نون بوست نون بوست

نون بوست

  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
بِرَك سليمان في بيت لحم تتحول إلى ساحة تحد فلسطيني للاستيطان
نون بوست
وثائق تكشف حصانة واسعة لمجلس ترامب في غزة
نون بوست
كيف يحاول المستوطنون الإسرائيليون فرض واقع جديد على الأرض السورية؟
نون بوست
كسر عقدة “التمثيل المشرف”.. ماذا وراء تألق الكرة الأفريقية في مونديال 2026؟
نون بوست
مزارع شبعا.. كيف يُحل اللغز الحدودي الذي نسجه الأسد ووظّفه حزب الله؟
نون بوست
قمة حلف الناتو 2026.. لماذا تبدو نسخة أنقرة مختلفة؟
نون بوست
حصري: لجنة الكسب غير المشروع السورية تجمّد أصول 3531 فردًا وكيانًا
نون بوست
الأبيض.. هل تكون معركة حسم الحرب في السودان؟
نون بوست
تقدميو نيويورك يرون في غزة والمسلمين مفتاحًا انتخابيًا جديدًا
نون بوست
“استقلال” أمريكا: احتفاء بـ250 عامًا من التعصب القومي والإبادة الجماعية
نون بوست
اتفاق لبنان و”إسرائيل”.. تسوية مفخخة أم بوابة تطبيع؟
نون بوست
ترسيم مؤجل واقتصاد ظل عابر.. لماذا يستعصي ضبط الحدود بين سوريا ولبنان؟
نون بوست نون بوست
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
بِرَك سليمان في بيت لحم تتحول إلى ساحة تحد فلسطيني للاستيطان
نون بوست
وثائق تكشف حصانة واسعة لمجلس ترامب في غزة
نون بوست
كيف يحاول المستوطنون الإسرائيليون فرض واقع جديد على الأرض السورية؟
نون بوست
كسر عقدة “التمثيل المشرف”.. ماذا وراء تألق الكرة الأفريقية في مونديال 2026؟
نون بوست
مزارع شبعا.. كيف يُحل اللغز الحدودي الذي نسجه الأسد ووظّفه حزب الله؟
نون بوست
قمة حلف الناتو 2026.. لماذا تبدو نسخة أنقرة مختلفة؟
نون بوست
حصري: لجنة الكسب غير المشروع السورية تجمّد أصول 3531 فردًا وكيانًا
نون بوست
الأبيض.. هل تكون معركة حسم الحرب في السودان؟
نون بوست
تقدميو نيويورك يرون في غزة والمسلمين مفتاحًا انتخابيًا جديدًا
نون بوست
“استقلال” أمريكا: احتفاء بـ250 عامًا من التعصب القومي والإبادة الجماعية
نون بوست
اتفاق لبنان و”إسرائيل”.. تسوية مفخخة أم بوابة تطبيع؟
نون بوست
ترسيم مؤجل واقتصاد ظل عابر.. لماذا يستعصي ضبط الحدود بين سوريا ولبنان؟
  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
تابعنا

“هداية” و”الحكماء” و”صواب”.. أدوات الإمارات في الهندسة الدينية للتطبيع الإبراهيمي

سجود عوايص
سجود عوايص نشر في ٣٠ يونيو ,٢٠٢٦
مشاركة
نون بوست

في دراسة صادرة عن “معهد الأمن القومي الإسرائيلي” فبراير/شباط المنصرم، بعنوان: “اجتثاث حماس من قطاع غزة: التعلم من النماذج الغربية والعربية في مكافحة التطرف” يطرح الباحثان الإسرائيليان عوفر جوترمان وتارا فيلدمان، النموذج الإماراتي في اجتثاث الإسلام السياسي وتقديم “الإسلام المعتدل” وإلزام الجمهور بمناصرته، باعتباره واحدًا من أنجح النماذج في العالم العربي، ومسارًا صنعته الإمارات، مهّد للتطبيع، ورعاه في سنواته الأولى، مانحًا إياه دفئًا عجزت الأردن ومصر عن ضخه في شعوبها لعقود.

أدوات هذا النموذج مجموعة من المراكز التي استهدفت الوعي الديني العربي والإسلامي، تحت مسميات وأهدافٍ مختلفة، لكنها حققت نتائج أثارت إعجابًا غربيًا و”إسرائيليًا”، بدءًا من التطبيع وانتهاءً بالحفاظ عليه حتى على وقع الإبادة الإسرائيلية لغزة منذ أكتوبر 2023.

ورغم أن ملفنا “التطبيع بالوكالة” يتتبع المراكز والهيئات العربية والإسلامية التي يتسلل منها التطبيع إلى الجمهور، إلا أن هذه المادة تتبع مراكز هندستِ الوعي العربي والإسلامي للتطبيع، واستبقته، ودعمته، وأصبحت لاحقًا الأداة لتبريره، وهي مركز هداية، ومجلس حكماء المسلمين، ومركز صواب.


هداية: إنتاج المعرفة في “مكافحة التطرف”

عام 2012 وعلى وقع التغيرات السياسية في العالم العربي، وصعود داعش، وبروز تيارات فكرية إسلامية، عجز الغرب عن التعامل معها، أطلقت أبو ظبي مركزًا دوليًا للتدريب والبحث وبناء القدرات في مجالات مكافحة التطرف، كان المركز جزءًا من مبادرة إماراتية طُرحت خلال المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب، وقدمت نفسها كآلية للبحث والحوار والتتبع.

وهكذا انطلق المركز بعد افتتاحه من عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي، حاملًا اسم “هداية”، ومدعومًا باستقلالية قانونية خاصة وفق القانون الاتحادي الإماراتي تجعله منفصلًا عن أي تبعية حكومية أو مؤسساتية، بالنسبة للمجتمع الغربي، كان الانخراط الإماراتي في مواجهة التحالف الدولي للتجنيد الإلكتروني الذي تقوم به داعش، مهمًا جدًا.

