عاد معبر “علي جان” بين تركيا وأرمينيا إلى الواجهة مع سعي أنقرة لتفعيله في لحظة إقليمية مضطربة وذلك بوصفه قطعة محتملة في خرائط بديلة للتجارة والعبور.
فمع استمرار القلق حول مضيق هرمز، وتصاعد الحديث عن هشاشة المسارات التقليدية، بدأت تركيا تسوّق “الممر الأوسط” بصفته طريقًا أكثر استقرارًا بين آسيا وأوروبا، وظهر علي جان بوصفه بوابة يمكن أن تستكمل حلقة حدودية مغلقة منذ 1993.
فما أهمية معبر علي جان أو “أليجان” فعلاً؟ وهل يمكن أن يكون بوابة تنقل التجارة بين آسيا وأوروبا، أم أن الحديث عنه يسبق قدرته الحقيقية؟
ما قصة معبر علي جان؟
يقع معبر علي جان على نهر أراز جنوب غرب إقليم إغدير التركي، مقابل قرية مرغارا في محافظة أرماوير الأرمينية، وهو نقطة عبور برية للسيارات والشاحنات كان قد أغلق عام 1993 عندما قررت أنقرة دعم باكو في حرب قره باغ الأولى.
إلى جانب علي جان، يوجد معبر آخر يسمى أكياكا–أخوريك مخصص للسكك الحديدية، يربط خط قطار قارس–غيومري عبر الحدود لكنه مغلق ما يعني أن إعادة فتح بوابة برية لا يعني تشغيل خط السكك الذي يتطلب أعمالاً منفصلة.
ويظهر الإنفوجراف التالي كيف عاد معبر علي جان إلى الواجهة قبل سنوات وحتى اكتمال مباني الجمارك والإدارة على الجانب التركي بنسبة 90٪، وتركيب لوحات دعائية تحث الأرمن على زيارة المنطقة، وتشييد أنظمة لمعالجة جوازات السفر. وأكدت ولاية إغدير أن التجهيزات تشمل توسعة الطرق والمرافق اللوجستية وأنها ستُنجز “قريباً”.

أما أرمينيا فقد أعلنت عبر مسؤولين في لجنة الإيرادات الحكومية أن معبر مرغارا “جاهز بالكامل”، فهو مزود بأجهزة أشعة سينية وموازين إلكترونية، وأنظمة للكشف عن الحاويات، ولديه موظفون مستعدون للعمل على مدار الساعة.
وقالت أنوشيك أفيتيان نائب وزير الاقتصاد الأرميني إن البنية التحتية قادرة على استقبال المسافرين والشحنات فور فتح الحدود، كما أكدت خارجية يريفان في مارس/آذار 2026 أن البلاد جاهزة تقنياً وسياسياً وأن التقدم يعتمد أنقرة.
وتأتي عودة الحديث عن المعبر ضمن مسار تطبيع العلاقات التركية–الأرمينية الذي انطلق بعد حرب قره باغ الثانية عام 2020، وترافق مع تعيين مبعوثين خاصين في 2021 واستئناف الرحلات الجوية بين إسطنبول ويريفان.
ويرى محللون أن الحرب الروسية–الأوكرانية وتعطل طرق العبور عبر روسيا عززا الحاجة لطرق بديلة، ما دفع تركيا لتسويق معبر علي جان ضمن مشروع “الممر الأوسط” الذي يربط الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى والقوقاز وتركيا.
أي فرص يفتحها إذا أعيد تشغيله؟
إذا فُتح معبر علي جان فسيكون أول نقطة عبور برية مباشرة بين تركيا وأرمينيا منذ أكثر من ثلاثة عقود، تختصر المسافة من 450 إلى 40 كيلو مترا فقط، حيث تعتمد أي حركة برية على المرور عبر جورجيا أو إيران للوصول إلى الأسواق الأوروبية أو التركية.

