في حوالي 72 ساعة بدّل الجيش السوداني خارطة السيطرة في شمال كردفان، إذ أعلنت القوات المسلحة السودانية والقوات المساندة المتحالفة معها بين الخامس والعشرين والسابع والعشرين من يوليو/تموز الماضي، استعادة خمس مناطق رئيسية في الولاية، شملت مدينة بارا وأم سيالة وأم قرفة وجبرة الشيخ والبركة، ثم توّج ذلك بإحكام السيطرة على طريق الصادرات الإستراتيجي الرابط بين أم درمان والأبيض.
تتحدث التسريبات وراء الكواليس عن اختراق سريع للجيش على محاور متعددة، سبقته غارات جوية مكثفة ودقيقة على تمركزات الدعم السريع، وانتهى الهجوم المباغت بفتح الشريان الذي يربط وسط البلاد بغربها، يعزز تلك الرواية كمية العتاد والذخيرة التي خلّفتها المليشيا في جبرة الجيش، إذ فضّلت النجاة على نقل العتاد والذخيرة.
شاركت في العملية إلى جانب الجيش والقوة المشتركة، قوات درع السودان بقيادة أبو عاقلة كيكل وقوات مساندة من المستنفرين حيث تولت درع السودان اقتحام أم سيالة، فيما قادت القوة المشتركة معركة بارا، وأعلنت القوة المشتركة تدمير 73 عربة قتالية والاستيلاء على 54 أخرى وإحراق أكثر من 62، فيما أعلن مني أركو مناوي تدمير 8 مجموعات للدعم السريع بالكامل.
تتقاطع هذه العملية مع تطور مواز في أقصى الغرب يتمثل في تقدم الجيش والقوة المشتركة نحو مدينة الجنينة عاصمة غرب دارفور على الحدود التشادية، ويوحي المشهد بجبهة واحدة ممتدة من كردفان إلى دارفور، ويطرح السؤال الذي يدور حوله هذا التقرير: هل تكون استعادة شمال كردفان بوابة العودة إلى دارفور، أم أن الأبيض هي الجائزة الحقيقية والحد الذي يقف عنده الزخم؟
الأهمية الاستراتيجية والمكاسب
لفهم لماذا يوصف هذا التقدم بالنوعي لا بد من قراءة الجغرافيا، فمدينة بارا هي ثاني أكبر مدن شمال كردفان (بعد العاصمة الأبيض)، وتبعد نحو 45 كيلومترًا إلى الشمال الشرقي منها، بينما تعد جبرة الشيخ محطة رئيسية على طريق الصادرات وسوق حيوي للماشية والمحاصيل، وتبرز أم سيالة كنقطة وصل حيوية بين شمال الولاية والمناطق الواقعة غرب أمدرمان.
أما طريق الصادرات نفسه، الذي يمتد من أم درمان مرورًا بجبرة الشيخ إلى بارا بطول 340 كيلومترًا، فهو شريان بديل للطريق القديم الخرطوم كوستي الأبيض، وظلّت أجزاء واسعة منه بيد الدعم السريع منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023.
الوظيفة الأولى لهذا التقدم هي خنق حركة الدعم السريع، إذ تعمل بارا كعقدة مواصلات بين وسط السودان وغربه، ومنها تتفرع الطرق جنوبًا نحو الأبيض ثم غربًا نحو الفاشر ونيالا والجنينة، والسيطرة على هذه العقدة تقلص قدرة المليشيا على تحريك القوات والذخيرة والوقود بين مسرحي كردفان ودارفور، وتحرم تشكيلاتها في شمال كردفان من عمق لوجستي كانت تعتمد عليه، وحين ينقطع المحور الرابط تتحول قوات الدعم السريع المنتشرة شرق الإقليم إلى جيوب معزولة يصعب إمدادها أو سحبها.
والمكسب الأبرز هو فتح طريق الصادرات الإستراتيجي وما يعنيه لمدينة الأبيض التي كانت مهددة منذ أشهر وتعرضت منذ مايو/أيار ويوليو/تموز 2026 لهجمات مسيرات مكثفة استهدفت بنيتها الحيوية، ففي السابع عشر من يوليو/تموز، أخرجت مليشيا الدعم السريع مصادر المياه الرئيسية عن الخدمة، إما بالسيطرة عليها أو بوضعها تحت مرمى المسيرات، بعد تعطيل نظام التحكم في حوض المياه قرب بارا، ما وسع فجوة نقص المياه إلى نحو سبعين بالمئة.
وحذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، في جلسة طارئة بجنيف طلبتها بريطانيا وألمانيا وهولندا وأيرلندا والنرويج، من تعرض نحو نصف مليون مدني في الأبيض لفظائع واسعة، فيما دعت مجموعة السبع في الخامس عشر من يوليو/تموز الدعم السريع إلى وقف أي تصعيد يهدد المدينة.
وعليه، فإنّ استعادة بارا وطريق الصادرات يفتحان للجيش السوداني ممر إمداد بري مباشر إلى قوات “الهجانة” في الأبيض من جهة الشرق، وتبعد شبح هجوم بري من هذا المحور، وتخفف الضغط عن ولايتي النيل الأبيض والخرطوم في العمق، لكن التخفيف لا يعني زوال التهديد بالكامل، فالمليشيا لا تزال تنشر دفاعات جوية غرب كردفان وتواصل استهداف محيط الرهد لقطع الطريق البديل عن الأبيض، بعبارة أخرى انزاح الخطر من الشرق لكنه لم يزل تمامًا من الغرب.
فتح الطريق نحو دارفور
تطرح هذه التطورات المتزامنة سؤالًا حول مدى ترابط جبهتي القتال في كردفان ودارفور، وعما إن كان التقدم في إقليم كردفان سيُحدث تغييرًا في موازين القوى في دارفور، خاصة مع استمرار حشد مليشيا الدعم السريع في محيط مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور استعدادا لمواجهات مرتقبة مع قوات لجيش وحلفائه التي أحرزت تقدمًا هناك.
وفي هذا السياق، أكد رئيس أركان الجيش وعضو مجلس السيادة الجنرال ياسر العطا، أن القائد العام الجنرال عبد الفتاح البرهان أمر القوات المسلحة بالتحرك لتطهير كامل البلاد حتى الحدود مع أفريقيا الوسطى، لافتًا إلى إن القوة والجيش يمضيان قدمًا في خطتهما لتضييق الخناق على قوات الدعم السريع في غرب دارفور، في إطار إستراتيجية عسكرية تهدف إلى استعادة الأمن والاستقرار في الإقليم.
لكن هناك ثمة معطيات أخرى أمام هذا الطموح، دارفور إقليم بحجم فرنسا تقريبًا وهذا وحده يعقد أي حملة، خطوط الإمداد التي تخدم الجيش تطول كلما ابتعد غربًا عن قواعده في وسط البلاد، بينما يقاتل الدعم السريع في هذا الإقليم قرب عمقه ومصادر تسليحه الخارجية.
وثقت تقارير خبراء أمميين والعديد من المنظمات قيام دولة الإمارات بإمداد المليشيا عبر تشاد، من معبر أدري ومطار أمجرس، وعبر مطار الكفرة جنوب شرق ليبيا، وصولًا إلى دارفور رغم حظر السلاح الأممي المفروض على الإقليم، وعليه ما دام هذا الشريان الخارجي مفتوحًا، فإن أي خسائر تتكبدها المليشيا في دارفور قابلة للتعويض بوتيرة يصعب على الجيش مجاراتها لوجستيًا، وهو ما يجعل تأمين محاور كردفان دارفور شرطًا لازمًا لكنه غير كاف لوحده.
والفاشر عاصمة شمال دارفور سقطت بيد الدعم السريع في ال26 من أكتوبر/تشرين الأول 2025 بعد حصار بري وصفته هيومن رايتس ووتش بأنه ذروة حصار دام 18 شهرًا، وخلص تحقيق لمنظمة العفو الدولية في الأول من يوليو/تموز 2026، بعد تحقيق شمل مقابلات مع 247 من الضحايا والشهود، إلى أن الدعم السريع ارتكب جرائم ضد الإنسانية وتطهيرًا عرقيًا خلال الاستيلاء على الفاشر، فيما أعلنت بعثة تقصي الحقائق الأممية في الثامن من يوليو/تموز أنها جمعت أدلة جديدة تعزز استنتاجها السابق حول ارتكاب جريمة إبادة جماعية في المدينة.
تثبيت المكاسب
السؤال الأصعب هو هل يستطيع الجيش تثبيت ما استعاده؟ تجربة بارا نفسها تحذر من التسرع في إعلان النصر، فقد استعادها الجيش في مارس/آذار 2026 ثم فقدها بعد نحو عشرة أيام، وهذه ثالث مرة تتبدل فيها السيطرة على المدينة منذ 2023، والقوة القادرة على اقتحام بلدة ليست بالضرورة قادرة على تثبيتها وحمايتها من هجوم مضاد، خصوصًا حين تتطلب استدامة التقدم فتح جبهات متعددة في آن واحد على مساحة شاسعة.
