نون بوست نون بوست

نون بوست

  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
EN
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
الخصوصية مقابل الثقة.. إلى أين يقودنا مشروع سام ألتمان؟
نون بوست
“جزار التضامن” وعاطف نجيب في قبضة العدالة: هل يشهد الضحايا خاتمة أحزانهم؟
نون بوست
“كأننا نستعيد شيئًا من حقنا”.. ماذا تعني محاكمة عاطف نجيب للسوريين؟
نون بوست
كيف يقتلع الاحتلال الفلسطيني من بيته؟.. حوار في السياسة والأثر النفسي
نون بوست
هل تستطيع السعودية الاستمرار في سياسة الموازنة؟
نون بوست
اعتقال “جزار التضامن”.. خطوة أولى في طريق العدالة
نون بوست
لماذا تخوض إسرائيل حروبًا بلا نهاية؟
نون بوست
من بنسلفانيا للبيت الأبيض.. كيف يحول ترامب محاولات الاغتيال إلى فرص سياسية؟
نون بوست
“الوضع الوبائي في اليمن معقّد ومتداخل”.. حوار مع وزير الصحة قاسم بحيبح
نون بوست
الدبلوماسية متعددة المستويات.. استراتيجية تركيا لبناء حضور عالمي
نون بوست
تهديدات ترامب من إسبانيا إلى فوكلاند.. إلى أين يتجه الناتو؟
نون بوست
هل تسعى “إسرائيل” لإشعال حرب أهلية في لبنان؟
نون بوست نون بوست
EN
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
الخصوصية مقابل الثقة.. إلى أين يقودنا مشروع سام ألتمان؟
نون بوست
“جزار التضامن” وعاطف نجيب في قبضة العدالة: هل يشهد الضحايا خاتمة أحزانهم؟
نون بوست
“كأننا نستعيد شيئًا من حقنا”.. ماذا تعني محاكمة عاطف نجيب للسوريين؟
نون بوست
كيف يقتلع الاحتلال الفلسطيني من بيته؟.. حوار في السياسة والأثر النفسي
نون بوست
هل تستطيع السعودية الاستمرار في سياسة الموازنة؟
نون بوست
اعتقال “جزار التضامن”.. خطوة أولى في طريق العدالة
نون بوست
لماذا تخوض إسرائيل حروبًا بلا نهاية؟
نون بوست
من بنسلفانيا للبيت الأبيض.. كيف يحول ترامب محاولات الاغتيال إلى فرص سياسية؟
نون بوست
“الوضع الوبائي في اليمن معقّد ومتداخل”.. حوار مع وزير الصحة قاسم بحيبح
نون بوست
الدبلوماسية متعددة المستويات.. استراتيجية تركيا لبناء حضور عالمي
نون بوست
تهديدات ترامب من إسبانيا إلى فوكلاند.. إلى أين يتجه الناتو؟
نون بوست
هل تسعى “إسرائيل” لإشعال حرب أهلية في لبنان؟
  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
تابعنا

إيران بين الصبر والحسم: قراءة في تبدّل قواعد التفاوض

أحمد الطناني
أحمد الطناني نشر في ٢٧ أبريل ,٢٠٢٦
مشاركة
نون بوست

في لحظتين متقاربتين زمنياً، جلست إيران إلى طاولة التفاوض وهي ترى في المسار الدبلوماسي فرصةً لتأجيل المواجهة، ثم وجدت نفسها تحت الضربات في ذروة ذلك المسار. في يونيو/حزيران 2025، سارت جولات الحوار بينما كانت حاملات الطائرات تتموضع على مقربة، لتنتهي الجولة بهجوم واسع استهدف البنية النووية والعسكرية. 

وفي فبراير/شباط 2026، تحدّث الوسطاء عن تقدمٍ ملموس، قبل أن تتدحرج المنطقة نحو أعنف ضرباتها خلال سنوات. تحول هذا التزامن بين التفاوض والتصعيد إلى نقطة مراجعة عميقة في فهم وظيفة التفاوض وحدوده، ولم يمرر بوصفه تفصيلًا عابرًا في العقل الاستراتيجي الإيراني. 