إذ جمع المركز خبراء من مختلف أنحاء العالم، وأطلق آلية عملٍ من ثلاث محاور، تقوم على إجراء البحوث وتحليل “الإرهاب الدولي”، وتدريب الكفاءات وبناء القدرات، ومحورٍ رديف يتعلق بالحوار والإعلام عبر المنظمات غير الحكومية وبدعمٍ من الناجين من “الإرهاب”، لاختراق ظاهرة المقاتلين الأجانب.

لم يلبث هداية أن أصبح منصة تقوم الإمارات من خلالها بتقييم التعليم الرسمي وغير الرسمي للمجتمعات العربية والإسلامية، وتحديد قدرته على منع التطرف وكبح جماح الخطاب “الأصولي”، لينتهي ذلك بـ”مذكرة أبو ظبي” للممارسات الجيدة”، الصادرة عن المركز عام 2014.

إقليميًا، لم يكن التطرف الذي اهتمت به الإمارات يقتصر على “داعش” بل امتد لمظاهر وحركات “الإسلام السياسي” و”الفكر الديني التقليدي”، ما جعل من الشراكات الدولية للمركز مع مراكز ومعاهد أخرى متخصصة في السياسات الأمنية والتحليل الاستخباراتي إضافةً له.

فكانت شراكته مع مركز جنيف للسياسات الأمنية، ومركز جاكرتا للتعاون في إنفاذ القانون، وأكاديمية جامب سبورت في أبو ظبي، ومركز محمد بن نايف للمناصحة في السعودية، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ومنظمة نساء بلا حدود، وفرقة العمل المعنية بتنفيذ مكافحة الإرهاب، ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، ومعهد الأمم المتحدة لبحوث الجريمة والعدالة، ثم اتسعت لتشمل مراكز التتبع والرصد الرقمي مثل المعهد الملكي للخدمات المتحدة، وشركة توينتي وان يونيكورنز لتطوير التطبيقات.

وفقًا لوزير الخارجية الإماراتي، فإن “الدبلوماسية الرياضية والثقافية ومكافحة التطرف العنيف عبر المناهج التربوية ونبذ الراديكالية في السجون ودعم ضحايا الإرهاب” هي مساحات عمل المركز، لكنها اتسعت لاحقًا بعد التعاون مع وزارة الخارجية الأمريكية في برنامج “فلاي تيم” لإعادة التأهيل والاندماج، ومن ثم مراكز خدمات تقنية (بريطانية وكندية وأمريكية” لرصد وقياس وتقييم التطرف العنيف عبر الحواسيب والهواتف الذكية.

خلال مدة وجيزة استطاع المركز إثبات فعاليته للحكومات والمراكز الغربية، فقد وصلت شراكاته إلى أكثر من 100 دولة، وتقاطعت مع أبحاث الذكاء الاصطناعي، واستطاع من خلال تطبيقاته التكنولوجية رصد التطرف العنيف، وتكوين قاعدة بيانات تحليلية ومعرفية ضخمة لآليات عمل الجماعات “المتطرفة”، مستفيدة من علاقات مديرها التنفيذي “مقصود كروز” الذي أصبح مؤخرًا مبعوثًا خاصًا لوزير الخارجية لمكافحة التطرف والإرهاب.

يمتلك مقصود خبرة في علم النفس التنظيمي، وشغل في وقتٍ سابق مناصب متنوعة، من بينها المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، ومستشار الاتصالات الاستراتيجية في وزارة شؤون الرئاسة، إضافة إلى عضويته في الفريق الإعلامي لمجلس الوزراء الإماراتي، وخدمته في القوات المسلحة الإماراتية.

وإلى جانبه 25 خبيرًا متعدد الجنسيات، و12 عضوًا في هيئة حكومية دولية، مرتبطة بالمنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب، من أبرزهم “إيفو فينكامب” نائب المدير التنفيذي للمركز، وهو المسؤول عن العمليات اليومية داخل المركز، ويملك خبرة في العمل ضمن لجان مخابرات ومكافحة إرهاب خاصة في بلاده، وأحد الدعاة لتنفيذ  خطط مراقبة كاملة للمسلمين في دول الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك المنظمات ودور العبادة.

نون بوست
إيفو فينكامب

من ضمن خبراء وباحثي المركز، “سارة زنجر” مسؤولة مقترحات “هداية” لمكافحة التطرف في التعليم، والذي يربط مؤسسات التعليم بجهاز أمن الدولة ولجان “مكافحة الإرهاب”، ونتج عنه إنشاء مخبرين وسط الطلاب والمعلمين والموظفين، وتوزيع كُتب تحرض على المطالبين بالإصلاحات، والتحذير من الحديث في السياسة أو الانتقاد.

في الواقع، يُعد هداية المركز الأول في المنطقة العربية والشرق الأوسط الذي يقوم بتتبع الإرهاب على الأرض وعبر الذكاء الاصطناعي، وينظم منتديات دورية تجمع الحكومات وقطاعات التكنولوجيا والأوساط الأكاديمية لتتبع أنشطة الإرهاب والتطرف، وتعزيز التقنيات المكافحة لهما.

نون بوست
فريق المركز

أما أبرز الأنشطة الدورية فهو برنامج STRIVE لتعزيز القدرات على مواجهة التطرف العنيف، والذي انطلق عام 2015، بدعمٍ من الاتحاد الأوروبي، واستطاع خلال العقد الأول التواصل مع 47 منظمة محلية، و14 وحدة حكومية، وإطلاق 62 مبادرة، و53 منحة، في 16 دولة.

ويُعتبر البرنامج_إلى جانب البحوث وتطبيقات التتبع والرصد- ركيزة هداية، إذ امتدت النسخة الأولى منه على مدى 6 سنوات، مستهدفةً أكثر من 15 ألف طالب، و1850 معلم وأخصائي وتربوي، و52 قائد وداعية ديني، و26 ضابط شرطة،  و71 مسؤولًا حكوميًا، بهدف التدريب وتنفيذ البحوث ومتابعة خطط العمل الوطنية لمواجهة التطرف.

