لا يُعدّ القطاع الزراعي في سوريا شريان الحياة الرئيسي للمجتمعات الريفية فحسب، بل يحتفظ أيضًا بمكانته كأحد أهم القطاعات الإنتاجية التي تغذي الاقتصاد الوطني وتؤثر بصورة مباشرة في استقراره ونموه.
إلا أن هذا القطاع عانى خلال عقود حكم الأسد من التهميش وسوء الإدارة، قبل أن تزيد سنوات الحرب الطويلة من حجم الأضرار التي لحقت به، ما انعكس بشكل مباشر على معيشة نحو نصف السوريين الذين كانت الزراعة تشكل مصدر رزقهم الرئيسي.
ومع سقوط نظام الأسد وإعادة ترتيب المشهد السوري، بدت الفرصة مواتية لإعادة الاعتبار للقطاع الزراعي ومنحه الأولوية التي يستحقها، نظرًا لدوره المحوري في دفع عجلة التعافي الاقتصادي وإنعاش المناطق الريفية.
لكن بعد مرور عام ونصف على المرحلة الجديدة، لم ترتقِ خطوات الحكومة إلى مستوى التغيير الحقيقي والشامل في التعامل مع هذا القطاع، إذ لا يزال يُدار بوصفه أحد الملفات الثانوية، في ظل بطء الإجراءات وغياب رؤية واضحة لدوره في مرحلة إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.
يناقش هذا التقرير واقع التهميش الذي لحق بالقطاع الزراعي عبر العقود الماضية، وسبل إعادة إحيائه وتفعيل دوره في المرحلة الراهنة، والتحديات التي تعترض ذلك.
عقود من التهميش وعقد ونيف من الحرب
في بداية حكم حافظ الأسد لسوريا، كان سكان الريف يشكّلون أكثر من نصف السكان، ما يعني أن المجتمع السوري كان مجتمعًا زراعيًا بدرجة كبيرة، يحتاج إلى سياسات تنموية داعمة لضمان استدامة هذا القطاع.
غير أن السياسات الزراعية التي اتبعها حافظ الأسد الأب كانت، منذ البداية، تهدف إلى ترسيخ أركان النظام، حيث سعى إلى كسب دعم شريحة المُلّاك المتوسطين والمنظمين الزراعيين لضمان استقرار حكمه، وذلك على حساب شريحة واسعة من الفلاحين الفقراء، كما جرى تحويل “اتحاد الفلاحين” من منظمة يُفترض أن تدافع عن حقوقهم إلى أداة للسيطرة والتعبئة السياسية، بعد ضمان ولاء قياداته.
ورغم أن القطاع الزراعي شهد في العقد الأول من حكمه ما يُعرف بـ”الفترة الذهبية”، إلا أن السياسات ركزت على زيادة الإنتاج دون مراعاة الاستدامة، وكانت موجهة نحو تحقيق الاستقرار الاجتماعي والاكتفاء الذاتي في المحاصيل الاستراتيجية، أكثر من كونها قائمة على رفع الكفاءة والإنتاجية. وأدى ذلك إلى سوء إدارة الموارد البيئية، وتدهور التربة، واستنزاف المياه الجوفية نتيجة التوسع في الآبار غير المرخصة.
كما بقي الفقر واقعًا في الأرياف السورية، إذ لم تصل فوائد برامج الدعم والقروض إلى الفئات الفقيرة بالقدر نفسه الذي استفاد منه كبار المزارعين، وبحلول الثمانينات، بدأت معدلات النمو بالتراجع، لتحل محلها مشكلات التضخم، وملوحة التربة، وتزايد الفجوة الطبقية في الريف.
ومع انتقال السلطة إلى بشار الأسد، زاد التدهور في القطاع الزراعي، خصوصًا مع تبني نهج “اقتصاد السوق الاجتماعي”، والذي تضمن تقليص دور الدولة في دعم القطاع العام والريف لصالح توسع القطاع الخاص، ما أدى إلى سنّ قوانين ضريبية وعقارية وزراعية فضّلت رأس المال على العمل، وقلّصت الحماية عن الفئات الأضعف.