السؤال الذي يتقدم المشهد اليوم لا يتعلق بإمكانية التفاوض واستئناف الحوار، بقدر ما يرتبط بطبيعته: كيف تتعامل دولة مع مسار تفاوضي تَشكّل في تجربتها بوصفه مساحة يمكن أن تُستثمر لتهيئة الضربة؟ وكيف تعيد تعريف أدواتها حين تتقاطع الدبلوماسية مع منطق القوة بهذا الشكل المباشر؟

انتقلت إيران تدريجيًا من فلسفة الصبر الاستراتيجي التي حكمت سلوكها لعقود، إلى مقاربة أكثر حذراً وحدّة، تُقيّد الانخراط التفاوضي بشروط مسبقة، وتربط الحوار بنتائج واضحة، وتعيد توظيف أوراق القوة بوصفها أدوات ردع قبل أن تكون عناصر مقايضة.

شكلت هذه “الإزاحة” في الاستراتيجية التفاوضية الإيرانية؛ انتقالٌ تدريجي تتبدل وفقه قواعد اللعبة، ويتغير تعريف التفاوض نفسه، بما يعكس تجربة مكثفة أعادت صياغة العلاقة بين الدبلوماسية والحرب في الذهنية الإيرانية.

الصبر الاستراتيجي: العقيدة التي حكمت التفاوض الإيراني

تشكلت المقاربة التفاوضية الإيرانية على امتداد عقود ضمن إطار أوسع من مجرد إدارة أزمات ظرفية، إذ استندت إلى ما بات يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ”الصبر الاستراتيجي“، وهي عقيدة لم تنشأ كخيار تكتيكي مؤقت، وإنما تبلورت من تجربة تاريخية كثيفة، كان أبرزها الحرب مع العراق، التي رسّخت في الوعي الإيراني إدراكاً عميقاً لكلفة المواجهة المباشرة مع القوى الكبرى، وأهمية إدارة الزمن بوصفه مورداً استراتيجياً بحد ذاته.

في جوهر هذه العقيدة، تعاملت إيران مع التفاوض كمسار دائم الحضور لشراء الوقت دون تقديم التزامات جدية تمس برامجها الاستراتيجية، وفي أكثر اللحظات توتراً، حرصت على الإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة كأداة لإدارة التصعيد، ومنع انزلاقه نحو مواجهة شاملة، عبر إبقاء هامش سياسي يقيّد اندفاعة الخصم نحو الخيار العسكري. وفي موازاة ذلك، اعتمدت طهران على التراكم التدريجي في برنامجها النووي، بوصفه رافعة تفاوضية مرنة، يمكن توظيفها لانتزاع مكاسب جزئية أو تأجيل ضغوط إضافية، دون تحويله إلى هدف معلن بذاته.

إلى جانب ذلك، بنت إيران منظومة ردع إقليمي متعددة المستويات، ارتكزت على شبكة من الفاعلين، ما أتاح لها توزيع القدرة الردعية خارج حدودها المباشرة، وتوسيع مجال الاشتباك دون الانخراط في مواجهة تقليدية مفتوحة، ضمن عملية تداخل بين الدبلوماسية والتراكم التقني والامتداد الإقليمي ما منح الصبر الاستراتيجي طابعاً مركباً، يتجاوز فكرة الانتظار إلى إدارة نشطة ومتدرجة للصراع.

بلغت هذه المقاربة ذروتها في الاتفاق النووي عام 2015، حيث نجحت إيران في انتزاع اعتراف دولي بحقها في التخصيب، مقابل قيود محددة على برنامجها، مع إبقاء ملفات أخرى خارج طاولة التفاوض، وقد شكلت تلك اللحظة، النموذج الأبرز حول فعالية الصبر الاستراتيجي كأداة لإنتاج توازن دقيق بين تقديم تنازلات محسوبة والحفاظ على ركائز القوة الأساسية.

