مع تخفيف القيود الدولية وفتح أبواب الاستثمار، تحول قطاع الطاقة إلى المحرك الأول للاقتصاد في سوريا الجديدة، إذ تقف الكهرباء في صدارة الأولويات العاجلة مدفوعة بالحاجة الماسة إلى الغاز الطبيعي كوقود أساسي لتشغيل محطات التوليد.
يدخل هذا السباق إلى قطاع تراجع بشدة خلال السنوات السابقة، فقد كانت صادرات النفط السورية نحو 380 ألف برميل يوميًا في 2010، وانخفض إنتاج الغاز من 8.7 مليارات متر مكعب في 2011 إلى نحو 3 مليارات متر مكعب في 2023، كما هبطت قدرة الكهرباء من 9.5 غيغاواط قبل 2011 إلى 1.6 غيغاواط فقط بحلول 2025.
وفي الوقت الذي تنتظر فيه الحقول البرية القديمة حزمة عاجلة من الصيانة والحفر والمسوح الجيولوجية، يتأهب الساحل السوري لدخول خريطة الاستكشاف عبر البلوكات البحرية.
وعلى حافة هذه الخريطة الحيوية، تبرز الموانئ السورية كممرات استراتيجية لتأمين تدفقات الوقود والمعدات، وإعادة ربط السوق المحلية بمسارات الطاقة الإقليمية. فمن هي الشركات والدول التي دخلت إلى قطاع الطاقة السوري؟ وما الذي تبحث عنه كل جهة؟
قطر تستثمر في الكهرباء والاستكشاف البحري
تملك قطر الحضور الأكثر وضوحًا في قطاع الكهرباء السوري، إذ تتطلع إلى موقع طويل الأمد في أكثر قطاع يلمسه السوريون يوميًا، وتستخدم الكهرباء لدعم الاستقرار الاقتصادي والبنية التحتية.
ففي 29 مايو/أيار 2025، وقّعت الحكومة السورية مذكرة تفاهم مع تحالف شركات تقوده يو سي سي القابضة القطرية (UCC Holding)، بـ 7 مليارات دولار لبناء 4 محطات توليد تعمل بالدورة المركبة بقدرة إجمالية 4000 ميغاواط، إلى جانب محطة شمسية بقدرة 1000 ميغاواط جنوب سوريا.
وانتقل المسار القطري من مذكرة تفاهم إلى عقود امتياز نهائية في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، لبناء وتشغيل ثماني محطات توليد بقدرة إجمالية تبلغ 5000 ميغاواط.
وحددت العقود خريطة المشاريع بين شمال حلب بقدرة 1200 ميغاواط، ودير الزور بقدرة 1000 ميغاواط، وزيزون بقدرة مماثلة، ومحردة بقدرة 800 ميغاواط، إلى جانب مشاريع شمسية في وديان الربيع ودير الزور وحلب وحمص.
وجاء مؤشر التنفيذ الأهم في 13 أبريل/نيسان 2026، حين وقّع تحالف الشركات بقيادة UCC اتفاقي حجز سعات تصنيع مع شركة سيمنس إنرجي الألمانية لتوريد الحزم الحرجة لمحطتي زيزون ودير الزور، بقدرة تقارب 1000 ميغاواط لكل محطة.
ونقلت هذه الخطوة المشروع من الإعلان السياسي إلى سلسلة توريد صناعية، حتى قبل ظهور كل أعمال البناء المدنية في المواقع.

على المسار السيادي، دعم صندوق قطر للتنمية قطاع الكهرباء السوري عبر مرحلة ثانية بقدرة 800 ميغاواط لمدة عام، مع استقبال الإمدادات عند محطة حلب، كما ارتبط الدعم القطري بإعادة تشغيل خط الغاز التركي السوري ووصول الغاز الأذري إلى محطة حلب في أغسطس/آب 2025.
