لا يزال مصير آلاف المفقودين من سكان قطاع غزة، الذين فُقدوا خلال حرب الإبادة الجماعية، مجهولًا حتى الآن، فيما بات يُعرف بـ”ملف المفقودين”. وتبقى عائلاتهم في حالة ترقّب مؤلمة، لا تعلم ما إذا كان أبناؤها قد ارتقوا شهداء وأين جثامينهم، أم أنهم محتجزون في سجون الاحتلال.
تتوزع حالات الفقد بين من يُعتقد أنهم ارتقوا شهداء تحت الأنقاض، دون أن تُنتشل جثامينهم حتى الآن، وآخرين اختفوا خلال الحرب دون أن يُعثر لهم على أي أثر، لتبقى مصائرهم مجهولة.
مأساة بلا سقف
تشير بيانات وزارة العدل الفلسطينية، في أحدث بيان لها بتاريخ 22 أبريل/نيسان 2026، إلى أن الحرب أسفرت عن أكثر من 11 ألفًا و200 فلسطيني يُعدّون في عداد المفقودين أو المختفين قسرًا منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وأوضحت الوزارة أن هذا العدد يشمل أكثر من 4 آلاف و700 امرأة وطفل، إضافة إلى “آلاف الشهداء الذين لا تزال جثامينهم تحت أنقاض المباني المدمرة” في غزة، فضلًا عن أعداد غير معروفة من المعتقلين في سجون الاحتلال دون الاعتراف بوجودهم، مشيرةً إلى أنها أنشأت فريقًا وطنيًا لمتابعة هذا الملف.
ويلعب الاحتلال دورًا قذرًا في استمرار جهل العائلات الفلسطينية بمصير أبنائها، إذ يمتنع عن الكشف عن مصير آلاف الأسرى المعتقلين في سجونه، وكذلك الجثامين التي يحتجزها لشهداء فلسطينيين، فيما يقدّم قوائم بأسماء أسرى بأعداد أقل بكثير ممن يعتقلهم فعليًا.
وفي السياق ذاته، أعرب المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا عن بالغ قلقه إزاء استمرار سياسة الإخفاء القسري التي يتعرض لها المواطنون في قطاع غزة، وذلك على ضوء نشر الاحتلال الإسرائيلي قائمة تضم 1468 اسمًا، قال إنها تشمل جميع من اعتقلهم خلال الحرب التي استمرت لعامين.
وأكد المركز، في بيان صحفي، استنادًا إلى بلاغات العائلات والمتابعة الميدانية، أن القائمة الإسرائيلية الخاصة بأسرى غزة غير مكتملة، ولا تعكس العدد الحقيقي للمعتقلين، في ظل وجود مئات المفقودين الذين اعتُقلوا في ظروف مختلفة، من المنازل والمستشفيات ومراكز الإيواء والحواجز، ولا تظهر أسماؤهم في القائمة، ما يعني عدم الاعتراف بوجودهم داخل السجون أو مراكز الاحتجاز العسكرية.
وتتركز حالات الفقد في المناطق التي تشهد توغلات مفاجئة لقوات الاحتلال، واقتحامات لمراكز الإيواء، وحصارًا للمناطق السكنية، وخلال التنقل بين المناطق، وكذلك في المناطق المتاخمة لمواقع تمركز جيش الاحتلال.
ويُبقي هذا الغموض عائلات المفقودين في حالة دائمة من الترقب والألم المتجدد، وسط سيل من التساؤلات، وما يخلّفه ذلك من تبعات إنسانية واجتماعية ونفسية قاسية على هذه الأسر.
التشبث بالأمل
بين الخوف والرجاء، تتشبث العديد من العائلات بخيط أمل رفيع، رغم ضآلته، في أن يكون أبناؤها على قيد الحياة، سواء في الأسر لدى الاحتلال. وتترقب هذه العائلات أي خبر قد يأتي عبر المؤسسات الدولية، أو محامي الأسرى، أو حتى من الأسرى المفرج عنهم، علّه يحمل إشارة تطمئنهم إلى مصير أحبّتهم.
ولا يقل إلحاحهم على معرفة الحقيقة أيا كانت، سواء بتأكيد بقائهم أحياء في الأسر، أو الحصول على معلومة قاطعة حول استشهادهم ومكان جثامينهم، ليتسنى لهم وداعهم ومواراتهم الثرى.