غير أن هذه المنظومة كانت تقوم على افتراض ضمني يتعلق بطبيعة البيئة التفاوضية نفسها، حيث يُفترض أن المسار الدبلوماسي يخلق، ولو مؤقتاً، مساحة من التهدئة النسبية، تسمح بإدارة الصراع دون الانزلاق إلى ضربات كبرى.

مفاوضات 2025: اختبار الصبر تحت سيف التهديد

دخلت إيران جولات التفاوض في عام 2025 وهي تقف على أرضية شديدة الهشاشة مقارنة بمراحل سابقة. فقد تراكمت خلال الأشهر التي سبقت تلك الجولات خسائر استراتيجية ثقيلة، شملت تراجع نفوذها الإقليمي، واستهداف قيادات بارزة في محيطها الحيوي، إضافة إلى أضرار واسعة لحقت ببنيتها الدفاعية خلال المواجهات السابقة، وضمن هذا السياق، شكل الذهاب إلى التفاوض محاولة لإدارة لحظة ضغط مركّبة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية.

منذ بداية هذا المسار التفاوضي كان الطابع مختلفاً، إذ تضمنت الرسالة التي وجّهها دونالد ترامب إلى القيادة الإيرانية، مهلة زمنية محددة وتحذيراً من عواقب عسكرية، رسمت إطاراً تفاوضياً تتحرك فيه الدبلوماسية تحت سقف تهديد مباشر. ومع انطلاق الجولة الأولى في مسقط في أبريل/نيسان 2025، ثم توالي الجولات بين مسقط وروما وجنيف، بدا أن المسار يسير في اتجاه تقليدي من حيث الشكل، مع تصريحات متبادلة عن “تقدم” و”بناء”، ووساطة عُمانية تحاول الحفاظ على تماسك العملية.

غير أن ما كان يجري خارج قاعات التفاوض حمل دلالات مغايرة، خصوصًا مع الحشد العسكري الأمريكي في محيط إيران الآخذ بالتوسع تدريجياً، مع تمركز مجموعات من القطع البحرية المتقدمة واقترابها من مسرح العمليات، في وقت كانت فيه الوفود تتبادل الطروحات وتبحث في تفاصيل تقنية، وقد خلق هذا التوازي بين الحوار والتصعيد بيئة تفاوضية مشحونة، تتقاطع فيها اللغة الدبلوماسية مع إشارات القوة الصلبة بشكل مباشر.

على مستوى المواقف، ظلت الفجوة بين الطرفين واسعة، إذ تمسكت إيران بحصر النقاش في برنامجها النووي وضمان طابعه السلمي، فيما دفعت الولايات المتحدة باتجاه مقاربة شاملة تشمل تفكيك البرنامج النووي، وتقييد القدرات الصاروخية، وإعادة صياغة الدور الإقليمي. وبالرغم من كون هذا التباين لم يكن جديداً، إلا أن خصوصية هذه الجولة تمثلت في تزامنه مع ضغط عسكري متصاعد، ما جعل إدارة التفاوض أكثر تعقيداً.

رغم ذلك، استمرت طهران في الانخراط، مستندة إلى منطق الصبر الاستراتيجي في أقصى تجلياته عبر إبقاء المسار مفتوحاً بما يحدّ من اندفاعة المواجهة، ومنح الدبلوماسية فرصة لإنتاج توازن مؤقت، أو على الأقل تأجيل الانفجار. في الوقت ذاته، واصلت تعزيز جاهزيتها الدفاعية، في إدراك واضح لاحتمال انهيار المسار في أي لحظة.

جاءت اللحظة الحاسمة في يونيو/حزيران 2025، حين تزامنت التصريحات الأمريكية حول الالتزام بالحل الدبلوماسي مع تنفيذ هجوم واسع استهدف المنشآت النووية والبنية العسكرية الإيرانية واغتيالات مركزة طالت القيادة العسكرية ضمن ما عُرف باسم “حرب الإثني عشر يومًا”، ما أدى إلى تعطّل الجولة السادسة التي كانت مقررة في مسقط.

