في تحول ميداني يتجاوز حدود الجغرافيا البرية، أعاد جيش الاحتلال الإسرائيلي في منتصف أبريل/نيسان 2026 رسم خرائط التوتر لتشمل البحر هذه المرة.
فعبر خريطة أطلق عليها اسم “منطقة الدفاع المتقدّم” في جنوب لبنان، لم يكتف بتحديد مساحة توغل تمتد من خمسة إلى عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، بل أدرج، في سابقة لافتة، مساحة بحرية محاذية للساحل.
هذا التمدد الميداني، الذي تقاطع مع دعوات إسرائيلية رسمية لمراجعة اتفاق الترسيم البحري لعام 2022، يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل باتت المياه اللبنانية ورقة ضغط جديدة في ساحة الصراع، وهل تسعى “إسرائيل” لإجهاض الطموحات الغازية للبنان قبل أن تترجم إلى واقع اقتصادي؟
ما الذي تظهره الخريطة؟
بالتزامن مع نشره الخريطة الجديدة، أعلن جيش الاحتلال تشغيل خمس فرق عسكرية جنوب لبنان بالإضافة إلى قوات بحرية “لإزالة البنية التحتية لحزب الله” تمتد من البحر عبر وادي السلوقي حتى الليطاني، بينما لم يتطرّق إلى الغاز أو حقول الطاقة.
رغم ذلك لفتت المنطقة العازلة البحرية انتباه كثيرين وظهرت على مواقع التواصل خرائط مفسَّرة تُضيف فوق الخريطة الرسمية طبقات للحدود البحرية وحقول الغاز، ما فتح باب التكهنات بأن “إسرائيل” تضع يدها على حقول لبنانية.
وأشار اللبناني أحمد بيضون، الذي يصف نفسه بأنه مهتم “بالطائرات والغيوم والصراعات”، إلى أن “الحدود البحرية الجديدة للجيش الإسرائيلي تضم بالكامل حقل قانا للغاز اللبناني، الذي ضُمنت حقوق التنقيب فيه بموجب اتفاقية الحدود البحرية التي توسطت فيها الولايات المتحدة عام 2022”.

ولفتت دنيا باشول، طالبة الدكتوراه في قسم دراسات الشرق الأوسط بجامعة بار إيلان، إلى أن “المنطقة الأمنية الأمامية الإسرائيلية الجديدة في لبنان ليست عسكرية بحتة. انظروا إلى الخرائط، فهي تشمل حقل غاز قانا”.
وأضافت: “هذا ليس من قبيل الصدفة، حتى الدول الغنية تحتاج إلى تمويل حروبها، وحقول الغاز تُساعدها في ذلك. إذا كان من المُفترض أن يستمر احتلال هذه المنطقة، وهو ما يبدو جليًا، فإن قانا تُعدّ وسيلة واضحة لتمويله”.
وفي اتفاقية الغاز الإسرائيلية اللبنانية لعام 2022، هدفت بيروت إلى تعزيز التنقيب البحري عن الغاز الطبيعي قبالة سواحله. وقد اكتشفت “إسرائيل” احتياطيات كبيرة من الغاز قبالة سواحله، وكان لهذا الاكتشاف أثرٌ بالغ، فأراد لبنان المضي قدمًا، وفق جيروزاليم بوست.
أضافت: “لم يمضِ سوى عام واحد على الاتفاق البحري الذي كان من المفترض أن يُسهم في تحقيق السلام وجذب الاستثمارات” لتبدأ عملية طوفان الأقصى، مضيفة: “أظهر حزب الله قدرته على استخدام طائرات مسيّرة هجومية لاستهداف منصات الغاز قبالة سواحل إسرائيل”.
وترى أنه “في ظل الحرب الجديدة الآن، يبدو أن إسرائيل تُحكم سيطرتها على المناطق المشمولة بالاتفاق”. ومع ازدياد التكهنات، صدرت تصريحات رسمية لبنانية تطعن في الربط بين الخريطة والاتفاق البحري.
إذ قال وزير الطاقة اللبناني جو سعادة إن الخريطة الإسرائيلية التي تتحدث عن “منطقة دفاع بحرية” لا تؤثر في اتفاق الحدود البحرية، وأن الصفقة لا تزال سارية “بضمان القانون الدولي”.
ماذا يملك لبنان في هذه المنطقة البحرية؟
لتحليل احتمالات الضغط أو الاستيلاء، يجب أولًا تحديد ما يملكه لبنان فعلًا في هذه الجبهة البحرية.
إذ أعطى اتفاق 2022 لبنان السيادة على الخط 23، وسمح بتطوير مكمن قانا مقابل حصول “إسرائيل” على تعويض مالي عن الجزء الذي قد يمتد داخل منطقتها الاقتصادية.
1- قانا/البلوك 9
هذا هو الملف الأكثر شهرة سياسيًا وإعلاميًا، لكنه ليس حقلًا غازيًا مثبتًا حتى الآن. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2023 نقلت رويترز مصدرين لديهما معرفة مباشرة بالملف أن الحفر الاستكشافي في البلوك 9 المسمى لبنانيًا “قانا” لم يعثر على هيدروكربونات.
فيما أوضحت هيئة إدارة قطاع البترول اللبنانية أن بئر قانا 31/1 لم تسفر عن اكتشاف نفطي أو غازي، لكنها أثبتت وجود خزانات جيدة وآثار غاز وبيانات جيولوجية مشجعة للاستكشاف المستقبلي.

