لا تزال أصداء الأحكام القاسية الصادرة في القضية المعروفة إعلاميًا بـ”الجهاز السري” لحركة النهضة تلقي بظلالها الثقيلة على المشهد التونسي، خصوصًا بعد الحكم بالسجن مدى الحياة مع 30 عامًا بحق زعيم الحركة ورئيس البرلمان السابق راشد الغنوشي، و42 عامًا بحق رئيس الحكومة الأسبق علي العريض، حيث أثارت موجة واسعة من الانتقادات في أوساط سياسية وحقوقية، رأى أصحابها أنها لا تنفصل عن مسار أوسع من التضييق على الحريات السياسية والحقوقية في البلاد.
وأحدثت الأحكام، بصيغتها المشددة، انقسامًا حادًا داخل الشارع التونسي، بين من يراها عدالة قضائية في مقابل من يصفها بالتصفية السياسية، لتعيد مجددًا ملف استقلال القضاء إلى واجهة النقاش العام، فبينما اعتبرت حركة النهضة أن ما صدر يمثل “أحكامًا سياسية” وانحرافًا خطيرًا وغير مسبوق في مسار العدالة، دعت جبهة الخلاص الوطني المعارضة إلى وقف ما وصفته بتوظيف الملفات القضائية في تصفية الخصوم وإقصاء المعارضين من الحياة العامة.
ولا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن المناخ السياسي الذي تعيشه تونس منذ نحو خمسة أعوام، وتحديدًا منذ إعلان الرئيس قيس سعيّد إجراءاته الاستثنائية التي شملت تجميد ثم حل البرلمان، وإقالة الحكومة، وإعادة تشكيل قواعد اللعبة السياسية والدستورية، تلك الإجراءات التي أدخلت البلاد في منعطف حاد غيّر ملامح المشهد العام، وسط انتقادات متزايدة ترى أن تونس تتجه نحو تركيز السلطة وتراجع الضمانات الديمقراطية، فيما يصفه معارضون بأنه انزلاق نحو “دكتاتورية جديدة”.
– قضت محكمة تونسية بالسجن مدى الحياة مصحوبًا بعقوبات إضافية تصل لعشرات السنين ضد رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي ومسؤولين آخرين، مع إخضاع جميع المتهمين للمراقبة الإدارية لمدة 5 سنوات.
– تتعلق الإدانات بـ "تكوين وفاق إرهابي" وجرائم منصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب، وذلك ضمن ملف… pic.twitter.com/PuSC3Cb74z
— نون بوست (@NoonPost) June 3, 2026
ما قصة الجهاز السري؟
تعود جذور هذه القضية إلى عام 2013، عقب اغتيال السياسيين التونسيين شكري بلعيد، الأمين العام لحزب “الوطنيين الديمقراطيين الموحد” ذي التوجه اليساري، ومحمد براهمي، الأمين العام لحزب “التيار الشعبي” ذي التوجه القومي العروبي، وقد أحدثت الجريمتان، في ذلك الوقت، هزة سياسية واسعة في الشارع التونسي، وفتحتا الباب أمام أزمة عميقة مست مسار الانتقال الديمقراطي بعد الثورة.
ورغم إعلان تنظيم الدولة “داعش” مسؤوليته عن الجريمتين، فإن هيئة الدفاع عن بلعيد وبراهمي شككت في هذه الرواية، وذهبت إلى اتهام ما وصفته بوجود جهاز موازٍ منسوب إلى حركة النهضة، قالت إن له صلة بملفات الاغتيالات السياسية والتجسس واختراق مؤسسات الدولة، ومن هنا برزت تسمية “الجهاز السري” للنهضة، وهي التسمية التي ظلت محل جدل سياسي وقضائي حاد، بين من يراها ملفًا أمنيًا خطيرًا يستوجب الكشف والمحاسبة، ومن يعتبرها اتهامًا سياسيًا يستهدف الحركة وقياداتها.
وظلت القضية لسنوات أسيرة التجاذبات السياسية، إلى أن عادت بقوة إلى الواجهة مطلع عام 2022، بعد شكوى تقدمت بها النيابة العمومية وهيئة الدفاع عن بلعيد وبراهمي، حيث اتهمت ما سمته “الجهاز السري للنهضة” بالتورط في اغتيال السياسيين، وممارسة التجسس، واختراق مؤسسات الدولة، كما وجهت اتهامات إلى عدد من قيادات الحركة، وفي مقدمتهم راشد الغنوشي، بتسيير هذا الجهاز والإشراف عليه، وهي الاتهامات التي نفتها النهضة، واعتبرتها ذات طابع سياسي، مؤكدة عدم وجود أي جهاز سري تابع لها.
