نون بوست نون بوست

نون بوست

  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
التوسع الإسرائيلي يزلزل أركان الشرق الأوسط
نون بوست
شبكة تتساقط تباعًا.. ماذا تكشف الاعتقالات الأخيرة لقادة فلول النظام؟
نون بوست
عن المعركة التي طال انتظارها.. المسلمون في الانتخابات التمهيدية الأمريكية
نون بوست
استراتيجية نتنياهو الأمنية تتهاوى على ثلاث جبهات
نون بوست
تكلفة المغامرات العسكرية الأمريكية على الدول المضيفة.. هل تقلب إيران المعادلة؟
نون بوست
تركيا وأرمينيا على طريق التطبيع.. هل تكفي المصالح لتجاوز أثقال الماضي؟
نون بوست
آثار الجزيرة السورية تحت معاول المنقبين.. من يحمي ما تبقى من تاريخ البلاد؟
نون بوست
الشرق الأوسط وعصر التصعيد المفتوح
نون بوست
خطة ترامب للسلام في غزة وُلِدت ميتة
نون بوست
هل يمهد انشطار حزب الشعب الجمهوري لتمرير الدستور الجديد؟
نون بوست
حرب السودان.. سوق مفتوحة للسلاح ومختبر للطائرات المسيّرة
كانت صادرات العراق من الجنوب تدور حول 3.3 إلى 3.4 مليون برميل يوميًا قبل الأزمة
بعد حرب إيران.. 6 خرائط تعيد رسم طرق النفط العراقي إلى العالم
نون بوست نون بوست
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
التوسع الإسرائيلي يزلزل أركان الشرق الأوسط
نون بوست
شبكة تتساقط تباعًا.. ماذا تكشف الاعتقالات الأخيرة لقادة فلول النظام؟
نون بوست
عن المعركة التي طال انتظارها.. المسلمون في الانتخابات التمهيدية الأمريكية
نون بوست
استراتيجية نتنياهو الأمنية تتهاوى على ثلاث جبهات
نون بوست
تكلفة المغامرات العسكرية الأمريكية على الدول المضيفة.. هل تقلب إيران المعادلة؟
نون بوست
تركيا وأرمينيا على طريق التطبيع.. هل تكفي المصالح لتجاوز أثقال الماضي؟
نون بوست
آثار الجزيرة السورية تحت معاول المنقبين.. من يحمي ما تبقى من تاريخ البلاد؟
نون بوست
الشرق الأوسط وعصر التصعيد المفتوح
نون بوست
خطة ترامب للسلام في غزة وُلِدت ميتة
نون بوست
هل يمهد انشطار حزب الشعب الجمهوري لتمرير الدستور الجديد؟
نون بوست
حرب السودان.. سوق مفتوحة للسلاح ومختبر للطائرات المسيّرة
كانت صادرات العراق من الجنوب تدور حول 3.3 إلى 3.4 مليون برميل يوميًا قبل الأزمة
بعد حرب إيران.. 6 خرائط تعيد رسم طرق النفط العراقي إلى العالم
  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
تابعنا

كيف استغل صهر ترامب منصبه لجني الأموال؟

كيسي ميشيل
كيسي ميشيل نشر في ١٠ يونيو ,٢٠٢٦
مشاركة
نون بوست

ترجمة وتحرير: نون بوست 

كان العرض التقديمي لصندوق استثماري جديد يُدعى “أفينيتي بارتنرز” من أكثر العروض إثارة للسخرية التي رآها المستثمرون المحتملون على الإطلاق.

كان العرض المؤلف من 20 شريحة بالأبيض والأسود، أشبه ببحث أعدّه طالب جامعي. كان أقرب إلى العرض الهزلي، حيث كان يعج بالعبارات الرنانة، ويروّج لـ”تسريع التحول من خلال التواصل” و”توافق المصالح الاقتصادية” الذي يمكن أن “يخلق قيمة غير مسبوقة”. كانت التفاصيل شحيحة للغاية، بينما الفرص لا حصر لها. 

قال مصدر مطلع لموقع “ذا إنترسبت” إن المستثمرين المحتملين قالوا إنهم “لم يروا من قبل عرضًا ترويجيًا بهذه السخافة”.

ورغم هذا الطابع الهزلي الصادم، فإن جوهر العرض، الذي قُدِّم عام 2021، كان واضحًا بما يكفي. سعت شركة “أفينيتي” لجمع مئات الملايين من الدولارات من مستثمرين أمريكيين ومن صندوق الثروة السيادي السعودي. 

كانت المملكة، الساعية لتنويع اقتصادها وتغيير صورة الدولة الاستبدادية الفاسدة، قد موّلت بطولات الغولف والتنس وكرة القدم، والعقارات التجارية والفاخرة، وألعاب الفيديو والمؤثرين، ووكالات العلاقات العامة وشركات الاستشارات، وحتى الشركات العملاقة مثل بوينغ وسيتي غروب وديزني. وقد تدفق جزء كبير من تلك الاستثمارات إلى أطراف غربية مستعدة للتغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية.

لكن عرض “أفينيتي” كان سطحيًا للغاية وخاليًا من المضمون إلى حد أن المسؤولين السعوديين أنفسهم شعروا بالذهول. وجد تقرير أُجري لصالح المملكة أن عمليات شركة أفينيتي “غير مرضية من جميع الجوانب”. لكن كان هناك عنصر واحد أنقذ العرض: سيرة ذاتية من 1200 كلمة احتلت شريحتين كاملتين في نهاية العرض لمؤسس الشركة، جاريد كوشنر.

نون بوست
هذا المقال مقتبس من كتاب كيسي ميشيل المرتقب: “الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الأقلية الحاكمة: كيف يتحالف أثرياء الولايات المتحدة مع الدكتاتوريين، ويضعفون الولايات المتحدة، ويدمرون الديمقراطية”.

كان كوشنر في ذلك الوقت خارج أسوار البيت الأبيض، بعد أن عمل مستشارًا رفيع المستوى لحماه دونالد ترامب. كان الرئيس الحالي قد عاد حينها إلى مقر إقامته في فلوريدا بعد خسارته أمام جو بايدن في الانتخابات، وادعى حدوث تزوير، مؤكدا نيته العودة إلى السلطة. 