“كيف يُباع السماد بالدولار ويُشترى القمح بالليرة؟”… الناشط السوري عبد الوهاب أبو علي ينتقد ضعف دعم القطاع الزراعي في سوريا، معتبرًا أن الزراعة وتربية المواشي تمثلان الركيزة الأساسية لإنعاش الاقتصاد السوري، في ظل تراجع باقي القطاعات وارتفاع تكاليف الإنتاج على الفلاحين ومربي… pic.twitter.com/Xubrt2iqBp
— نون سوريا (@NoonPostSY) May 17, 2026
ومع خفض الدعم الحكومي، خصوصًا على الوقود، إلى جانب سنوات الجفاف بين عامي 2007 و2010، ارتفعت كلفة الزراعة وتراجعت الجدوى الاقتصادية منها، ما أدى إلى هجرة قسرية لنحو 60 ألف عائلة من شمال شرق سوريا نحو المدن. كما تراجعت حصة الزراعة من العمالة الريفية من 37% عام 2006 إلى 21% عام 2010.
وبعد اندلاع الثورة السورية وتحول الصراع إلى حرب واسعة، أصبح القطاع الزراعي من قطاع واعد إلى قطاع منهك بحاجة إلى إعادة تأهيل شاملة. ووفق تقديرات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) في تقرير عام 2016، بلغت الخسائر نحو 16 مليار دولار أمريكي، شملت الأصول الزراعية، والمحاصيل، ووسائل الإنتاج، وحظائر الحيوانات، والبيوت البلاستيكية، وأنظمة الري، إضافة إلى خسائر كبيرة في الثروة الحيوانية وتربية الأسماك، علمًا أن هذه الخسائر تضاعفت في السنوات اللاحقة.
وقد استخدم النظام البائد تدمير الزراعة كأداة لتهجير السوريين، حيث تركزت الأضرار بشكل واسع في مناطق الحسكة والرقة وريف دمشق ودير الزور ودرعا وإدلب، ما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من المزارعين وسكان الأرياف.
لماذا الزراعة ركيزة للتعافي الاقتصادي في سوريا؟
عدا عن أن الواقع الزراعي، بما يعانيه من تهميش وتدهور، لا يمكن إعادة الاعتبار إليه أو استعادة دوره من دون فهم مكانته المحورية في مرحلة إعادة الإعمار، فإن النظر إلى الزراعة كأداة للنهوض الاقتصادي يبدو ضرورة، لا خيارًا ثانويًا مؤجلًا، وهنا عدة معطيات تثبت ما نتحدث عنه:
- تشكل الأراضي المستخدمة في الزراعة وتربية المواشي أكثر من 75% (تشمل المراعي) من مساحة البلاد، من بينها نحو 32% أراض قابلة للزراعة، عدا عن الأراضي التي يمكن تحويلها إلى زراعية إذا تم العمل عليها.
- يسهم القطاع الزراعي بنحو ربع الإنتاج المحلي الإجمالي في سوريا (قد تهبط وترتفع بحسب سنوات الجفاف والحرب)، ويقلل الاعتماد على استيراد الأغذية من الخارج، مما يخفف الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي والمالية العامة للدولة.
- قبل الحرب كان يستوعب نحو 20% من قوى اليد العاملة في سوريا ما يجعل إحياء القطاع وسيلة فعالة لرفع مستوى المعيشة لشريحة واسعة من الشعب.
- يساعد على تحقيق الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي من خلال تثبيت أسعار السلع الأساسية (مثل الخبز عبر إنتاج القمح)، مما يقلل من الأعباء المالية على الأسر ويخفف من حدة التوترات الاجتماعية الناتجة عن الجوع أو الغلاء.
- كان يساهم القطاع بثلث الصادرات السورية تقريبًا حيث كان يأتي في المرتبة الثانية بعد النفط من حيث عائدات التصدير، مما يساهم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي وتوفير العملة الأجنبية الضرورية.
- يعد بوابة للاستثمار الزراعي، وفرصة واعدة لاستقطاب رأس مال المغتربين السوريين، حيث تطمح آلاف الشركات السورية في دول الجوار للتوسع والعودة للاستثمار في سوريا إذا توفرت البيئة المناسبة، مما يسرع من وتيرة النمو الاقتصادي.
في هذا السياق، يؤكد المستشار الاقتصادي، أسامة قاضي، في حديثه لـ”نون بوست”، أن القطاع الزراعي من شأنه أن يسهم في تحويل الاقتصاد السوري من النمط التقليدي إلى “الاقتصاد الذكي”، بما يعيد لسوريا دورها كسلة غذائية إقليمية وبوابة غذائية بين الشرق والغرب، في حال توافرت رؤية واضحة وإدارات فعّالة تفكر خارج الأطر التقليدية.