من ضمن الدول التي استهدفها البرنامج آسيا الوسطى (ألبانيا، قيرغيزستان، تركمانستان، صربيا، البوسنة والهرسك، مقدونيا) وشملت الأنشطة في هذه الدول تدريب أكثر من 600 صحفي ومحرر على تغطية قضايا الإرهاب، أما في البلدان العربية فقد أطلق المركز أنشطة بطبيعة مختلفة.

ففي تونس، ركز على التعاون مع شركات الاتصالات الوطنية لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التطرف بتحفيز الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18-45 عامًا، وفي شمال إفريقيا والعراق والأردن، صمم المركز برنامج تدريب مطبوع والكتروني وسلسلة دورات لمكافحة التطرف، كما قدم 53 منحة ومول مشاريع بحثية لاستكشاف مواطن الضعف المؤسسي والدوافع المحلي للتطرف واستراتيجيات تجنيد الجماعات المتطرفة.

ورغم حالة “التسامح” التي تسود هداية، إلا أن المركز يتجاهل في كثيرٍ من الأحيان الخطاب الغربي المعادي للإسلام، فيتبنى باحثين ذوي أجندة يمينية ومعروفين بعدائهم للمسلمين والمؤسسات الإسلامية من أمثال: “لورينزو فيدينو”، “سارة برزوسكيويتش” ،  ومستشار المركز المقرب من اليمين الإسرائيلي والمعادي للإسلام في السويد، “ماغنوس نوريل”.

كما ترفض النظر بعين العطف إلى المعارضين والمعتقلين السياسيين، إذ سبق لـعلي النعيمي، الذي تصفه مواقع إعلامية بأنه رئيس مجلس الإدارة (لا يوجد ذكر له في موقع المركز الرسمي) أن هاجم معارضين وناشطين حقوقيين، مثل الإماراتي أحمد منصور، واتهمه بالخياني، كما هاجم جمعية دعوة الإصلاح السلمية وربط نشاطها بالتطرف والإرهاب.

كما تربط المواقع بين القائمين على المركز والأجهزة الأمنية الإماراتي، فأحمد القاسمي، أحد مديري المركز، شغل منصب مدير التعاون الأمني في وزارة الخارجية الإماراتية، أما النعيمي فهو مقرب من جهاز أمن الدولة، فيما تتقاطع السيرة الذاتية لكروز بين الرجلين.

تتواصل أنشطة هداية حتى اليوم، ولديه أجندة تمتد إلى أعوامٍ قادمة، تستهدف تفكيك فكرٍ وتأسيس آخر، تحت مسميات “التسامح” و”تقبل الآخر”، وهي إلى ذلك تُنتج معرفة معمقة عن الأنظمة والشعوب حاليًا ومستقبلًا من الصعب تجاهلها، ما يجعله مشروعًا مثيرًا للإعجاب على المستوى الغربي، خاصة مع قدرته على تحويل العداء للمستعمر إلى تقبلٍ له.

هذا الإعجاب، كان محفزًا لإنتاج مؤسسات أخرى، تستطيع سد الفجوات التي عجز هداية عن تغطيتها، نتيجة بنيته الغربية، وتشابكاته وفواعله الأجانب، أشد الفجوات إلحاحًا كان الخطاب الديني، الذي استدعى إنشاء مؤسسات خاصة لإعادة إنتاجه، بأيدٍ وأقلامٍ عربية وإسلامية. 

ومن الجدير بالملاحظة هنا، أنه يُمكن اعتبار “هداية” بداية التجربة الإماراتية في ممارسة قوتها الناعمة، وهي بداية حذرة جدًا، إذ لا تظهر “إسرائيل” بأي شكلٍ من الأشكال في أنشطتها وأعضائها، رغم “العدو المشترك” لكلٍ من أبو ظبي و”إسرائيل”، ورغم جنسيات وخبرة الفريق الأجنبي التي تتقاطع مع مؤسسات دولية عاملة في مكافحة الإرهاب عسكريًا وسياسيًا وتعليميًا في الشرق الأوسط، وهو ما يتنافى -بالمنطق- مع غياب “إسرائيل” في الخطاب، ناهيك عن طبيعة الشراكات التي ينغمس بها المركز، ومبادراته، ومناطق نشاطه الجغرافي، وأدواته التكنولوجية والأكاديمية في التنصت والتحلل والتتبع.


مجلس الحكماء المسلمين: إنتاج الشرعية والخطاب الديني البديل

على وقع الخوف الإماراتي نفسه، والتوجس من الثورات العربية في تونس ومصر وسوريا، والمظاهرات التي عمت دولًا أخرى، وحراك الإصلاح الذي جدد دمائه في دولٍ ثالثة، استشعرت دول الخليج الخطر المحدق بأنظمتها، وكما “هداية” كانت أبو ظبي السباقة في هذا الحس، فانغمست في سعيٍ حثيث لسحب منجزات الثورات من تحت أقدام شبابها، قبل أن تعمد لتأسيس بنية فكرية ودينية واجتماعية وتعليمية، قادرة على تطويق الأفكار الثورية في مهدها.

اللبنة الأولى كانت هداية، حيث استطاعت إثبات نفسها وفكرها وقدرتها على التغيير في شمال إفريقيا، وآسيا الوسطى، والأردن والعراق، مدعومةً بالتمويل ومشاريع تغيير الأجندات التعليمية والأكاديمية، وإلحاح التوسع التكنولوجي وقدرته على التتبع والتحليل.

لكن “هداية” لم تستطع مجابهة “الإسلام السياسي” الذي أرق أبو ظبي، ما استدعى تأسيس مجالس دينية مدعومة وفعالة، قريبة من الحكومات لا الشعوب، وقادرة على الاصطفاف وراء الخطاب الرسمي وتبريره والإفتاء بحرمة الخروج عنه، بدأ ذلك في يوليو/تموز 2014، عبر مجلس حكماء المسلمين.