أما كوشنر فقد اتخذ مسارًا مختلفًا. بدلًا من قضاء وقت أطول مع أطفاله أو العودة إلى مجال العقارات الذي لفظه في نيويورك، قرر تجربة شيء جديد، شيء لا يتطلب الكثير من الموهبة ويعتمد بشكل شبه كامل على قربه من دوائر السلطة والثروة. قرر أن يصبح مدير صندوق استثمارات خاص، وأطلق شركة “أفينيتي” في اليوم التالي لتنصيب بايدن، لتكون وسيلته نحو ثروة أكبر.

كان ذلك في 2021، حين نظر العالم إلى ترامب على أنه مجرد رئيس مُدان مرتين حاول تنفيذ انقلاب للبقاء في السلطة، وكانت سمعة كوشنر ملطخة بسبب ارتباطه بترامب الذي كانت شبكة علاقاته تفقد قيمتها يومًا بعد يوم. بالإضافة إلى ذلك، كان التعامل التجاري مع كوشنر محفوفُا بالمخاطر، ليس أقلها رد فعل إدارة بايدن التي كانت تراقب عن كثب أي شراكات بين حكومات أجنبية وعائلة ترامب.

توصل المسؤولون السعوديون الذين كُلّفوا بتقييم الاستثمار في ذلك المشروع إلى خلاصة واضحة: عدم وضوح رؤية شركة “أفينيتي” وافتقارها إلى الاستراتيجية، وغياب مستثمرين كبار آخرين، و”قلة خبرة” مديريها، و”مخاطر العلاقات العامة”، كما جاء في تقريرهم. كل ذلك كان يشير إلى أنهم لن يدعموا “أفينيتي”، ولن يموّلوا كوشنر.

لكن كان هناك صوت واحد حاسم في هذا القرار: ولي العهد محمد بن سلمان، مهندس عملية الاغتيال المروعة للصحفي السعودي جمال خاشقجي، ورأس هرم الكليبتوقراطية السعودية، والمسؤول عن عدم منح النساء أو الأقليات أو المثليين أي حق في المساواة. بالنسبة لبن سلمان، لم تكن “أفينيتي” مجرد شركة استثمارية عابرة تبحث عن المال، بل صندوقًا يشرف عليه صديق حميم.

كان بن سلمان يدرك أيضًا أنه إذا تغيرت الأوضاع السياسية في أمريكا، فإن كوشنر قد يصبح ورقة لا غنى عنها. لذلك تجاهل رأي خبرائه، وحصل كوشنر و”أفينيتي” على التمويل. 2 مليار دولار كبداية، مع إمكانية الحصول على مبالغ أكبر بكثير في المستقبل. هكذا كسب بن سلمان شريكًا أمريكيًا جديدًا يمكنه توجيهه كيفما شاء.

أثبت الاستثمار السعودي جدواه. رغم إصرار كوشنر خلال الحملة الانتخابية عام 2024 على أنه لن يلعب أي دور في ولاية ترامب الثانية، إلا أنه عاد مجددا ليكون في قلب كل الأحداث الجيوسياسية الكبيرة تقريبًا.

ففي الأراضي الفلسطينية المحتلة، أصبح المسؤول عما يُفترض أن يخرج من تحت الأنقاض: “غزة جديدة” يُبشّر فيها بتوفير فرص العمل والازدهار والسلام. كما أُرسل إلى موسكو مع المبعوث الخاص ستيف ويتكوف للبحث عن حل دبلوماسي للحرب الروسية المستمرة ضد أوكرانيا. 

وفي يناير/ كانون الثاني، عُيّن مع ويتكوف عضوين في مجلس جديد أنشأه ترامب وأطلق عليه “مجلس السلام“، في محاولة لتحويل العلاقات الخارجية إلى تجارة مربحة. وفي الشهر التالي، عيّن ترامب صهره “مبعوثا خاصا للسلام”، قبل أن يرسله مع ويتكوف لقيادة المفاوضات المتعثرة مع إيران. 

في كل هذه المهام، جلب كوشنر معه مجموعة مذهلة من المفارقات الأخلاقية. تشابكت مصالحه المالية حول العالم مع الملفات الدبلوماسية الساخنة التي يُفترض أن يتفاوض فيها باسم الولايات المتحدة. أتقن فن تحويل علاقاته الخارجية إلى مكاسب، وهي علاقات تدر على شركائه أيضًا أرباحًا غير مسبوقة.

يجدر بنا التوقف قليًلا للتأمل في عدم وجود سابقة لمثل هذه المسرحية. صحيح أن كوشنر ليس أول فرد من عائلة رئاسية ينتفع من صلاته بالبيت الأبيض. عمل بيلي كارتر بشكل غير رسمي كعضو في جماعة ضغط لصالح معمر القذافي، وقام بالترويج لمشروب “بيلي بير” لكسب المال خلال رئاسة شقيقه جيمي كارتر. وساهمت محاولات هانتر بايدن لاستغلال اسم العائلة – عبر شبكات فاسدة في أوكرانيا ورومانيا، وبيع أعمال فنية بأسعار مبالغ فيها – في تقويض رئاسة والده.

لكن ما سعى إليه كوشنر – ونجح فيه – كان على مستوى آخر تمامًا من حيث الحجم والجرأة. طلب من أنظمة أجنبية أن تثق به وتدفع مليارات الدولارات رغم أنه لم يُدِر أي صندوق استثمار سابقا. 

ونقلت “نيويورك تايمز” عن مسؤول جمهوري سابق في أبريل/ نيسان 2024، إنه “لا يتذكر سابقة لمسؤول حكومي يغادر منصبه ويؤسس شركة استثمارية تتلقى فورًا مليارات الدولارات من حكومات أجنبية كان يتعامل معها أثناء وجوده في الإدارة”. 

وكان ذلك قبل أن يضع ترامب جاريد كوشنر – الذي لم يكن لديه أي خبرة دبلوماسية أو تجربة في الشؤون الخارجية حتى وصول حماه إلى السلطة – في قلب كل الأزمات الدولية، رافعاً إياه إلى ما يشبه منصب كبير دبلوماسيي البلاد.

حتى النائب الجمهوري جيمس كومر من ولاية كنتاكي، الذي قاد الحملة ضد هانتر بايدن، شعر بالدهشة، وقال إن معاملات كوشنر مع السعودية “تجاوزت الحدود الأخلاقية”. وعندما اتصل به مستشار مقرب من كوشنر وطلب منه تخفيف انتقاداته، كشف كومر أنه قال للوسيط أن يخبر كوشنر بأن “يذهب إلى الجحيم”.

