لم تعد السياحة في المغرب مجرد نشاط اقتصادي، بل أصبحت في بعض مظاهرها موضوع نقاش سياسي وثقافي متصاعد، ففي ظرف وجيز تحولت مقاطع متداولة من مراكش إلى محور جدل وطني، بعد توثيق أداء طقوس دينية جماعية لسياح إسرائيليين أمام معلم تاريخي لا يحمل دلالة دينية يهودية، وذلك بالتوازي مع انتشار مشاهد “خادشة للذوق العام” منسوبة لمجموعة من اليهود أثناء استجمامهم في شاطئ عمومي بشمالي البلاد.
ظهرت مجموعة من السياح المنتمين للتيار الحريدي وهم يؤدون صلوات جماعية أمام باب دكالة التاريخي، بزي ديني كامل في مشهد يشبه طقوس الصلاة عند حائط المبكى في القدس المحتلة، من خلال ملامسة الجدار والتمايل أثناء الصلاة، في موقع يعد شاهدًا على حقبة زاخرة من الحضارة الإسلامية المغربية (الدولة المرابطية)، وقد فجر هذا المشهد موجة غضب وانتقادات، ودفع كثيرين للتساؤل عن حدود التسامح السياحي في الفضاء العام.
حدث ذلك بعد أيام قليلة من ظهور مجموعة أخرى من سياح إسرائيليين وهم يسبحون عراة في شاطئ مارتشيكا بمدينة الناظور، كما خرج وفد منهم في جولة استكشافية بضواحي المدينة ليقوموا بتحديد أو مسح أراض غابوية، مما أثار مخاوف لدى بعض المتابعين من احتمال وجود أهداف غير معلنة، في حين لم يصدر أي توضيح من حكومة الرباط حول واقعتي الناظور ومراكش.
سلوك عفوي أم رسالة سياسية؟
بدت الممارسة الدينية التي رصدت في باب دكالة مختلفة جذريًا عن احتفالات “الهيلولة” التي يعرفها المغاربة، وهي تقليد راسخ لدى اليهود السفارديم المرتبطين تاريخيًا بالمغرب، حيث يتوافد الآلاف سنويًا إلى أضرحة معروفة موزعة عبر التراب الوطني، في مدن مثل وزان والصويرة وتارودانت وتطوان.
وتتميز هذه الاحتفالات بكونها تجري في أضرحة الحاخامات أو داخل المعابد اليهودية، كما أنها تخضع لتنظيم رسمي وإشراف من السلطات المحلية، التي تؤمّن هذه المواسم وتعتبرها جزءًا من التراث الوطني المتعدد الروافد.
من وجهة نظر رئيس الطائفة اليهودية بجهة مراكش جاكي كادوش، فإن تصرف مجموعة الحريديم “عفوي” في أساسه ومرتبط باحتياجات روحية فردية، وليس مشروعًا منظمًا لتحويل الموقع إلى محراب جديد أو لمخاطبة المغاربة برسالة سياسية.
وأوضح كادوش بأن هؤلاء الزوار كانوا يهودًا قادمين من الولايات المتحدة الأمريكية، ويجولون المغرب لزيارة المزارات الدينية الشخصية ذات الصبغة الروحية العالمية، وأضاف أن “وجود الوفد تزامن مع مواعيد الصلاة وكانوا آنذاك خارج أبنية العبادة، فاختاروا الصلاة قرب سور باب دكالة المتاح أمامهم”.
بيد أن هذه الرواية لم تهدّئ عواطف الغالبية، الذين حذروا من أن تكرار مشاهد مماثلة في مدن تاريخية مغربية قد يشكل اختبارًا لنفوذ مشاريع التطبيع في المغرب، كما خرجت جمعيات مدنية بدعوات احتجاجية، معتبرين الطقس في باب دكالة غير بريء.
نظمت “الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع” وقفة حاشدة بالموقع نفسه، يوم الخميس 23 أبريل/نيسان الحالي، تنديدا بما اعتبرته “سلوكًا استفزازيًا” لمجموعة من اليهود الذين أدوا “طقوسًا تلمودية” قرب السور التاريخي.
ورفع المحتجون الأعلام الفلسطينية مرددين شعارات من قبيل: “بداوها بالتعايش وسالاوها (أنهوها) بالإبادة” و”مراكش تاريخية عريقة ومغربية وماشي (ليست) للصهيونية” يا مغربي افهم حقيقة الكيان، احتلال فلسطين بدا من حائط المبكى” الخ…، ثم انتهت الوقفة بإضرام النار في العلم الإسرائيلي.