هذه التجربة لم تُقرأ في طهران بوصفها فشلاً عادياً لمسار دبلوماسي، وإنما باعتبارها اختباراً كشف حدود فعالية الصبر الاستراتيجي في بيئة إقليمية ودولية تغيرت كثيرًا بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023، ومع وجود ثنائي ترامب-نتنياهو، إذ باتت تتقاطع المفاوضات مع التحضير للمواجهة العسكرية. ومع تكرار النمط ذاته في مطلع عام 2026، بدأت تتبلور قناعة بأن الإبقاء على المسار التفاوضي مفتوحاً لم يعد كافياً لضبط التصعيد، وأن المعادلة التي حكمت هذا السلوك لعقود دخلت مرحلة مراجعة عميقة.

 

View this post on Instagram

 

A post shared by نون بوست | NoonPost (@noonpost)

عسكرة الدبلوماسية: حين تحوّلت المفاوضات إلى أداة خداع

ما كشفت عنه تجربة عامي 2025 و2026 يتجاوز حدود التعثر الدبلوماسي أو فشل جولات التفاوض في إنتاج تسوية، فالمسألة لم تعد تتعلق بعدم التوصل إلى اتفاق، وإنما بطبيعة الوظيفة التي باتت تؤديها المفاوضات ذاتها في سياق الصراع، إذ تبلور نمط متكرر يوحي بأن المسار التفاوضي تحوّل إلى جزء من منظومة إدارة العمليات، حيث يتقاطع مع التحضير العسكري، ويؤدي دوراً في تغطية توقيته ومساراته.

الفارق جوهري بين المفترض، والواقع الذي بات استخلاص التجربة، حالة تنتهي فيها المفاوضات إلى طريق مسدود، وهي حالة مألوفة في العلاقات الدولية، وحالة يجري فيها استخدام المفاوضات لتأمين بيئة عملياتية مريحة لتنفيذ الضربة. في الحالة الأولى، تبقى الدبلوماسية قائمة بوصفها مساراً قائماً بذاته حتى وإن فشل. أما في الحالة الثانية، فإن الدبلوماسية تدخل ضمن أدوات إدارة الصراع، وتفقد استقلاليتها بوصفها فضاءً موازياً للخيارات العسكرية.

تجسّد هذا التحول في أكثر من مؤشر، فقد أظهرت الوقائع أن الإعلانات الزمنية المتعلقة بالمهل والمفاوضات أصبحت جزءاً من أدوات التمويه، كما استُخدمت تحركات عسكرية بعيدة عن مسرح العمليات لتضليل تقديرات الخصم بشأن اتجاه الضربة وتوقيتها. وفي الوقت الذي كانت فيه الوفود تستعد لجولات تفاوضية جديدة، كانت الخطط العملياتية في مراحلها النهائية، بما يشير إلى تداخل واضح بين المسارين ونية مبيتة ومحسومة للهجوم بمعزل عن أي نتيجة تفضي لها المفاوضات.

الضربات التي نُفذت في فبراير/شباط 2026 مثّلت التعبير الأوضح عن هذا النمط، إذ جاءت في لحظة كان فيها الوسطاء يتحدثون عن تقدم ملموس، وفي سياق مسار تفاوضي لم يصل إلى نهايته، إذ يُقرأ هذا التزامن بين “التقدم” الدبلوماسي والتنفيذ العسكري كمؤشر على أن المفاوضات كانت تُدار ضمن حسابات أوسع، تتجاوز هدف الوصول إلى اتفاق.

في هذا السياق، برز مفهوم يمكن توصيفه بـ”عسكرة الدبلوماسية”، حيث تُدمج أدوات التفاوض ضمن منظومة الضغط الشامل، وتُستخدم جلسات الحوار لتثبيت حالة من الانشغال السياسي، أو لإدارة التوقعات، أو لإبقاء الخصم في حالة ترقب، بينما يجري التحضير لخيارات أخرى على الأرض.