لكنّ الجديد هذه المرة هو تأمين طريق الصادرات الإستراتيجي إلى جانب استعادة جبرة الشيخ التي تعد مركز العمليات ونقطة تجميع وانطلاقة لجبهات شمال كردفان وحتى غرب كردفان.
ويجزم العديد من المراقبين أن كل إخفاقات محور بارا- أم صميمة السابقة كانت نتيجة لتمركز الدعم السريع في جبرة الشيخ واتخاذها مركزًا مهمًا لإعادة الالتفاف على الجيش، يدل على ذلك حجم العتاد الذي تركته عناصر المليشيا والذي تم الإشارة إليه في بداية التقرير.
من ذهب #دارفور إلى طائرات مسيّرة صينية، ومن مرتزقة #كولومبيين إلى سلاح بريطاني، يكشف التقرير خيوط شبكة معقدة تُغذي الاجتياح العسكري والدمار الإنساني بدعم صامت من قوى كبرى
من يغذي اجتياح مدينتي الفاشر وبارا❓https://t.co/cjMyQpwFbr
مقال لـ: @Marwah080 pic.twitter.com/TB59KUrKUU
— نون بوست (@NoonPost) November 2, 2025
على الجبهة الغربية، يتقدم الجيش السوداني وحلفاؤه نحو مدينة الجنينة بحذر، فبعد استعادة بئر أم سليبة وخزان أورشي في منتصف يوليو/تموز، أفادت مصادر عسكرية باقتراب القوة المشتركة إلى نحو سبعين كيلومترًا من الجنينة، غير أن بعض المراقبين يرجحون أن الهجمات في غرب دارفور قد تكون تكتيكًا للضغط وتخفيف الهجمات عن محاور أخرى، لا نية فعلية لاقتحام الجنينة في المدى القريب.
يتقاطع الزخم العسكري في كردفان مع لحظة سياسية دقيقة، تدفع الولايات المتحدة بدعم من السعودية ومصر بمقترح قدمه المستشار الأمريكي مسعد بولس في يونيو/حزيران الماضي، ينص على هدنة إنسانية لتسعين يوما تعقبها عملية سياسية ووقف شامل لإطلاق النار.
وكشفت وثائق مسربة في أن الخرطوم توافق على معظم المبادئ لكنها تشترط انسحابًا كاملًا للدعم السريع من كل المدن التي سيطر عليها منذ مايو/أيار 2023، بينما قبل الدعم السريع هدنة غير مشروطة لكنه رفض الانسحاب من شمال دارفور وشمال كردفان معتبرا إياهما مكسبًا عسكريًا.
على الجبهة الرسمية لا تخفي قيادة الجيش طموحها الأوسع، إذ أبلغ رئيس أركان القوات المسلحة السودانية وعضو مجلس السيادة الفريق ياسر العطا، في تسجيل مصور أمام تجمع لعسكريين وناشطين موالين للقوة المشتركة في أمدرمان، أن القوات ستتحرك في موجات، وأن معنوياتها عالية وتجهيزاتها ممتازة، فيما خيّر عناصر الدعم السريع بين الاستسلام والهروب، ودعا من وصفهم بالمرتزقة القادمين من غرب أفريقيا وشرق ليبيا والصومال وإثيوبيا وكولومبيا إلى مغادرة السودان.
وعلى الأرض، جاء رد قيادة الجيش على شكل رسالة تثبيت ومعنويات، ففي الـ27 من يوليو/تموز الماضي، وبعد يوم واحد من الإعلان، وصل رئيس مجلس السيادة والقائد العام الفريق أول عبد الفتاح البرهان على متن مروحية إلى الخطوط الأمامية في أم سيالة وجبرة الشيخ، برفقة حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي ووالي شمال كردفان وقائد درع السودان أبو عاقلة كيكل، حيث تعهد البرهان بإكمال تحرير البلاد وإعادة النازحين إلى مناطقهم، ملمحًا إلى وجهة المعركة المقبلة: كامل كردفان ثم دارفور.
وفي الضفة المقابلة، بدا خطاب قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” أقرب إلى اعتراف موارب بالانتكاسة الكبيرة، ففي أول ظهور له عقب سقوط المناطق الخمس (مساء السابع والعشرين من يوليو/تموز)، خاطب دقلو قواته بلهجة استنفار، إذ أعلن إطلاق الرسن لعناصره، وقال إنها لحظة نكون أو لا نكون، ودعا إلى تطهير الصفوف مما سماه الطابور الخامس ومنع التصوير لأنه يقدم هدايا استخباراتية للخصم، وفي خطاب لاحق (التاسع والعشرين من يوليو/تموز) توعد بأن هدفه الخرطوم.