وبينما اعتبر الباحث في الدراسات الإسلامية، عبد الوهاب رفيقي (سلفي سابق)، أن هذه الضجة تتعارض مع تاريخ البلاد القائم على التعايش والدستور الذي يضمن حرية ممارسة الشعائر لأتباع الديانات الأخرى، كان لدى الحسن بن علي الكتاني (أحد أبرز وجوه السلفية المغربية) رأي مخالف تمامًا، حيث أشار إلى أن أداء طقوس دينية بهذا الشكل، خارج أماكن مخصصة للعبادة، لا يمكن اعتباره سلوكًا عاديًا، ملمحًا إلى احتمال وجود خلفيات تتجاوز الطابع الديني البحت.
التنقيب عن التراث أم “سردية توراتية”؟
في امتداد لهذا الجدل، ومع رصد تحركات لمجموعات من اليهود في غابات شمالي البلاد، حيث قاموا بعمليات مسح ميداني لمواقع مختلفة، يطرح سؤال: هل ما يجري يندرج ضمن مسار طبيعي لإعادة اكتشاف التراث اليهودي المغربي، أم أنه يتجاوز ذلك ليقترب من إعادة بناء سردية تاريخية ذات حمولة أيديولوجية؟
ذكرت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” أن تطبيع العلاقات بين الرباط وتل أبيب سمح للباحثين الإسرائيليين بإضفاء الطابع الرسمي على علاقاتهم مع خبراء مغاربة، ومتابعة مشاريع بحثية مشتركة مثل تنقيب الكنيس اليهودي والحفاظ عليه.

المؤرخة في جامعة بن غوريون، أوريت أوكين-يكوتيئلي، التي قادت بعثة بحثية مشتركة مغربية-إسرائيلية في الصحراء المغربية في نوفمبر 2021، أشارت إلى أنه في مستوطنات يهودية قديمة مهجورة، مثل تمنارت وإقعدات، تمكن الباحثون من استخراج آلاف الوثائق والمخطوطات التوراتية من “الجنيزة”، وهي خزانة مخصصة لحفظ أسفار التوراة البالية.
وفي عام 2023، كشفت أعمال حفر داخل المقبرة اليهودية بمدينة تطوان (شمال) عن العثور على ثلاثة قبور جديدة، تعود لحاخامات عاشوا خلال القرنين 17 و18، بعدما ظلت مطموسة لأكثر من 60 عامًا، وهو ما جدّد اهتمام الباحثين وعلماء الآثار ودفعهم إلى تكثيف عمليات الاستكشاف داخل هذه المقبرة التي يزيد عمرها على خمسة قرون وتُعد الأكبر في المغرب.
وبناء على ذلك، لا تُظهر هذه الأعمال أي ارتباط توراتي بالمواقع المكتشفة، بل تؤكد طابعها كفضاءات تاريخية واقعية وموثقة، ظلت حاضرة في الذاكرة المحلية، وتندرج ضمن التراث اليهودي المغربي، حيث تحرص مؤسسات حكومية على صونها وإعادة تأهيلها، كما تخضع لتنظيم وحراسة خلال الزيارات، وتُدرج ضمن برامج رسمية وسياحية.
صمت السلطات وتخوفات الشعب
لا يبدو أن السلطات المغربية تبالغ في الرد على هذه الأحداث، كما لم يصدر أي بيان من حزب أو مسؤول حكومي يوضح ملابسات واقعة باب دكالة؛ فعندما سُئل رئيس الحكومة الأسبق والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، عن موقفه مما جرى، التزم الصمت لوهلة قبل أن يوضح أنه لا يعلم بالتفاصيل، وأكد أن تدبير الحقل الديني يظل من اختصاص المؤسسة الملكية ووزارة الأوقاف.
في الوقت نفسه، تطرح هذه الواقعة تساؤلًا قانونيًا بشأن مدى مشروعية أداء الطقوس التلمودية في فضاء عمومي دون ترخيص مسبق، إذ يميز القانون المغربي بين حرية ممارستها داخل فضاءات خاصة، وبين نقلها إلى المجال العام، لا سيما عندما يتعلق الأمر بمواقع تاريخية لا تُعرف بقدسيتها لدى غير المسلمين.
لقد جاءت هذه الوقائع في وقت حرج للغاية؛ فالحرب في غزة منذ أكتوبر 2023 جعلت مسألة “التطبيع” مع “إسرائيل” قضية حساسة جدًا في المغرب، وقد ساهمت هذه المشاهد في تأجيج نقاشات مرتبطة بالموقف الشعبي الرافض لأي تقارب، سواء كان رسميًا أو غير رسمي، مع “إسرائيل” في هذه المرحلة.
يمكن القول إن المشهد البصري الذي فرضته صلوات باب دكالة ساهم في تغذية خطاب مناهضة التطبيع عند المغاربة، وحتى داخل الصفوف المؤيدة تاريخيًا “للتعايش والتسامح”، لم يُنظر إلى هذا الفعل باعتباره مجرد ممارسة دينية بريئة من أي دلالات سياسية، مما أرسى حاجزًا أكبر من الشك والتوجس في الشارع المغربي.