بالنسبة لإيران، مثّل إدراك هذا النمط نقطة انعطاف حاسمة، فالعقيدة التي استندت إليها مدرسة السياسة الخارجية الإيرانية لعقود وجدت نفسها أمام واقع مختلف، حيث يمكن للمسار ذاته أن يتحول إلى عامل يسهم في تسهيل الضربة عبر توفير غطاء سياسي أو زمني. 

أعاد هذا الإدراك صياغة العلاقة بين التفاوض والردع في الذهنية الإيرانية، وفتح الباب أمام مقاربة جديدة تنظر إلى التفاوض بوصفه مساحة مشروطة، تحتاج إلى ضمانات سابقة، وليس مجرد قناة يمكن التعويل عليها لضبط سلوك الخصم.

لحظة الإزاحة: من الصبر إلى الحذر والحسم

ما أعقب ضربات فبراير/شباط 2026 شكل تدشيناً لمقاربة مختلفة في إدارة التفاوض، تتبدل فيها القواعد التي حكمت السلوك الإيراني لعقود، وبالرغم من كون هذه الإزاحة لم تُعلن في صيغة عقيدة رسمية، لكنها ظهرت بوضوح في اللغة السياسية، وفي طبيعة الشروط المطروحة، وفي كيفية تعريف الهدف من التفاوض ذاته.

أول ملامح هذا التحول تجلّى في إعادة تعريف الغاية من التفاوض، فبدلاً من التعامل مع المسار الدبلوماسي كوسيلة لإدارة الزمن وتخفيف الضغوط، بات يُنظر إليه كأداة يجب أن تُفضي إلى نتائج محددة سلفاً، وقد عكست التصريحات الإيرانية بعد الحرب هذا التوجه بوضوح، حيث جرى التأكيد على أن أي انخراط تفاوضي يجب أن يقود إلى إنهاء شامل للصراع، وليس إلى وقف مؤقت يعيد إنتاج دورة التصعيد، ما عكس انتقالاً من منطق “إبقاء المسار قائماً” إلى منطق “تحقيق نتيجة نهائية”.

الملمح الثاني تمثل في صياغة شروط مسبقة للدخول في التفاوض، تمثلت في الوثيقة العشرية التي طرحتها إيران كإطار لأي تسوية محتملة حملت طابعاً حاسماً، شمل مطالب تتعلق بضمانات أمنية ملزمة، وتعويضات عن الأضرار، والاعتراف بحقوق سيادية، إلى جانب تثبيت حق التخصيب. في نمط يحدّ من مساحة المناورة التقليدية، ويضع العناوين الكبرى خارج نطاق المساومة، مع ترك التفاصيل التقنية فقط مجالاً للنقاش.

أما الملمح الثالث، فهو الرفض الصريح للتفاوض في بيئة تهديد مفتوح، بعد أن أظهرت التجربة السابقة أن الجمع بين الضغط العسكري والمسار الدبلوماسي لم يؤدِّ إلى ضبط التصعيد، بل أوجد بيئة أكثر تعقيداً، ما دفع إيران إلى ربط أي حوار بحد أدنى من الضمانات التي تفصل بين التفاوض والتحضير للضربة.

نون بوست

في موازاة ذلك، برز إدراك إيراني متزايد لطبيعة التكتيكات التفاوضية المقابلة، بما في ذلك محاولات تفتيت الموقف الداخلي أو إدارة الحوار عبر قنوات متعددة، وقد انعكس هذا الوعي في تشدد أكبر تجاه أي دعوات للحوار غير الواضح أو خلف الكواليس، في سعي لتوحيد الإطار الذي تُدار من خلاله العملية التفاوضية.

مع ذلك، لا تبدو هذه الإزاحة خالية من التعقيد الداخلي، فالمواقف المعلنة داخل إيران حملت درجات متفاوتة من التشدد، ما يشير إلى وجود نقاش داخلي حول حدود هذا التحول وإمكانية استدامته. غير أن هذا التباين لا يُضعف الاتجاه العام، بقدر ما يعكس عملية إعادة تموضع داخلية تسعى إلى موازنة الضرورات الدفاعية مع الحسابات السياسية.