بالطبع، لم تكن السعودية وحدها التي رأت في كوشنر وسيلة سهلة لكسب النفوذ. بدأت الإمارات، التي يرتبط حاكمها المستبد بعلاقات وثيقة مع كوشنر منذ سنوات، بضخ الأموال في “أفينيتي بارتنرز” في الفترة ذاتها تقريبًا. وكذلك فعل النظام القطري، الذي استعاد مكانته لدى الولايات المتحدة عندما ساعد في إنقاذ شركة عائلة كوشنر. 

استثمرت شركات مرتبطة بالإمارات وقطر ما لا يقل عن 1.5 مليار دولار في صندوق كوشنر الاستثماري حتى الآن. ومع تدفقات أصغر من مستثمرين آخرين، معظمهم أجانب، نما حجم أصول “أفينيتي” ليتجاوز 6 مليارات دولار، وحقق أكثر من 100 مليون دولار كرسوم إدارة لكوشنر وشركائه. (كتب خبراء الاستثمارات السعوديون في تقريرهم أن رسوم شركة أفينيتي “مبالغ فيها”).

وإذا لم تكن الاستثمارات بحد ذاتها كافية لإثارة جدل أخلاقي، فإن العقود التي وقعها صندوق “أفينيتي” تمنح الأنظمة الأجنبية نفوذًا مقلقًا على كوشنر. تسمح العقود للمستثمرين بالانسحاب بعد خمس سنوات، مما يعني أن السعودية وقطر لديهما القدرة على تفكيك شركة “أفينيتي” في منتصف ولاية ترامب الثانية، مما يقضي على مكانة كوشنر، وهذا ما يهدد بالتبعية الحكومة الفيدرالية.

كان هذا الوضع متوقعًا تمامًا، ومع ذلك تجاهل المشرعون الديمقراطيون إلى حد كبير تعاملات كوشنر الخارجية حتى اقترب بايدن من ترك منصبه. لم تكن هناك تحقيقات رسمية أو جلسات استماع رفيعة المستوى بشأن أنشطته، حتى بعد إعلان ترامب أنه سيترشح مجددًا للرئاسة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022. ومع خضوع هانتر بايدن للتحقيق، بدا الديمقراطيون مترددين في تسليط الضوء على قضية استفادة أفراد عائلات الرؤساء من نفوذهم. كما بدا أن كوشنر لن يكون له مستقبل سياسي في الولايات المتحدة مع نهاية حقبة ترامب.

كان السيناتور رون وايدن من ولاية أوريغون، وهو رئيس لجنة المالية في مجلس الشيوخ آنذاك، أحد الديمقراطيين القلائل الذين دقوا ناقوس الخطر. حاول كشف حجاب السرية الذي يحيط بصندوق “أفينيتي” بمجرد أن اتضح أن ترامب سيكون المرشح الجمهوري للرئاسة.

راسل وايدن الصندوق طلبًا للمعلومات لأول مرة في يونيو/ حزيران 2024، ومرة أخرى في سبتمبر/ أيلول من ذلك العام. قاومت “أفينيتي” وحجبت تفاصيل مالية أساسية، ورفضا الكشف الكامل عن مستثمريها الأجانب.

استند طلب وايدن إلى مسألتين: كم حقق كوشنر من أرباح على الصعيد الشخصي من تعاملاته الأجنبية، وماذا كان يفعل تحديدًا لهؤلاء العملاء. أخبرني مصدر مطلع على هذه المراسلات أن كوشنر “لديه بعض الخبرة في مجال العقارات، لكنه لا يمتلك أي خبرة في إدارة صناديق التحوط والأسهم الخاصة”. إن شئنا القول، كانت خطته بسيطة للغاية: بيع إمكانية الوصول إلى العلاقات والنفوذ، وحتى السياسات.

في أكتوبر/ تشرين الأول 2024، قبل أقل من أسبوعين من الانتخابات، أرسل وايدن والنائب جيمي راسكين (ديمقراطي من ولاية ماريلاند) رسالة إلى المدعي العام ميريك غارلاند يتهمان فيها كوشنر بانتهاك قانون تسجيل العملاء الأجانب، ويطلبان من غارلاند تعيين مستشار خاص للتحقيق. 

جاء في الرسالة: “حجم هذه المدفوعات الأجنبية غير المعلنة التي حصل عليها كوشنر، إلى جانب تداعياتها على الأمن القومي جراء مساعيه المستمرة بشكل واضح لبيع النفوذ السياسي لأعلى مزايد أجنبي، أمر غير مسبوق، ويستدعي تحركًا من وزارة العدل”.

بعد فترة وجيزة، كان غارلاند في طريقه لمغادرة منصبه، وترامب على وشك العودة إلى الرئاسة، والجمهوريون على أبواب السيطرة على الكونغرس. لم يتم تعيين مستشار خاص، بل تهيأت الظروف لجمع تبرعات أكبر بكثير لـ”أفينيتي بارتنرز”.

تمثل علاقات كوشنر الوثيقة بحكام مستبدين خرقًا واضحًا للمعايير الأخلاقية. لكنها أيضًا جزء لا يتجزأ من تاريخه الشخصي والمهني -وربما من سلوكه. يتصرف كوشنر، مثل حماه، كما لو أن القواعد والقيود لا تنطبق عليه، وكأن إبرام الصفقات في القطاع الخاص يؤهله بطريقة ما لتولي ملفات دبلوماسية شائكة على الصعيد الدولي. 

وكما أقر بنفسه أواخر العام الماضي: “الكثير من الأشخاص الذين يقومون بهذا العمل هم أساتذة تاريخ، لأنهم يتمتعون بخبرة كبيرة، أو دبلوماسيون. أما أن تكون رجل صفقات فهذا أمر مختلف تمامًا، إنه مجال مختلف تماما”.

كانت بوادر نظرته القائمة على مبدأ “المال مقابل النفوذ” – أي فكرة أنه يمكن إبرام الصفقات في كل مكان دون اكتراث بالمعايير الأخلاقية – واضحة منذ عقود، عندما كان طالبًا في الثانوية في نيوجيرسي. 

رغم أنه لم يكن طالبًا “مميزا”، تم قبوله في جامعة هارفارد، وهي الخطوة التي سبقها تعهد والده تشارلز كوشنر بالتبرع للجامعة بمبلغ 2.5 مليون دولار. تم الاتفاق على أن يبدأ دفع المبلغ “بعد التحاق جاريد” بالجامعة، كما جاء في كتاب الصحفية أندريا برنشتاين “الأوليغارشيون الأمريكيون“، الصادر عام 2020.