ما السبيل إلى إعادة إحياء القطاع الزراعي؟
يرى قاضي، أن إحياء القطاع الزراعي في سوريا، يتطلب “ثورة زراعية صناعية ذكية”، تشكّل نموذجًا اقتصاديًا حديثًا يربط بين الزراعة والصناعة الغذائية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة وسلاسل التوريد والتصدير.
ويدعو في إحدى مقالاته إلى الاستفادة من التجربة البرازيلية، التي تمكنت من التحول إلى واحدة من أكبر القوى الزراعية والغذائية في العالم بعد أن كانت تعاني من ضعف الإنتاج الزراعي.
من جهته، يرى المهندس الزراعي، عبد العزيز المصطفى في حديثه لـ”نون بوست”، أن من أهم السياسات الزراعية التي تتطلب معالجة عاجلة بما يخدم الفلاح، ضرورة تقديم الحكومة تسهيلات جمركية لاستيراد الآلات الزراعية الحديثة، والبذار المعتمدة عالية الإنتاجية، إضافة إلى المبيدات الزراعية الموثوقة.
كما يشدد على أهمية أن تضطلع الجهات الحكومية بدور رقابي فاعل لضمان جودة المواد المستوردة وحسن استخدامها، بما يحدّ من التلاعب ويحمي القطاع الزراعي ويعزز كفاءته الإنتاجية.
ويلفت المصطفى إلى أهمية إعادة تفعيل دور الكوادر التقنية والإرشادية، بسبب دورهم في تقديم المشورة للمزارعين لأن بدون هؤلاء الخبراء، لا يمكن نقل المعرفة الحديثة أو إدارة الموارد بكفاءة.
يواجه قطاع القمح أزمة تسعير حادة بسبب الفجوة الكبيرة بين تكاليف الإنتاج المتصاعدة وأسعار الشراء المحددة حكوميًا. يعاني المزارعون من الارتفاع الجنوني في أسعار المحروقات، البذار، والأسمدة، مما جعل التسعيرة الرسمية غير مجدية اقتصاديًا، ودفعت قطاعًا واسعًا منهم للعزوف عن الزراعة… pic.twitter.com/xlS6DCNmAT
— نون سوريا (@NoonPostSY) May 17, 2026
في هذا الإطار، ضمّنت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة “الفاو” في خطتها “للطوارئ والقدرة على الصمود” حول سوريا للأعوام 2026-2028 رؤية شاملة لإعادة إحياء القطاع الزراعي، متبنية مبدأ “الإنسان في المركز”، كركيزة للتنمية الزراعية وتتمحور الخطة حول أربعة نتائج متداخلة تهدف إلى استعادة الإنتاج الغذائي وبناء نظام زراعي مستدام:
الأدلة والتنسيق: توفير أدلة وتحليلات عالية الجودة وفي الوقت المناسب لتوجيه السياسات والبرامج الزراعية وضمان استنادها إلى بيانات دقيقة، وذلك عبر تنفيذ تعداد زراعي وتطوير أنظمة معلومات جغرافية ومسوح دورية.
الدعم الزراعي في حالات الطوارئ: السعي لتحقيق تحسينات سريعة وملموسة في الأمن الغذائي والتغذية من خلال تدخلات زراعية طارئة ومباشرة، من خلال تقديم منح فورية لمزارعي القمح وتنفيذ حملات تحصين ضد الأمراض الوبائية (مثل الحمى القلاعية وجلد الكتل)، وتوزيع الأعلاف والمساعدات النقدية لتمكين الفلاحين.
قدرة سبل العيش على الصمود: تعزيز دخل وقدرة صغار المزارعين على المواجهة، بما في ذلك النازحين داخلياً والعائدين والمجتمعات المضيفة، مع تركيز خاص على النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة.
تعافي نظم الزراعة والغذاء: وضع الأسس لبناء نظم زراعية شاملة ومستدامة وقادرة على التكيف مع المناخ، عبر تدريب المزارعين على الزراعة الذكية مناخياً وإعادة تأهيل المراعي والغابات لحماية التربة من التعرية، ومكافحة التصحر، وتحسين القدرة على مواجهة الكوارث الطبيعية.
الخطة تضمنت التحديات التي تواجهها في الطريق الصعب، وهي التحديات ذاتها التي تقف أمام إعادة إحياء القطاع الزراعي، وأبرزها التحديات الاقتصادية والسوقية، التي تنجم عن نقص تمويل المشاريع الزراعية والتضخم وارتفاع أسعار المدخلات الزراعية والوقود، فضلًا عن انهيار سلاسل التوريد.