هل الإزاحة مستدامة؟ بين التحول البنيوي وضغوط الواقع

السؤال الذي يفرض نفسه بعد تبلور ملامح التحول في السلوك التفاوضي الإيراني يتعلق بمدى استدامته: هل ما نشهده إعادة تشكيل طويلة الأمد في العقل الاستراتيجي الإيراني، أم مقاربة ظرفية تحكمها لحظة ما بعد الصدمة وتوازنات القوة الراهنة؟ قراءة المعطيات المتاحة تشير إلى مشهد أكثر تركيباً، تتداخل فيه عوامل تثبيت هذا التحول مع ضغوط تدفع باتجاه تليينه.

في اتجاه الرسوخ، يبرز عامل التجربة المتراكمة بوصفه محدداً مركزياً، فالإزاحة الحالية تستند إلى وقائع متكررة رسخت في الوعي الإيراني أن المسار التفاوضي، بصيغته السابقة، لا يوفر هامش أمان كافياً لضبط التصعيد في عالم تغيرت قواعده كثيرًا ولن يعود لسابقه في الإطار الزمني المنظور. 

هذا الإدراك لا يقتصر على مستوى القيادة السياسية، وإنما يمتد إلى البنية المؤسسية الأوسع، حيث تمسك المؤسسات الأمنية والعسكرية بدور متقدم في صياغة القرار التفاوضي، ما يجعل تعديل المقاربة أكثر كلفة، لأنه يتطلب إعادة إقناع منظومة كاملة أعادت تعريف علاقتها بالتفاوض على ضوء تجربة مباشرة وأثمان باهظة طالت رمزيات كبيرة شكلت أساسًا في صقل السياسة الإيرانية المعاصرة.

انطلاق المفاوضات الإيرانية الأمريكية في مسقط وطهران تقدم خطة ...

في المقابل، تبرز ضغوط موضوعية تضيق هامش الحركة، إذ يواجه الاقتصاد الإيراني تحديات مركبة، تتعلق بالعقوبات الممتدة، وتكاليف الحرب، وتراجع حركة التجارة، خصوصاً في ظل القيود المفروضة على الممرات البحرية، إضافة للأضرار الفادحة التي سببتها الحرب للبنية التحتية وبشكل خاص الصناعية والإنتاجية، وبالرغم من كون هذه الضغوط لا تفرض بالضرورة تغييراً فورياً في الموقف، لكنها تشكل سقفاً واقعياً لأي استراتيجية طويلة الأمد، وتدفع باتجاه البحث عن مخارج تخفف من حدتها، سواء عبر قنوات تفاوضية أو ترتيبات جزئية.

إلى جانب ذلك، يظهر عامل آخر يتعلق بطبيعة الخيارات الاستراتيجية المتاحة، فالتجربة الراهنة قد تدفع باتجاه تعزيز منطق الردع الصلب، بما في ذلك توسيع القدرات النووية وتعزيز الترسانة الصاروخية بوصفهم ضمانات نهائية في مواجهة التهديدات، غير أن هذا المسار يحمل كلفاً مرتفعة على المستويين الاقتصادي والسياسي، ويضع إيران أمام نماذج معقدة من العزلة طويلة الأمد، ما يجعل تبنيه خياراً يحتاج إلى حسابات دقيقة تتجاوز لحظة الضغط الراهنة.

كما أن التحول في القيادة السياسية يضيف طبقة أخرى من التعقيد، حيث تسعى القيادة الجديدة التي تفتقر للشرعية التاريخية والدينية إلى تثبيت موقعها في سياق داخلي وخارجي شديد الحساسية، ما ينعكس في خطاب أكثر حدة في بعض الأحيان، دون أن يعني ذلك بالضرورة إغلاق جميع المسارات الممكنة.

