزهر.
وقد غاب عن البيان المعلن تفاصيل أساسية مثل نص الاتفاق الكامل، ومدته، والبرامج المنفذة، وأسماء المدربين ومعايير اختيارهم، والالتزامات المالية. والأهم أن الاتفاق لا يذكر أن الأزهر طرف فيه، ولا يوضح ما إذا كان قد جرى التشاور معه أو إشراكه في إعداد البروتوكول.
ولذا أثار توقيع بروتوكول التعاون بين وزارة الأوقاف وطابة في غياب الأزهر تساؤلات حول طبيعة الدور الذي ستؤديه طابة في تطوير الخطاب الديني المصري، وما إذا كان التعاون يقتصر على تبادل الخبرات والتدريب، أم يؤسس لمسار عمل مستقل، ويستغرب البعض من لجوء وزارة الأوقاف في دولة بحجم مصر وتاريخ الأزهر إلى توقيع اتفاقية مع مؤسسة إماراتية عمرها 21 عامًا فقط لتأهيل وتدريب الأئمة والدعاة بمصر.
لماذا لا بنشر أسامة الأزهري بنود الاتفاقية؟
كم سيتقاضي الجفري من مال الأوقاف السايب؟ بالجنيه أم بالدولار؟ https://t.co/JQ9uNkQlZD
— سليم عزوز (@selimazouz1) October 2, 2026
وفي انتقاداته للاتفاق، طرح الشيخ عصام تليمة تساؤلات عن جدواه في ظل وجود برامج تدريبية سبق أن أعلنت عنها الدولة المصرية، من بينها برامج تأهيل الأئمة عبر الأكاديمية العسكرية. كما شكك تليمة في الخلفية العلمية والفكرية للحبيب علي الجفري ومدى أهليته لتولي أدوارًا توجيهية أو تدريبية في ملف تجديد الخطاب الديني، وانتقد ما اعتبره نقصًا في الأبحاث والإنجازات الملموسة لمؤسسة طابة.
وتذهب قراءات نقدية أخرى إلى أن طابة ذراع ديني للإمارات وأن الاستعانة بطابة في مصر قد يفتح المجال أمام مسارات موازية للأزهر في إدارة الخطاب الديني، أو يسمح بإدخال توجهات فكرية محددة إلى المساجد والمنابر المصرية بعيدًا عن الأزهر.
ولفهم خلفية هذه المخاوف، تبرز أهمية تتبع مسار الجفري وصلاته بالمؤسسات الرسمية الإماراتية، إذ بدأ حضوره في الإمارات عام 2002 عبر جولات دعوية نظمتها وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف، قبل أن يؤسس مؤسسة طابة في أبوظبي عام 2005 حين كان يناهز الثالثة أو الرابعة والثلاثين من عمره بهدف إعادة صياغة الخطاب الإسلامي المعاصر، وتوطدت صلات طابة بالجهات الرسمية الإماراتية بعد عام 2011.
وبعد ثورات الربيع العربي، وضعت بعض الدراسات طابة ضمن شبكة مؤسسات حظيت بدعم إماراتي، ورأت أن نشاطها يرتبط بتعزيز خطاب ديني يركز على الاستقرار وطاعة الحكام، ومواجهة خطابات الإسلام السياسي والتيارات الجهادية.
والواقع أن كثافة أنشطة طابة بمصر تثير أسئلة عن مصادر تمويلها، إذ دأبت على إصدار كتب وأبحاث ومجلات إلكترونية مجانية، فضلًا عن تنظيم مئات الفعاليات بمصر وتأسيس العديد من المبادرات التي تعمل تحت مظلتها، وقد أشارت تقارير أمريكية وصحفية دولية إلى دور طابة ضمن الجهود الإماراتية الرامية إلى تعزيز ما تصفه أبوظبي بالاعتدال ومواجهة التطرف، كما تحدثت تقارير عن حصول طابة على دعم حكومي إماراتي.
وبينما يتقاطع نشاط طابة مع أولويات النظام المصري في تشكيل الخطاب الديني ومواجهة الإسلام الحركي، تظل أسئلة جوهرية معلقة بشأن حدود ارتباط طابة بالسياسات الإماراتية، وكيف سيكون دورها المستقبلي في المشهد الديني المصري.