لم تعلن “إسرائيل” ضمًا جديدًا للجولان منذ عام 1981، لكنها تمضي اليوم في تحويل احتلالها للهضبة السورية إلى واقع يومي عبر تسريع الاستيطان والزج بالمستوطنين وتوسيع الخدمات المقدمة لهم في المنطقة.
ففي 16 أبريل/نيسان 2026، صدقت حكومة بنيامين نتنياهو على خطة خمسية حتى عام 2030 بقيمة مليار شيكل (نحو 334 مليون دولار)، تستهدف جذب 3 آلاف عائلة استيطانية إسرائيلية إلى الجولان، وتحويل مستوطنة كتسرين إلى ما تسميه، “أول مدينة” في المنطقة المحتلة.
وتُقدَّم الخطة كبرنامج “تطوير”، لكنها في جوهرها تموّل أدوات تعميق الاحتلال: وحدات استيطانية جديدة، طرق، مياه، نقل، تعليم، صحة، مشاريع اقتصادية وسياحية، وخدمات عامة تجعل الوجود الاستيطاني أكثر ثباتًا فوق أرض سورية محتلة.
أدوات تثبيت الاحتلال في الجولان
تسريع الاستيطان
الأداة الأولى في الخطة هي تسريع الاستيطان نفسه: زيادة عدد عائلات المستوطنين الإسرائيليين، توسيع مستوطنة كتسرين الواقعة في عمق الجولان، فتح أراضٍ جديدة للبناء الاستيطاني، وإزالة عوائق ميدانية أمام هذا التوسع مثل الألغام والذخائر غير المنفجرة.
فبحسب الإعلام العبري، خصصت حكومة الاحتلال 150 مليون شيكل لإزالة حقول ألغام، بما يسمح باستخدام أراضٍ جديدة للزراعة والتجارة والصناعة والبناء الاستيطاني.
وفي 27 أبريل/نيسان 2026، أعلنت سلطة إزالة الألغام التابعة لوزارة جيش الاحتلال تفجير أكثر من 700 لغم قرب الحدود السورية، ضمن برنامج أوسع لتهيئة أراضٍ محتلة للاستخدام الاستيطاني والاقتصادي.
لا تقف الخطة عند كتسرين وحدها، فقد أظهرت أمثلة حديثة حجم الطلب الاستيطاني الذي تسعى “إسرائيل” إلى صناعته حول الجولان. فعندما عُرضت 24 قطعة أرض فيما تسمى “مرتفعات ترامب” بالمنطقة عام 2025، تقدمت نحو 400 عائلة إسرائيلية لشرائها.

كما أبدى عدد مماثل اهتمامًا بـ33 قطعة في مستوطنة كيلا ألون، بينما تتحدث مستوطنة أوديم (كلاهما في شمال الجولان) عن خطة لزيادة عدد العائلات المستوطنة من 20 إلى 60 خلال السنوات المقبلة.
بهذا المعنى، يجري الحديث عن دفع كتلة استيطانية إسرائيلية جديدة إلى الجولان، مع تحويل الأرض التي كانت مغلقة أو مزروعة بالألغام أو محدودة الاستخدام إلى احتياطي استيطاني واقتصادي.
الطرق والبنية التحتية
الأداة الثانية هي البنية التحتية، فالمستوطنات لا تثبت بمجرد إقامة وحدات استيطانية، بل تحتاج إلى طرق، مياه، صرف صحي، نقل عام، كهرباء، ومبانٍ عامة.
لذلك تخصص الخطة مبالغ لتحسين النقل وشبكات المياه ومحطة حافلات مركزية في كتسرين، بما يجعلها أكثر قدرة على العمل كـ”مدينة” لا كمستوطنة طرفية.
ولم يقف الأمر عند خطة أبريل/نيسان وحدها، ففي يونيو/حزيران 2025، أُقرت مشاريع طاقة شمسية كبرى في جنوب الجولان بقدرة تتجاوز 250 ميغاواط، ما يضيف إلى البناء الاستيطاني طبقة إنتاج طاقي تربط الأرض المحتلة بشبكة المصالح الإسرائيلية.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، أعلنت وزارة جيش الاحتلال مشروع حاجز حدودي شرقي بكلفة تقارب 1.7 مليار دولار ويمتد من منطقة الجولان شمالًا باتجاه البحر الأحمر، في مثال آخر على تحويل الأمن إلى بنية حدودية واستيطانية أوسع.
الخدمات العامة
تمثل الخدمات العامة ركيزة لبقاء المستوطنين وجذب عائلات جديدة، ولذلك ترصد الخطة الحكومية نحو 150 مليون شيكل لتعزيز التعليم والصحة، إلى جانب مخصصات أخرى للمنح التطويرية للسلطات المحلية.
كما تشمل نحو 110 ملايين شيكل لتوسيع النشاط الأكاديمي في كتسرين، بما يمهد لإنشاء فرع لـ”جامعة كريات شمونة” في الجولان، مع مركز طبي بيطري ومركز “أغريتك” لتطبيقات الزراعة المتقدمة.
ويتكامل ذلك مع قرار مجلس التعليم العالي في يناير/كانون الثاني 2026 تحويل كلية تل حاي إلى جامعة كريات شمونة في الجليل، باستثمار قدره 570 مليون شيكل خلال خمس سنوات، مع إنشاء كلية هندسة ومدرسة طب بيطري، إضافة إلى مدرسة ومستشفى بيطري في كتسرين.