في مارس/ آذار 2005، بعد أقل من عامين على تخرج جاريد من هارفارد، حُكم على والده بالسجن 24 شهرًا (قضى منها 14 شهرًا) بعد أن أقر بالذنب في 18 تهمة تتعلق بالتهرب الضريبي، والتبرعات غير القانونية للحملات الانتخابية، والتلاعب بالشهود، حيث استأجر بائعة هوى لإغواء صهره، وصوّر علاقتهما، وأرسل الشريط إلى شقيقته. (أصدر ترامب عفوًا عن تشارلز في ديسمبر/ كانون الأول 2020 وعيّنه سفيرًا لدى فرنسا بعد أربع سنوات). في الأثناء، واصل كوشنر الابن صعوده غير المستحق.

نون بوست
تشارلز كوشنر (الثاني من اليسار) وزوجته ومحاموه يشقون طريقهم عبر حشد من الصحفيين خارج مبنى المحكمة الفيدرالية في نيوارك، ولاية نيوجيرسي، 18 أغسطس/ آب 2004.

في سن الخامسة والعشرين، اشترى جاريد حصة الأغلبية في صحيفة “نيويورك أوبزرفر”، التي كانت يومًا ما ركيزة أساسية في المشهد الإعلامي والعقاري بالمدينة، مقابل 10 ملايين دولار – قال إنها من أمواله الخاصة التي ربحها من صفقات عقارية أبرمها خلال دراسته الجامعية. 

لم يُظهر اهتمامًا كبيرًا بالتغطية الصحفية الجيدة أو بأخلاقيات المهنة. على العكس، أكد عدة محررين لاحقًا أن كوشنر أمر الصحيفة بنشر مقالات تهاجم أشخاصا شعر أنهم أساؤوا إليه أو لعائلته. يقول المحرر السابق في الصحيفة كايل بوب: “أدركت أن كوشنر أراد نجاح الصحيفة ليس لأنه يؤمن بقيمها، بل لأنه كان يحتاجها كمنبر لمصالحه التجارية الخاصة”. 

تراجعت الصحيفة في عهد كوشنر، وبحلول منتصف العقد الثاني من الألفية، أي بعد أقل من عشر سنوات على امتلاكها، تحولت من مصدر فخر، إلى منصة للمنشورات المضللة والمقالات التي تهدف إلى جذب القراء دون أن يكون لها تأثير يُذكر.

لكن “نيويورك أوبزرفر” لم تكن أكبر إخفاق مالي لكوشنر. يعود الإخفاق الأبرز إلى مبنى 666 الشاهق في الجادة الخامسة بمنطقة مانهاتن. كان هذا البرج المكون من 39 طابقًا، والذي شُيد عام 1957، معلمًا بارزًا في وسط المدينة منذ عقود. 

تضمنت قائمة مستأجريه شركات مثل “سيتي غروب” و”وارنر براذرز” و”زيروكس”، لكنه أصبح عبئًا ثقيلًا على كاهل عائلة كوشنر. في عام 2007، اشترت شركة كوشنر العقارية “كوشنر كومبانيز”، بقيادة جاريد، البرج مقابل نحو 2 مليار دولار، أي بزيادة هائلة عن سعره قبل سبع سنوات، والذي بلغ 518 مليون دولار. استثمرت العائلة 50 مليون دولار، واقترضت 1.75 مليار دولار لتغطية المبلغ المتبقي، وهي مخاطرة كبيرة في أفضل الأوقات، ولم يكن الحال كذلك. 

بعد أشهر قليلة، أدت أزمة الرهن العقاري إلى انهيار الاقتصاد العالمي، وأصبحت صفقة جاريد، كما وصفتها “نيويورك تايمز”، “مثالاً نموذجيًا على التمويل المتهور”. ارتفعت معدلات الشغور بشكل حاد وتراكمت فوائد الدين على العائلة.

لتغطية التكاليف، باع جاريد ما يقرب من نصف حصة العائلة في المساحة التجارية بالمبنى، واضطر لاحقًا لإعادة هيكلة القرض. أثناء حملة ترامب الرئاسية عام 2016، كانت العائلة تكافح للحصول على التمويل. (تساءلت مجلة “فانيتي فير”: “هل يعدّ جاريد كوشنر أسوأ مستثمر عقارات في العالم؟”).

في لحظة ما قبيل الانتخابات، اعتقد كوشنر – الذي كان يساعد في إدارة حملة ترامب – أنه عثر على طوق النجاة. بالتعاون مع والده، سعى للحصول على استثمار شخصي من الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، رئيس الوزراء القطري السابق، الذي كان قد أشرف سابقًا على صندوق الثروة السيادية القطري.

وافق الشيخ حمد على تقديم 500 مليون دولار للمساعدة في إعادة تمويل البرج إذا تمكنت العائلة من جمع المبلغ المتبقي من مصادر أخرى. تواصلت المفاوضات إلى غاية عام 2017، حين كان كوشنر الذي أصبح آنذاك مسؤولًا ودبلوماسيًا في البيت الأبيض، مكلفًا بمفاوضات السلام في الشرق الأوسط. 

ولكن بعد أن ظهرت خلافات تتعلق بمستثمرين محتملين آخرين، انسحب الشيخ حمد بن جاسم تاركا عائلة كوشنر مرة أخرى في مأزق سداد ديونها. ووفقًا لموقع “ذا إنترسبت”، توجه تشارلز مباشرة في تلك المرحلة إلى وزير المالية القطري طالبًا استثمارًا من صندوق الثروة السيادي، لكنه فشل في إبرام صفقة.

نون بوست
الرئيس دونالد ترامب يلتقي بوزير الدفاع السعودي وولي ولي العهد آنذاك الأمير محمد بن سلمان في البيت الأبيض بحضور كوشنر، في مارس/ آذار 2017

بدأ الحصار الإقليمي على قطر بعد شهرين، وتحديدا في يونيو/ حزيران 2017. قطعت السعودية والإمارات وأنظمة أخرى في الشرق الأوسط علاقاتها مع الدوحة في إطار صراع أوسع نطاقًا على الهيمنة الإقليمية بين دول الخليج، وجميعها حليفة للولايات المتحدة. كان شبح الغزو يلوح في الأفق، وكانت المنطقة أشبه ببرميل بارود على وشك الانفجار.