وهكذا انطلق المجلس في أبو ظبي، في التاسع عشر من تموز، بمبادرة من عددٍ من علماء المسلمين، يترأس مجلسه عالم الدين الموريتاني المنشق عن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين “عبد الله بن بيه” ويتولى شيخ الأزهر أحمد الطيب رئاسته شرفيًا تحت قائمة أهدافٍ من بينها تعزيز السلم والتعايش داخل العالم الإسلامي وخارجه، وتحقيق العدالة ومكافحة التطرف ونشر التسامح الديني والحوار بين الأديان والأمم.

في قائمة الإدارة أيضًا هُناك علي النعيمي نفسه، الذي شغل منصب الأمين العام لمجلس حكماء المسلمين حتى عام 2018، كما أصبح لاحقًا رئيس المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة إلى جانب رئاسة مجلس إدارة هداية.

خطاب الحوار والتعايش الذي جاء في فترة بعيدة عن أحداث سبتمبر وتداعياتها على العالم الإسلامي، والانتفاضة الفلسطينية الثانية وتطورات القضية الفلسطينية، أثار الشك في خطاب مجلس الحُكماء، لا سيما وأن وسائل إعلام خليجية رسمية اعتبرته ردًا سعوديًا إماراتيًا على “الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين“، الذي تأسس قبل عقدٍ كامل، واتخذ من قطر منصة له.

يتعزز ذلك بالنظر لتركيبة وخطابٍ كلٍ منهما، إذ يقوم على “مجلس الحكماء” شيخ الأزهر المقرب من الخط السياسي الحالي في مصر، وينطلق خطابه من إنهاء العنف وإطفاء الحرائق ووضع حلولٍ سلمية للنزاعات وإقامة جسور التواصل الإنساني مع أتباع الديانات والثقافات الأخرى، وتعزيز دور قادة ورموز الأديان، لأن “جسد الأمة” لا يحتمل المزيد من الحروب والصراعات.

بينما ترأس الإتحاد الشيخ يوسف القرضاوي، (عضو جماعة الإخوان المسلمين) ليضم 90 ألفًا من علماء المسلمين من مختلف الطوائف، واضعًا نصب عينيه القضايا الإسلامية وعلى رأسها فلسطين، مُسهمًا في تقديم الفتاوى والبيانات الشرعية وتفعيل دور العلماء.

زاوية أخرى تؤكد حدة التنافس بين مجلس الحُكماء والاتحاد العالمي، هو اشتراط مجلس الحُكماء لوجود قيم العدالة والوسطية في حُكمائه، بينما جعل الاتحاد من الاهتمام بقضايا الأمة الكبرى، وعلى رأسها المسجد الأقصى، والعناية بالأقليات المسلمة، جزءًا محوريًا من وجوده.

في مرحلةٍ لاحقة، سيتسع البون بين الحكماء والإتحاد، ذلك لأن كُلًا من السعودية والإمارات ستفرضان حصارًا على قطر، ستقوم فيه تركيا بدور المنقذ لها، لتغدو المنطقة العربية مقسمةً بين محورين “الطيب وبن بيه” و “القرضاوي وقره داغي”، لا يقتصر ذلك على تكتلات الدول أو تقاطعات الأفراد بل يمتد ليشمل منهج كلا المجلسين ورؤيتهما.

فخلال 2010-2017 شنت وسائل إعلامٍ غربية هجمات مكثفة على الاتحاد العالمي، مبررة توسعه عالميًا بزعامة القرضاوي للإخوان المسلمين، وارتباط ذلك بالثورات العربية، توافق ذلك مع تقارير “إسرائيلية” أشارت له بوصفه “معاديًا للسامية” حين أكد خلال الحرب على غزة 2008-2009، بأن قتال المسلمين لليهود متواصل حتى قيام الساعة.

عبرت عن ذلك صحيفة “اليوم السابع” باعتبارها مجلس الحكماء “ردًا على دور الاتحاد في تأجيج الفتن بين الشعوب العربية وتحريض الشعوب ضد أنظمتها، وخطف الإسلام وتشويهه والبعد عن سماحته وتحويله إلى دينٍ ينتهج السلام والمحبة بين الناس”، مشيرة إلى أن منهج مجلس الحُكماء هو “الخطاء الإسلامي الوسطي والابتعاد عن التسييس”.

فيما ربطت صحفٌ أخرى بينه وبين منتدى “تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة” الذي استضافته “أبو ظبي” في شهر آذار/ مارس 2014، وشارك فيه مئات العلماء والدعاة المسلمين من مختلف أنحاء العالم، عدد منهم أعضاء سابقين في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وُصفوا بأنهم “رجال دين معتدلين” لقربهم من السلطات الحاكمة ومهاجمتهم الحركات الإسلامية.

يتواصل ذلك حتى اليوم، حيث يُهاجم الاتحاد العالمي الأذرع الإماراتية في السودان وليبيا، واصفًا إياهم بأنهم “بُغاة ينافسون الصهاينة”، فيما يُهاجم مجلس الحكماء خلايا مرتبطة بانتماءات مذهبية أو طائفية كُشفت مؤخرًا في عددٍ من دول الخليج، واصفًا أعضائها بالخونة والمفسدين.

خلال فترة وجيزة من نشأة مجلس الحكماء انضم له 250 عالمًا، من بينهم القاضي محمد عبد السلام، مستشار الإمام الطيب، والداعية المتخصص في حوار الأديان وصياغة الوثيقة الإنسانية مع بابا الفاتيكان فرانسيس، والحاصل على جائزة زايد للأخوة الإنسانية، إلى جانب علماء من البحرين مثل الشيخ عبد الرحمن آل خليفة، رئيس المجلس الأعلى للشؤون الدولية، ومن الأردن الأمير غازي بن محمد رئيس مجلس أمناء مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي، ومن إندونيسيا الدكتور محمد قريش شهاب وزير الشؤون الدينية.