بهذا لا يجري بناء خدمات تعليمية محايدة، بل توظيف الأكاديميا لتوسيع البيئة الاستيطانية وجذب طلاب وباحثين وعائلات إلى الشمال والجولان.
وتدخل البيئة أيضًا في هذا المسار، ففي اليوم نفسه الذي أقرت فيه الخطة، أعلنت وزارة حماية البيئة الإسرائيلية استثمارًا يصل إلى 29.3 مليون شيكل في الجولان وكتسرين بين 2026 و2030، ضمن برامج لإدارة النفايات وإزالة مخلفات خطرة وتحسين البيئة الاستيطانية.
الاقتصاد والسياحة
الأداة الرابعة هي الاقتصاد والسياحة، فالخطة تخصص أكثر من 200 مليون شيكل للتنمية الاقتصادية، بما يشمل الصناعة والزراعة والسياحة، مع مشاريع مثل تطوير موقع كورسي السياحي، وإنشاء “بارك 890” في كتسرين، ودعم الابتكار والبحث الزراعي.
تسعى “إسرائيل” هنا إلى جعل بقاء المستوطنين في الجولان مرتبطًا بالمصلحة اليومية: عمل، استثمار، أرض زراعية، مشروع سياحي، مصنع، مزرعة، أو مبادرة تقنية.
وتحدث مسؤولون محليون لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، عن مبادرات في الزراعة والسياحة الزراعية والذكاء الاصطناعي والبحث والتطوير، في محاولة لتقديم الجولان كمنطقة فرص للمستوطنين.
ويعد الاقتصاد أداة ربط، فكل مشروع سياحي أو زراعي أو صناعي يضيف طبقة جديدة من المصالح الإسرائيلية فوق الأرض، ويجعل تفكيك الاحتلال أكثر كلفة سياسيًا واقتصاديًا.
تسويق الأمن
الأداة الخامسة هي الأمن، إذ لا تقدم “إسرائيل” الجولان كمجال استيطاني فقط، بل كـ”خط دفاع” في الشمال. ففي تصريحات مرافقة للخطة، ربط مسؤولون إسرائيليون بين الدفع بالمستوطنين إلى الجولان وبين تعزيز الموقع العسكري.
واعتبر رئيس مجلس الجولان الإقليمي أن تقوية البناء الاستيطاني وتوسيع مستوطنة كتسرين يخدم موقع المنطقة كـ”خط دفاع شمالي”.

لكن هذا الخطاب لا يبقى عسكريًا فقط، ويتحول إلى مبرر لتوسع استيطاني دائم. فبدل أن تكون الجبهة سببًا لتقييد البناء الاستيطاني، تصبح سببًا لتوسيعه عبر جلب المزيد من المستوطنين وتحسين الطرق والخدمات والاقتصاد.
وفي تقرير “تايمز أوف إسرائيل”، عبّر مسؤول محلي عن ذلك بوضوح حين قال إن جلب مزيد من المستوطنين يشكل “مرساة حماية ربما أكثر من الدبابات والطائرات”.
لماذا الآن؟
تأتي خطة 2026 في لحظة تجمع بين ثلاثة عوامل: الجبهة الشمالية، الوضع السوري، والغطاء الأمريكي السابق.
فعلى الجبهة الشمالية، تتحدث الصحافة الإسرائيلية عن سنوات من التوتر والهجمات والأضرار في الجولان والشمال وخاصة في ظل المواجهة المستمرة مع حزب الله اللبناني، وهو ما تستغله حكومة نتنياهو لتقديم المنطقة كجبهة تحتاج إلى بنية استيطانية لا وجود عسكري فقط.
أما سوريًا، فقد مثّل سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 لحظة استغلتها “إسرائيل” لتعزيز حضورها العسكري قرب المنطقة العازلة وداخل المجال السوري المتصل بالجولان، مع تصعيد خطابها بشأن الأمن والحدود.
ومنح هذا الوضع مشروع التوسع الاستيطاني خلفية أمنية جاهزة: طالما أن سوريا ضعيفة ومضطربة، تطرح “إسرائيل” تثبيت احتلال الجولان كضرورة لا كخيار استيطاني فقط.
سياسيًا، تستند “تل أبيب” أيضًا إلى اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايته الأولى عام 2019 بضم الجولان إلى “إسرائيل”، رغم أن هذا الأمر بقي خارج الإجماع الدولي، ولم يلغِ وضعها كأرض سورية محتلة.
ولم يتغير الموقف الدولي الأساسي، فقرار مجلس الأمن 497 لعام 1981 اعتبر فرض “إسرائيل” قوانينها وإدارتها على الجولان السوري المحتل “باطلًا ولاغيًا ودون أثر قانوني”، وطالبها بالتراجع عنه.
وبعد خطة أبريل/نيسان 2026، قالت الأمم المتحدة إن توسيع المستوطنات في الجولان السوري المحتل “يجب أن يتوقف”، بينما وصفت هيومن رايتس ووتش الخطة بأنها ضخّ أموال عامة في نقل مستوطنين إسرائيليين إلى أرض سورية محتلة، معتبرة ذلك إعلان نية لارتكاب جرائم حرب.