كما تصعب العوامل البيئية والمناخية من المهمّة، فتعاني مساحات شاسعة في سوريا من التصحر والتملح بفعل سنوات الجفاف السابقة، ومن ندرة المياه وتدهور البنية التحتية بالإضافة إلى زيادة الكوارث الطبيعية مثل الحرائق والفيضانات التي تضر بالإنتاج الزراعي.
ولا يمكن تجاهل التحديات الأمنية المتمثلة بتلوث أراض واسعة بمخلفات الحرب، ما يشكل عائقًا جسيمًا أمام الوصول الآمن إلى الأراضي ويحد من سبل عيش عشرات الآلاف، فضلًا عن تحديات قانونية تتعلق باستمرار نزاعات الملكية على الأراضي بسبب قوانين الاستملاك المجحفة أو ضياع الوثائق العقارية.
ماذا عن خطة الوزارة؟
على الصعيد الرسمي، لم تبق الحكومة السورية دون خطط لإعادة إحياء القطاع الزراعي ولا سيّما مع ظهور الحاجة الملحة لتعزيز الأمن الغذائي، وبدورها عملت وزارة الزراعة السورية بقيادة الوزير السابق أمجد بدر على إعداد استراتيجية تضمنت خطة لتطوير شامل للقطاع الزراعي للمرحلة 2026-2030 مع قابلية التعديل وفقًا للمتغيرات الداخلية والخارجية.
وتعتمد الخطة الرسمية بشكل أساسي على التنمية الريفية التي تحد من الهجرة إلى المدن وتخلق فرص عمل للمجتمعات في الريف، كما تولي أهمية إلى تطوير الإنتاج النباتي والحيواني من خلال تبني برامج بحثية تطبيقية، وتسعى إلى الاستخدام المستدام للموارد الطبيعية ودعم المشاريع الحيوية كبرنامج التعاونيات الزراعية، الذي يساعد على تحسين دخل المزارعين عبر توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، وتقديم الدعم الفني.
وتتبنى الإستراتيجية “نظرية التغيير” التي تربط بين التدخلات المطلوبة والأهداف الإستراتيجية العليا، لتطوير سلاسل القيمة المستدامة، وتبني التقنيات المبتكرة، وتحسين الخدمات الزراعية.
بهدف دعم القطاع الزراعي.. تحضيرات لإعادة تفعيل الطيران الزراعي في #حلب. pic.twitter.com/slpa4wFPwK
— نون سوريا (@NoonPostSY) September 25, 2025
وتشجع بشكل رئيسي القطاع الخاص للاستثمار في المشاريع الزراعية، وتعمل على توفير بيئة قانونية وتنظيمية داعمة، وعلى التوسع في استخدام تقنيات الري الحديث والمكننة الزراعية وتعزيز دور الإرشاد الزراعي، بالإضافة إلى التحديات المناخية بحسب ما أفادت وزارة الزراعة.
لكن يرى الباحث الاقتصادي حسن غزة في تقييمه لهذه الاستراتيجية، أنه على الرغم من نقاط القوة التي تتمتع بها كالواقعية في التخطيط والمرونة المؤسسية واعتماد منهجية التغيير كخارطة طريق وشمولية الأهداف، إلا أنها تعاني من ثغرات ونقاط ضعف.
ويشترط لكي تتحول الاستراتيجية من مستوى الوثيقة التخطيطية إلى أداة للتحول الاقتصادي الفعلي، تعديلات جوهرية في آليات التمويل والإطار التشريعي والتكامل مع سياسة المياه الوطنية، وإلى الانتقال من الاستعارة السطحية للنماذج الدولية الناجحة كالنموذج الهولندي إلى استيعاب فلسفتها الجوهرية القائمة على أن الزراعة صناعة معرفية قبل كل شيء.
ويقدم غرة عدة توصيات عملية من شأنها أن ترفع من أداء القطاع الزراعي، وتتمثل بإنشاء صندوق وطني لإعادة تأهيل الزراعة وتسريع إصلاح قانون الاستثمار الزراعي لتسوية نزاعات الأراضي بالإضافة إلى إنشاء شبكة وطنية للتأمين الزراعي ضد الأخطار المناخية والكوارث الطبيعية وإطلاق منصة رقمية وطنية للإرشاد الزراعي.