امتد ذلك إلى الشيخ الشريف إبراهيم الحسيني، رئيس هيئة الإفتاء بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في نيجيريا، ومن غينيا وزير الشؤون الدينية قطب سانو، ومن أذربيجان شيخ الإسلام شكور باشازاده القائد الروحي لمسلمي القوقاز، ومن ماليزيا الداتو ذو الكفل البكري، ومن لبنان المرجع الديني السيد علي الأمين، ومن النيجر الرئيس السابق محمدو إيسوفو، وغيرهم من الشخصيات الإسلامية الرفيعة من أوزبكستان وتشاد وروسيا والسنغال وأنحاء أخرى من العالم.

هذه المشاركة الرفيعة من شخصيات دينية ضمن الأوساط السياسة العربية والإسلامية أتاحت للمجلس تقديم عددٍ من المبادرات الجريئة في حينها، تحت مظلة “التسامح الإنساني”، مثل مبادة “الحوار بين الشرق والغرب” ومعسكرات “صناع السلام الشباب” والتي كان آخرها في يوليو/ تموز 2023، بمشاركة خمسين من الناشئة من مختلف الأديان، وبرعاية المجلس ومجلس الكنائس العالمي ومؤسسة روز كاسل.

وبينما أعلنت كلٌ من السعودية والبحرين والإمارات ومصر الاتحاد العالمي منظمةً إرهابية، تستخدم الخطاب الإسلامية لتيسير الأنشطة الإرهابية التي تدعمها وتمولها لزعزعة السلم والاستقرار الإقليمي، أطلقت الإمارات خطابها الديني المعتدل، مؤكدة على الضرورات الخمس في الإسلام “النفس والدين والعقل والنسل والمال” كمبررات لمواقف سياسية معتدلة متماشية مع توجهات السياسة الإماراتية.

إلى “إخواني وأخواتي اليهود في إسرائيل”

من بين المبادرات التي أطلقها المجلس وحظيت باهتمامٍ دولي هي مبادرة “الأخوة الإنسانية”، ووثيقتها الموقعة بين الشيخ أحمد الطيب والبابا فرنسيس في أبو ظبي، عام 2019، والتي فتحت فضاءً لتجاوز الصراع الديني التقليدي بالتركيز على المشترك من المواطنة والحوار.

وفقًا للوثيقة، فإن “إسرائيل” لم تحضر كفاعل، رغم ضم الحاخام م. بروس لوستيج، كبير الحاخامات في المجمع العبري بواشنطن لأعضاء لجنتها، وتوجه بابا الفاتيكان برسالة إلى “إخواني وأخواتي اليهود في إسرائيل”، لكنها وُجدت عبر خطاب “السلم الأهلي، ومكافحة التطرف، والحوار بين الأديان، ومكافحة الإسلام السياسي، وبناء شبكات عابرة للأديان والحدود”، ما أتاح تقديم أبو ظبي كمرجعية دينية جديدة، قادرة على التكلم باسم الإسلام وإقناع مريديها.

نون بوست
صفحة بروس على موقع مجلس الحكماء

بعد توقيع الوثيقة التي أُرفقت بمؤسسة حملت اسم “لجنة الأخوة الإنسانية”، تجسدت الفكرة مكانيًا من خلال بيت العائلة الإبراهيمية، الذي ضم مسجد الإمام الطيب، وكنيسة القديس فرنسيس وكنيس موسى بن ميمون، وذلك عام التسامح 2019، في ذلك الوقت كانت قطر ما تزال تحت الحصار، فيما تتواصل الحرب على اليمن، ودعم خليفة حفتر في ليبيا، والدعم السريع في السودان، بينما تتسع قائمة الإرهاب الإماراتية

وهكذا وصلت الإمارات إلى قلب التطبيع عام 2020، فوفقًا لصحيفة “جورزاليم بوست الإسرائيلية، فإن البيئة الثقافية والدينية الجديدة الناشئة من مجلس الحكماء، وصواب وهداية لعبت دورًا مهمًا في تجاوز مفهوم “التطبيع” باعتباره مجرد إبرام لاتفاقية سلام، إلى تجسيد مناخٍ من التعايش وجعل العلاقة مع “إسرائيل” أقل رمزية، إلى الدرجة التي أصبح فيها وجود كنيسٍ يهودي، أو توفر طعام “الكوشير” وحرية سفر اليهود، من الأمور الطبيعية في الإمارات.

بالتبعية، تحولت “إسرائيل” في وقتٍ قصير من دولة استعمارية إلى شريك حضاري ديني جنبًا إلى جنب مع المسيحية والطوائف الإسلامية المختلفة، من خلال خمس آليات انتهجها المجلس في خطابه ومبادراته؛ أولها إضعاف المقاومة بحجة نبذ التطرف والإرهاب، وثانيها محو المساءلة بحجة التسامح، يليها تحويل الصراع مع اليهود من استعمارٍ إلى سوء فهمٍ بحاجة لمنتديات صيفية لحله، ما استُتبع بشرعنة اللقاء مع مؤسسات يهودية، مثل مجلس القيادة اليهودية، رغم استمرار الاحتلال لفلسطين والأقصى تحت الحجة نفسها، لينتهي ذلك بفضاءٍ إقليمي تُصبح فيه العلاقة مع “إسرائيل” بدون تبعات أو كلفٍ أخلاقية، وذلك عبر تحاشي المجلس ذكر “إسرائيل” في بياناته مباشرة. 

ينسجم ذلك مع موقف رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، ورئيس مجلس الحكماء، الشيخ عبد الله بن بيه، الذي أشاد بما سماه “المسعى الإيجابي والخطوة السديدة” فيما يتعلق بتطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل، معتبرا أنه ساهم في وقف تمدد إسرائيل على مناطق من الأراضي الفلسطينية.