من اللافت للنظر أن إدارة ترامب لم تتعامل مع الملف كوسيط محايد، بل ألقت بثقلها خلف السعوديين والإماراتيين. وحسب الصحفية الاستقصائية فيكي وورد، فقد “أعطى كوشنر الضوء الأخضر” للعملية برمّتها. ونقلت وورد عن أحد مساعدي وزير الخارجية في تلك الفترة ريكس تيلرسون: “لم يكن السعوديون على استعداد للمخاطرة بالمضي قدمًا دون إذن من شخص ما. لا بد أن ذلك الشخص هو جاريد”.

ورغم عدم وجود أدلة مباشرة تربط بين الحصار واستثمارات كوشنر، فإن ارتباطات عائلته المالية تثير أسئلة مشروعة حول دوافعه. كتبت وورد على وسائل التواصل الاجتماعي أن كوشنر “انتقد العائلة الحاكمة القطرية بشدة لعدم إتمام الصفقة” بشأن المبنى 666 في الجادة الخامسة. وأضافت: “هل سينظر القطريون إلى دعم الإدارة للسعودية والإمارات على أنه رسالة من كوشنر: إذا لم تدفعوا لوالدي، سيوافق الأمريكيون على غزوكم”؟.

استمر الحصار لسنوات، واستمر التهديد بالغزو. لكن إدارة ترامب بدأت بتغيير موقفها في أبريل/ نيسان 2018، وذلك في أعقاب حملة ضغط قطرية مكثفة تكللت بأول لقاء في المكتب البيضاوي بين ترامب والأمير تميم، أعقبته سلسلة من اللقاءات الأخرى.

في الشهر التالي، أفادت صحيفة “نيويورك تايمز” بأن تشارلز كوشنر في “مفاوضات متقدمة” بشأن المبنى 666 في الجادة الخامسة مع شركة تملك قطر حصة فيها. توجه جاريد بعد ذلك إلى الدوحة، حيث التقى بالأمير لمناقشة “تعزيز التعاون”. 

وفي أوائل أغسطس/ آب من ذلك العام، أبرمت “كوشنر كومبانيز” صفقة مع الشركة المدعومة من قطر، لتحلّ بذلك ما وصفته صحيفة “نيويورك تايمز” بـ”أكبر مشكلة مالية تواجهها العائلة”. وفي غضون ذلك، دفع وزير الخارجية الجديد في إدارة ترامب، مايك بومبيو، باتجاه تسوية للأزمة الخليجية. وقبل مغادرة ترامب منصبه مباشرة، توصل السعوديون والقطريون إلى اتفاق لإنهاء الحصار.

ورغم نفي جميع الأطراف المعنية وجود أي صلة بين تلك الصفقة ومنصب كوشنر في البيت الأبيض، إلا أن التوقيت بدا مثيراً للاهتمام والريبة. وفي كلتا الحالتين، شكّل هذا الأمر تحولا لافتا في مسار العائلة، وجسّد انهيارا تاما للحدود التقليدية الفاصلة بين المصالح العامة والخاصة.

نون بوست
واجهت “كوشنر كومبانيز” صعوبة كبيرة في تسديد الديون التي تكبدتها العائلة عندما اشترت مبنى “666 في الجادة الخامسة” في مانهاتن.

مهد ملف حصار قطر الطريق أمام كوشنر لتولي منصب حكومي للمرة الثانية. نشأت بينه وبين محمد بن سلمان صداقة وطيدة خلال ولاية ترامب الأولى، تجلت من خلال تبادل مستمر للرسائل النصية والسفر إلى الرياض لإجراء محادثات غير معلنة. 

وكتبت صحيفة “نيويورك تايمز” أن النظام السعودي “حرص على تعزيز العلاقة مع كوشنر” الذي اعتبر السعوديون أنه “قليل المعرفة” بالشرق الأوسط، وتحديدا بالسعودية. وأفادت التقارير بأن محمد بن سلمان تفاخر في إحدى المرات بأنه “يسيطر على كوشنر”.

كان من الصعب التوصل إلى استنتاج مغاير. تزايد قلق مسؤولي الاستخبارات الأمريكية بشأن اتصالات كوشنر الخاصة مع محمد بن سلمان، في ظل مساعي ولي العهد السعودي للانتقام من منتقدي النظام مثل خاشقجي. ونُقل عن مسؤول سابق في البيت الأبيض قوله: “كان هناك قلق من أن السعوديين يتلاعبون بكوشنر”. 

وحسب شبكة “إن بي سي”، فقد وصلت هذه المخاوف إلى درجة أن طلب كوشنر الحصول على تصريح أمني سري للغاية رُفض في البداية بسبب مخاوف “من احتمال وجود نفوذ أجنبي”.

غير أن ترامب تجاوز قرار مسؤولي الاستخبارات، ومنح كوشنر صلاحية الوصول إلى أكثر أسرار أمريكا وسرية.

ومع إحكام محمد بن سلمان سيطرته على كوشنر، حاولت أنظمة أخرى محاكاة النجاح السعودي. وقد أشارت صحيفة “واشنطن بوست” إلى أنه بعد عام واحد من ولاية ترامب الأولى، أفاد محللو الاستخبارات الأمريكية بأن مسؤولين من عدة دول أجنبية “ناقشوا سرّا طرقًا يمكنهم من خلالها التلاعب بجاريد كوشنر”، وذلك عبر “استغلال معاملاته التجارية المعقدة، وأزماته المالية، وافتقاره إلى الخبرة في السياسة الخارجية”. وقد خلصوا إلى النتيجة ذاتها التي وصل إليها محمد بن سلمان: كوشنر شخص طيّع، وهو الوسيلة الأفضل للتأثير على ترامب.

كانت إسرائيل إحدى تلك الدول. طوال سنوات، دعم كوشنر وعائلته السياسات التوسعية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، وساهموا في تمويل المنظمات الاستيطانية التي تنهب الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. 

كما جمعت كوشنر علاقة شخصية تمتد لعقود مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وتعود جذور هذه الروابط إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما دعم تشارلز كوشنر صعود نتنياهو ودعاه إلى منزلهم الفسيح في نيوجيرسي. تخلى جاريد حينها عن غرفة نومه لنتنياهو، ولعب معه كرة السلة في الممر، وفقاً لما ورد في كتاب أندريا برنشتاين.