وامتد الحضور القطري إلى البحر في فبراير/شباط 2026، عندما ظهرت شركة باور إنترناشيونال القابضة (المجموعة القطرية الأم لـ“يو سي سي القابضة”) إلى جانب شركة شيفرون الأمريكية والشركة السورية للبترول في مذكرة تفاهم لتقييم فرص الاستكشاف في المياه السورية.
وفي مايو/أيار 2026، دخلت شركة قطر للطاقة مع توتال إنرجيز الفرنسية وكونوكو فيليبس الأمريكية في مذكرة منفصلة لمراجعة البلوك 3 قبالة اللاذقية. وهكذا تجمع قطر بين مشروع سريع التأثير في الكهرباء ورهان أطول على الغاز والنفط البحري.
الولايات المتحدة تستثمر في الغاز والحقول
دخلت الولايات المتحدة سوريا عبر مسارين متوازيين، الأول بري في الغاز والحقول، والثاني بحري في شرق المتوسط.
في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وقّعت الشركة السورية للبترول مذكرة تفاهم مع كونوكو فيليبس ونوفاتيرا للطاقة (أمريكيتان) لتطوير حقول غاز قائمة واستكشاف أخرى جديدة بمعايير تقنية محدثة.
وأعلنت الشركة السورية أن هذا المسار يستهدف رفع إنتاج الغاز بمقدار 4 إلى 5 ملايين متر مكعب يوميًا خلال عام واحد.
وفي 15 يونيو/حزيران 2026، قالت فايننشال تايمز إن كونوكو فيليبس تستعد لوضع اللمسات الأخيرة على عقد مع الحكومة السورية بالشراكة مع نوفاتيرا لتطوير حقول غاز واستكشاف احتياطيات جديدة، مع توقع التوقيع خلال الأسبوع.
ويدخل الغاز هنا في قلب أزمة الكهرباء السورية، إذ تحتاج دمشق إليه لتشغيل محطات التوليد ورفع الإنتاج المحلي وتخفيف الاعتماد على الإمدادات الخارجية.
وبالنسبة لواشنطن، يفتح هذا المسار عودة شركات أمريكية كبرى إلى بلد خرج من عزلة طويلة، ويضعها داخل البنية التي ستقرر سرعة تعافي الكهرباء والصناعة.
وتتحرك شركتا شيفرون وكونوكو فيليبس في المسار البحري الأمريكي بسوريا، ففي 4 فبراير/شباط 2026، وقّعت Chevron مذكرة تفاهم مع الشركة السورية للبترول وباور إنترناشيونال القابضة لتقييم الاستكشاف في المياه السورية.
وفي 11 مايو/أيار 2026، أعلنت دمشق تحديد البلوك البحري للمشروع الأول في المياه العميقة، مع التحضير لعمليات فنية خلال الصيف. أما كونوكو فيليبس فدخلت في مايو مع توتال إنرجي وقطر للطاقة في مراجعة البلوك 3 قرب اللاذقية.
ويتشكل مسار أمريكي ثالث حول تخطيط قطاع الطاقة وملف الشمال الشرقي، فقد ظهرت شركة باكر هيوز (Baker Hughes)، عملاق خدمات حقول النفط الأمريكي، إلى جانب هنت للطاقة (Hunt Energy) وأرجنت للغاز الطبيعي المسال (Argent LNG)، في مشروع لإعداد مخطط رئيسي للطاقة السورية.
ثم عادت هذه الأسماء إلى الواجهة ضمن تحالف شركات قيد البحث مع شركة التصنيع وخدمات الطاقة السعودية (TAQA)، لاستكشاف النفط والغاز وتطوير مشاريع الطاقة في شمال شرق سوريا.
وحتى الآن، بقي هذا المسار في نطاق التخطيط والتفاوض الجاد، من دون إعلان عقد نهائي أو تنفيذ ميداني. وعلى هامشه، برز اسم شركة إتش كيه إن للطاقة (HKN Energy) في تقارير مرتبطة بمنطقة الرميلان.