الشاب عبد الله حجازي (24 عامًا) هو أحد المفقودين الذين لا يزال مصيرهم مجهولًا، حيث فقدته عائلته خلال فترة نزوحها في مدينة رفح.
تقول والدته، أم عبد الله حجازي، إن ابنها ضاق ذرعًا بحياة الخيام والنزوح، ومع تزايد الشائعات عن تمكّن بعض الأشخاص من العبور من جنوب القطاع إلى شماله، حيث موطنه الأصلي في مدينة غزة، قرر المحاولة.

وتضيف في حديث لـ”نون بوست”: “في إحدى المرات توجه دون أن يخبرنا من رفح حتى مخيم النصيرات وسط القطاع، ولم يتمكن من الاقتراب، ثم عاد لاحقًا، وعندما علمت جن جنوني وأرغمته أن يعاهدني ألا يكررها”.
لكن بعد أيام، استيقظت العائلة في خيمتها في منتصف مايو/أيار 2024، ولم تجد عبد الله. في البداية ظنوا أنه خرج للعمل ومحاولة كسب الرزق، إلا أن هذه التوقعات بدأت تتلاشى مع اقتراب المساء دون أن يعود.
وأوضحت الوالدة أن ابنها لم يكن يحمل هاتفًا محمولًا، ما صعّب عملية تتبعه أو التواصل معه، قائلة: “في اليوم ذاته خرجنا نسأل الأصدقاء والجيران، وجبنا المنطقة، وحاولنا التواصل مع أقاربنا لعلّه يكون قد ذهب إليهم أو أن أحدا رآه”.
وأشارت إلى أن الليلة الأولى مرّت بثقل شديد، وسط القلق والتفكير، ومع بزوغ الصباح خرجت برفقة والده إلى مناطق وسط القطاع، حيث توجها إلى المستشفيات والنقاط الطبية، وسألا الباعة في الطرقات وهما يحملان صورته، مؤكدة: “لم نترك أحدا إلا وسألناه”.
وتابعت أم عبد الله: “استمر هذا الحال لأسابيع طويلة، نحو ثلاثة أسابيع، كنا نخرج يوميًا للبحث عنه بمختلف الطرق، وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما ناشدنا من خلال الصحفيين، وأوصلنا رسالتنا إلى الصليب الأحمر، لكن كل هذه الجهود لم تسفر عن نتيجة”.
وأضافت أنهم اضطروا لاحقًا للنزوح من رفح إلى وسط القطاع مع أوامر إخلاء المدينة، ثم عادوا لمواصلة البحث، خاصة مع عودة عمل بعض المؤسسات الدولية.
وتقول السيدة المكلومة إنهم لا يزالون يتمسكون بأمل، في أن يكون قد أُسر على يد الاحتلال ولم يستشهد، معتبرة أن هذا الرجاء يخفف قسوة الغياب.
وأشارت إلى أنهم عانوا طويلًا في محاولة الوصول إلى أي معلومة، في ظل شح المعلومات وتضارب الروايات، حيث كان البعض يعتقد أنه تمّت رؤيته أو أن ملامحه بدت مألوفة.
وأكدت أم المفقود أن هذه الجهود استمرت لعامين دون نتيجة تُذكر، مشيرة إلى أن افتراض استشهاده يظل أمرًا بالغ القسوة، والعيش مع أمل عودته هو الخيار.
مفقودو مصائد الموت
شكلت مراكز توزيع المساعدات الأمريكية أو “مصائد الموت” كما يسميها الغزيون، أحد أبرز المناطق التي فقد فيها المئات من الفلسطينيين، جزء منهم استشهدوا بفعل استهدافات الاحتلال، وجزء منهم اعتقلوا داخل المراكز، ولم تصل عائلات أكثرهم أي معلومات مؤكدة عن مصيرهم.
أحد هؤلاء المفقودين هو محمد شحدة (43 عاما)، الذي توجه إلى مركز المساعدات الأمريكية في “نتساريم” وسط القطاع، بحثًا عن كيس طحين يؤمّن به لقمة العيش لعائلته، بعد أن اشتدت المجاعة في 23 يونيو/حزيران 2025.
تروي زوجته أم هاني تفاصيل ذلك اليوم، قائلة إنه غادر برفقة عدد من الجيران، وقبل خروجه كتب اسمه ورقم هاتف شقيقه على يده تحسبًا لاحتمال استشهاده. وتصف تلك اللحظة بأنها من الأقسى، مضيفة أنه لم يجد خيارًا آخر لإطعام أطفاله سوى المخاطرة بحياته، واصفة تلك الرحلات بأنها “مصائد موت”.