ولفتت إلى أن حقوق الحقل رُفعت نهائياً في الأول مارس/آذار 2026 بعدما سلّمها تحالف توتال إنرجيز وإنّي وقطر للطاقة إلى الدولة اللبنانية ليصبح متاحًا في جولات ترخيص لاحقة.
ولذلك، لا يوجد حقل غاز لبناني منتج في قانا، وهناك مكمن محتمل تم حفره (منطقة يُرجّح وجود احتياطي فيها بناءً على بيانات زلزالية أو آثار غاز) ولم يتحول إلى اكتشاف تجاري.
2- البلوك 8
هذا هو الملف البحري اللبناني الأكثر حساسية الآن في الجبهة الجنوبية، ففي يناير/كانون الثاني 2026 حصل تحالف توتال إنرجيز، إيني، وقطر للطاقة على رخصة استكشاف جديدة في البلوك 8.
وأعلنت توتال إنرجيز أن برنامج العمل الأولي يتضمن تنفيذ مسح سيزمي ثلاثي الأبعاد على مساحة 1,200 كيلومتر مربع لتقييم الإمكانات الغازية في المنطقة.
كما شدد الرئيس التنفيذي للشركة باتريك بويانيه على أن فشل بئر قانا في البلوك 9 لم يدفع الشركة إلى الانسحاب من لبنان، بل إلى نقل الجهد نحو البلوك 8 بالتعاون مع السلطات اللبنانية.
لكن هذا المشروع ما يزال في مرحلة المسح والتقييم، أي قبل الحفر والاكتشاف وقبل أي تطوير تجاري.

هل تستغل “إسرائيل” الحرب لخنق أي أفق غازي؟
منذ توقيع اتفاق 2022 لم يُخفِ بعض السياسيين الإسرائيليين معارضتهم له. وفي مارس/آذار 2026، قال وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين إن الحكومة “تدرس إلغاء الاتفاق” ووصفه بأنه “وثيقة استسلام” تمنح لبنان كل شيء مقابل لا شيء.
كما أوضح أن الاتفاق “وُلد في الخطيئة” لأنه أُبرم قبل الانتخابات من دون مصادقة الكنيست، وأن مجلس الوزراء يفترض أن يلغيه، “لأن لبنان لم يمنع الهجمات”.
وقبلها في سبتمبر/أيلول 2024، وصف كوهين الاتفاق بأنه “خطأ وفضيحة” وألمح إلى أنه يبحث عن “ثغرة” لإلغائه.
خلف هذه التصريحات يكمن بعد قانوني وسياسي، فالاتفاق البحري الموقّع بوساطة أمريكية رسم خط الحدود عند النقطة 23، وسمح للبنان بتطوير مكمن قانا مقابل حصول “إسرائيل” على كامل حقل كاريش وتعويضات عن الجزء المحتمل من قانا داخل منطقتها الاقتصادية.
وعن إمكانية التخلص منه، قال الخبير القانوني أنطونيوس أبو كسم إن اتفاقات ترسيم الحدود البحرية تتخذ طابعًا دوليًا دائما لا يمكن إلغاؤها من طرف واحد إلا في حالات استثنائية، وأن محاولة “إسرائيل” الانسحاب ستجعل أماكن الاستكشاف “منطقة نزاع” وتُبعد الشركات.
وتشير هذه الرؤية إلى أن تلويح الوزراء الإسرائيليين قد يكون جزءاً من “ابتزاز سياسي” لاختبار حدود الاتفاق أو الضغط على بيروت لتحقيق تنازلات أخرى.
بالعودة إلى ساحة الحرب، تُبرز الخريطة الجديدة أن “إسرائيل” تُدخِل البحر في “معادلة الردع”، إذ يربط جيش الاحتلال عملياته البرية والبحرية بتأمين ما يطلق عليه “الخط الدفاعي” فيما يتحدث مسؤولون عن مراجعة الاتفاق.

وفي ظل عدم وجود حقول غاز لبنانية مثبتة، فإن أكثر ما يخشاه المستثمرون وشركات التنقيب هو اللايقين القانوني والأمني.
فمجرد الحديث عن احتمال إلغاء الاتفاق، يوجِد غموضاً يثني الشركات عن الاستثمار، ما يعني عمليًا خنق مستقبل الغاز اللبناني وتحويل البحر إلى ورقة لابتزاز مَن يملك حقولاً محتملة.