ومن هنا فإن ما تبحث عنه واشنطن واضح من طبيعة العقود، فالغاز يمنحها مدخلًا سريعًا إلى الكهرباء فيما يمنحها البحر رهانًا طويل الأجل، كما أن الشمال الشرقي يعطيها موقعًا في ملف الموارد والممرات، يضع الشركات الأمريكية داخل هندسة قطاع الطاقة السوري بعد مرحلة العقوبات.
السعودية تستثمر في الحفر وخدمات الطاقة
تتقدم السعودية من باب مختلف، إذ إن حضورها يبدأ من أدوات التشغيل نفسها كالحفر وخدمات الآبار والمسح الزلزالي وتطوير الحقول والطاقة المتجددة.
في أغسطس/آب 2025، وقّعت شركات سعودية عدة اتفاقات ومذكرات تفاهم مع وزارة الطاقة السورية، في حزمة شملت أديس القابضة، وطاقة السعودية، والحفر العربية، وأرجاس، إلى جانب أكوا باور في مسار الطاقة المتجددة.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، انتقلت هذه التفاهمات إلى اتفاقيات أكثر تحديدًا مع الشركة السورية للبترول، شملت تطوير وتشغيل حقول غاز، وخدمات متكاملة لبناء وصيانة الحقول والآبار، وخدمات الحفر والإصلاح، إضافة إلى المسح الزلزالي ثنائي وثلاثي الأبعاد.
أبرز ملف سعودي من حيث التنفيذ هو أديس القابضة، إذ وقعت الشركة في 5 أبريل/نيسان 2026، عقدًا مع “السورية للبترول” لتطوير عدد من حقول الغاز في وسط سوريا، يشمل صيانة آبار موجودة وحفر آبار استكشافية جديدة.

يغطي العقد خمسة حقول هي أبو رباح وقمقم وشمال الفياض والتياس وزملة المهر، مع توقعات بزيادة الإنتاج تدريجيًا بنسبة 25 بالمئة خلال أول ستة أشهر، وبما يصل إلى 50 في المئة بنهاية العام.
وتأتي طاقة والحفر العربية وأرجاس في طبقة الخدمات، فـ”TAQA”، وهي شركة التصنيع وخدمات الطاقة في المملكة، تعمل في خدمات الحقول والآبار.
الحفر العربية تدخل من باب الحفر والصيانة والتدريب الفني، أما أرجاس، وهي الشركة العربية للجيوفيزياء والمساحة، فتدخل من باب المسوحات الجيوفيزيائية والجيولوجية.
في الطاقة المتجددة، وقّعت أكوا باور في سبتمبر/أيلول 2025 اتفاق تطوير مشترك لدراسة وتطوير نحو 2.5 غيغاواط من الشمس والرياح، مع حلول تخزين ومركز تدريب تقني وطني، ثم دخلت مع شركة نقل وتقنيات المياه في ملف تحلية ونقل مياه من الساحل إلى الجنوب.
ومن هذا المدخل، تحجز السعودية موقعًا مبكرًا في ماكينة الغاز السورية عبر تعميق حضورها داخل الحلقة الفنية لقطاع الطاقة، حيث تدخل الشركات السعودية مواقع العمل من بوابة صيانة الآبار والحفر والمسح الزلزالي وخدمات الحقول.
الإمارات تستثمر في ميناء طرطوس والغاز
الحضور الإماراتي يبدو أكثر انتقائية، فحتى منتصف يونيو/حزيران 2026، يظهر حضور أبوظبي عبر شركتين أساسيتين هما موانئ دبي العالمية ودانة غاز، بينما تبقى أدنوك ومصدر وطاقة أبوظبي خارج قائمة العقود السورية المعلنة في الطاقة.
في مايو/أيار 2025، وقّعت الحكومة السورية مذكرة تفاهم مع موانئ دبي العالمية بقيمة 800 مليون دولار لتطوير ميناء طرطوس.
وفي يوليو/تموز من العام نفسه، تحول المسار إلى امتياز مدته 30 عامًا لتطوير البنية المينائية والخدمات اللوجستية وإنشاء مناطق صناعية وحرة بالتعاون مع الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية.