في بيانٍ آخر ثمّن بن بيه، حكمة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وسعيه “من أجل السلام العادل والدائم” في الشرق الأوسط، مؤيدًا في الوقت ذاته كل ما تقوم به الدولة لمصلحة البلاد والعباد، باعتبار أن المصلحة هي المعيار الشرعي لتصرفات ولي الأمر والذي هو وحده المقدر للمصلحة والمحقق للمناط فيما يتعلق بالحرب والسلام والعلاقات بين الأمم”.

معتبرًا أن معاهدة التطبيع مع إسرائيل تندرج ضمن الصلاحيات السيادية لولي الأمر، وأن الشريعة الإسلامية تتيح للحاكم اتخاذ قرارات السلم والصلح بما يراه محققًا لـ “المصلحة العامة”، واصفًا المبادرة الإماراتية بـ “السديدة والموفقة”.

هذا الاحتفاء “الديني” بالتطبيع، استدعى تحليلًا “اسرائيليًا” أكاديميًا يربط بين “إسلام الإمارات المعتدل” عبر مجلس الحكماء، ونجاح تطبيعها الإبراهيمي، بصفة المجلس “أحد أدبيات الوسطية الإماراتية” أو مؤسسًا لتيار “الدين الإبراهيمي” الذي يسعى لتهيئة المناخ السياسي والديني لقبول السلام مع إسرائيل، عبر تغيير السرد السائد، والتركيز على التعليم الديني المنفتح، ونشر قيم الحوار.

لا يعني ذلك بأي حالٍ من الأحوال أن القضية الفلسطينية تغيب عن أجندته، بل تعبر بياناته للإعلام عن حملات تنديد مستمرة بالانتهاكات “الإسرائيلية” بحق الأقصى، والاستيطان، والضم، والعدوان على قطاع غزة، لكنها بيانات تُسقط “إسرائيل” من مضمونها كمجرم، وتكتفي بلغةٍ عامة، تدعو من خلالها إلى التعايش والحوار والتهدئة وعدم استغلال الدين وإدانة عامة للهجمات والتوتر.

في المقابل، يتواصل حضور النعيمي، في الفعاليات اليهودية “الإسرائيلية” بصفته داعية بارزًا في السلام والتعايش، وذا منصبٍ رفيعٍ في كلٍ من هداية ومجلس الحكماء، يمتد ذلك من لقاءات تُروج لعصر “السفارد الذهبي” في الخليج، وصولًا إلى استقباله حاخامًا “اسرائيليًا” على وجبة عشاء في منزله بينما تتواصل الإبادة والمجاعة في قطاع غزة. 

❞في ظل انقلاب الكثير من العالم على إسرائيل، بوجودكم هنا في الإمارات وتحت قيادتكم، هناك الكثير من النور والصداقة..❝

⭕️ علي النعيمي، رئيس مركز هداية المهتم بمحاربة المسلمين والتقارب مع اليهـ.ـود (توصيف غير رسمي)، يستقبل حاخامًا في منزله على وجبة عشاء بعد أكثر من سنتين من حرب… https://t.co/XkJiSNkg3m pic.twitter.com/pDgQ2Te8mj

— مفتاح (@keymiftah79) January 26, 2026


صواب: إنتاج السردية الإعلامية 

“تؤمن الإمارات بأن دمج إسرائيل يعزز الاستقرار الجماعي في المنطقة، لذلك تواصل دعم القضية الفلسطينية مع الحفاظ على علاقاتها مع الجمهور الإسرائيلي، فالحكومات قد تتغير، لكن العلاقات بين الشعوب يجب أن تستمر. ومن وجهة نظر أبو ظبي، فإن أمن إسرائيل يشكل ضرورة إقليمية لا يمكن تحقيقها إلا عبر شراكة بين القطاعين العام والخاص”.

“ترى أبو ظبي أن تزايد عزلة إسرائيل يهدد بتقويض صورتها الدولية ويعمق إحساس مواطنيها بالانفصال عن العالم. وللحد من هذا الاتجاه، تشجع الإمارات على بناء شراكات أوسع بين المجتمع المدني والقطاع الخاص والهيئات الدينية بما يعزز التواصل والانفتاح.” – علي النعيمي في مقالٍ على موقع معهد الأمن القومي الإسرائيلي بعد عامين من 7 أكتوبر.

يُعبر النعيمي عن وجهة النظر الإماراتية الرسمية، لذلك كان من الطبيعي دعم مبادرته، عام 2015، إنشاء مركز إماراتي أمريكي مشترك لمواجهة دعاية “الجماعات الإرهابية”، وتسخير وسائل التواصل الاجتماعية لفضح وتفنيد أيديولوجيتها، بالتعاون مع وزير الدولة للشؤون الخارجية في ذلك الوقت أنور قرقاش، ووكيل وزارة الخارجية الأمريكية للدبلوماسية العامة ريتشارد ستينغل.

ولـ ستينغل علاقة طيبة برئيس الوزراء الإسرائيلي “نتنياهو” إذ وصفه في مقابلةٍ سابقة له، عندما كان يتولى تحرير مجلة التايم، بأنه “ملك إسرائيل”، كما عمل ضمن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، قبل أن يُصبح المحلل السياسي في قناة MSNBC.

هكذا ولد مركز صواب، وبالتوازي مع إعلان انطلاقه، الذي لم يُسمح للصحفيين بحضور حفل التدشين أو زيارته، عملت الولايات المتحدة على توسيع قسمٍ خاص بالاتصالات الاستراتيجية لمكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية، مصممٌ بالتوازي مع صواب لمواجهة الرسائل “الجهادية” عبر الإنترنت.