وفي أبريل/نيسان 2023، دخل الملف مرحلة أكثر حساسية، حين داهمت قوات الأمن منزل الغنوشي وأوقفته، قبل أن تأمر محكمة ابتدائية بإيداعه السجن، على خلفية اتهامه بالإدلاء بتصريحات قالت السلطات إنها تحرض على الفوضى والعصيان، وقد جاء ذلك في سياق سياسي متوتر، شهد توسعًا في الملاحقات القضائية بحق عدد من المعارضين والشخصيات السياسية البارزة.
وفي العام نفسه، أُحيل ملف اغتيال بلعيد وبراهمي إلى القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، بعدما كان منظورًا لدى النيابة العمومية، وقد فُسرت هذه الخطوة من جانب معارضين ومتابعين باعتبارها محاولة لإعادة طرح ملف “الجهاز السري” في لحظة سياسية شديدة الاستقطاب، واستثمار المناخ العام الذي تعيشه تونس لفتح القضية من جديد أمام الرأي العام.
ومنذ ذلك الحين، تحول الملف إلى أحد أكثر القضايا إثارة للجدل في البلاد، قبل أن يصحو التونسيون على أحكام قاسية بحق الغنوشي والعريض وآخرين، أعادت النقاش حول القضاء والسياسة ومستقبل المعارضة في تونس إلى الواجهة مرة أخرى.
تصفية حسابات في المقام الأول
تذهب معظم الإدانات الحقوقية التي رافقت هذه الأحكام إلى اعتبارها جزءًا من مسار أوسع لتصفية الحسابات السياسية مع حركة النهضة وقياداتها، لا مجرد أحكام ذات طبيعة جنائية صرفة، ومن هذا المنطلق، يرى منتقدون أن قراءة القضية من زاوية قانونية فقط تظل قراءة قاصرة، ما لم تُوضع في سياقها السياسي العام، وما تعيشه تونس من توتر منذ سنوات بين السلطة والمعارضة، وتراجع الثقة في استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة.
وفي هذا السياق، يرى الإعلامي والمحلل السياسي التونسي نور الدين العويديدي أن ملف “الجهاز السري”، الذي ظل حاضرًا في الجدل التونسي لسنوات، تحوّل من قضية ذات أبعاد قانونية إلى أداة ضمن الصراع السياسي، معتبرًا أن الأحكام المشددة الصادرة بحق قيادات بارزة، وفي مقدمتها شخصيات من الصف الأول في حركة النهضة، تعكس – بحسب تقديره -نزعة نحو الإقصاء السياسي أكثر مما تعكس مسارًا قضائيًا مستقلًا ومطمئنًا، خاصة في ظل ما يصفه بتراجع الضمانات المرتبطة بالمحاكمات العادلة واتساع دائرة استهداف الخصوم السياسيين.
ويحذر العويديدي من أن خطورة هذا النوع من القضايا تكمن في إمكانية توظيفها لإعادة تشكيل المشهد السياسي التونسي، عبر إخراج أطراف وازنة من المجال العام وإضعاف قوى المعارضة تحت غطاء ملفات أمنية وقضائية شديدة الحساسية.
"البلاد تحتاج إلى حوار بعيدًا عن كل إقصاء، حوار لا يستثني أحدًا".. بالتزامن مع الذكرى الثالثة لاعتقاله، زعيم حركة النهضة التونسية، يبعث برسالة من سجنه، إليك أبرز ما ورد فيها 📜 pic.twitter.com/TBEZpESMhP
— نون بوست (@NoonPost) April 18, 2026
ويتقاطع هذا الطرح مع ما يذهب إليه المحلل السياسي أحمد الغيلوفي، الذي يرى أن “الجهاز السري” لا وجود له جنائيًا، واصفًا إياه بـ”الخرافة” السياسية، ومستشهدًا بتصريحات وازنة، بحسب قوله، نفت وجود علاقة جنائية لحركة النهضة بملف الاغتيالات، مع الإقرار بأن مسؤولية الحركة، إن وُجدت، تظل سياسية لا جنائية.
وفي مداخلة تلفزيونية، اعتبر الغيلوفي أن الملف جرى تداوله بين أكثر من جهة قضائية إلى أن استقر في القطب القضائي بأريانة، في سياق قال إنه يستهدف إسكات الخصوم عبر “صراع رخيص وجبان”، على حد تعبيره، رابطًا المسألة بما وصفه بمعضلة دستورية أعمق تتعلق ببنية القضاء التونسي بعد الدستور الحالي، مشيرًا إلى أن النص الدستوري استبدل مفهوم “السلطة القضائية” بـ”الوظيفة القضائية”، وهو ما يرى أنه أضعف استقلال القضاء وجعل القضاة أكثر عرضة لضغوط السلطة التنفيذية.