آتت هذه العلاقة ثمارها لنتنياهو وإسرائيل. فمع وجود كوشنر في البيت الأبيض، حظي الإسرائيليون بحليف قوي من دائرة ترامب المقربة. (تولى كوشنر لاحقاً مفاوضات “اتفاقيات أبراهام”، التي قرّبت إسرائيل من دول الخليج وتجاوزت الفلسطينيين. وقد أشارت شبكة الجزيرة ووسائل إعلام أخرى إلى أن التطبيع العربي الإسرائيلي كان عاملا رئيسيا في هجمات حماس في 7 أكتوبر/ تشرين الأول، وما أعقبها من تدمير لقطاع غزة).

أدركت روسيا الأمر ذاته. فور أداء ترامب اليمين الدستورية، أصبح كوشنر هدفا رئيسيا للكرملين، لا يسبقه في الأهمية سوى ترامب نفسه. تُظهر الوثائق الفيدرالية أن الرئيس فلاديمير بوتين كلف رجل الأعمال كيريل ديميترييف بالتودد إلى كبار المسؤولين في البيت الأبيض، وقد أبدى ديميترييف اهتماماً خاصاً بكوشنر. 

يتحكم ديميترييف، الذي يرأس حالياً صندوق الثروة السيادي الروسي، والذي فرضت الولايات المتحدة في 2022 عقوبات عليه شخصيا وعلى الصندوق، في ترسانة ضخمة من أصول الكرملين، فضلاً عن أنه خريج جامعتي ستانفورد وهارفارد، وموظف سابق في شركة الاستشارات الشهيرة “ماكينزي آند كومباني”. 

وقد أشارت صحيفة “نوفايا غازيتا” الروسية إلى أن “ديميترييف استطاع أن يبني مع كوشنر تحديدا العلاقة الأكثر قرباً وثقة”. هذه العلاقة كُتب لها أن تزدهر مجدداً خلال ولاية ترامب الثانية، لتكتمل بذلك حلقة علاقات كوشنر الخارجية.

نون بوست

تلاشت تأكيدات كوشنر بأنه لن يلعب أي دور في ولاية ترامب الرئاسية الثانية بمجرد عودة حماه إلى السلطة، وسارعت الأنظمة الأجنبية إلى استغلال قربه من دائرة صنع القرار.

ينخرط ديميترييف حاليا في مفاوضات لإنهاء الحرب في أوكرانيا وفقاً للشروط الروسية، بينما يمثّل صديقه القديم كوشنر الجانب الأمريكي. يلوّح الكرملين بصفقات محتملة مع مستثمرين أمريكيين تُقدّر قيمتها بتريليونات الدولارات، شريطة أن ترفع أمريكا عقوباتها وتُنهي عزلة روسيا الدولية. 

وفي غضون ذلك، أثبت كوشنر استعداده لترويج أفكار الكرملين. في أواخر عام 2025، أعلن كوشنر والمبعوث الخاص ويتكوف – الذي أسست عائلته بالتعاون مع عائلة ترامب شركة “وورلد ليبرتي فايننشال” للعملات المشفرة، والتي استحوذ فيها مسؤول إماراتي رفيع لاحقاً على حصة 49 بالمئة – عن “خطة سلام” لأوكرانيا. 

لكن بنود هذه الخطة، بدءاً من وضع حدّ للقدرات العسكرية الأوكرانية، وصولاً إلى إجبار كييف على التنازل عن أراضٍ لم تحتلها روسيا أساسا، كانت منحازة لموسكو بشكل صارخ.

قد لا يكون من المفاجئ أن يقوم رئيس أمريكي تربطه علاقة غامضة ببوتين، بالسعي إلى دفع أجندة الكرملين، لكن تفاصيل الخطة تبدو مثيرة للاستياء. وفقاً لما كشفه موقع “ذا إنسايدر” الاستقصائي، لم تكن خطة كوشنر للسلام مبتكرة، حيث إن “العديد من بنودها الأكثر إثارة للجدل وردت” في وثيقة للكرملين يعود تاريخها إلى عدة أشهر سابقة. 

وذكر “ذا إنسايدر” أن الخطة كانت “في جوهرها وثيقة روسية مُنقحة”، وتضمنت “صياغة محددة مطابقة بشكل شبه كامل لنص سابق أعدّه ديميترييف”.

كما ضاعفت إسرائيل من جهودها لتعزيز علاقاتها مع كوشنر الذي عيّنه ترامب – إلى جانب ويتكوف – كمفاوض رئيسي ضمن جهود الإدارة الأمريكية المتعلقة بالقضية الفلسطينية. ومن الأشياء المسكوت عنها، أن شركة “أفينيتي بارتنرز” أبرمت صفقات مالية في إسرائيل، وغدت في وضع يتيح لها تحقيق أرباح مباشرة من الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية. 

في عام 2025، وافق الإسرائيليون على استحواذ شركة “أفينيتي” على نحو 10 بالمئة من أسهم عملاق التأمين والتمويل الإسرائيلي “فينيكس المالية المحدودة”، ليصبح صندوق كوشنر الاستثماري المساهم الأكبر فيها. وتُشكل شركة “فينيكس” ركيزة أساسية للتوسع الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية وسوريا، من خلال تسهيل عمليات البناء والتوسع الاستيطاني.

أدى ذلك إلى زيادة ثروة كوشنر وزوجته إيفانكا. في الأثناء، لم تقترب الحرب في أوكرانيا ولا في غزة من أي نهاية أو تسوية. في 16 سبتمبر/ أيلول 2025، أعلنت لجنة تابعة للأمم المتحدة رسميا أن الممارسات الإسرائيلية في غزة تعدّ إبادة جماعية. وفي اليوم ذاته، أعلنت مجلة “فوربس” أن كوشنر أصبح مليارديرا.

بينما كان كوشنر يعمل على ملفي أوكرانيا وغزة، أُضيف الملف الإيراني إلى نطاق صلاحياته. وإذا كانت استثماراته في إسرائيل قد جعلت منه خيارا غير مناسب للتوسط في عملية السلام مع الفلسطينيين، فإن المليارات التي تلقاها صندوق “أفينيتي” من خصوم إيران تجعل انخراطه في هذه المفاوضات أمرًا صادمًا بالقدر ذاته.

أفضى تضارب المصالح الصارخ، إلى جانب افتقاره إلى المعرفة والخبرة اللازمتين لقيادة مفاوضات بمثل هذه الحساسية، إلى ما يمكن اعتباره أكبر فشل استراتيجي في رئاسة ترامب. ربما كان من السهل غض الطرف عن تضارب المصالح لو كان كوشنر خبيرا في السياسات النووية أو في الشأن الإيراني. وفي ظل افتقاد الكفاءة اللازمة لإدارة هذا الملف، تُرِكت قرارات مصيرية على الصعيد العالمي في يد أوليغارشي ساذج، ربما يعتقد أن صعوده إلى مصاف المليارديرات يُؤهله لخوض هذه المفاوضات الدبلوماسية الشائكة.