عرّف “صواب” عن نفسه على منصة x  بأنه: “مركز أبحاث متخصص في مكافحة الإيديولوجيات المتطرفة التي تستغل الدين لتحقيق أهداف سياسية أو أيديولوجية”، وله حضور قوي في مؤسسة دبي للإعلام، ووزارة الخارجية الإماراتية ووكالة أنباء الإمارات، وسكاي نيوز عربية، ويتقاطع مع الجانب البحثي لهداية، لكنه أكثر صراحة إذ يُخصص أبحاثه وخطابه لمهاجمة جهاتٍ بعينها، داعش والحوثيين والقاعدة وهيئة تحرير الشام والإخوان المسلمين، كما يتقاطع مع حكماء المسلمين في إعلاء “الأصوات المعتدلة” وتصويبه الأفكار “الخاطئة”، وشراكته مع الأزهر الشريف.

منذ انطلاقه حرص المركز على التعاون مع المراكز الدينية، وإطلاق حملات مشتركة على مواقع التواصل الاجتماعية مثل “رحمة للعالمين”، ما دفع شيخ الأزهر للإشادة به بوصفه قناة لنشر الوسطية.

خلال السنوات الأولى من عمله، أطلق المركز 50 حملة توعية عبر منصات بالعربية والإنجليزية والفرنسية، اجتذبت ثمانية ملايين متابع من 83 دولة حول العالم، كما تربطه شراكات مع منصات التواصل x وفيسبوك ويوتيوب، يقوم من خلالها بتدريب الفئات الشابة على إنتاج محتوى مضادٍ للتطرف.

وفقًا لمجموعة باحثين من بينهم كريستيان ألكسندر، يحضُر مركز صواب كترويجٍ للتسامح وتقبل الآخر انطلاقًا من حاجة النظام الأمنية إلى الحد من جاذبية الأيديولوجية وقوة التعبئة لدى الحركات المستوحاة من الإسلام السياسي، ولذلك تبلورت أجندة الإمارات على كبح جماح هذه الحركات، لأنها تعتبر أي شكلٍ من أشكال ممارسة العمل السياسي المرتبط بالإسلام حاضنة للتطرف ويجب التصدي له.

لذا، وبناءً لقول الباحث، فإن قلقها من وسائل التواصل الاجتماعية المتطورة دفعها لتعزيز قدراتها في تتبع الدعاية والتبرعات والتجنيد، وذلك بشراكتها مع الولايات المتحدة عبر “صواب”، الذي يدمج الأبحاث والخطاب الإعلامي بالاستراتيجيات.

من ناحية أخرى، تكاثر “صواب” خلال السنوات اللاحقة، فتأسس المعهد الدولي للتسامح والحوار بين الأديان عام 2017 من قبل حكومة دبي، ومعهد مسبار للبحوث والدراسات، ومعهد دراسات وأبحاث الإمارات، في الوقت الذي روجت فيه الإمارات لنسختها الرسمية من الإسلام عبر مجلس الحكماء ومجلس الفتوى الإماراتي والشيخ بن بابيه، وعبر مجالس دينية أخرى احتكرت بها الدولة المجال الروحي، ومنحت الشرعية الدينية لسياساتها فقط.

لفت هذا الحراك النشط نظر الباحثين والإعلاميين “الإسرائيليين”، خاصة وأن “إسرائيل” المستفيدة الأولى من خطاب التسامح الإماراتي لم تكن شريكة مباشرة في نسجه قبل 2020، لكنها كانت أول من حصد نتائجه، والتي كان آخرها “شراكتها الخفية في ريفييرا الإبادة”.

في مقالٍ لصحفي “الإسرائيلي” أفيرام بيلايشي، يُسلط الضوء على الشريك الخفي لـ”إسرائيل” والاستثناء في حلقة مجلس السلام لما بعد الحرب، وذلك نتيجة سياسات الإمارات، عبر هداية وبيت العائلة الإبراهيمي، وصواب، المبادرة التي تظهر ل 60% من متابعي وسائل التواصل الاجتماعية التي تتراوح أعمارهم ما بين 13-34 عامًا.

وفقًا للصحفي، فإن الإمارات، التي ثبت خلو مناهجها الدراسية من أي معاداة للسامية، والتي أعلنت وزارة للتسامح والتعايش منذ 2016، تُجري محادثات لتولي الإدارة المدنية في غزة، وهي الأقدر على حمل هذه المسؤولية، رغم نفيها، لأن “أطفال غزة يستحقون مستقبلًا جديدًا”.

في الواقع، لا يُظهر موقع صواب أي بنية إدارية للمركز، كما تنحصر أنشطته في إعادة نشر الأبحاث والدراسات المنشورة سابقًا في هداية ومسبار ومركز بحوث الإمارات، لكن تقارير غربية تشير إلى تمويلٍ ضخم يحصل عليه من الحكومة الإماراتية للعمل على مواجهة الإرهاب الكترونيًا، والتموضع كرائدٍ لمكافحة التطرف الإسلامي إقليميًا، ما يُفسر ملايين المتابعين لرسائل المركز (على فيسبوك يبلغ عدد المتابعين 4 مليون، بينما لا تحظى المنشورات بأي تفاعلٍ يذكر!)

يربط مركز السياسية الأمنية الأمريكي AFPC  ذلك باتفاقيات أبراهام، حين يُشير إلى أن الإمارات لم تكتف بها، بل سعت لتطويرها وتوسيعها، وأنا قدمت التقارب بين أبو ظبي وتل أبيب باعتباره شراكة في مواجهة التهديدات الاستراتيجية والإيديولوجية، ما يصب في دائرة مغلقة بمصلحة الاتفاقية، ويجعل التطبيع ممكنًا دوليًا وخليجيًا.

أما تقرير modern diplomacy ” الصادر في مايو 2025 فيعتبر أن صواب جزء من سعي الإمارات للريادة العالمية، عبر مواجهتها للتطرف، وتقربها من الأديان الأخرى، وهي الاستراتيجية نفسها التي أفرزت قبول التطبيع مع “إسرائيل” مجتمعيًا ورسميًا، والحفاظ عليه رغم السابع من أكتوبر والإبادة الجماعية في قطاع غزة.