واستدل الغيلوفي على ذلك بما اعتبره مناخًا من الترهيب داخل الجسم القضائي، مستشهدًا بواقعة عزل عشرات القضاة، ورفض السلطة تنفيذ قرارات المحكمة الإدارية التي قضت بعودة عدد منهم إلى مناصبهم، ووفق تلك الرؤية تتجاوز القضية، في قراءة هؤلاء المنتقدين، ملف “الجهاز السري” ذاته، لتصبح عنوانًا أوسع لأزمة العلاقة بين القضاء والسياسة في تونس، وحدود استخدام الملفات القضائية في إدارة الصراع مع المعارضة.
تغطية للفشل وتكريس لمناخ الخوف
يرى تيار داخل الشارع التونسي أن موجة الملاحقات والأحكام التي طالت معارضين وسياسيين في البلاد لا تنفصل عن رغبة السلطة في تحويل الأنظار عن أزماتها الداخلية، خصوصًا على المستويين الاقتصادي والمعيشي، فالمواطن التونسي، وعلى مدار السنوات الخمس الأخيرة تحديدًا، يواجه غلاءً متصاعدًا، وتضخمًا، وضغوطًا يومية غير مسبوقة، في مقابل انسداد سياسي واضح، ومعارضة تبدو مشتتة وضعيفة، تفتقر إلى القدرة على بلورة بدائل وبرامج قادرة على مخاطبة الشارع، ومن هذا المنظور، تُقرأ إعادة تحريك مثل هذه الملفات باعتبارها محاولة لصرف الانتباه عن الفشل في إدارة الأزمات، ودفع النقاش العام نحو قضايا قضائية وأمنية شديدة الاستقطاب.
في المقابل، تذهب أصوات أخرى إلى أن خطورة هذه الأحكام لا تقف عند حدود استهداف شخصيات بعينها، بل تمتد إلى تكريس مناخ عام من الخوف والعزوف عن المشاركة السياسية، وهذا ما عبّرت عنه جبهة الخلاص الوطني المعارضة، التي اعتبرت أن هذه الأحكام، حتى وإن بدت موجهة ضد أفراد محددين، فإن آثارها السياسية تتجاوزهم إلى المجال العام كله، بما يعمق الإحساس بانغلاق الأفق أمام العمل السياسي والمعارض.
وأضافت الجبهة، في بيانها تعليقًا على الأحكام، أن البلاد تحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى حوار وطني جامع يعيد الثقة في المؤسسات، بدل تعميق الانقسام وتغليب المقاربة الأمنية والقضائية في إدارة الشأن العام، داعية إلى احترام استقلال القضاء بشكل مطلق، وضمان حياده الكامل عن التجاذبات السياسية، وتوفير كل شروط المحاكمة العادلة والعلنية، بما في ذلك ضمان حقوق الدفاع كاملة.
وفق تلك المؤشرات تتحول الأحكام من مجرد ملف قضائي يتجاوز حدود الورق والأدلة المجمعة إلى مؤشر أوسع وأشمل، ومرآة كاشفة لطبيعة المرحلة السياسية التي تمر بها تونس، وحدود العلاقة بين السلطة والمعارضة والقضاء، واختبار دقيق وحساس لمفهوم الاستقلالية والسيادة.
وتكشف هذه الأحكام جانبًا عميقًا من أزمة المشهد السياسي التونسي، وتضع الخطاب الرسمي المزعوم حول الديمقراطية واستقلال المؤسسات أمام اختبار صعب، ففي الوقت الذي كان يؤمل فيه البعض أنفسهم أن تطوي البلاد سنوات الاضطراب وتفتح مسارًا للمصالحة والحوار، تضيف هذه الأحكام طبقة سميكة جديدة من الانقسام والشكوك حول مستقبل الحياة السياسية.
وتزداد قتامة الصورة حين تُقرأ هذه التطورات في بلد كان قبل سنوات الشرارة الأولى للربيع العربي، وأحد أبرز نماذجه الواعدة، غير أن المسار الراهن يضع تونس أمام مأزق حرج، حيث يتراجع المجال السياسي، وتتسع الفجوة بين السلطة وخصومها، ويصبح القضاء في قلب معركة الثقة العامة، وهنا تجد الدولة التونسية نفسها أمام سؤال مفتوح: هل ما زال ممكنًا إنقاذ التجربة السياسية عبر حوار وطني وضمانات حقيقية للعدالة، أم أن البلاد تمضي أكثر داخل نفق مظلم يصعب الخروج منه إذا استمر الوضع على ما هو عليه؟