وأوضحت نائب وزير الاقتصاد الأرميني أن فتح الحدود سيقلّل تكاليف النقل ويوسّع سلاسل الإمداد، ويتيح للشركات الأرمينية الوصول بسهولة إلى الأسواق الأوروبية عبر الموانئ التركية، ويتوقع أن يجذب استثمارات جديدة وأن يزيد الصادرات بنحو 20 %.
كما يتيح المعبر للسياح والمواطنين الأتراك زيارة أرمينيا بسهولة مما قد ينشط السياحة في مدن الحدود التي عانت من العزلة.
أما تركيا، فترى فيه منفذاً أقصر إلى منطقة القوقاز، إذ أشارت ولاية إغدير إلى أن الطريق سيختصر مسافات الشحن نحو القوقاز ويزيد تدفق السلع.
وتعتبر أنقرة أن المعبر جزء من استراتيجية “الممر الأوسط” التي تهدف لربط الصين بأوروبا عبر البحر الأسود وتركيا، بديلاً عن الممر الشمالي المار بروسيا.
وفق تقرير لصحيفة فايننشال تايمز فإن تشغيل علي جان يمكن أن يخلق “مساراً برياً مباشراً يربط تركيا بأذربيجان عبر الأراضي الأرمينية” ضمن مشروع TRIPP المدعوم أمريكيا.
وينص الاتفاق الثلاثي الموقع بواشنطن في أغسطس/آب 2025 بين الولايات المتحدة وأرمينيا وأذربيجان على إنشاء طريق يمر عبر سهل نهر أراز إلى نخجوان، ما يبرز أهمية هذا المعبر للحكومة التركية. كما أن فتح معبر أليجان يمكن أن يخفف الضغط على المعابر الأخرى في الممر الأوسط.
وفي يناير/كانون الثاني 2026، وصف تقرير للاتحاد الدولي للنقل الطرقي (IRU) المعابر الحدودية بأنها “أضعف حلقات” هذا الممر.
إذ تعاني من فترات انتظار طويلة بسبب تكرار عمليات التفتيش وغياب التنسيق، ومن سعة محدودة لاستقبال الشاحنات، ونقص في مرافق التخزين، وعدم الاعتراف المتبادل بالإجراءات الجمركية.
ولذلك فإن وجود بوابة جديدة مجهزة بأنظمة جوازات حديثة قد يسهم في تحسين تدفق الشحنات، ولو بشكل محدود.
ما حدود قدرته على التحول لممر حيوي؟
رغم الفرص المذكورة، فإن اعتبار معبر أليجان “ممراً يربط آسيا بأوروبا” يصطدم بعدة عقبات نرصدها كالتالي:
أولاً، القيود السياسية: فتح الحدود مرتبط بمسار التطبيع بين تركيا وأرمينيا الذي يظل رهينة للعلاقة المعقّدة بين باركو ويريفان.
وأعلنت الحكومة التركية مراراً أن أي تقدم مع يريفان يجب ألا يضر بمصالح باكو، فيما لم ينجز بعد الاتفاق النهائي بين أذربيجان وأرمينيا حول الحدود وحقوق المرور، ما يعطي أنقرة “مكبحاً سياسياً” يمكن أن يبطئ فتح المعبر.
كما أن فئات واسعة في المجتمع الأرميني تعارض التطبيع السريع بسبب الذاكرة التاريخية، ما يحد من مرونة القيادة.
ثانياً، القيود الفنية والبنى التحتية: تجهيز معبر أليجان لا يعني جاهزية الطرق المؤدية إليه، فعلى الجانب التركي ما زالت المنطقة تحتاج إلى تطوير طرق الشحن ومناطق التخزين، وربطها بشبكات السكك الحديدية والموانئ.
وعلى الجانب الأرميني، الطريق الواصل من مرغارا إلى العاصمة يريفان وضيق البنى التحتية قد لا يتحمل زيادة كبيرة في الشاحنات.
وحتى إذا أعيد تشغيل خط السكك الحديدية قارس–غيومري، فإنه يحتاج إلى إعادة تأهيل تكلف عشرات الملايين من الدولارات.
وأشار تقرير لوكالة الأخبار الأرمينية بانارمينيا إلى أن إصلاح الجزء الأرميني وحده يكلف نحو 32.4 مليون دولار ويستغرق عاماً.
وأكدت وزارة الخارجية التركية أن استبدال سكك الحديد يمكن أن يستغرق خمسة أشهر وأن الطرق الجديدة لحرس الحدود قيد البناء.

ثالثاً، القيود داخل الممر الأوسط نفسه: حتى لو فتح المعبر، فإن الطريق نحو آسيا الوسطى يمر عبر بحر قزوين ثم عبر كازاخستان أو أذربيجان.
ويعاني هذا الممر من اختناقات مثل قلة السفن في بحر قزوين، وتنافر مقاييس السكك الحديدية وتعقيد الإجراءات الجمركية وازدحام المعابر الحدودية.
كل ذلك يجعل الممر الأوسط أبطأ وأعلى تكلفة من الممرين الشمالي والجنوبي. وعليه فإن دور أليجان سيكون محدوداً ما لم تُعالَج هذه الاختناقات الإقليمية.
رابعاً، الفرق بين الرمزية والتشغيل: فتح بوابة حدودية يحمل أهمية رمزية كبيرة، لكنه لا يترجم بالضرورة إلى تدفق كبير للتجارة.
ويرى بعض الخبراء أن المعبر قد يبدأ في خدمة المسافرين والدبلوماسيين أولاً ثم يليه الشحن، ومع ذلك فإن حجم التجارة الثنائية المتوقع محدود بسبب صغر السوق الأرمينية وبُعد المراكز الصناعية التركية عن الحدود.
ونقل تقرير لـ OC‑Media عن مصادر تركية أن فتح المعبر قد يبدأ بمرور البضائع فقط عبر جسر مرغارا ثم يتوسع لاحقاً إلى المسافرين، ما يؤكد أن المرحلة الأولى ستكون تجربة اختبارية أكثر منها تحولاً جذرياً.