في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أعلنت موانئ دبي العالمية بدء العمليات في ميناء طرطوس بعد التسليم الرسمي، ثم عادت في مايو/أيار 2026 للبحث مع الجانب السوري تسريع خطط التطوير.
يدخل ميناء طرطوس إلى خريطة الطاقة من بوابة الممرات واللوجستيات، إذ يمكن أن يخدم واردات الوقود وتوريد معدات المحطات والحقول وحركة التجارة المرتبطة بإعادة تشغيل الاقتصاد.
وفي الغاز، وقّعت دانة غاز في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 مذكرة تفاهم أولية مع الشركة السورية للبترول لتقييم إعادة تطوير وتوسعة حقول غاز في وسط سوريا، بينها حقل أبو رباح.
يقوم الاتفاق على التقييم الفني أولًا، مع تقديم خطة تطوير إذا أثبتت الدراسة جدواها، ولكن حتى الآن، بقي هذا المسار في مرحلة التقييم، من دون عقد تطوير نهائي معلن أو مؤشرات حفر منشورة.
ولذلك تبحث الإمارات عن موضع مختلف داخل الخريطة السورية، فطرطوس يمنحها عقدة تجارية ولوجستية طويلة الأمد على الساحل، ودانة غاز تمنحها خيارًا غازيًا قابلًا للتطوير.
وبذلك، يتحرك المسار الإماراتي بتأن أكبر من قطر والسعودية، لكنه يضع أبوظبي في نقطة حساسة تجمع الساحل والتجارة والمداخل المحتملة للطاقة.
فرنسا تستثمر في البلوك البحري 3
تعود فرنسا إلى قطاع الطاقة السوري من اسم واحد ثقيل هو توتال إنرجيز، ففي 12 مايو/أيار 2026، وقّعت الشركة الفرنسية مع قطر للطاقة وكونوكو فيليبس والشركة السورية للبترول مذكرة تفاهم لإطلاق مراجعة فنية للبلوك 3 البحري قبالة اللاذقية. ويفتح الاتفاق إطارًا للنقاش التجاري حول الاستكشاف، لكنه ما زال في مرحلة التقييم الفني.
وتستمد عودة توتال إنرجيز أهميتها من تاريخ طويل في قطاع الطاقة السوري بين 1988 و2011، حيث كانت تنتج نحو 53 ألف برميل مكافئ نفطي يوميًا معظمها من الغاز، ثم غادرت امتثالًا للعقوبات الأوروبية.
وتحمل عودتها عبر البلوك 3 قبالة اللاذقية في شرق المتوسط رمزية أوروبية واضحة، لأنها تأتي بعد رفع العقوبات الاقتصادية الأوروبية وعودة الشركات الكبرى إلى قراءة فرص السوق السورية.

وتوجد حاليًا مذكرة تفاهم ومراجعة فنية مع قيمة مالية غير معلنة، ومن دون إعلان عن حفر بئر أو وصول حفارة.
وبالنسبة لفرنسا وتوتال إنرجيز، يوفر البلوك 3 عودة منخفضة الالتزام المالي في بدايتها، مع قيمة استراتيجية مرتفعة إذا أثبتت البيانات وجود مكامن واعدة.
في المحصلة، تكشف هذه العقود والاتفاقيات شكل الاقتصاد السوري المقبل، إذ تحتاج الدولة إلى كهرباء وغاز وإصلاح حقول وموانئ قادرة على استقبال المعدات والوقود، فيما تحتاج الشركات إلى الدخول مبكرًا قبل أن تستقر قواعد السوق بالكامل.
وبين الحاجة العاجلة للكهرباء والرهان الطويل على الغاز والبحر، تتشكل أول خريطة نفوذ في مرحلة الاستثمار الجديدة، حيث تصبح الطاقة مدخلًا مباشرًا إلى الحضور الاقتصادي في دمشق.