في ضوء هذه العوامل، تبدو الإزاحة الاستراتيجية في السلوك التفاوضي الإيراني واقعية وراسخة في منطلقاتها، لكنها تبقى مفتوحة على احتمالات التعديل وفقاً لتطور موازين القوى والضغوط المحيطة، ما يبرز بوضوح أن العودة إلى نمط الصبر الاستراتيجي بصيغته التقليدية باتت أكثر تعقيداً، وأن أي انخراط تفاوضي مستقبلي سيخضع لشروط مختلفة، تعكس إعادة تعريف العلاقة بين التفاوض والردع في الذهنية الإيرانية.

الوسوم: الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الإيرانية ، الشأن الإيراني ، المشهد الإيراني
الوسوم: الاتفاق النووي الإيراني ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الإيرانية ، المشهد الإيراني
تحميل هذا المقال بصيغة PDF
شارك هذا المقال
فيسبوك تويتر واتساب واتساب التليجرام البريد الإلكتروني نسخ الرابط
أحمد الطناني
بواسطة أحمد الطناني كاتب وباحث في الشأن السياسي
متابعة:
كاتب وباحث في الشأن السياسي
المقال السابق نون بوست “كأننا نستعيد شيئًا من حقنا”.. ماذا تعني محاكمة عاطف نجيب للسوريين؟
المقال التالي نون بوست “جزار التضامن” وعاطف نجيب في قبضة العدالة: هل يشهد الضحايا خاتمة أحزانهم؟

اقرأ المزيد

  • "كأننا نستعيد شيئًا من حقنا".. ماذا تعني محاكمة عاطف نجيب للسوريين؟ "كأننا نستعيد شيئًا من حقنا".. ماذا تعني محاكمة عاطف نجيب للسوريين؟
  • كيف يقتلع الاحتلال الفلسطيني من بيته؟.. حوار في السياسة والأثر النفسي
  • هل تستطيع السعودية الاستمرار في سياسة الموازنة؟
  • اعتقال "جزار التضامن".. خطوة أولى في طريق العدالة
  • لماذا تخوض إسرائيل حروبًا بلا نهاية؟
part of the design
نشرة نون بوست الأسبوعية

قد يعجبك ايضا

هل تستطيع السعودية الاستمرار في سياسة الموازنة؟

هل تستطيع السعودية الاستمرار في سياسة الموازنة؟

ماريا فانتابي ماريا فانتابي ٢٦ أبريل ,٢٠٢٦
لماذا تخوض إسرائيل حروبًا بلا نهاية؟

لماذا تخوض إسرائيل حروبًا بلا نهاية؟

ذي إيكونوميست ذي إيكونوميست ٢٦ أبريل ,٢٠٢٦
تهديدات ترامب من إسبانيا إلى فوكلاند.. إلى أين يتجه الناتو؟

تهديدات ترامب من إسبانيا إلى فوكلاند.. إلى أين يتجه الناتو؟

عماد عنان عماد عنان ٢٥ أبريل ,٢٠٢٦
dark

منصة إعلامية مستقلة، تأسست عام 2013، تنتمي لمدرسة الصحافة المتأنية، تنتج تقارير وتحليلات معمقة ومحتوى متعدد الوسائط لتقديم رؤية أعمق للأخبار، ويقوم عليها فريق شبابي متنوّع المشارب والخلفيات من دول عربية عدة.

  • سياسة
  • مجتمع
  • حقوق وحريات
  • آراء
  • تاريخ
  • رياضة
  • تعليم
  • تكنولوجيا
  • اقتصاد
  • صحافة
  • أدب وفن
  • ريادة أعمال
  • سياحة وسفر
  • سينما ودراما
  • طعام
  • صحة
  • ثقافة
  • أحدث التقارير
  • ملفات
  • مطولات
  • حوارات
  • بودكاست
  • تفاعلي
  • الموسوعة
  • بالصور
  • من نحن
  • كتّابنا
  • اكتب معنا
  • السياسة التحريرية
  • بحث متقدم
بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تمت الإزالة من المفضلة

تراجع
Go to mobile version