في المحصلة، تحضر هداية إلى جانب مجلس الحكماء وصواب بوصفهم أدواتٍ مهدت للتطبيع داخل المجتمع الإماراتي أولًا، وتسعى الآن لتجربة هذه الأدوات في مجتمعات عربية وإسلامية أخرى (ماليزيا، إندونيسيا، باكستان، آسيا الوسطى، العراق).

فمن يتتبع أنشطة هذه المراكز، وشبكية علاقاتها، التي لا تظهر فيها “إسرائيل” علنًا، يُدرك أن مقياس النجاح الإماراتي هو تحويل الاتفاقيات الدبلوماسية السيادية الرسمية مع “إسرائيل” إلى واقعٍ على الأرض، يحظى بـ “التعايش والتسامح”، وتُذلل لتمامه واستمراريته العقبات، حتى لو كانت إبادة 70 ألف عربي مسلم.

لكنها من ناحية أخرى لا تكشف عن منظومة لمكافحة التطرف، بقدر ما تكشف عن عقدٍ كاملٍ من التهيئة وبنية تحتية فكرية ودينية وإعلامية متكاملة صُنعت لتطبيع ما لا يُمكن تطبيعه، ولتطويع مجتمعٍ وعقولٍ ما كانت لترى مع “إسرائيل” سلامًا حقيقيًا، وإلا فما الحاجة إلى مراكز تعيد تشكيل الوعي، ومجالس تُفتي بغير ما يقبله العقل، وماكينات إعلامية وذبابٍ الكتروني يُغرق الفضاء بمنهج الاعتدال ويصف المقاومة بالتطرف.

ختامًا، ربما لم تُدرك الإمارات بعد أن التطبيع الذي يحتاج إلى منظومة كاملة لحمايته وتبريره وتحوير الخطاب الديني والإعلامي دفاعًا عنه، ليس تطبيعًا ولا سلامًا، إنه خطيئة تعرف نفسها، فتستتر.

الوسوم: الإسلاموفوبيا ، الإمارات والإسلام السياسي ، الاحتلال الإسرائيلي ، البروباجندا ، التطبيع
الوسوم: الاحتلال الإسرائيلي ، البروباجندا الإسرائيلية ، التطبيع ، التطبيع بالوكالة ، الشأن الإماراتي
تحميل هذا المقال بصيغة PDF
شارك هذا المقال
فيسبوك تويتر واتساب واتساب التليجرام البريد الإلكتروني نسخ الرابط
سجود عوايص
بواسطة سجود عوايص باحثة في قضايا الإعلام الفلسطيني والقانون الدولي الإنساني.
متابعة:
باحثة في قضايا الإعلام الفلسطيني والقانون الدولي الإنساني.
المقال السابق نون بوست بِرَك سليمان في بيت لحم تتحول إلى ساحة تحد فلسطيني للاستيطان

نشر هذا التقرير ضمن ملف:

التطبيع بالوكالة

التطبيع بالوكالة

يتتبع الملف شبكات ومراكز ومبادرات عربية وإقليمية تعمل تحت عناوين البيئة والسلام والحوار ومكافحة التطرف، لكنها تؤدي عمليًا دورًا في إعادة إنتاج السردية الإسرائيلية واختراق النخب والمجتمعات العربية. ويفكك كيف تسعى هذه الأدوات إلى فصل العلاقة مع إسرائيل عن سياقها الاستعماري والسياسي، وتحويلها إلى تعاون تقني أو ديني أو مجتمعي منزوع من معنى الاحتلال.

أحدث ما نشر في هذا الملف:

  • منظمة “شراكة”: كيف تصنع إسرائيل عربًا يدافعون عنها؟
  • تحت غطاء البيئة.. كيف تُجنّد “إيكو بيس” النخب العربية لصالح إسرائيل؟
part of the design
نشرة نون بوست الأسبوعية

قد يعجبك ايضا

بِرَك سليمان في بيت لحم تتحول إلى ساحة تحد فلسطيني للاستيطان

بِرَك سليمان في بيت لحم تتحول إلى ساحة تحد فلسطيني للاستيطان

مجد جواد مجد جواد ٢٩ يونيو ,٢٠٢٦
كيف يحاول المستوطنون الإسرائيليون فرض واقع جديد على الأرض السورية؟

كيف يحاول المستوطنون الإسرائيليون فرض واقع جديد على الأرض السورية؟

وسام شرف وسام شرف ٢٩ يونيو ,٢٠٢٦
مزارع شبعا.. كيف يُحل اللغز الحدودي الذي نسجه الأسد ووظّفه حزب الله؟

مزارع شبعا.. كيف يُحل اللغز الحدودي الذي نسجه الأسد ووظّفه حزب الله؟

زينب مصري زينب مصري ٢٩ يونيو ,٢٠٢٦
نون بوست

منصة إعلامية مستقلة، تأسست عام 2013، تنتمي لمدرسة الصحافة المتأنية، تنتج تقارير وتحليلات معمقة ومحتوى متعدد الوسائط لتقديم رؤية أعمق للأخبار، ويقوم عليها فريق شبابي متنوّع المشارب والخلفيات من دول عربية عدة.

  • سياسة
  • مجتمع
  • حقوق وحريات
  • آراء
  • تاريخ
  • رياضة
  • تعليم
  • تكنولوجيا
  • اقتصاد
  • صحافة
  • أدب وفن
  • ريادة أعمال
  • سياحة وسفر
  • سينما ودراما
  • طعام
  • صحة
  • ثقافة
  • أحدث التقارير
  • ملفات
  • مطولات
  • حوارات
  • بودكاست
  • تفاعلي
  • الموسوعة
  • بالصور
  • من نحن
  • كتّابنا
  • اكتب معنا
  • السياسة التحريرية
  • بحث متقدم
بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تمت الإزالة من المفضلة

تراجع
Go to mobile version