ذكرت صحيفة “الغارديان” في مارس/ آذار أن كوشنر زعم أنه وويتكوف يمتلكان “فهمًا عميقًا للغاية للقضايا المحورية” في الملف الإيراني. ولكن إن كان كوشنر يمتلك أي معرفة بالبرنامج النووي أو دراية بالشؤون الإيرانية، فإن ذلك لم يكن واضحا خلال المفاوضات الفاشلة التي سبقت الحرب التي شنتها إسرائيل وإدارة ترامب على إيران في فبراير/ شباط الماضي دون استشارة الكونغرس أو حلفاء أمريكا.

وفي هذا السياق، صرحت كيلسي دافنبورت، مديرة سياسة حظر الانتشار النووي في جمعية الحد من التسلح: “لقد فوجئت للغاية بأن الولايات المتحدة قد ترسل مفاوضَين من الواضح أنهما لم يُجريا أي بحث في تاريخ المفاوضات الإيرانية، أو حتى الحقائق الأساسية المحيطة بالبرنامج النووي. ليس بالضرورة أن تكون عالم فيزياء نووية لتتفاوض على اتفاق نووي فعال، ولكن يجب أن تكون محاطًا بخبراء نوويين”.

نون بوست
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مع ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر خلال اجتماع بالقدس، في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2025.

يبدو أن كوشنر وويتكوف لم يفهما تاريخ العلاقات الحديثة بين إيران والولايات المتحدة، ولا سيما الاتفاق النووي الذي أُبرِم في عهد الرئيس باراك أوباما، والذي قوّضه ترامب خلال ولايته الأولى. على سبيل المثال، عندما رفض المفاوضون الإيرانيون عرض كوشنر بتقديم وقود نووي مجاني مقابل وقف تخصيب اليورانيوم، اعتبر كوشنر ذلك – على ما يبدو – دليلاً على أن إيران لن تتخلى أبداً عن مساعيها لصنع قنبلة نووية. 

يمكن سماع كوشنر في تسجيل يعود لأوائل مارس/ آذار حصلت عليه مجلة “ماذر جونز” وهو يشتكي من أن طهران لا تأخذ الموقف الأمريكي على محمل الجد، وتكتفي بالرد عبر “الألاعيب والحيل والإنكار”.

صرحت دافنبورت، التي قدمت منظمتها ما قد يشكّل النقد الأكثر شمولاً لانهيار قنوات الاتصال بين الولايات المتحدة وإيران، قائلة: “لم يكن ينبغي أن يشكل رد الفعل الإيراني مفاجأة، فقد اكتوت إيران في السابق بنيران الوعود المتعلقة بإمدادات الوقود، وهي لا تنظر إلى تخصيب اليورانيوم وإنتاج الوقود كمصدر فخر فحسب، بل كحق سيادي أيضاً”. وأضافت: “لقد أخطأ ويتكوف وكوشنر تمامًا في قراءة الموقف الإيراني، وقفزا إلى استنتاجات متسرعة بشأن النوايا الإيرانية، لا تدعمها الأدلة بأي حال من الأحوال”.

رغم عدم إلمام الوفد الأمريكي بالجوانب الفنية وعدم كفاءته في المفاوضات، بدا أن الإيرانيين مستعدون لمواصلة المحادثات. أشار وزير الخارجية العُماني، الذي كان يساهم في جهود الوساطة، إلى تحقيق “تقدم ملموس” بين واشنطن وطهران. 

كما لم يرَ الوسطاء البريطانيون “أي دليل قاطع” على وجود أي تهديد نووي وشيك من جانب إيران، وهو الاستنتاج ذاته الذي خلص إليه سلفا ترامب في البيت الأبيض. غير أن كوشنر ردد صدى خطاب نتنياهو، وزعم أن الإيرانيين “على بُعد أيام أو أسابيع فقط من حيازة سلاح نووي لو بذلوا الجهد الكافي لذلك، وأنهم يمتلكون كافة القدرات اللازمة لتحقيق هذا الهدف”.

كان ذلك هو الاستنتاج الذي نقله كوشنر إلى ترامب، مما أسفر عن حرب زعزعت استقرار المنطقة، وأثارت استياء حلفاء الولايات المتحدة، واستنزفت جيوب الأمريكيين. وفي هذا السياق، قال جوناثان غاير، مدير البرامج في معهد الشؤون العالمية التابع لمجموعة أوراسيا: “تشير جميع التقارير إلى أن اتفاقا جيّدا كان مطروحًا على الطاولة لو توفر الصبر والخبرة لدى فريق التفاوض الأمريكي، ولكن يبدو أن السيد كوشنر لم يكن مهتمًّا بهذا المستوى من الصبر، ولا باستثمار الوقت والجهد اللازمين لإجراء مفاوضات مكثفة بشأن السياسة النووية”.

كان كوشنر مهتماً بأمر آخر: استقطاب استثمارات جديدة. أفادت صحيفة “نيويورك تايمز” في مارس/ آذار أنه بالتزامن مع سقوط القنابل الأمريكية على طهران، كان كوشنر يلتقي بمسؤولي أنظمة أجنبية، بما في ذلك النظام السعودي، لجمع مليارات إضافية لفائدة صندوق “أفينيتي”. 

وتابعت الصحيفة أنه “من المتوقع أيضًا مطالبة صناديق ثروة سيادية أخرى في الشرق الأوسط، والتي استثمرت سابقاً في أفينيتي – بما في ذلك صناديق الإمارات العربية المتحدة وقطر – بضخ المزيد من الأموال”. 

وكيف لهم أن يرفضوا ذلك؟!

بعد عودته إلى واشنطن، وبما أنه يحمل صفة رسمية كمبعوث خاص للسلام، فإن القانون كان يلزمه بتقديم إقرار بالذمة المالية. لكنه لم يفعل، ولا يبدو أن الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون يميل إلى استدعائه لجلسة استجواب صارمة. غير أن هذا الوضع قد يتغير إذا استعاد الديمقراطيون السيطرة على أحد المجلسين في انتخابات التجديد النصفي.