فك واحدة من أهم العقد
يؤكد المدون والمحلل البارز في الشأن العسكري السوداني، ياسر عباس إبراهيم، أن القوات المسلحة السودانية وبانتصاراتها في شمال كردفان فكّت واحدة من أهم العقد التي استغرقت أكثر من سنة، فمنذ تحرير الخرطوم توقف الجيش في رهيد النوبة ولم يحرز تقدمًا يذكر، بل بالعكس تراجع في شمال كردفان حول الأبيض، حتى أن المليشيا استطاعت في وقت من الأوقات الوصول إلى مصفاة البترول على بعد 6 كيلومترات فقط من الأبيض، بحسب وصفه.
ويضيف لـ”نون بوست” أن الجيش السوداني ألحق خسائر فادحة في المجموعة 142 التابعة للدعم السريع بقيادة الحاج حسين الملقب بـ”البوص” والذي لقي حتفه في المعارك، موضحًا أنه أكثر قادة مليشيا الدعم السريع تأثيرًا وقوة في شمال كردفان وعدّ محدثنا ذلك نصرًا كبيرًا ومهمًا للجيش السوداني.
على المدى الأوسع، يبين الناشط السياسي، ياسر إبراهيم، أن القوات المسلحة السودانية تمكنت أخيرًا من كسر التوازن بينها وبين الدعم السريع الذي نجحت الإمارات في تثبيته بعد تحرير الخرطوم، حيث كثفت أبوظبي دعمها للميلشيا بعد طردها من العاصمة، فظهرت منظومات الدفاع الجوي الصينية والمرتزقة الكولومبيين والمسيرات الإستراتيجية والانتحارية، مما أوقف تقدم الجيش وتحوّل موقفه نحو الجمود بدلًا من التقدم.
ويشير إلى أن الجيش بات أخيرًا في موقف مريح وأصبح يمتلك زمام المبادرة في محور كردفان، حيث تعمل مسيراته بحرية تامة بعد أن حيّد عددًا كبيرًا من المسيرات الإستراتيجية التي وفرتها الإمارات للدعم السريع.
كما يلفت إلى أن أبوظبي بحاجة إلى عمل كبير لكي تعمل مرة أخرى على إحداث توازن للميلشيا، موضحًا أنها تعاني نتيجة لانشغالها بتداعيات الحرب الأمريكية على إيران، وقد دفعها ذلك إلى توزيع بعض منظومات الدفاع الجوي على دول جارة مثل البحرين بدلًا من إرسالها للدعم السريع.
ويختتم ياسر حديثه لـ”نون بوست” بقوله، إنه ينتظر رد فعل الإمارات التي باتت مثقلة بالعديد من الالتزامات، وعما إن كانت ستقبل بخسارة وكيلها في السودان، مشيرًا إلى أنها بدأت مجددًا في تحريك الملف اليمني عبر المجلس الانتقالي الجنوبي، قبل أن يستدرك بأن الإمارات لن تتخلى عن الدعم السريع ويرجِح أن تقوم بممارسة نفوذها لدى الولايات المتحدة من أجل الضغط على الحكومة السودانية لتوقيع اتفاق هدنة أو وقف إطلاق النار إلى حين معالجة ملفاتها الحرجة مثل الحرب الأمريكية على إيران.
ويتفق مع إبراهيم عدد آخر من المراقبين في توقع ضغط دبلوماسي أمريكي متجدد على الخرطوم لقبول الهدنة، تسنده الرغبة الإماراتية في تثبيت الوضع الميداني الحالي، لكنّ تمسك الجنرال عبد الفتاح البرهان بشرط الانسحاب الكامل يجعل توقيع اتفاق فوري مستبعدًا، خصوصًا مع أي تقدم ميداني يعزز موقف الجيش التفاوضي.
أخيرًا، يمكن اختزال ما جرى بشمال كردفان في معادلة واحدة، تتلخص بمكاسب عسكرية نوعية تعيد رسم خطوط التماس، لكنها لا تحسم الحرب، في أقل من ثلاثة أيام استعاد الجيش والقوة المشتركة خمس مناطق وفتحا طريق الصادرات الإستراتيجي، فأمّنا محور إمداد إلى الأبيض التي كانت تحت التهديد لأشهر طويلة، وقطعا شريانًا كانت المليشيا تحرّك عبره قواتها بين كردفان ودارفور.
وهذا أهم تقدم ميداني للجيش في الإقليم منذ استعادته العاصمة والوسط، إذ يزيح خطرًا كان يمتد نحو قلب البلاد ويقلب مسار معركة الأبيض من دفاع تحت التهديد إلى تأمين شامل للمحيط توطئة للانطلاق نحو بقية إقليم كردفان ومن ثم دارفور.