وأضافت: “اعتدنا أن يخرج صباحًا ويعود بعد الظهر، أحيانًا ومعه مساعدات، وأحيانًا خالي الوفاض، وفي مرات يعود ملطخًا بدماء من حاول إسعافهم، إلا أنه في ذلك اليوم خرج ولم يعد”.
وعندما عاد الجيران، سألتهم عنه، فأخبروها أنهم ظنوه قد سبقهم للبيت، مرجحين أنه ربما لا يزال في الطريق. ومع مرور الوقت ازداد القلق، قبل أن يؤكد بعضهم أنه وصل إلى نقطة توزيع المساعدات، وأن خطر الاستهداف يكون عادة في الطريق بين رمزون مخيم البريج وسط القطاع ومركز المساعدات الأمريكية التي تفصل وسط القطاع عن مدينة غزة.
توجهت الزوجة إلى مستشفى العودة في مخيم النصيرات وسط القطاع، حيث يُنقل المصابون عادة، وسألت عنه دون جدوى، ثم إلى مستشفى الأقصى، وتقول: “من أصعب اللحظات تفقد ثلاجات الشهداء، كنت أخشى أن أرى وجه زوجي”.
ولم تعثر عليه، ما منحها شعورًا مؤقتًا بالتفاؤل بأنه ليس بين جثامين الشهداء، قبل أن يتلاشى هذا التفاؤل مع مرور الأيام دون أي معلومة.
وأشارت أم هاني إلى أن غياب زوجها خلّف آثارًا نفسية ومعيشية قاسية، خاصة في ظل المجاعة، مؤكدةً أنه كان، رغم كل الظروف، يوفر قوت أطفاله.
وأكدت أنها تواصلت مع مؤسسات دولية، بينها الصليب الأحمر، وقدمت مناشدات عدة دون رد، كما حاولت الوصول إلى معلومات عبر أسرى مفرج عنهم، دون جدوى، ولا تزال تتمسك بأمل بقائه حيًا.

بلا أجوبة
بدوره قال المسعف محمد السعايدة، في حديث لـ”نون بوست”، إن فترة المجاعة كانت من أكثر المراحل التي حدثت فيها مجازر، ويبقى الكثير من الشهداء مجهولي الهوية، إذ يرتقي كثير منهم دون أن يتمكن أحد من إعادتهم إلى ذويهم.
وأضاف إنه عاين هذه المشاهد عن قرب، وشهد قصصًا قاسية، وأكد أن مهام الإنقاذ وانتشال الشهداء في مناطق وصول شاحنات المساعدات (كوسوفيم – السودانية – دوار الكويت – نتساريم – إيرز) كانت شديدة الصعوبة، نظرًا لاكتظاظها بالإصابات بما يفوق قدرة الجهاز الطبي وخطورة الميدان.
وأشار السعايدة إلى أن التحدي الأكبر كان صعوبة الوصول، حيث يتطلب ذلك تنسيقا عبر الصليب الأحمر، وهو ما يحتاج وقتًا طويلًا ونسب الحصول عليه منخفضة، ما يترتب عليه ارتقاء العديد من المصابين وهم ينزفون.
وتابع: “بعد الحصول على التصريح كنا نتوجه لتلك المناطق لنجدها مليئة بالجثث، وكثير منها مجهول الهوية، عندما تنظر إلى تلك الجثث وتفكر في أن لكل واحد منهم عائلة تنتظره وتتخيل حجم الفاجعة التي ستصيبها”.

وروى واحدة من أقسى اللحظات التي عاشها خلال مهمة في منطقة “كوسوفيم” على طريق “18” بين الوسطى وخان يونس، ويقول إنه أثناء التنقل بين الجثامين استوقفه جسد، لكن ما لفت انتباهه كان صوت هاتف يرن من جيبه.
وأضاف: “أخرجت الهاتف، فوجدت أنه لم يتوقف عن الرنين، مئات المكالمات وعشرات الرسائل: رد، طمئنا، عد إلى المنزل، وعلى خلفية الهاتف صورة طفل بعمر 4 أو 5 أعوام، بات يتيمًا وجسد والده ملطخ بمزيج من الدم والطحين”.
وأوضح أن هذا الشهيد كان ملقى منذ يومين أو ثلاثة، بينما كانت عائلته تحاول الوصول إليه، قبل أن يبلغها المستشفى بمصير ابنها.