في مقطع فيديو نُشر على منصة “تيك توك” في منتصف أبريل/ نيسان، تساءل السيناتور الديمقراطي عن ولاية جورجيا جون أوسوف – الذي يبدو بوضوح أنه مرشح رئاسي محتمل لانتخابات عام 2028 – أمام حشد من مؤيديه: “هل يمكنكم تخيل سفير أمريكي عادي أثناء ممارسة مهامه، يتواصل ببساطة مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ليطلب منه مليارات الدولارات؟”. صرخ رجل من الحشد: “لا!”، ورد أوسوف متهكما: “لكنه من عائلة ترامب!.. إنه سليل العائلة الحاكمة.. إنه أميرٌ صغير!”.

في الربيع الماضي، أعلن راسكين، إلى جانب وايدن والنائب روبرت غارسيا، وهو ديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا، عن تحقيقات منفصلة تجريها اللجان بشأن تضارب مصالح كوشنر. 

وقال وايدن في بيان صحفي: “يعوض كوشنر عن عيوبه كمستثمر من خلال معاملاته المشبوه في إدارة حماه الفاسدة للغاية. هذا الرجل يتقاضى راتبا مباشرا من الحكومة السعودية ويحاول الحصول على المزيد من أموالهم، بينما يختطف السياسة الخارجية الأمريكية عبر وزارة خارجية الظل التي يديرها”.

قد لا يكون كوشنر – الذي لم تستجب شركاته للأسئلة المطروحة في إطار إعداد هذا التقرير – مسؤولاً بشكل مباشر عن الحرب الإيرانية وما خلفته من قتلى، ومليارات الدولارات من الأضرار، والنقص الحاد في الوقود والأسمدة والمعادن الرئيسية، والأزمة الاقتصادية الخانقة، وإنفاق ما يقرب من 50 مليار دولار من الموارد العسكرية الأمريكية وفقاً لبعض التقديرات. 

كان ذلك قرار ترامب وحده، لكن دور كوشنر في المفاوضات الفاشلة يجعله شريكا في ما تصفه أغلب التقارير بأنها هزيمة مكلفة ومهينة للإدارة الحالية والولايات المتحدة، وهي الهزيمة التي قد لا تتعافى منها مكانة البلاد عالميا وتحالفاتها أبداً.

من نواحٍ عديدة، تُعد فوضى الحرب الإيرانية تتويجا لمسيرة كوشنر المهنية حتى الآن. فبدلاً من الاستعانة بدبلوماسي متمرس يتمتع بفهم عميق لسياسة الشرق الأوسط، وشخص نزيه ليس له أي مصلحة مالية، تم تعيين رجل أعمال متهور وعديم الكفاءة، بما تسبب في مأزق عالمي. 

بالنسبة لكوشنر، لا يبدو أنه يهتم بكل ذلك. فهو وشركاؤه يسافرون حول العالم، ويجنون الأموال ويبنون علاقات مع أنظمة فاسدة من أجل كسب المزيد. العالم يحترق وجاريد كوشنر يزداد ثراءً.

يبدو أنه كان محقا عندما قال إن الأمر يختلف تماماً عندما تكون “رجل صفقات”. لا يهم بعد ذلك ما يعنيه هذا الأمر لنا جميعا.

المصدر: ماذر جونز

الوسوم: استثمارات كوشنر ، السياسة الأمريكية ، رجال ترامب ، كوشنر ، نفوذ جاريد كوشنير في البيت الأبيض
الوسوم: أزمات ترامب ، السياسة الأمريكية ، ترجمات ، دونالد ترامب
تحميل هذا المقال بصيغة PDF
شارك هذا المقال
فيسبوك تويتر واتساب واتساب التليجرام البريد الإلكتروني نسخ الرابط
كيسي ميشيل
بواسطة كيسي ميشيل
متابعة:
المقال السابق نون بوست شبكة تتساقط تباعًا.. ماذا تكشف الاعتقالات الأخيرة لقادة فلول النظام؟
المقال التالي نون بوست التوسع الإسرائيلي يزلزل أركان الشرق الأوسط

نشر هذا التقرير ضمن ملف:

ترجمات

ترجمات

تقارير يترجمها "نون بوست" من الصحافة الدولية.

أحدث ما نشر في هذا الملف:

  • التوسع الإسرائيلي يزلزل أركان الشرق الأوسط
  • استراتيجية نتنياهو الأمنية تتهاوى على ثلاث جبهات
  • تكلفة المغامرات العسكرية الأمريكية على الدول المضيفة.. هل تقلب إيران المعادلة؟
part of the design
نشرة نون بوست الأسبوعية

قد يعجبك ايضا

التوسع الإسرائيلي يزلزل أركان الشرق الأوسط

التوسع الإسرائيلي يزلزل أركان الشرق الأوسط

ميغان ك. ميغان ك. ١٠ يونيو ,٢٠٢٦
عن المعركة التي طال انتظارها.. المسلمون في الانتخابات التمهيدية الأمريكية

عن المعركة التي طال انتظارها.. المسلمون في الانتخابات التمهيدية الأمريكية

هبة بعيرات هبة بعيرات ٩ يونيو ,٢٠٢٦
استراتيجية نتنياهو الأمنية تتهاوى على ثلاث جبهات

استراتيجية نتنياهو الأمنية تتهاوى على ثلاث جبهات

جدعون راخمان جدعون راخمان ٩ يونيو ,٢٠٢٦
نون بوست

منصة إعلامية مستقلة، تأسست عام 2013، تنتمي لمدرسة الصحافة المتأنية، تنتج تقارير وتحليلات معمقة ومحتوى متعدد الوسائط لتقديم رؤية أعمق للأخبار، ويقوم عليها فريق شبابي متنوّع المشارب والخلفيات من دول عربية عدة.

  • سياسة
  • مجتمع
  • حقوق وحريات
  • آراء
  • تاريخ
  • رياضة
  • تعليم
  • تكنولوجيا
  • اقتصاد
  • صحافة
  • أدب وفن
  • ريادة أعمال
  • سياحة وسفر
  • سينما ودراما
  • طعام
  • صحة
  • ثقافة
  • أحدث التقارير
  • ملفات
  • مطولات
  • حوارات
  • بودكاست
  • تفاعلي
  • الموسوعة
  • بالصور
  • من نحن
  • كتّابنا
  • اكتب معنا
  • السياسة التحريرية
  • بحث متقدم
بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تمت الإزالة من المفضلة

تراجع
Go to mobile version